د. جلال أمين

د. جلال أمين
أستاذ الإقتصاد بالجامعة الأمريكية والمفكر المصرى الكبير
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 30 ديسمبر 2011

يا لها من فوضى خلاّقة

الشروق - الجمعة 30 ديسمبر 2011

منذ سبع أو ثماني سنوات، عقب الهجوم الأمريكى على العراق، صدر عن كونداليزا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، تصريح مدهش جاء فيه أن من المرغوب فيه أن تحدث فى منطقة الشرق الأوسط «فوضى خلاّقة».

شعرت حينئذ بأهمية هذا التصريح رغم أنى لم أفهم المقصود منه بالضبط. إذ كيف تكون الفوضى خلاّقة؟ وهل يتطلب كونها خلاّقة أن يكون هناك تخطيط سابق لها؟ وإذا كانت فعلا خلاّقة، فهل هى كذلك فى نظر الجميع، أى بمن فيهم شعوب المنطقة نفسها، أم هى خلاّقة فقط فى نظر الولايات المتحدة؟ أم فى نظر الولايات المتحدة وإسرائيل؟

ظل هذا التعبير «الفوضى الخلاّقة» يعود إلى ذهنى بين الحين والآخر، وعلى فترات متباعدة، حتى جاء يوم الجمعة 28 يناير، عندما ظهر بوضوح أن من الممكن جدا أن تتحول انتفاضة يوم 25 يناير إلى ثورة حقيقية. ولكن انتهى اليوم فإذا بنا نسمع فى الليل أصوات إطلاق الرصاص، ونحن فى حىّ بعيد جدا عن أماكن المظاهرات، دون أن نعرف من أين يأتى الرصاص، ومن الذى يطلقه، مع تناقل الناس أقوالا عن هروب بعض المسجونين من سجن طرة القريب من منزلنا، واستيلائهم على بعض أسلحة السجن، ومهاجمتم بعض المحال التجارية ونهبها. بل وسمعنا أن بعض جنود الشرطة قاموا بأعمال مماثلة، كما سمعنا أنهم هم الذين يطلقون الرصاص بغرض ترويع الناس، وإجبارهم على البقاء فى منازلهم، وعدم الانضمام للمتظاهرين.

كان كل هذا يستحق وصفه بأنه بداية لفوضى حقيقية، دون أن يبدو منها أى شىء خلاّق. ثم حدث بعد ذلك بخمسة أيام (2 فبراير) واقعة الجمل الشهيرة، حين هجمت أعداد كبيرة من سمّوا بالبلطجية، حاملين السيوف والعصىّ والشوم، على المتظاهرين فى ميدان التحرير، وهم يركبون الجمال والخيول، فأشبعوا المتظاهرين ضربا وقتلوا كثيرين منهم، دون تدخل من قوات الأمن، التى كانت غائبة تماما، أو من قوات الجيش أو الشرطة العسكرية التى كانت تحيط بالميدان، ودون أن يفهم أحد بالضبط سبب غياب أولئك أو اتخاذ هؤلاء هذا الموقف السلبى البحت.

تأكد وقوع الفوضى إذن، ثم تتابعت أحداث الفوضى، الواحد بعد الآخر، دون أن يكون لأى منها تفسير معقول، مما جعلنى أسأل نفسى عما إذا كان هناك مخطط شيطانى وراء تتابع أحداث الفوضى على هذا النحو، مما قد يجعل لها هدفا نهائيا لا ندركه بعد، وأن تحقيق هذا الهدف هو المقصود بوصف الفوضى «الخلاّقة».

ذلك أنه سرعان ما حدثت أحداث غير متوقعة وغير مفهومة، من اعتداءات متكررة على كنائس، ومن ثم اشتباكات بين مسلمين وأقباط، دون أن تقوم قوات الشرطة بواجبها لمنع تفاقمها، بل ومع تراخٍ ملحوظ فى القبض على المشتركين فيها أو المحرضين عليها. قيل وقتها إن رجال الشرطة «غاضبون»، بسبب ما تعرضوا له من اعتداءات من المتظاهرين، أو أنهم «خائفون» من اعتداء المتظاهرين عليهم لو تدخلوا بفضّ الاشتباكات. فهل هذا معقول؟ وهل فقدت الحكومة السيطرة تماما على جهاز الأمن؟ فإذا افترضنا أن الحكومة تتعمد إشاعة الفوضى حتى يكفّ المتظاهرون عن التظاهر ضد نظام مبارك، فلماذا استمر هذا التهاون فى فوضى النظام وحكم القانون حتى بعد سقوط رئيس الجمهورية فى 11 فبراير، ومجىء حكومة جديدة زعمت أنها تتعاطف مع الثوار؟

اكتشفنا شيئا فشيئا أن الحكومة الجديدة (حكومة أحمد شفيق) حكومة ثورية وغير ثورية فى الوقت نفسه، إذ بدلا من إحداث تغييرات مهمة فى جهازى الأمن والإعلام، ظل المسئولون الكبار فى الجهازين دون تغيير، ومن ثم لم يكن من الواضح تماما للثوار ما إذا كان الممسكون الجدد بالسلطة ومصدرو القرارات العليا، يفعلون اللازم للقضاء على الفوضى.

حتى جاء استفتاء مارس على تعديل بعض مواد الدستور، فذهب الناس فرحين، وبأعداد غير مسبوقة، إلى صناديق الاستفتاء، فإذا بهم يصدمون من جديد إذ رأوا أن القوى السلفية يترك لها الحبل على الغارب فى التأثير على المشتركين فى الاستفتاء، بالادعاء بكل جرأة بأن كل من يصوّت بـ«لا» على الاستفتاء، إنما هو كافر أو شىء قريب منه، وأن المؤمن الحق هو الذى يقول «نعم». لم تتدخل السلطة بعمل اللازم لمنع هذا السخف. وفى غضون ذلك قامت أعداد من الناس الذين سمّوا بالبلطجية، بإحراق بعض مبانى أجهزة الأمن وما فيها من أوراق وملفات دون أن يتدخل الممسكون بالسلطة للحيلولة دون ذلك إلا بعد قوات الأوان.

ثم انهمرت أعمال الفوضى بعد ذلك بلا حساب، من مظاهرات للمطالبة بحقوق فئة بعد أخرى من الموظفين أو العمال، إلى مظاهرات احتجاج على تعيين محافظ قبطى، إلى قطع الطرق والسكك الحديدية، إلى تكرّر أعمال النهب والخطف، إلى أحداث ماسبيرو التى نسبت أيضا إلى بلطجية، إلى أحداث الاعتداء على معتصمى ميدان التحرير من المطالبين بحقوق أهالى الشهداء، إلى الاعتداء على المتظاهرين فى شارع محمد محمود بدعوى اقترابهم من مبنى وزارة الداخلية، إلى ضرب المعتصمين أمام مجلس الوزراء بالرصاص...إلخ.

كل هذا يتضمن أمثلة كثيرة لحالة من الفوضى التى لاشك فيها، ولكن من أين بالضبط يأتى وصفها بأنها «خلاّقة»؟ فمن وجهة نظر المصلحة الوطنية تبدو الفوضى وكأنها النقيض التام لما نتمناه للوطن: الاقتصاد يتعثر والأسعار ترتفع، والناس يتشاجرون (وأحيانا يتقاتلون) للحصول على أنبوبة بوتاجاز، والسياحة شبه متوقفة، والأمن مفقود فى الشارع، والأقباط خائفون ويفكرون فى الهجرة، والنساء المحجبات يخشين أن يفرض عليهن النقاب، والسافرات يخشين أن يفرض عليهن الحجاب...إلخ. فما هو بالضبط الشىء الخلاّق فى كل هذا؟

كثيرون يعلقون آمالهم على الديمقراطية، ويجدون فيها التبرير الحقيقى لما حدث من فوضى. «لا بأس من بعض الفوضى»، هكذا يقولون، «فى سبيل أن يحصل الشعب فى النهاية على حريته، ويقول كلمته، ويختار ممثليه المعبرين عن رغباته الحقيقية. وقد اختارت الأغلبية التيار الإسلامى، فدعه يحكم إذن، ومتى تسلم الحكم فسوف ترى أن الفوضى قد انتهت».

لا ينكر أحد أن بعض الفوضى قد شابت عملية الانتخاب نفسها، فسُمح باتباع بعض الأساليب غير المشروعة للتأثير فى الناخبين، كقيام بعض أنصار التيار الإسلامى بالدعاية لمرشحين على أبواب اللجان الانتخابية، رغم أن القانون يمنع ذلك، بل وداخل اللجان نفسها، ورفعوا شعارات دينية كان المفروض ألا تقحم على العملية الانتخابية، وجرى تسامح مريب مع هذا أيضا. ولكن قد يقال ان علينا أن نضرب الصفح عن هذا، إذ إن الأرجح أن النتيجة لابد أن تكون لصالح التيار الإسلامى حتى دون اتباع هذه الأساليب.

الشىء المقلق حقا هو أنه بمجرد أن أعلنت نتائج الجولة الأولى للانتخابات بانتصار كاسح للتيار الإسلامى، سمعنا أن مسئولا أمريكيا كبيرا، قد جاء على الفور إلى القاهرة، وزار بعض قيادات هذا التيار فى مقر حزبهم، فأجرى معهم بعض المحادثات التى لم يخبرنا أحد بفحواها بالضبط، رغم أهميتها بالضرورة، ورغم تعارض هذا الكتمان مع قواعد الديمقراطية والشفافية. الذى يستدعى النظر أيضا أن هذه الزيارة غير المتوقعة بالمرة، تأتى من نفس الدولة التى استخدمت منذ بضع سنوات تلك العبارة الغامضة عن «الفوضى الخلاّقة». من حق المرء إذن أن يربط بين هذه الزيارة المفاجئة وبين تلك العبارة غير المفهومة، وأن يثور بذهنه السؤال: «هل كان هذا إذن هو المقصود (بالفوضى الخلاقة)؟ وهل كانت الفوضى (خلاّقة) بمعنى أن تسير الأمور بعد انتهاء الفوضى بما يتفق بالضبط مع رغبات هذه الدولة بالذات؟».

الجمعة، 23 ديسمبر 2011

أحفاد أحفاد خوفـو

الشروق - الجمعة 23 ديسمبر 2011


لا أكاد أصدق أنه مر ما يقرب من أربعين عاما على قراءتى لهذه القصة القصيرة الرائعة، التى نشرت فى صفحة كاملة بجريدة الأهرام فى أوائل السبعينيات.

الذى ذكرنى بها من جديد وفاة كابتها الموهوب أحمد بهجت، منذ أيام قليلة، الذى ظل اسمه مرتبطا فى ذهنى، طوال هذه السنوات، بهذه القصة الأثيرة (أحفاد خوفو)، التى لم أحتفظ للأسف بنسخة منها، ولكنى مازلت أتذكر كثيرا من تفاصيلها بسبب كثرة المرات التى تكلمت فيها عنها، وأعدت حكايتها فى مناسبة بعد أخرى.

القصة تتلخص فى الآتى: أسرة مصرية صغيرة تنتمى إلى شريحة متوسطة من شرائح الطبقة الوسطى، تسكن بالقرب من ميدان الجيزة، وتقرر قضاء يوم الجمعة فى فسحة بالهرم. تناقش الزوجان فى مساء الخميس حول ما سوف يأخذونه معهم من طعام. لا أذكر بالضبط التفاصيل المتعلقة بالأصناف التى تناقشا بشأنها، ولكنها تضمنت أصابع المحشى، وسندوتشات التونة، والبيض المسلوق وأشياء أخرى كثيرة.

يسير الزوجان ومعهما ابن وبنت لا أذكر عمريهما بالضبط، ومعهم أيضا خادمة فى نحو العشرين من عمرها، حملت على رأسها سلة كبيرة تحتوى أصناف الطعام التى أعدتها ربة البيت فى المساء، ورتبتها بعناية فى الصباح، كما أضافت إليها الفاكهة وبضع زجاجات من البيبسى كولا أو شراب مماثل، إذ كانت كلما فكرت فى إضافة نوع من المأكولات أو المشروبات، وترددت فى ذلك، قررت فى النهاية أن تضيفه من باب الاحتياط.

سارت العائلة يتقدمها الزوج ببضع خطوات، ووراءه الزوجة والأولاد بخطوات بطيئة، بسبب ثقل وزن الزوجة، وراءهم الخادمة بخطوات أكثر بطئا بسبب ثقل ما تحمله من طعام.

صعد الجميع إلى الأتوبيس المتجه إلى الهرم، فوجدوا أماكن لجلوسهم جميعا إلا الخادمة. وكان من الممكن أن يستبشر الجميع بأنهم سوف يقضون فسحة سعيدة لولا أن لاحظ رب الأسرة شيئا فظيعا، فقد رأى شابا من الركاب يعاون الخادمة فى إنزال السلة من الأتوبيس ووضعها على الرصيف، واعتقد رب الأسرة اعتقادا جازما أن أيديهما قد تلامست، وأنهما تبادلا الابتسام. فما كان منه إلا أن استشاط غضبا وصب ألفاظا مهينة كثيرة على الخادمة، واصفا إياها بالخلاعة وقلة الأدب، حتى شرعت الخادمة فى البكاء.

استعاد الجميع هدوءهم بالتدريج ونسوا هذه الواقعة، بل واتسمت على وجوههم الابتسامات عندما رأوا هرم خوفو العظيم وعاد إليهم استبشارهم بفسحة جميلة. بدأ سيرهم البطىء نحو الهرم، ثم تباطأت خطواتهم أكثر عندما بلغوا بداية المنحدر الذى كان عليهم صعوده بأحمالهم الثقيلة. فلما بلغوا منتصف المنحدر رأوا شجرة لها مساحة من الظل لا بأس بها، فخطر لرب الأسرة أن يقفوا تحتها قليلا حتى يستعيد أنفاسه، ورحبت الزوجة بذلك، ووضعت الخادمة السلة على الأرض. ثم اقترح الرجل أن يفرشوا الحصيرة التى أحضروها معهم ليجلسوا عليها أثناء هذه الاستراحة القصيرة. جلس الجميع ثم خطر للرجل فكرة جهنمية هى أنه لا بأس بالمرة من أن يبدأوا الأكل من الآن، فلم يعترض أحد، وبدأت الزوجة ترص أصناف الطعام على الحصيرة ثم أقبل الجميع على الأكل فى شهية كبيرة.

كان من المحتم أن يشعر الزوج بالنعاس بعد الأكل، فإذا به يستسلم لإغفاءة قصيرة. فلما استقيط نظر إلى هرم خوفو بحماس أقل كثيرا مما استقبله به عندما رآه فى البداية. وتفوه بجملة فاجأت الجميع ولكنهم لم يشعروا بأى رغبة فى الاعتراض عليها. قال الرجل: ها هم قد رأوا الهرم، واستنشقوا بعض الهواء، فما الداعى لمزيد من الصعود المرهق إلى سفح الهرم؟

بذلك أعلن الرجل انتهاء الفسحة، فعادت الأسرة أدراجها إلى البيت.

لا أذكر الآن من القصة أكثر من ذلك، ولكنى فهمت تماما ما قصده أحمد بهجت من اختيار هذا العنوان البديع لها: «أحفاد خوفو».

***

مر كما قلت ما يقرب من أربعين عاما على نشر هذه القصة، تشمل معظم سنوات حكم السادات، وكل سنوات حكم حسنى مبارك، ثم قامت ثورة 25 يناير، وها قد كاد ينقضى عام كامل على قيامها. فلما سمعت بخبر وفاة أحمد بهجت، شعرت بالأسف لفقده، لما قدمه الرجل من خدمة جليلة من خلال كتاباته، وكان لابد أن أتذكر قصة «أحفاد خوفو». ولكن مر بذهنى هذا الخاطر السار: كم تغير المصريون خلال هذه العقود الأربعة، فى اتجاه معاكس لما وصفه أحمد بهجت فى قصته، وقد قدم شباب ثورة 25 يناير، الدليل القاطع على أنهم أكثر حرارة بكثير من جيلى (وهو نفس جيل أحمد بهجت) بأن يكونوا «أحفاد خوفو». بل أكاد أجزم أنه كان من المستحيل أن يخطر ببال أحمد بهجت أن يكتب قصة كهذه، بالمغزى الذى تحتويه، قبيل وفاته بقليل.

كان أحمد بهجت فى قصته يسخر بالطبع مما آل إليه أحفاد خوفو من ضعف الهمة، وحب الراحة، ولا مبالاة بأى شىء، وترتيب سقيم للأولويات. وكان يقول لنا إن المصريين الذين بنوا الأهرام لا يمكن أن يكونوا بهذه الصفات وإلا ما كان بقدرتهم أن يبنوا الأهرام أو أى شىء آخر، ولكن ها نحن نرى اليوم شبابا رائعا، يقيمون أسبوعا بعد أسبوع فى البرد القارس، بين رصيف مجلس الوزراء ورصيف مجلس الشعب، يرتدون أبسط الثياب، ولا يفكرون فى الأكل والشراب، ويواصلون اعتصامهم حتى بعد أن يصلهم طعام كاد يودى بحياة كثير منهم، ويعامل بعضهم البعض ذكورا وإناثا، بمنتهى التحضر، يدفهم إلى كل ذلك أمل واحد، هو أن يصبح مستقبل مصر ومستقبل أولادهم وأحفادهم أفضل بكثير مما شهدوه حتى الآن. هؤلاء إذن هم أحفاد أحفاد خوفو، فما أشد فرحنا وفخرنا بهم، مهما اختلط هذا الفرح والفخر بالدموع حزنا على من ضحى بحياتهم منهم مدفوعين بهذا الأمل.

الجمعة، 16 ديسمبر 2011

دليل الرجل الذكى إلى فن اصطياد سمكة كبيرة بسمكة صغيرة

الشروق - الجمعة 16 ديسمبر 2011

من خمسمائة عام (فى سنة 1513)، ظهر فى إيطاليا كتاب خطير، ظل يثير الجدل لمئات السنين بعد ظهوره، وأصبح اسم مؤلفه، بسبب هذا الكتاب، معروفا للجميع (سواء قرأوا الكتاب أو لم يقرأوه)، وظل اسمه يتخذ رمزا لرذيلة ممقوتة فى ممارسة السياسة وفى الحياة اليومية على السواء.

الكتاب اسمه «الأمير»، والمؤلف اسمه «ماكيافيللى». وسبب الشهرة أنه شرح بأسلوب واضح وفصيح كيف أن النجاح فى السياسة يتطلب الخروج على قواعد الأخلاق، وأن السياسى (أو الأمير) الناجح لابد له من اتباع وسائل غير أخلاقية فى معاملته لشعبه، فإن لم يفعل فإن نصيبه الفشل الذريع وربما دفع حياته ثمنا لذلك.

أثبت ماكيافيللى بهذا الكتاب «سواء أعجبتك نصائحه أو لم تعجبك» أنه كان مراقبا جيدا جدا للنفس البشرية، وفاهما لأوجه ضعفها التى تجعلها فريسة سهلة لمن يعرف أوجه الضعف هذه ويريد استغلالها لصالحه.

بعد كتاب ماكيافيللى بثلاثة قرون (أى فى مطلع القرن التاسع عشر) استولى رجل بالغ الذكاء على حكم مصر، ولم يتورع عن ارتكاب أعمال منافية لأبسط قواعد الأخلاق، من أجل ترسيخ حكمه لمصر، وكانت نتيجة ذلك أنه استمر هو وأولاده وأحفاده يحكمون مصر لمدة تقرب من قرن ونصف القرن. وقد ذكر له أحد مساعديه مرة أن هناك كتابا مهما يحسن أن يقرأه، وهو كتاب ماكيافيللى، فأمره محمد على بترجمته وبأن يقرأ عليه فى كل يوم فصلا من فصوله، ولكن لم تنقض أيام قليلة حتى أمره محمد على بالكف عن الترجمة والقراءة، فهو (أى محمد على)، ليس فى حاجة لمثل هذا الكتاب، إذ إنه يعرف من وسائل الخدع والحيل التى تمكنه من الاستمرار فى الحكم أكثر بكثير مما كان يعرف ماكيافيللى.

كان ماكيافيللى يكتب منذ خمسمائة عام، فلم تتح له تجارب خمسة قرون، لابد أنها حفلت بالكثير من الدروس التى كان من الممكن أن تضيف الكثير من الحيل والألاعيب إلى كتابه. ومحمد على كان يكتب منذ قرنين، فلم تتح له هو الآخر معرفة وسائل الحكم الحديثة، ولا شهد تطورات تكنولوجية جبارة كان يمكن أن يحقق منها فوائد كبيرة فى خداع شعبه، لم يكن الراديو قد اخترع بعد، ولا الصورة الفوتوغرافية ولا التليفزيون بل حتى الصحف كانت شيئا نادرا، وتوزيعها محدودا للغاية، وتكاد تقتصر على نشر الوقائع الرسمية، ومن ثم كان هذا هو اسم الجريدة الوحيدة التى كانت تصدر فى عهده.

لم يشهد محمد على ما فعله جمال عبدالناصر بالصحف والإذاعة (وعلى الأخص إذاعة صوت العرب) وكيف استفاد من أغانى المطربين لتدعيم ثورته، ثم من التليفزيون الأبيض والأسود فى السنوات العشر الأخيرة من حياته، ولا ما فعله أنور السادات وحسنى مبارك بعد ذلك، خاصة بعد أن دخل التليفزيون الملون كل بيت تقريبا من بيوت المصريين. من المؤكد أن عبدالناصر والسادات ومبارك كان لديهم من النصائح التى كان من الممكن أن يوجهوها لمحمد على لإحكام قبضته على شعبه، ولتضليله عند اللزوم، مما لم تكن له أو لماكيافيللى إحاطة به.

وقد يظن البعض أن الأمر قد انتهى بقيام ثورة 25 يناير 2011، ولكن الحقيقة أن عشرة أشهر فقط كانت كافية لأن تكشف عن أوجه ضعف أخرى فى النفس البشرية، ربما لم تكن واضحة تماما فى ذهن ماكيافيللى أو محمد على، ولكنها ذات فائدة مؤكدة لأى حاكم حصيف.

وقد حاولت أن أستعيد فى ذهنى ما ظهر فى مصر خلال الشهور العشرة التالية لثورة يناير، من أوجه الضعف الإنسانى، التى استغلها الممسكون بالسلطة من أجل تقليم أظافر الثورة، فتوصلت إلى خمسة أوجه للضعف الإنسانى، يمكن الإفادة منها على النحو التالى:

أولا ــ اتق شر من أحسن إليك:
هناك حكمة شائعة ومعروفة تقول: «اتق شر من أحسنت إليه»، ولكن قد يكون الأقرب إلى الصواب أن عليك الحذر من شر من أحسن إليك. ذلك أنه إذا قدم شخص لك خدمة، ولو بسيطة، يمكن أن يستخدمها فيما بعد لكى يحصل منك على خدمات تفوق قيمتها أضعاف ما قدمه إليك. فإذا بدرت منك أى بادرة احتجاج، سارع بتذكيرك بالخدمة التى سبق أن قدمها إليك. مثال ذلك أن امتناع جنود الجيش أو الشرطة العسكرية عن ضرب الثوار فى ميدان التحرير، يمكن أن يستخدم المرة بعد الأخرى لتبرير قيامهم بضرب الثوار بعد ذلك.

ثانيا ــ كيف تصيد سمكة كبيرة بسمكة صغيرة:
إذا طالبك شخص بشىء ليس لديك أى رغبة فى إعطائه له، فلا ترفض طلبه، بل تظاهر باستعدادك للاستجابة له، واكسب ثقته بإعطائه جزءا صغيرا مما يطلب، ثم استمر فى تأجيل تسليم الباقى، شهرا بعد شهر، وأثناء ذلك حاول بطريقة أو بأخرى استرداد ما دفعته له من قبل.

مثال ذلك، إذا طالب الناس بدستور جديد، أخبرهم بأنك ستقوم مؤقتا بتعديل بعض المواد على أن يوضع دستور جديد بعد انتخاب برلمان جديد. سيفرح الناس بشدة بتعديل بعض مواد الدستور، وسيتسابقون إلى صناديق الاستفتاء على هذا التعديل، ثم اشغلهم لعدة شهور فى حوارات حول الشكل الذى يمكن أن يكون عليه الدستور الجديد، وحول طريقة تشكيل اللجنة التى ستقوم بوضع المعايير التى سيتم على أساسها تشكيل اللجنة التى ستقوم بوضع الدستور ثم اشغلهم بعد ذلك بالمناقشة حول وثيقة تتناول شكل الدولة التى سوف ينص عليها الدستور الجديد.. إلخ.

والأرجح أنه خلال هذه الفترة سوف ينسى الناس ما هو المهم وما هو غير المهم من البنود التى يمكن أن يتضمنها الدستور، فإذا وضع الدستور فى النهاية، بشكل أو آخر، فالأرجح أنه لن يختلف فى أى شىء مهم عن الدستور الذى كان مطلوبا إلغاؤه، وسوف يتم على أى حال العبث به والخروج عليه بنفس الوسائل التى استخدمت فى العبث والخروج على كل الدساتير السابقة.

ثالثا ــ آفة حارتنا النسيان:
لا تنس الحكمة البليغة التى قالها نجيب محفوظ فى إحدى رواياته: «آفة حارتنا النسيان»، وحاول بقد الإمكان استخدامها لصالحك. خذ مثلا مطالبة الشعب باسترداد الأموال التى استولى عليها رجال العهد السابق بغير وجه حق. ابدأ بالتعبير عن ضرورة هذا الاسترداد، وحق الشعب الذى لا يمكن الشك فيه فى استعادة ما نهب من أمواله. وانشر التقديرات المختلفة لحجم هذه الأموال المنهوبة، وأعلن أيضا أن الاتصال جار بسفاراتنا فى الخارج لكى تتصل بحكومات الدول الأجنبية لإخبارهم بعزمنا على استرداد هذه الأموال. بل ولا بأس من القبض على بعض صغار المسئولين الذين عرف عنهم بعض الأخطاء الصغيرة فى سبيل الاستيلاء على أموال الدولة أو أراضيها بغير وجه حق.

سوف تمر بضعة أسابيع فى مثل هذا، يمكن خلالها السماح بسفر كثيرين من المطلوب مصادرة أموالهم، وبتحويل أموالهم إلى أماكن آمنة، وبعد أن يتم ذلك يمكن الاعتماد على نسيان الناس لما قيل لهم فى البداية عن حجم الأموال المهربة، وقد ينشغلون بدلا من ذلك بالنقاش حول طريقة الإشراف على تصويت المصريين فى سفاراتنا بالخارج لضمان تمثيلهم تمثيلا صحيحا فى الانتخابات، حتى ينُسى تماما موضوع استعادة الأموال المهربة.

يمكن أيضا الاعتماد على نفس القاعدة (آفة حارتنا النسيان) لضمان اشتراك فلول العهد السابق فى الانتخابات الجديدة، رغم المطالبات المتعددة باستبعادهم فى الأيام الأولى للثورة، والوعد باتخاذ الإجراءات اللازمة لهذا الاستبعاد، مع تأجيل اتخاذها أسبوعا بعد أسبوع حتى يتم نسيان الأمر. ويمكن الاستفادة من هذه القاعدة أيضا فى موضوع محاكمة الرئيس المخلوع ورجاله.

رابعا ــ سك كلمات لا وجود لما يقابلها فى الواقع:
هناك بعض الكلمات أو المصطلحات التى لا يوجد مقابل لها فى الواقع، كالعفريت مثلا، ولكن تكرار استخدامها يجعل الناس يعتقدون أن لها وجودا حقيقيا، ومن ثم يمكن استخدامها لتفسير ظواهر مريبة ليس من المصلحة الكشف عن مدبريها الحقيقيين. من هذه الكلمات كلمة «الإرهابى» مثلا، التى شاع استخدامها بشدة فى العشرين سنة الأخيرة، وهى كلمة اخترعتها جهات لها مصلحة مؤكدة فى وقوع الأحداث «الإرهابية»، مع أنها دائمة الشكوى منها.

من ذلك أيضا اصطلاح «البلطجى»، الذى يقوم بأداء خدمات مفيدة جدا لأصحاب السلطة، بينما هم دائمو الشكوى منه، ويتظاهرون بأنهم يحاولون تعقبه والقبض عليه. فهنا أيضا، كل ما تحتاج إليه هو تكرار استخدام الكلمة لتبرير مختلف أنواع الاعتداء والتخريب، سواء ضد الأقباط، أو ضد ثوار ميدان التحرير، أو ضد الشرطة العسكرية.. إلخ. ومتى تكرر استخدام الكلمة بدرجة كافية، شاع الاعتقاد بوجود «البلطجية» بالفعل.

خامسا وأخيرا ــ يوجد ثلاثة أنواع من البشر:
يمكن تقسيم الناس إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول يتكون من أصحاب المبادىء المتمسكين بها، فيرفضون أى إغراء بالمال أو بالمنصب الرفيع للتخلى عنها. ونوع ثان هو العكس بالضبط، أشخاص لا مبادىء لهم على الإطلاق، وينحصر أملهم فى الحصول على المزيد من المال أو السلطة أو الاثنين معا، ومن ثم هم مستعدون لأن يقولوا شيئا اليوم وعكسه غدا، وأن يفعلوا كل ما يطلب منهم فى العهود المختلفة، رغم الاختلاف الشديد بين سياسة كل عهد عن العهود الأخرى، طالما أن ذلك يضمن لهم الاستمرار فى جمع المال أو القرب من السلطة.

النوع الأول يصلح لشغل المناصب المهمة فى السنوات الأولى للثورة، عندما يكون المطلوب اقتلاع نظام فاسد وترسيخ بعض المبادىء الجديدة، كما كان الحال، مثلا، فى السنوات الأولى التالية لثورة 1952 (تذكر مثلا أسماء فتحى رضوان وإسماعيل القبانى وعلى الجريتلى... إلخ) ولكن هذا النوع من الناس لا يصلح عندما تبدأ الثورة فى الانتكاس والتراجع، بل وتنقلب على نفسها، وتبدأ الأمور فى العودة إلى ما كانت عليه قبل الثورة. فى هذه الحالة يكون النوع الثانى من الناس (الذى لا يؤمن بأى مبادىء) مفيدا للغاية من وجهة نظر الحاكم. (كما كان الحال مثلا فى معظم سنوات السبعينيات ثم ابتداء من الثمانينيات وحتى قيام ثورة 25 يناير 2011).

ولكن هناك نوعا ثالثا من الناس يختلف حولهم الرأى فيما إذا كانوا من النوع الأول أو الثانى، إذ إن تاريخهم يشمل أعمالا يمكن اعتبارها من هذا الصنف أو ذاك. وقد يرجع ذلك إلى أنهم يحبون السلطة أو المال حبا جما، ولكنهم أيضا يحبون السمعة الطيبة، ومن ثم تجدهم فى حيرة تجعلهم يطبقون سياسات متعارضة، أو بالأحرى يسكتون على تطبيق سياسات متعارضة، ويحاولون محاولات يائسة لتبرير هذا التناقض لأنفسهم وللناس بلا جدوى.

هذا النوع من الناس مفيد جدا للحاكم فى فترات معينة، لا هى الفترات التى يجرى فيها تطبيق مبادىء الثورة ولا الفترات التالية لانتكاسها وبعد أن يستقر الحكم فى أيدى أصحاب الثورة المضادة. بل هم مفيدون على الأخص فى الفترات الانتقالية، بين هذه وتلك حين يكون المطلوب ليس تكريس مبادىء الثورة بل تصفيتها، وقبل أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل الثورة.

فى هذه الفترات الانتقالية، عليك إذن باستخدام هذا النوع الثالث من الناس، وهم موجودون للأسف بكثرة، وما عليك إلا أن تعرف جيدا كيف تميزهم عن النوعين الآخرين.

الجمعة، 9 ديسمبر 2011

من ثورة يناير.. إلى نكسة نوفمبر

الشروق - الجمعة 9 ديسمبر 2011 

بعد ستة أشهر من هزيمة مصر العسكرية فى 1967، دعيت لحضور مؤتمر كبير عقد فى هافانا، عاصمة كوبا، كان الغرض منه تعريف أكبر عدد من مثقفى العالم الثالث، الذين يمكن أن يتعاطفوا مع ثورة كاسترو، على ما أنجزته هذه الثورة خلال الأعوام التسعة الأولى من عمرها.

كان حزن المصريين لايزال عميقا لما حدث فى يونية 1967، وقد اعترتهم مشاعر مختلطة من فقدان الثقة بالنفس، إلى اليأس من أن تحقق بلادهم أى تقدم، إلى الندم عما علقوه على ثورة 1952 من آمال..الخ.

وكنت، مثل بقية المصريين الذين دعوا إلى هذا المؤتمر نشعر، بالإضافة إلى كل هذا، بنوع من الخجل إذ نضطر إلى مواجهة مثقفى العالم وبلادنا فى هذه الحال، وبعد أن ساءت سمعتنا بسبب هزيمة ساحقة بعد قتال لم يستغرق إلا أياما قليلة (بل وقد يقول البعض ساعات معدودة).

ثم فوجئنا عندما وجدنا أنفسنا وسط مثقفين جاءوا من مختلف أنحاء العالم، فإن هؤلاء المثقفين عندما يفكرون فى مصر، لا تحتل حرب 1967 إلا حيزا صغيرا جدا من تفكيرهم، ولا يتوقفون طويلا للتساؤل عن المسئول عن عجز النظام المصرى عن مواجهة الهجوم الإسرائيلى المدعوم بمساعدة وتأييد الولايات المتحدة، بل وجدناهم يعلقون أهمية أكبر بكثير على ما تمثله حركة الجيش المصرى فى 1952 من ثورة على نظام ملكى فاسد ولا يستغربون أن تواجه مثل هذه الثورة عقبة بعد أخرى، توضع لها من قوى خارجية أو داخلية. ناهيك بالطبع عما تمثله مصر فى نظرهم من أهمية بسبب تاريخها العريق ومساهمتها المتميزة فى الثقافة العربية. فوجئنا، نحن أعضاء الوفد المصرى، هذه المفاجأة السارة، وأدركنا خطأ الاستسلام لمشاعر ناتجة عن حادث، مهما كانت فداحته، فهو فى النهاية حادث عابر فى تاريخ مصر الطويل.

تذكرت تطور مشاعرى فى تلك الأيام، التى مر عليها ما يقرب من نصف قرن، بسبب ما يعانيه المصريون الآن من حزن وخيبة أمل بعدما أصاب ثورة 25 يناير 2011 من إحباطات متتالية، كان آخرها نكسة فظيعة فى نوفمبر من نفس العام، عندما فوجئ المصريون المعتصمون فى ميدان التحرير من أجل المطالبة باستعجال صرف التعويضات المستحقة لأهالى شهداء الثورة، فإذا بهم فى 19 نوفمبر والأيام التالية يتعرضون لضرب بالرصاص الحى والمطاطى والخرطوش، ويفقد كثير منهم حياتهم، وآخرون يفقدون بصرهم، عقابا لهم على المطالبة بما كانوا يعتبرونه حقا بديهيا وواضحا للغاية.

عندما حدث هذا، استيقظ المصريون فجأة على اكتشاف فظيع، كانوا يرفضون تصديقه رغم تكرار الدلائل على صدمة خلال الشهور العشرة السابقة، فكانت الصدمة قاسية، والشعور بالحزن والإحباط شديد الوطأة. هو اكتشاف أن الذين استلموا السلطة بعد الثورة لا يدينون بالمبادئ التى قامت الثورة من أجلها.

ثم ضاعف من أثر الصدمة وشدة الشعور بالإحباط، لدى أعداد كبيرة من المصريين (أنا واحد منهم)، ما أعلن عن نتيجة الانتخابات التى جرت بعد أسبوع واحد من أحداث القتل والترويع، من ذهاب غالبية الأصوات إلى أحزاب لا تثق هذه الأعداد الكبيرة من المصريين، لا بقدرتها على تحقيق النهضة المطلوبة، ولا على توسيع نطاق الحريات التى قامت ثورة 25 يناير من أجلها، بل وتحمل تهديدات حقيقية لمن يدينون بدين غير دين الأغلبية.

تذكرت مشاعرى فى أعقاب هزيمة 1967، ثم ما طرأ عليها من تغير بعد رحلتى إلى كوبا، فتأكدت لدى من جديد ضرورة الحذر من الاستسلام لتأثير أحداث قصيرة العمر، وضرورة النظر إليها فى إطارها التاريخى طويل المدى، فإذا بها تبدو أحداثا عارضة بمعنى الكلمة، وإذا بمشاعر الإحباط واليأس تحل محلها ثقة أكبر بالمستقبل.

***

فلنعد أولا إلى تذكر ما أسفرت عنه الأيام الأولى لثورة 25 يناير، من اكتشاف ما كان يجرى تحت سطح الحياة اليومية فى مصر من تطور رائع فى الجيل الجديد من المصريين، ذكورا وإناثا، هذا التطور الرائع لم يكن بسبب الثورة، بل كانت الثورة فقط سببا لاكتشافه. لقد ظهر فجأة أن الثلاثين أو الأربعين عاما السابقة على ثوة يناير 2011، رغم كل ما اقترنت به من فساد وأخطاء وعجز، لم تستطع منع حدوث تطورات إيجابية للغاية، كانت لابد أن تنشأ وتنمو بالرغم من كل ذلك الفساد والعجز وذلك الكم من الأخطاء. بل إنى استطيع الزعم بأن بعض هذه التطورات الإيجابية كانت نتيجة مباشرة أو غير مباشرة لبعض تلك الأخطاء. هل يمكن اعتبار هذا من قبيل «مكر التاريخ»؟، بمعنى أن التاريخ لا يسير فى خط مستقيم صاعد أو هابط، بل إن أحداث التاريخ تولد إمكانيات للنجاح والفشل فى نفس الوقت، وقد تنتج أشياء طيبة فى خضم أخبث فترات التاريخ وأكثرها فسادا.

ألم يكن التضخم الجامح نفسه، الذى أحدثته السياسات الاقتصادية الخاطئة التى اتخذت ابتداء من منتصف السبعينيات، وما خلقته من صعوبات أمام الأسرة المصرية التى وجدت أملها الحقيقى آخذا فى الانهيار بسبب التضخم، دافعا فى نفس الوقت لمضاعفة الجهد من كل فرد فى الأسرة، ذكورا وإناثا، من أجل مجرد البقاء على قيد الحياة؟

كذلك كان تطور التليفزيون المصرى، ذلك التطور الملعون ابتداء من تلك الفترة، عامل إفساد من وجوه كثيرة، وسببا من أسباب انتشار التفسيرات اللاعقلانية للدين. ولكن ألم يكن جهاز التليفزيون نفسه رغم كل ذلك (ثم الكمبيوتر والإنترنت) من عوامل التعرف على ما يجرى فى العالم، وشحذ الذكاء لدى جيل جديد من المصريين، استطاع بعضهم أن يجنى منه منافع رفعت بالكثيرين منهم إلى القيام بثورة 25 يناير؟

أو فلننظر إلى ما حدث فى ميدان التعليم. لقد أرى نظاما فاسدا، استمر نحو أربعين عاما، إلى تدهور شديد فى مستوى التعليم فى مصر فى مختلف مراحله. ولكن ألم يصاحب هذا توسع كمى فى التعليم كان لابد أن تحقق منه بعض النفع أعداد غفيرة من الشباب فى مختلف أقاليم مصر، وقد خرج كثيرون منهم للتظاهر ضد هذا النظام الفاسد، ونجحوا فى إسقاط رأسه فى 11 يناير؟

نعم، لابد أن تؤدى الأخطاء الجسيمة إلى نكسات خطيرة، ولكن هذا لا يعنى أن النكسة مهما كانت خطورتها لا يمكن النهوض بعدها، ومواصلة السير من جديد، بشرط أن ننجح فى اكتشاف الأسباب الحقيقية التى أدت بنا إلى النكسة.

***

هل هناك شبه بين الأسباب التى أدت إلى انتكاسة ثورة 23 يوليو 1952، وانتكاسة ثورة 25 يناير 2011، رغم ما بينهما من فوارق كبيرة كانت نتيجة ضرورية لمرور أكثر من نصف قرن بين الثورتين؟

لقد قام بثورة 1952 مجموعة من الضباط الشبان المملوئين حبا للوطن، فعبروا عن آمال الطبقات المغبونة فى مصر، فلاحين وعمالا وطبقة متوسطة صغيرة، ضد طبقة إقطاعية تتمتع بامتيازات دون وجه حق ولكن حدث أن تحول هؤلاء الضباط الشبان، مع مرور خمسة عشر عاما، إلى طبقة جديدة، ورثت امتيازات الاقطاعيين، فاستطعموا حلاوة السلطة والمال، وركنوا إلى الراحة، ولم يستعدوا بالدرجة اللازمة لمواجهة مطامع خارجية. بل إن هذه المطامع الخارجية لا يمكن أن تجد فرصة للنجاح إلا من خلال طبقة تستطعم حلاوة السلطة والمال فتركن إلى الراحة. وهكذا حدثت نكسة 1967.

فى 25 يناير 2011 قامت ثورة أخرى اشتركت فيها كافة الطبقات المغبونة فى مصر، تطالب بحقوقها فى مواجهة نظام ظالم وفاسد، فنجحت نجاحا باهرا فى إسقاط رأس هذا النظام، ولكن الثورة انتكست بعد شهور قليلة فأثارت كل هذا الحزن واليأس. فهل كان سبب الانتكاسة هنا أيضا، إن الذين تسلموا الحكم بعد نجاح الثورة، ينتمون بدورهم إلى طبقة كانت من قبل قد ذاقت حلاوة السلطة والمال فاستطعمتها، فركنت إلى الراحة، أم أن قوى خارجية استفظعت الثورة فعملت كل ما تستطيع عمله لوأدها فأصابتها بهذه النكسة؟ أم أن الحقيقة هنا أيضا أن القوى الخارجية لا يمكن أن تعمل إلا من خلال طبقة حليفة تتفق مصالحها مع مصالح هذه القوى الخارجية؟

* * *

أيا كان التفسير، فهناك حقيقة أخرى لا شك فيها، وهى أن التاريخ المصرى لم ينته فى 5 يونية 1967، كما أنه لا يمكن أن ينتهى فى نوفمبر 2011. ليس هذا فحسب، بل إن كل ما ارتكب من أخطاء وأعمال شريرة لا يمكن أن يمحو الحقيقة الآتية: وهى أن الجيل الجديد من المصريين الذى نحظى به الآن، ولم يكن موجودا أو مؤثرا فى 1967، يحمل إمكانيات جبارة للنهوض والمحاولة من جديد. هل هذا هو ما كان يدور بذهن الشاعر الفذ أحمد فؤاد نجم، عندما كان يخاطب مصر فى قصيدة كتبها فى سجن القناطر فى 1969، أى بعد النكسة الأولى بسنتين، قائلا:

مصر يامّه يا بهية  يامّ طرحة وجلابية

الزمن شاب وانتى شابة        هو رايح وانتى جاية

جاية فوق الصعب ماشية      فات عليكى ليل وميّه

واحتمالك هوّ هوّ    وابتسامتك هىّ هىّ

تضحكى للصبح يصبح        بعد ليلة ومغربية

تطلع الشمس تلاقيكى           معجبانية وصبية

يا بهية؟

الجمعة، 25 نوفمبر 2011

التحليل الطبقى للثورة المصرية

الشروق - الجمعة 25 نوفمبر 2011
 
لا شك أن المطالبة «بحكومة إنقاذ»، التى نادى بها البعض قبيل قيام الثورة المصرية الثانية فى 18 و19 نوفمبر، (ومازالت مستمرة وأنا أكتب هذا المقال فى 23 نوفمبر) استقبلت بترحيب عام من سائر المصريين (باستثناء، بالطبع، من نريد إنقاذ مصر منهم).

فلما قامت هذه الثورة الثانية، اشتدت المطالبة بحكومة إنقاذ، تأتى محل حكومة عصام شرف، التى أضافت إلى فشلها فى إدارة البلاد، سماحها بأعمال القتل والضرب ضد ثوار أبرياء.
أسأل نفسى مع ذلك: «من هو هذا الشخص أو الهيئة التى نطالبها بأن يأتى أو تأتى لنا بحكومة إنقاذ؟». إذا كانت المطالبة موجهة إلى المجلس العسكرى، الذى يتولى الآن أعلى سلطة فى البلد، فهل نتوقع حقا أن يلبى هذا المجلس هذا المطلب؟

لقد قامت ثورة 25 يناير بدورها لإنقاذ البلاد، فتولى المجلس العسكرى الحكم، ثم ثبت أن أول حكومة يكونها هذا المجلس، بعد تنحى رئيس الجمهورية، وهى حكومة أحمد شفيق، حكومة غير صالحة، سرعان ما طالب الناس بإنقاذ البلاد منها. فلما قام المجلس العسكرى بتكوين حكومة جديدة، وهى حكومة عصام شرف، كان المأمول أيضا أن تقوم هذه الحكومة «بإنقاذ» البلاد، فزادت الأمور سوءا. وها هم الثوار من جديد يطالبون بحكومة إنقاذ جديدة، فما الذى يجعل الناس يعتقدون أن المجلس سوف يحسن الاختيار هذه المرة؟

نعم، لقد تعلم الثوار هذا الدرس، فطالبوا هذه المرة، بالإضافة إلى حكومة إنقاذ، بتنحى المجلس العسكرى نفسه، إذ تثور شكوك قوية الآن، فى أن هذا المجلس ليس حسن النية فى اختياراته، وأنه يتعمد اختيار حكومات ضعيفة لأسباب غير واضحة. قلت لنفسى: ولماذا لا تحاول أنت معرفة هذه الأسباب؟ وقديما قال كارل ماركس «إن الحرية هى فهم الضرورة»، أى أن نجاحك فى تحقيق هدفك يتوقف على درجة فهمك، وأن من الخطأ أن نحاول ممارسة الحرية إذا لم نكن مدركين للعقبات التى تعترض هذه المحاولة فإذا طبقنا هذا على ما نحن فيه الآن فى مصر، كان معناه أننا لا يمكن أن ننجح فى تحقيق «إنقاذ» حقيقى لمصر، إذا لم نكن نعرف من هم الأعداء الحقيقيون المعارضون لهذا الإنقاذ، وما هى دوافعهم الحقيقة فى معاداتها.

كان لابد، وأنا أبحث عن الإجابة أن أتذكر فكرة أساسية أخرى من أفكار كارل ماركس، وهى نظريته فى التحليل الطبقى للدولة. ولكن قبل أن أوضح هذه الفكرة لمن لا يعرفها أو لمن نسيها، وعلاقتها بمحنتنا الحالية فى مصر، أحب أن أكتب بضعة سطور قليلة لتبرير إثارة اسم كارل ماركس الآن، وقد كنا نظن أن الرجل قد انتهى عهده إلى الأبد، وأن أفكاره، قد ثبت فسادها، خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتى والكتلة الشيوعية منذ عشرين عاما، تعليقى على هذا هو أن أعّبر عن تأسفى لانتشار هذا الموقف المدهش إزاء أفكار سيطرت على الجدل السياسى فى العالم لمدة تقرب من قرن ونصف القرن. نعم لقد أثبتت تطورات قرن ونصف القرن أخطاء جسيمة فى بعض أفكاره، ووجود أوجه نقص خطيرة فى أفكار أخرى له، ولكن هل يعقل ألا يبقى من الأفكار الماركسية أى شىء يساعدنا فى فهم ما حدث فى العالم المعاصر؟

الحقيقة أن فكرة ماركس عن التحليل الطبقى للدولة مازالت مفيدة جدا فى تفسير ما يحدث فى العالم، بما فى ذلك ما حدث ويحدث الآن فى مصر. نعم، لقد دأب كثير من الماركسيين على المبالغة فى إقحام التفسير الطبقى على الأحداث التاريخية، الكبير منها والصغير، بدون مبرر، كما أن ماركس نفسه، بحكم ظروف عصره، لم يفطن إلى الأثر الحاسم لظاهرة الاستعمار والتبعية فى تطور الأحداث فى بلاد كبلادنا (إذ كان تحليل ماركس ينصب على دول متقدمة صناعية وتتمتع بإرادة سياسية مستقلة). كما أن ماركس لم يعش ليشهد ذلك النمو الكاسح للطبقة الوسطى، فبقى الصراع الطبقى فى نظره محصورا بين طبقة أرباب العمل والبروليتاريا، وعلى الأخص العمال الصناعيين. ولكن كل هذا لا ينفى أن فكرة ماركس فى التحليل الطبقى للدولة يمكن أن تلقى ضوءا مفيدا على التاريخ المصرى الحديث، بما فى ذلك عهد مبارك والثورة عليه.

<<<

يمكن تلخيص فكرة ماركس فى هذا الصدد فى أن من الخطأ الشديد أن نتصور أن الدولة (أى دولة) يمكن أن تكون محايدة بين الطبقات. أصحاب السلطة فى أى بلد، وفى أى عصر، هم ممثلو الطبقة المسيطرة اقتصاديا وهم يستخدمون سلطة الدولة (وعلى الأخص الشرطة والجيش) لضمان هذه السيطرة الاقتصادية، ولضمان استمرار تمتع هذه الطبقة بامتيازاتها، من ثم يستخدمون سلطة الدولة فى قهر الطبقات المظلومة والمسغلة، وتمنع أى محاولة من جانب هذه الطبقات للثورة عليها.

طالما سخر ماركس والماركسيون ممن يتكلمون عن الدولة على أنها دولة فوق الطبقات، فيتقدمون إليها بمظالمهم على أمل الاستجابة لطلباتهم. فأصحاب الامتيازات لا يتنازلون عن امتيازاتهم إلا تحت الضغط وبالقوة. وهم إذا اضطروا إلى هذا التنازل عندما يشتد الضغط عليهم، لا يكفون عن محاولة استعادة مراكزهم مهما تطلب ذلك من أعمال العنف بالغة القسوة.

نظرت من هذه الزاوية إلى عهد حسنى مبارك، الذى استمر ثلاثين عاما، وإلى الثورة عليه فى 25 يناير، وتنحيته فى 11 فبراير، ثم إلى الأشهر العشرة التى انقضت على سقوطه، وأعمال المجلس العسكرى خلال هذه الأشهر العشرة، ونوع الحكومات التى شُكلت لتحل محل حكومات مبارك، فوجدت أن هذه الفكرة المهمة من أفكار ماركس تلقى ضوءا ساطعا على هذه الأحداث.

<<<

لقد ورث حسنى مبارك عن سلفه أنور السادات طبقة مدهشة فى تسلطها الاقتصادى، فى تطلعاتها وتصميمها على تحقيق المزيد من الثراء والقوة، وفى درجة استعدادها لممارسة الفساد والإفساد لتحقيق مكاسب اقتصادية جديدة.

كانت هذه الطبقة حديثة نسبيا فى التاريخ المصرى. ليست لها جذور قوية بالمرة تربطها بالطبقة التى سيطرت اقتصاديا فى عهد الملكية، ولم يسمح لها عبدالناصر بالظهور والنمو إلا فى سنواته الأخيرة بعد أن تلقى ضربة قاصمة من الخارج (بهزيمة 1967). ولكن هذه الطبقة ترعرعت، وباضت وأفرخت فى عهد أنور السادات (الذى كان هو نفسه يحمل نفس ميولها وأهدافها وتطلعاتها). وساعدت على نموها وزيادة قوتها سياسة الانفتاح التى دشّنها السادات، وما حظيت به هذه السياسة وهذه الطبقة من دعم وتشجيع من القوى الخارجية (وعلى الأخص الولايات المتحدة وإسرائيل) والتى رضى السادات بالتبعية لهما. فسكتت هذه القوى الخارجية على ما مارسته هذه الطبقة الجديدة من فساد، بل وشجعها على الإمعان فيه من أجل ترسيخ هذه التبعية.

لم يحدث فى عهد حسنى مبارك، فى هذا الصدد، إلا الإمعان فى خدمة هذه الطبقة، ومدّها بكل التسهيلات الممكنة لتسهيل أعمال الفساد، من تكوين شركات توظيف الأموال، إلى الحصول على قروض خيالية من البنوك ثم تهريب الأموال إلى الخارج، إلى التلاعب فى العملة، إلى الاستيلاء على أراضى الدولة، إلى العبث بالقوانين وتزوير الانتخابات..إلخ.

هذه الطبقة سخّرت كل سلطات الدولة لخدمتها (طبقا لما كان يتصوره ماركس بالضبط)، من جيش وشرطة وقضاء ورؤساء الوزارات والوزراء، حتى إذا ما جاءت آخر حكومة من حكومات مبارك (حكومة نظيف) وجدنا سلطات الدولة تتوحد مع رجال هذه الطبقة توحدا لم تعرف له مصر مثيلا من قبل، ورأينا تزاوجا تاما ومكشوفا بين أصحاب المال وأصحاب السلطة، إلى درجة تولية منصب الوزير لمن كانت أعماله الخاصة وشركاته تخضع لهذه الوزارة (أو العكس). كما ساهم بقوة فى إتمام هذا التزاوج ما كانت تقدمه القوى الخارجية (الولايات المتحدة وإسرائيل) لهذه الطبقة (النظام) من دعم اقتصادى وسياسى وأمنى (مما لم يكن مألوفا فى عصر كارل ماركس فلم يلتفت إليه).

<<<

فى 25 يناير ظهر أن السيل قد بلغ الزبى، وأن الطبقات المقهورة قد بلغ سخطها وشعورها بالظلم ذروته. صحيح أن الآلاف المؤلفة التى اجتمعت فى الميادين لم تكن تنتمى كلها إلى طبقة واحدة، بل أدهشتنا الثورة بتآلف الناس من مختلف الطبقات وإجماعهم على كراهية حكم تلك الطبقة التى عاثت فى البلاد فسادا وتخريبا. فهذه الطبقات كلها التى اشتركت فى الثورة (متوسطة ودنيا بمختلف شرائحهما) كانت تشكو من نفس المظالم ونفس القهر، فخرجت كلها إلى الميادين. لم تعد القضية (مثلما كانت أيام ماركس) قضية صراع بين البروليتاريا والرأسماليين، حول الأجور المنخفضة والاستئثار بفائض القيمة، بل أصبحت قضية صراع يختلط فيه استغلال العامل باستغلال المستهلك، ويختلط فيه قهر العامل والفلاح، بقهر أسر التلاميذ بتكاليف الدروس الخصوصية، صراع يختلط فيه القهر الاقتصادى بالقهر النفسى والروحى.

ربما كان هذا التعدد فى المراكز الاقتصادية للمشاركين فى الثورة، وتعدد صور القهر، سببا مهما للصعوبة التى صادفها الثوار فى بلورة أهداف محددة لهم جميعا، ولكن شيئا خطيرا آخر كان يعانى منه ثوار 25 يناير، وهو الظن بأن الدولة يمكن أن تكون محايدة بين الطبقات، والظن بأن المجلس العسكرى، الذى عايش وصادق وزامل الحكّام الذين كان الثوار يطالبون بعزلهم، يمكن أن يتنكر بين يوم وليلة للطبقة التى ينتمى إليها.

كان انقضاء عشرة أشهر على قيام ثورة يناير كافيا لإدراك هذا الخطأ. وكان الضرب والقتل بمنتهى القسوة، اللذان تعرض لهما الثوار فى 19 نوفمبر والأيام التالية، كافيين لاكتشاف أن الدولة لا يمكن أن تكون محايدة، واكتشاف أنه وإن كانت مصر فى حاجة ماسة إلى إنقاذ، فإنه لا يمكن أن يتم هذا الإنقاذ بتقديم طلب به إلى نفس الطبقة التى يراد إنقاذ بقية الشعب من حكمها.

الجمعة، 18 نوفمبر 2011

عودة الاغتراب

الشروق - الجمعة 18 نوفمبر 2011

حالة الحزن الشديد التى تسود المصريين الآن مقترنة بشعور بخيبة الأمل، بسبب التطورات السياسية التى حدثت خلال الشهور القليلة الماضية، جلت إلى ذهنى من جديد فكرة «الاغتراب»، فوجدتها أكثر الكلمات تعبيرا عما بدأ يعترى المصريين شيئا فشيئا، إزاء السلطة الحاكمة، خلال هذه الشهور.

ها قد عاد الشعور بالاغتراب من جديد، أسابيع قليلة، ساد فيها الفرح وارتفعت الآمال إلى عنان السماء، وخُيل فيها للمصريين أن أصبح لهم أخيرا حكام يشعرون بما يشعرون، وينوون العمل على تحقيق ما يطمحون إليه. ها هو كل يوم جديد يأتينا للأسف بخبر أو قرار جديد معناه العكس بالضبط، وإذا بالآمال تتسرب من بين أصابعنا كحبات الرمل، وإذا بأول سؤال يوجهه كل منا لمن يلتقى به هو «إلى أين تسير مصر؟».

...

قلت لنفسى: «نعم، ها هو الشعور بالاغتراب يعود من جديد، ولكن هل تذكر أن مر المصريون، طوال الخمسين أو الستين عاما الماضية، بفترة زال فيها عنهم هذا الشعور لأكثر من شهور قليلة، تعقبها سنوات وسنوات من الاغتراب؟

فلنبدأ من سنة 1950، عندما شعر المصريون بالفرح الشديد لدى نجاح حزب الوفد فى انتخابات نزيهة (بعد طول تزوير)، وتولى زعيمهم المحبوب مصطفى النحاس رئاسة الحكومة، وقامت المظاهرات فى كل أنحاء مصر تعبر عن فرحة الناس بانتهاء فترة طويلة من الاغتراب فى ظل حكومة بعد أخرى من حكومات الأقليات، الخاضعة لإرادة الملك أو الأنجليز. نعم، أذكر هذا الفرح الذى ساد فى 1950، فهل استمر هذا الشعور أكثر من سنة ونصف السنة، انتهت بحريق القاهرة فى يناير 1952، الذى اتخذ علة لإقالة حكومة النحاس، فعادت الأمور إلى ما كانت عليه قبل 1950؟

نعم، شعر المصريون بفرح غامر مرة أخرى فى يوليو 1952، عندما قامت الثورة، وبدا وكأن أصحاب السلطة الجدد والشعب يد واحدة وروح واحدة، وتوالت بعد ذلك الإجراءات والقوانين المفرحة للغاية، من عزل الملك، إلى إصدار قانون الإصلاح الزراعى، إلى إلغاء الألقاب، إلى إعلان الجمهورية.. إلخ.. ولكن هل استمر هذا الفرح، هذه المرة أيضا، أكثر من سنة ونصف السنة؟ لا لم يستمر أكثر من ذلك، إذ عاد الشعور بالاغتراب فجأة فى مارس 1954، بسماعنا بيانا فى الإذاعة كان معناه انقلاب الضباط بعضهم على بعض، وتنحية الرئيس المحبوب محمد نجيب عن السلطة، وقدمت لذلك أسباب غير مقنعة بتاتا، وبدأت سلسلة من الإجراءات غير المحبوبة، بما فى ذلك ما بدا لكثيرين (وأنا منهم) تمثيلية محبوكة لمحاولة الاعتداء على الرئيس الجديد، وإذا بالأغانى الجديدة تُؤلف وتلحن فى مدح هذا الرئيس الجديد لم يشعر الناس إزاءها بالاغتراب.

نعم، عم الفرح بتأميم قناة السويس فى يوليو 1956، واستمر هذا الفرح عامين كاملين (بل ربما عامين ونصف العام) حتى يناير 1959، حدثت خلالهما أمور مفرحة كثيرة، من الشروع فى بناء السد العالى، إلى انضمام مصر إلى مجموعة دول عدم الانحياز، إلى إعلان الوحدة مع سوريا، إلى إعلان برنامج طموح للتصنيع وخطة طموح أيضا للتنمية الاقتصادية. ولكننا فوجئنا فى مطلع 1959 بحملة اعتقالات واسعة شملت كثيرا من أخلص الوطنيين ومن أكثر المصريين إيمانا بالعدالة الاجتماعية، وسمعنا عما لقيه كثير منهم من معاملة سيئة فى السجن، إلى حد وفاة بعضهم من جراء التعذيب. لم يكن مفهوما بالمرة لماذا هذا الإصرار على تطبيق الاشتراكية بدون اشتراكيين، ولماذا كل هذا العداء لنظام وطنى جديد فى العراق، هل كان هذا بناء على قرار مستقل نابع من إرادة حرة، أم إرضاء لقوة خارجية؟ بدأ الشعور بالاغتراب يعود منذ ذلك الوقت، ثم ازداد ثقلا مع زيادة طابع الدولة البوليسية قسوة مع مرور السنوات عقب انفصال سوريا عن مصر فى 1961، ودخول مصر حرب اليمن فى السنة التالية حتى بلغ الشعور بالاغتراب أقصاه بوقوع هزيمة 1967.

استمر هذا الشعور بالاغتراب، بلا انقطاع تقريبا، حتى سقوط حسنى مبارك فى فبراير الماضى. أقول «تقريبا» لأن من الممكن أن نستثنى فترتين قصيرتين للغاية، لم تدم أى منهما أكثر من شهور قليلة. كانت أولاهما فترة الفرح الشديد بعبور أكتوبر 1973، الذى أعاد للمصريين ثقتهم بأنفسهم وبجيشهم. ولكنها انتهت بخيبة أمل بسبب التطورات السياسية التى أعقبت النصر العسكرى، وإذا بأنور السادات يقوى شعور المصريين بالاغتراب يوما بعد يوم، بتصالح غير مبرر مع الإسرائيليين انتهى بكامب دافيد فى 1979، وبتنكر تدريجى لأمل الوحدة العربية ولقضية الفلسطينيين، وبتبعية متزايدة للأمريكيين، وبتبنيه نمطا من السياسة الاقتصادية يؤدى إلى فتح الأبواب بلا ضابط على السلع الأجنبية، قوت من الشعور بالاغتراب لدى العاجزين عن اقتناء مثلها، وانتهى كل ذلك باعتقالات بالجملة لمئات من الوطنيين من مختلف الاتجاهات السياسية وإيقاف كل صحف المعارضة.

ثم بدا لفترة قصيرة بعد مقتل السادات فى 1981، وكأن الرئيس الجديد سوف يعمل على إعادة الأمور إلى نصابها بالإفراج عن المعتقلين السياسيين، والسماح للصحف المصادرة بالعودة، وترشيد السياسة الاقتصادية، وممارسة بعض الاستقلال فى السياسة الخارجية والعربية. ولكن سرعان ما ظهر، بعد أقل من عام، أن كل هذا كان سرابا، إذ استمرت التبعية لأمريكا، والتخاذل أمام إسرائيل، وخضوع السياسة الاقتصادية لضغوط صندوق النقد والبنك الدولى، فتفاقمت البطالة وسوء توزيع الدخل، وعادت ظاهرة سيدة مصر الأولى، كما عاد تقييد الحريات وتزوير الانتخابات، فعاد الشعور بالاغتراب، بل وأصبح بالتدريج أقوى مما كان فى أيام السادات.

...

حصيلة هذا كله أنه خلال فترة تزيد على ستين عاما، لم يحظ المصريون، على أحسن تقدير، بأكثر من ثمانية أعوام متفرقة شعروا خلالها بأن حكومتهم تتبنى آمالهم وتعمل على تنفيذها: حكومة النحاس (50 ــ 51) التى انتهت بحريق القاهرة، والشهور الأولى التالية لثورة يوليو 1952، والتى انتهت بأزمة 1954، والسنتان التاليتان لتأميم قناة السويس فى يوليو 56 وقد انتهيتا باعتقالات 1959 وبضعة أشهر عقب انتصار الجيش فى أكتوبر 1973، وانتهت باتفاقيات فك الاشتباك مع إسرائيل ثم عقد معاهدة صلح منفرد معها، والشهور القليلة التالية للإفراج عمن اعتقلهم السادات فى 1981 وعودة صحف المعارضة للظهور، وانتهت بعودة الرقابة على الصحف وتزوير الانتخابات..إلخ.

 ...

ثم زال الاغتراب فجأة وعم الفرح ابتداء من 25 يناير 2011، ولكن ها نحن، قبل انقضاء عشرة أشهر على هذا اليوم البديع، نشعر من جديد بألم الاغتراب، الذى تزيد مرارته كلما تذكرنا مدى فرحنا فى 25 يناير.

هل يعقل مثلا، بعد أقل من عشرة أشهر من قيام الثورة، أن يعود نظام الإعلام فى مصر إلى نفس عاداته القديمة فى خداع الناس، وتأليب بعضهم على بعض؟ ويعود نفس النوع من رؤساء تحرير الصحف الحكومية ورؤساء مجالس إداراتها، هذا النوع الذى يجيد فهم ما تريده السلطة بالضبط، ويعرف كيف يصيغ الأخبار ويختار المانشيتات بما يتفق بالضبط مع ما يريد الحكام الإيحاء به للناس مهما كان مخالفا للحقيقة، مما كان يثير فينا الغم كل صباح قبل قيام الثورة؟ هل يعقل بعد أن ثار طلاب الجامعات على عمداء ومديرين تابعين لجهاز الأمن فى ظل نظام مبارك، أن يعود نفس العمداء والمديرين إلى مناصبهم، ولكن بعد انتخابات لا تعبر عن آمال الأساتذة أو الطلاب أو الموظفين؟ وأن يفتح باب الترشيح أمام نفس الأشخاص الذين أفسدوا الحياة السياسية قبل ثورة 25 يناير؟..إلخ هل علينا إذن أن نتوقع أن يحدث بين يوم وليلة، أن تغلق الصحف القليلة التى تشكو من كل هذا فيزداد شعورنا بالاغتراب قسوة، فلا نقرأ ولا نسمع بعد هذا ما يطمئننا أننا لسنا وحدنا الذين يشعرون بهذه الغربة؟

 ...

الشباب المصرى يتمتع الآن بالطبع بميزة كبرى لا يتمتع بمثلها جيلى من المصريين. نحن جيل اعتاد للأسف تكرار خيبة الأمل وعودة حالة الاغتراب، المرة بعد الأخرى، ولكن الجيل الجديد من الشباب لا يذكر لحسن الحظ ما مرّ بمصر من دورات الأمل والإحباط، ومن ثم فهو مستمر فى المحاولة وفى تقديم التضحيات. من بينهم هؤلاء الشبان الرائعون الذين ضحوا بحياتهم أو ببصرهم فى سبيل أن تحصل مصر على حكومة تعبر عن مشاعر المصريين وطموحاتهم، ومنهم أيضا الشبان الرائعون المقبوض عليهم طبقا لأحكام عسكرية أو مدنية عقابا على جرائم لم يرتكبوها. وهؤلاء بالطبع، وليس أحد غيرهم، هم من يمدّون المصريين، بمن فيهم جيلى الأكبر سنا بكثير، بالأمل فى أن تظفر مصر بفترة جديدة يزول فيها الشعور بالاغتراب، وبالأمل فى أن تكون الفترة القادمة أطول بعض الشىء من فترات سعيدة سابقة.

الجمعة، 11 نوفمبر 2011

فيم أخطأ طارق البشرى؟

الشروق - الجمعة 11 نوفمبر 2011

كان لابد أن أهتم، كما لابد أن اهتم كثيرون غيرى، بظهور مقال للأستاذ طارق البشرى منذ أيام قليلة (جريدة الشروق 7/11/2011) بعنوان «فى الجدل حول المدنية والدينية». فالمقارنة بين هذين النوعين من الدول من أهم موضوعات الساعة فى مصر، والجدل محتدم بين أنصار هذه الدولة أو تلك، ويصل أحيانا إلى درجة عالية من الحدة.

والأستاذ طارق البشرى معروف بانتصاره لما يعرف بالتيار الدينى، ولعب دورا مهما فى الشهور الأولى للثورة بعد تعيينه رئيسا للجنة تعديل الدستور، ولكنه معروف أيضا بالاتزان والوقار، فضلا عن سمعته الممتازة كقاض فى مجلس الدولة، صدرت منه أحكام قوية تنتصر للحرية والديمقراطية، وتتحدى النظام السابق الذى أسقطته ثورة يناير. وحيث إن الأستاذ البشرى مقل أيضا فى أحاديثه ومقالاته، فلابد أن نهتم بظهور مقاله عسى أن يضع به النقاط فوق الحروف، فيتضح الغامض، بل وربما ارتاحت به النفوس وهدأت الخواطر.

لابد أن أصارح القارئ مع ذلك بأننى، رغم اهتمامى بظهور المقال، كنت أشعر ببعض الخوف قبل أن أشرع فى قراءته، من ألا أحصل من مقاله على شىء من هذا: لا توضيح الغامض ولا تهدئة الخواطر. وذلك لعدة أسباب. منها ما لاحظته من متابعة التطور الفكرى للأستاذ البشرى خلال الأربعين عاما الماضية، من أنه يسمح لنفسه بالتأثر أكثر من اللازم، فى رأيى، بمشاعر الجماهير واتجاهاتهم. ومن ثم بدا لى أن هناك احتمالا قويا لأن يخضع هذه المرة أيضا لاتجاهات الجماهير، خاصة أنها، منذ قامت الثورة، تزداد قوة وجرأة فى التعبير عن مشاعرها. من الأسباب أيضا ما ألاحظه عادة على كتابات الأستاذ البشرى منذ فترة، بأنها تتسم بدرجة من التعقيد، قد لا يكون ثمة خطر كبير فيها (إذ يمكن للمرء أن يزيد فهمه لعباراته بمعاودة قراءتها أكثر من مرة)، لولا أن الموضوع الآن يحتاج إلى درجة أكبر من الصراحة والوضوح، والتعبير المباشر عما يقصده الكاتب منعا لإثارة الظنون وتعدد التفسيرات لما يكتبه. أعترف أيضا بأننى بعد أن قرأت المقال تأكدت مخاوفى، بل وأضيفت إليها أسباب جديدة للأسف.

●●●

المقال يبدأ بداية غير متوقعة، إذ اقتطف قصة رواها الشاعر جلال الدين الرومى عن رجل أحول نظر إلى إبريق فظنه إبريقين، فلما كسر الإبريق ظنا أنه يحتفظ بإبريق آخر تبين أنه ليس هناك غير هذا الإبريق المكسور. وقال الأستاذ البشرى إن حالتنا فى محاولة الاختيار بين الدولة الدينية والدولة المدنية، تشبه موقف ذلك الرجل الأحول، إذ ليس هناك فى الحقيقة إلا شىء واحد، أى دولة واحدة، دينية ومدنية فى نفس الوقت، فإذا ضحينا بإحداهما (كالدولة الدينية مثلا) فإننا نضحى أيضا بالأخرى (أى المدنية) ونتيجة لذلك ظهر عنوان فرعى للمقال بخط كبير هو: «لا نختار بين الدولة المدنية والدولة الدينية لأنهما شىء واحد»، استغربت هذا الكلام جدا، فقد كنت (ولا أزال) أعتقد أن الجدل الدائر حول هذه القضية جدل حول قضية حقيقية وليست متوهمة، وخوف أحد الفريقين من أن ينتصر الفريق الآخر خوف حقيقى له دوافعه المفهومة. فما هذا الكلام إذن عن أن الدولة الدينية هى أيضا دولة مدنية؟

إننى أفهم أنه عندما يحتدم النقاش بين شخصين يختلفان فى الرأى، علينا أن نكتشف ما الذى يقصده بالضبط كل من الشخصين من كلامه ومصطلحاته، لكى نكتشف أوجه الاعتراض الحقيقى لدى كل منهما على رأى الآخر. فإذا كان الاختلاف مثلا حول ما إذا كانت الدولة الدينية أفضل أم المدنية، فمن الواجب أن نحاول أن نحدد بالضبط ما الذى يفهمه أنصار كل منهما بتعبير الدولة الدينية أو الدولة المدنية، فلا نقوم نحن بتقديم تعريف لكل منهما كما نشاء، وينتهى الأمر بالقول: وهكذا ترون أنه لا خلاف هناك فى الحقيقة، لأن الدولتين فى الواقع دولة واحدة!» ليس هكذا، فيما أظن، تُحل الخلافات وتهدأ النفوس. ونحن نعرف جيدا أن مفهوم الدولة الدينية فى نظر الرافضين لها، هو أن يجرى تبرير القوانين والإجراءات باقتطاف نصوص مقدسة، بعكس الدولة المدنية التى يمتنع فيها إقحام الدين فى شئون الحكم، دون أن يعنى هذا بالضرورة معاداة الدين أو تعطيل ممارسة الشعائر الدينية والعبارات. بل قد تعتبر الدولة المدنية من واجباتها توفير الوسائل التى تضمن قيام أصحاب كل دين بممارسة شعائرهم وعباداتهم، على أساس أن هذا من حقوق الإنسان، مثل حقه فى الحياة والحرية.

هذا التحديد لمعنى الدولة الدينية والمدنية يتفق، فيما يبدو لى، مع الفهم السائد الآن فى الجدل الدائر حول أفضلية هذه الدولة أو تلك، وهناك حجج كثيرة يمكن أن تقال لصالح هذه الدولة أو تلك، ولكن ليس هذا موضوعى الآن. الذى أقصده هو أن الأستاذ طارق البشرى قد أخطأ بتصوير الأمر وكأنه لا يوجد فرق فى الحقيقة. كيف وصل الأستاذ البشرى إلى هذه النتيجة؟. وصل إليها عن طريق تقديم تعريف مدهش لكلتا الدولتين. يقول بالنص:

«إذا كانت (المدنية) فى الاستخدام الجارى الآن مقصود بها لدى من يستخدمونها ويدعون إليها الاهتمام بالصالح الدنيوى للجماعة الوطنية، فهى طبعا لابد منها لانتظام الجماعة. وإذا كانت (الدينية) فى الاستخدام الجارى الآن تعنى الأصول الثقافية المرجوع إليها مما يسود لدى الجماعة البشرية الوطنية ويحفظ لها قوة تماسكها فهى لازمة وضرورية أيضا».

وأنا لا أتفق بالمرة مع طريقة الأستاذ البشرى فى هذا التعريف «للاستخدام الجارى». فهذا التعريف للدولة المدنية «الاهتمام بالصالح الدنيوى»، ليس هو تعريفها «فى الاستخدام الجارى الآن»، بل يشمل هذا التعريف أنها دولة لا تقحم الدين فى تعريف ما هو الصالح الدنيوى. وكذلك لا أتفق معه فى أن تعريف الدولة الدينية بأنها «الأصول الثقافية المرجوع إليها الآن.. إلخ» هو تعريفها فى الاستخدام الجارى الآن، بل يشمل هذا التعريف أن تكون النصوص الدينية ليست فقط المرجع فى تحديد «الأصول الثقافية» بل وأيضا فى تحديد الصالح الدنيوى إذا كان الأمر كذلك فالخلاف موجود وحقيقى، ولا جدوى من الزعم بعدم وجوده.

إن موقف الأستاذ البشرى من هذه القضية يجلب إلى ذهنى حالة زوجة رفعت دعوى ضد زوجها طالبة الطلاق، بسبب اعتياده ضربها وتعذيبها بشتى الطرق. وقامت بتقديم الأدلة على ذلك. فإذا بالقاضى يرفض التطليق على الأساس الآتى:

إن الزواج فى الأصل القصد منه إنشاء علاقة سلام ومودة وتراحم بين الزوجين، مما لا يتصور معه ضرب أحد الطرفين للآخر أو تعذيبه. ومن ثم فلابد من التعايش السلمى بين الزوجين، وهو ما يفترض استمرار الزواج!

●●●

إن هذا هو جوهر اعتراضى على مقال الأستاذ البشرى، ولكننى أرى فى ثنايا المقال أشياء أخرى لا تخلو من خطورة، ولا أدرى ما إذا كان الكاتب متنبها إليها. فبصرف النظر عن خطأ اعتبار الدولة الدينية والدولة المدنية دولة واحدة فإن المقال يمرر بذلك موافقته على قيام شىء واسمه «الدولة الدينية» بتعريف أو آخر. وهذا كلام يكاد يكون جديدا على الجدل القائم الآن فى مصر. فالرافضون لشعار الدولة المدنية، والمنتصرون لإخضاع السياسة للدين، يحاول أغلبهم تجنب استخدام لفظ «الدولة الدينية» وينفون نفيا قاطعا أن الإسلام عرف الدولة الدينية فى أى فترة من تاريخه، وما أكثر من يقطفون القول المأثور عن الرسول صلى الله عليه وسلم «أنتم أعلم بشئون دنياكم». فالدين إلهى ولكن الحكم بشرى، والحاكم أيا كانت منزلته يمكن أن يخطئ أو يصيب فى تفسير النصوص المقدسة ولكن ها هو المستشار البشرى، وهو من هو، يقول ما معناه أنه لا بأس من الدولة الدينية، فيعطى دعما، من حيث يدرى أو لا يدرى، لمن يمكن أن ينادى بدولة دينية فى مصر.

من الممكن طبعا أن يحتج الأستاذ البشرى بقوله إن الذى يقصده بالدولة الدينية التى يناصرها هى «الأصول الثقافية المرجوع إليها.. إلخ». فهل سيجد الأستاذ البشرى أو غيره الوقت، أو سيسمح له، إذا قامت دولة دينية فى مصر، بأن يوضح أنه لم يقصد من الدولة الدينية إلا «الأصول الثقافية.. إلخ».

●●●

يقول الأستاذ البشرى أيضا فى مقاله: «إن الفكر المرجعى المستند إلى الدين، متهم من غير ذويه بأن ينكر شئون المصالح الدنيوية، وهو اتهام لا يقوم فى أساسه ولا لدى الغالبية الغالبة من مفكرى هذا المجال، حتى فى العصور قبل العصور الحديثة». وأنا أطمئن الأستاذ البشرى أنه لم يخطر ببالى قط أن أتهم هذا الفكر الذى يسميه «الفكر المرجعى المستند إلى الدين» بهذا الاتهام الخطير. بل من الذى يتجرأ، أيا كانت مرجعيته، على «أن ينكر شئون المصالح الدنيوية» (وهو على أى حال تعبير فضفاض يصعب تحديد معناه). إنما النقد هو أن الإصرار على تفسير المصالح الدنيوية بالرجوع إلى نصوص دينية ليست دائما قاطعة المعنى وواضحة الدلالة، يعرض المرء للوقوع، ولو بحسن نية، فى خطأ الإساءة إلى المصالح الدنيوية وللدين فى نفس الوقت. يضيف الأستاذ البشرى لتأييد موقفه قولا مقتطفا من حديث لرجل عاصر بداية عصر المماليك وهو العز بن عبدالسلام، يقول فيه «التكاليف كلها راجعة إلى مصالح العباد فى دنياهم وأخراهم، والله غنى عن عباده، ولا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين». وأصارح الأستاذ بأننى لم أجد فى هذا الحديث شيئا يدعم حجته على أى وجه من الوجوه فالاعتراف بأن «التكاليف كلها راجعة إلى مصالح العباد فى دنياهم وأخراهم» أمر مفروغ منه ومسلم به، وإنما المشكلة هى فيما إذا كان تفسير معين لهذه التكاليف سوف تضفى عليه هالة من التقديس قد تمنع الناس من الاعتراض عليه، حتى لو كان جديرا بهذا الاعتراض. وقد استغربت أن يجد الأستاذ البشرى ضرورة أو حتى فائدة من اقتطاف حديث ليس فيه جديد، إلا أنه يرجع، على حد تعبيره إلى بداية عصر المماليك، ثم يضيف «وهو العصر الذى يسميه البعض عصر التخلف» ما الذى يريد الأستاذ أن يقوله هنا؟ هل يريد أن ينفى عن عصر المماليك صفة التخلف، أم أن يقول إنه حتى فى أشد العصور تخلفا، كان هناك من يؤكد أن التكاليف الإسلامية يقصد بها فى النهاية تحقيق مصالح العباد، فى الدنيا والآخرة؟

إن الأمر يستعصى علىّ فهمه، فقد كنت أظن أن هناك اتفاقا عاما، فى جميع العصور، على أن الدين أى دين، لا يقصد إلا تحقيق مصالح العباد، فى هذه الدنيا أو فى الآخرة؟

●●●

الأستاذ البشرى يختم مقاله بخاتمة غريبة، فهو يقتطف جلال الدين الرومى مرة أخرى فى قول قد لا يخلو من فصاحة ولكنه لا يبدو ملائما لما نحن فيه. يقول الرومى «إن العالم مصنوع من المتناقضات وإن الحياة تتأتى من السلام بين المتعارضات، وإن الموت يكمن فى التحارب بينهما». وأنا قد أتفق مع الشاعر الكبير، ولكن أى ضوء يمكن أن يلقيه هذا الكلام عما نحن فيه؟ نعم يا حبذا لو ساد السلام بين المتعارضات، ولكن هل طريقة إحلال السلام هى التظاهر بأنه ليس هناك تعارض على الاطلاق، على طريقة رجال الدين الإسلامى والمسيحى عندنا، عندما يتبادلان العناق عقب كل أزمة طائفية، ثم سرعان ما تنشأ أزمة طائفية جديدة؟

●●●

أصارح القارئ، وأصارح الأستاذ البشرى نفسه، بأننى كنت أفضل بكثير، وقد قرر الأستاذ أن يدلى برأيه فى الجدل الدائر حول أيهما أفضل: الدولة الدينية أم المدنية، أن يقول لنا رأيه الواضح والقاطع فى أمور ملموسة مما يثار حولها الجدل الآن، أو التى يختلف فيها الرأى بين أنصار هذه الدولة وتلك، مثل ما إذا كان يشارك بعض أنصار التيار الدينى رأيهم فى أن الاحتفال بشم النسيم حرام، وفى كيفية التعامل مع السياح، وما إذا كان مع أو ضد اعتبار النحت عملا منافيا للدين الإسلامى ومن ثم رأيه فيما إذا كانت تماثيل قدماء المصريين يجب هدمها، أو ما إذا كان يوافق أو لا يوافق على التدخل بمنع ظاهرة جديدة بدأت تترعرع منذ اشتداد ساعد التيار الدينى فى مصر فى الشهور الأخيرة، وهى أن يتفنن بعض المؤذنين فى إلقاء الأذان من خلال مكبر جبار للصوت، فيحاول إبراز مواهبه فى تلحين الأذان، وكأنه يغنى أغنية لأم كلثوم، وهو خلو من أى موهبة، متسلحا باعتقاده بأنه ما دام يؤدى عملا له علاقة بالدين، فلابد أن يقبله الناس صاغرين، ويفعل ذلك، وهو مرتاح الضمير فى جميع أوقات النهار وعند الفجر. هل يمكن تبرير سلوك هذا الرجل بالقول بأنه يحقق مصالح دنيوية أو دينية؟ أم أنه يحقق أغراض الدولة الدينية والمدنية فى نفس الوقت، مادام الأستاذ طارق البشرى يعتبر أن الاثنتين دولة واحدة فى الحقيقة؟

الجمعة، 4 نوفمبر 2011

لماذا لا يسقط نظام مبارك؟

الشروق - الجمعة 4 نوفمبر 2011

أصارح القارئ بأنى لم أعلق أى أهمية قط، فى أثناء تولى حسنى مبارك رئاسة الجمهورية، على دوره فى حكم مصر. وكنت استغرب جدا الإشارات الكثيرة فى الصحف والمجلات، والتعليقات المحلية والأجنبية، إلى أنه فعل كذا أو رفض أن يفعل كذا، أو أنه رأى رأيا معينا فقام وزراؤه ومساعدوه بتنفيذه، أو كان كارها لسياسة معنية فأحجم عنها هؤلاء الوزراء والمساعدون. نعم، ربما كان له دور فى مسائل صغيرة جدا، كأن يعين سفيرا مصريا فى دولة بدلا من أخرى (على أن تكون هاتان الدولتان على قدر بسيط من الأهمية) أو أن يعين صديقا لابنه أو قريبا لزوجته فى وظيفة له رغبة فيها، ولكنى كنت واثقا من أنه ليس له أى أثر فى الأمور المهمة التى تشكل سياسة مصر الخارجية أو الداخلية، أو حتى فى أمور أقل من هذه بكثير.

ذلك أنى كونت عن الرجل فكرة معنية منذ أن ظهر على مسرح السياسة المصرية كنائب لرئيس الجمهورية، فكرة مستمدة من القصص والأخبار الكثيرة التى رويت عنه بعد توليه المنصب، وعن تاريخه قبل توليه ذلك المنصب، (وكلها قصص وأخبار منسق بعضها مع بعضها الآخر) وتتعلق بمدى ذكائه، وحدود اهتماماته وهواياته، وما الذى يلفت نظره وما لا يلتفت إليه، وتعليقاته المدهشة إذا زار مصنعا أو قابل شخصية دولية مهمة.. إلخ، وكلها ترسم صورة متكاملة تؤدى إلى النتيجة التى توصلت إليها عن قدراته المحدودة جدا. بل وقد توصلت أيضا، بنفس الطريقة، إلى تصور معين عن مدى إدراكه هو لحجمه الحقيقى ولحدود قدراته وهكذا اكتملت صورة لا تدعو إلى الإعجاب الشديد! قدرات محدودة، وإدراك محدود لحقيقة هذه القدرات.

كذلك فيما يتعلق بابنه الأصغر جمال. هناك بالطبع فارق السن والنشأة والتعليم الذى تلقاه كل منهما، واختلاف ظروف العصر الذى ترعرع فيه هذا وذاك، ولكن استقر لدىّ أن قدرات الابن لابد أن تكون محدودة بدورها، وأن كل ما ينسب إليه من تصريحات أو تعليقات أو أفكار إنما نسبت إليه دون أن تكون فى الحقيقة صادرة عنه، إذ هناك من لهم مصلحة أكيدة فى رسم صورة غير حقيقية له، وأنه قد تم تلقينه وتدريبه على القيام بأعمال معينة أو إصدار تصريحات بعينها، بل وأن القيام بهذا التلقين والتدريب لم يكن مهمة سهلة بالمرة.

كان هناك بعض الشخصيات التى كثيرا ما يشار إليها على أنهم هم أصحاب السلطة الحقيقية فى تعريف الأمور، ويمثلون مناصب فى أمانة الحزب الحاكم، أو فى رئاسة الجمهورية، وبعضهم قد لا تكون اسماؤهم متداولة بين الناس، بل وقد لا تذكر أسماؤهم على الإطلاق فى الصحف ولم يكن لدىّ شك فى أن هذه المجموعة من الأشخاص لهم فعلا تأثير أهم بكثير مما للرئيس أو ابنه، ومع ذلك فقد كنت أميل إلى اعتبار هؤلاء أقرب إلى المنفذين منهم: صانعو سياسة، ومازلت أعتقد أنى كنت على صواب. فمن كان إذن أصحاب القرار الحقيقيون وصانعو السياسة؟

كان هناك بالطبع رجال الأعمال، الذين يهمهم أن تسير السياسة المصرية (ليست فقط السياسة الداخية بل وأيضا الإقليمية والخارجية) فى اتجاه معين يخدم مصالحهم الاقتصادية. وكان بعض هؤلاء معروفا ويحتلون بعض المناصب السياسية، وبعضهم قليلو الظهور، رغم أهميتهم، هؤلاء كانوا فى نظرى (ونظر كثيرين غيرى) أقرب كثيرا إلى أن يكونوا الحكام الحقيقيين لمصر، ولكنى كنت أعلق أهمية أكبر على وجوه مجهولة لنا تماما، وإن كانت تحتل مراكز مهمة فى أجهزة الأمن المختلفة (والمتعددة الأسماء). إذ كان هؤلاء هم القادرون على التصرف فى مواجهة أى أزمة أو مشكلة طارئة تحتاج إلى تدخل أو علاج سريع، وأى إخلال مهم بالأمن، أو تهديد للنظام بأكمله. لابد أن يكون لهؤلاء نفوذ كبير على كل من سبق ذكرهم، من الرئيس وأسرته، إلى أصحاب المال الوفير والشركات الكبيرة، بسبب قدرتهم الحاسمة على حماية النظام والأمن (بما فى ذلك أمن هؤلاء الأشخاص الكبار أنفسهم).

إذا كان الأمر كذلك، وما دامت بعض القوى الخارجية ذات المصلحة الأكيدة فى المحافظة على بقاء النظام، وعلى بقاء السياسة المصرية، الخارجية والداخلية كما هى، لابد أن تعمل على تأمين منافذ لها فى داخل دوائر صنع القرارات المهمة، فإن هذه القوى الخارجية لابد أن يكون لها ممثلون فى داخل أجهزة الأمن المختلفة هذه، مصريون بالطبع ولكنهم على اتصال مستمر بالقوى الخارجية، ولديهم القدرة الكاملة على الفهم السريع والتنفيذ الكامل لمصالح هذه القوى الخارجية.

●●●

هكذا كان تصورى للوضع قبل ثورة 25 يناير. وأصارح القارئ أيضا بأنه، بعد مرور عدة شهور على قيام هذه الثورة، وبعد ما رأينا من تطور الأحداث، وما يسمى أحيانا بالتلكؤ أو التباطؤ، أو بالتصرفات غير المفهومة، أو بقلة الكفاءة أو قلة الخبرة.. إلخ، أصبحت أميل إلى الاعتقاد بأن تصورى للحال قبل ثورة 25 يناير، يصلح تماما لوصف ما يحدث بعدها، إذ إنه يبدو لى أقدر من أى تصور آخر على تفسير الألغاز التى نقابلها يوما بعد يوم فى تطور الحياة السياسية واليومية فى مصر. يبدو لى إذن أن أصحاب القرارات المهمة والمصيرية مازالوا هم هم. لقد حدثت بالطبع تغيرات كثيرة فى الظوف بسبب قيام الثورة، ولابد أن يأخذ هؤلاء فى اعتبارهم تقلبات الشارع المصرى، والتغييرات التى تطرأ على مزاج الطوائف المختلفة من الشعب، ولكنهم مازالوا فى رأيى محكومين بنفس الاعتبارات الأخرى المهمة، الخارجية والداخلية.

الاعتبارات الخارجية التى تتعلق بمصالح بعض الدول التى يهمها بشدة ما يحدث فى مصر (وعلى الأخص الولايات المتحدة وإسرائيل) والاعتبارات الداخلية التى تضمن أولا نفس هذه المصالح الخارجية، وتضمن ثانيا مصالح كبار رجال الأعمال فى مصر.

إن فضل هذا التشخيص على غيره أنه يستطيع أكثر من غيره تفسير الكثير من ألغاز الثورة فمثلا: لماذا استمرار التظاهر بأن الرئيس السابق وأسرته على وشك أن يخضعوا لمحاكمة عادلة وأن يتلقوا العقاب العادل على ما صنعوه، ولكن الأيام والأسابيع والشهور تمر دون أن تتقدم إلا بسرعة السلحفاة نحو توقيع هذا العقاب؟ ولماذا التظاهر بأن الأموال المهربة إلى الخارج سوف تعاد إلى مصر ثم يُنسى الأمر تماما، أو تتخذ بعض الإجراءات بعد فوات الأوان؟ ولماذا هذا التراخى فى منع رجال النظام القدامى (أو من يسمون بالفلول) فى المشاركة فى الانتخابات الجديدة؟ ولماذا هذا الباطؤ فى إعادة الأمن إلى الشارع المصرى، رغم أهميته القصوى لعودة النشاط الاقتصادى (بما فى ذلك السياحة) إلى طبيعته، فضلا عن أهميته لعودة الطمأنينة لقلوب الناس؟ لماذا عاد فرض نوع من الرقابة على الصحف والتليفزيون، فيمنع هذا الكاتب، ويستبعد هذا المذيع؟.. إلخ الأمثلة كثيرة مما أصبح يتردد باستمرار على ألسنة الجميع، وكلها تدل على أن سقوط حسنى مبارك من كرسى الرئاسة لا يعنى بالمرة سقوط نظامه.. والسبب الذى حاولت شرحه، هو أن الرجل نفسه لم يكن مهما بالمرة، ولا حتى بقية المقبوض عليهم ومن قدم منهم للحاكمة. المهمون الحقيقيون مازالوا فى أماكنهم، لم يتعرض لهم أحد، ومن ثم فهم مازالوا يمارسون نفس سلطاتهم القديمة، وتحقيقا لنفس الأغراض القديمة.

الجمعة، 28 أكتوبر 2011

بين مذبحة ماسبيرو ومذبحة الإسكندرية

الشروق - الجمعة 28 أكتوبر 2011

عندما وقعت أحداث ماسبيرو المرعبة فى 9 أكتوبر 2011، تذكرت ما كنت قرأته عن أحداث أخرى وقعت فى الإسكندرية فى 11 يونيو 1882، أى منذ مائة وثلاثين عاما، وعرفت فى التاريخ المصرى باسم مذبحة الإسكندرية.

كان الحادث مأساويا فى الحالين، إذ راح ضحيته أبرياء كثيرون، لم يرتكبوا أى جرم، كما أن أيا منهما لم يكن متوقعا بالمرة، ولا كان من المكن التنبؤ به. وقد صدر فى أعقاب كل منهما تحذير من أقوى دولة فى العالم (بريطانيا فى الحالة الأولى والولايات المتحدة فى الثانية)، موجه إلى الحكومة المصرية، يلقى عليها اللوم لفشلها فى المحافظة على الأمن وأرواح الأقليات (الأجانب فى حالة والأقباط فى الأخرى). وقد تلا توجيه هذا اللوم، فى حالة مذبحة الإسكندرية، وقوع مصر تحت الاحتلال الإنجليزى لفترة استمرت 74 عاما. فهل يا ترى يمكن أن تحدث فى أعقاب مذبحة ماسبيرو كارثة مماثلة؟

لا نريد أن يذهب بنا الخيال والتشاؤم إلى أبعد مما ينبغى، ولكن يبدو لى أن هناك مبررات حقيقية للخوف، إذ على الرغم من أوجه الاختلاف الكثيرة بين ظروف مصر والعالم فى أواخر القرن التاسع عشر وبين الظروف السائدة الآن، فإن هناك أيضا أوجه شبه مهمة تستحق الانتباه.

●●●

حدثت مذبحة الإسكندرية بعد تسعة أشهر من قيام ثورة رائعة فى مصر قادها الضابط أحمد عرابى فى 9 سبتمبر 1881، (وسماها الناس وقتها هوجة عرابى). إذ ذهب أحمد عرابى مع مجموعة من زملائه الضباط إلى ميدان عابدين، للتعبير عن غضبهم على معاملة الضباط المصريين والتمييز ضدهم لصالح الضباط الشراكسة، وحاملين مطالبهم للخديو توفيق. وقد دار الحوار الآتى بين الخديو وعرابى (طبقا لرواية المؤرخ عبدالرحمن الرافعى):

« ــ ما هى أسباب حضورك بالجيش إلى هنا؟

ــ جئنا يا مولاى لنعرض عليك طلبات الجيش والأمة، وكلها طلبات عادلة.

ــ وما هى هذه الطلبات؟

ــ عزل رياض باشا (رئيس الوزراء) وتشكيل مجلس النواب، وإبلاغ عدد الجيش إلى العدد المعين فى الفرمانات السلطانية.

ــ كل هذه الطلبات لا حق لكم فيها. وأنا خديو البلد، وأعمل زى ما أنا عاوز.

ــ ونحن لسنا عبيدا ولن نُورث بعد اليوم».

أما مذبحة ماسبيرو فوقعت بعد ثمانية أشهر ونصف الشهر من قيام ثورة رائعة أيضا، حيث تجمعت مئات الألوف من المصريين فى ميدان التحرير وغيره من الميادين، يطالبون بالخبز والحرية والعدالة الاجتماعية، ثم بإسقاط النظام.

فى سنة 1881 اضطر الخديو توفيق للاستجابة، ولو مؤقتا، لمطالب عرابى، فقام بتغيير الحكومة، وعين حكومة جديدة، برئاسة شريف باشا، واشترك أحمد عرابى نفسه مع شريف باشا فى اختيار الوزراء الجدد. وفى سنة 2011 اضطر حسنى مبارك للاستجابة إلى مطالب الثوار بالتنحى، وشكلت حكومة جديدة برئاسة أحمد شفيق، وبدا وكأن النظام كله على وشك السقوط. ولكن فى الحالتين (حالة الخديو توفيق وحسنى مبارك) أخذ النظام القديم يستعيد قوته شيئا فشيئا، وأخذ الثوار يفقدون قوتهم شيئا فشيئا.

أثناء ذلك كان هناك فى الحالين قوى خارجية متربصة، تراقب باهتمام بالغ (وطبيعى للغاية) تطورات الثورة. كان لبريطانيا أطماع مهمة فى مصر تغرى باحتلالها (تتلخص فى الرغبة فى الحصول على موقع قدم فى طريقها إلى الهند، بما فى ذلك السيطرة على قناة السويس، وضمان تسديد ديون مصر للمقرضين الأجانب، وتحويل مصر إلى مزرعة قطن لخدمة صناعة المنسوجات البريطانية). وكان ولايزال للولايات المتحدة أطماع فى مصر (تتعلق بإخضاع أكبر دولة فى المنطقة العربية التى تحوز ثروة هائلة من البترول والغاز الطبيعى، كما تتعلق بمطامح إسرائيل بعيدة المدى، سياسية واقتصادية). ومن المؤكد أن الأطماع الخارجية فى الحالين تتعارض مع أهداف الثورتين فى التحرر والاستقلال وفى تحقيق ديمقراطية حقيقية.

من الممكن جدا إذن أن يكون قيام مذبحة من نوع مذبحة الإسكندرية فى 1882، ومذبحة ماسبيرو فى 2011، تشيع الفوضى فى البلاد، وتخلق أسبابا قوية للنزاع والشقاق، ومن ثم تعرقل أى تقدم للثورة، بل وتعطى مبررا قويا للتدخل الخارجى أمرا مرغوبا فيه بشدة من قوى خارجية وداخلية، ومن ثم يمكن أن يكون وقوعه طبقا لخطة مرسومة سلفا.

●●●

من المهم أن نلاحظ شبها آخر يتعلق بطريقة تنفيذ المذبحة فى الحالتين، أو إذا شئت، طريقة إخراجها وتمثيلها الفاعل الرئيسى فى الحالين هو «البلطجى»، وهو شخص لا قضية له، ولا يحمل مشاعر من أى نوع، أو على الأقل لا مشاهد عدائية لديه ضد الطرف الذى يقوم بقتله أو ضربه، وإن كان يستفيد من شيوع مشاعر التوجس والخوف بين طرفين، مثل المشاعر التى شاعت بين المصريين والأجانب أيام مذبحة الإسكندرية، أو بين المسلمين والأقباط فى أيام مذبحة ماسبيرو.

أما الهدف الأساسى للبلطجى (وربما الهدف الوحيد)، من ممارسة القتل أو الضرب، فهو مجرد الحصول على مبلغ من المال. إنه إذن شخص معدوم الضمير، ويفتقد أى شعور بالولاء للوطن أو لأى قضية على الاطلاق، احترف الإجرام كوسيلة لكسب الرزق بعد أن شحت فى الأسواق فرص الكسب المستمر من عمل شريف.

لقد تداول الناس فى أعقاب مذبحة ماسبيرو، تقديرات لعدد البلطجية الذين يشتغلون فى خدمة جهاز أمن الدولة المصرى لتنفيذ أغراض سياسية لا يستحسن بشأنها أن يظهر رجل الأمن بزيه الرسمى. هذا العدد هو 165 ألف شخص، وهو رقم ليس لدىّ أى سبب للشك فى قربه من الصحة، بالنظر إلى معرفتى بالزيادة الكبيرة فى أعداد المتبطلين فى مصر طوال ربع قرن الماضى، بسبب تدهور الأحوال الاقتصادية، وتكرار الإشارة إلى «البلطجية» فى البيانات الرسمية لتبرير اعتداء بعد آخر على ثوار يناير 2011 (ابتداء من موقعة الجمل فى 28 يناير)، والاعتداء المتكرر على الأقباط وكنائسهم بعد وقبل ثورة يناير.

سوف يتذكر القارئ مثلا أنه عندما وقعت جريمة نجع حمادى، التى قتل فيها ستة من الأقباط وأصيب تسعة آخرون، وهم خارجون من كنيستهم فى ليلة عيدهم يوم 6 يناير 2010، جاء فى التحقيق أن المتهم باطلاق النار (واسمه الكمونى) «مسجل شقى خطر» تكرر ارتكابه جريمة بعد أخرى، وسبق اعتقاله فى سنة 2002 وحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات  فى «جريمة بلطجة»، كما تردد كلام كثير وقتها (بل ونشرت بعض الصور) يشير إلى وجود علاقة بينه وبين رجل مهم فى الحزب الحاكم فى منطقة نجع حمادى. والآن، فى مذبحة ماسبيرو، ثبت أن جماعات وصفت أيضا بـ«البلطجية»، انضمت إلى مسيرة الأقباط السلمية، التى نظموها للاحتجاج على موقف محافظ أسوان من بناء كنيسة، فخرجت فجأة من شوارع جانبية أعداد من حملة السيوف والسنج بل وقنابل المولوتوف، وبدأت الضرب فى المتظاهرين وفى الشرطة العسكرية فى نفس الوقت، فأشعلت القتال بين الجانبين، الذى راح ضحيته 25 قتيلا وأكثر من 200 مصاب.

أما فى مذبحة الإسكندرية التى وقعت فى 1882 والتى قُدر عدد القتلى فيها بنحو خمسين والجرحى بنحو سبعين، فيذكر عبدالرحمن الرافعى (الثورة العرابية، والاحتلال الإنجليزى، 1949، ص304) أ:

«أول من أشعل الفتنة مالطى من رعايا بريطانيا وهو أخ لخادم القنصل البريطانى، ولا يمكن أن يكون هذا من قبيل المصادفات».

بعد شهر بالضبط من وقوع مذبحة الإسكندرية (11 يوليو 1882) بدأ ضرب الأسطول البريطانى للإسكندرية تمهيدا للاحتلال البريطانى. وكتب الشيخ محمد عبده فى الربط بين الاحتلال البريطانى ومذبحة الإسكندرية.

«إن الحكومة الإنجليزية على عادتها فى اختلاق العلل.. قلبت وجوه المسائل، واستدبرت طالع الحق، واستقبلت وجه مطمعها.. واندفعت لتسيير مراكبها إلى مياه الإسكندرية.. ثم نفخ بعض رجالها فى أنوف ضعفة العقول من الأجانب المقيمين بالثغر حتى أوقدوا فتنة هلك فيها المساكين، قضاء لشهرة إنجليزية، وأقامت منها حكومة إنجلترا حجة فى العدوان على الأراضى الخديوية. ولو أن بصيرا نظر إلى أحوال القطر المصرى بعين صحيحة لعلم أن بداءة الخلل فى ذلك القطر من يوم ورود المراكب الإنجليزية لثغر الإسكندرية، ولا نسبة بين ما كان قبل ذلك من عموم الأمن ورواج الأعمال وانتظام المصالح، وبين ما كان بعده» (تاريخ الأستاذ الإمام، اقتطفه الرافعى ص 304).

ليس غرض من كتابة هذا المقال الشروع فى طرح مجموعة من الاحتمالات (الفظيعة كلها) لما يمكن أن يكون الهدف النهائى من تدبير مذبحة ماسبيرو: تفتيت العالم العربى أجزاء، أصغر حتى مما جرى عمله منذ تسعين عاما فى أعقاب الحرب العالمية الأولى؟ مزيد من إضعاف الدولة فى مصر، والعرب عموما، لدرجة تمكن الإسرائيليين من السير قدما فى تهويد فلسطين؟ إعادة توزيع ثروة العرب (وعلى الأخص البترول والغاز الطبيعى» بما يعطى لإسرائيل نصيبا ملموسا، وفى مأمن من أى احتمال للمقاومة من جانب العرب؟

بل غرضى الأساسى من كتابة هذا المقال هو التأكيد مرة أخرى على أن الصراع بين المسلمين والأقباط، صراع مفتعل من أساسه، ولا ناقة فيه ولا جمل لا للمسلمين ولا للأقباط، بل الغرض الحقيقى من إثارته وزيادته هو الإضرار بالمسلمين والأقباط جميعا، وأن أى تصوير للأمر على خلاف ذلك ينطوى على خطأ فادح ناتج إما عن ترك العنان للعواطف، أو عن رغبة متعمدة لتضليل الطرفين.

الجمعة، 21 أكتوبر 2011

كيف نجمع بين التدين.. والتقدم؟

الشروق - الجمعة 21 أكتوبر 2011

عرفت فى حياتى من جمع بين تدين عميق وإيمان قوى، وبين رغبة صادقة فى تحقيق نهضة شاملة لهذه الأمة، وحيوية جعلته طول حياته ناشطا سياسيا، ينضم إلى هذا الحزب ثم ذاك، على أمل أن يسهم فى تحقيق هذه النهضة التى يرنو إليها.

كان تفسير هذا النوع الفذ من الناس للدين، تفسيرا عقلانيا تماما، فيفهم النصوص الدينية دائما بمعان تتفق مع متطلبات النهضة الاجتماعية والسياسية. ولكنه كان يدرك أيضا أن أعدادا غفيرة من المتدينين فى مصر يقبلون تفسيرات للدين أقل عقلانية، وينشغلون بأمور صغيرة لا علاقة لها بقضية النهضة، بل وقد تتعارض معها فى كثير من الأحيان. لم يتم هذا من عزم هذا النوع المستنير من الناس، ولكنه اعتقد، بسبب ثقته الشديدة بنفسه، وبسلامة موقفه، أنه قادر على التأثير فى هذه الجماهير على نحو يجعلهم يفهمون الدين الفهم الصحيح والايجابى، وعلى تعبئتهم للسير وراءه فى سبل تحقيق الأهداف السامية للأمة.

من هؤلاء الذين عرفتهم وتوفر فيهم هذا الإخلاص للدين، والإخلاص لقضية النهضة فى نفس الوقت، صديقى الراحل عادل حسين. كنت أقدر فيه هذين الموقفين، ولكنى أعترف بأنى أشفقت عليه فى سنواته الأخيرة، عندما رأيته يفشل فى تحقيق هدفه، إذ بدلا من أن يقنع الجماهير الغفيرة بتفسيره العقلانى للدين، رأيته يتزحزح شيئا فشيئا، مقتربا من تفسيرات هذه الجماهير الغفيرة البعيدة عن العقلانية، ورأيته ينشغل أكثر فأكثر ببعض الأمور الصغيرة التى لا علاقة لها بقضية النهضة (ولا بجوهر الدين فى رأيى) بل وقد تتعارض مع كل منهما.

كان لابد أن يذكرنى التحول الذى طرأ على عادل حسين فى سنواته الأخيرة بقصة قصيرة مشهورة للروائى الإنجليزى جورج أورويل، وتحمل عنوانه «إطلاق الرصاص على الفيل». وسبب شهرة هذه القصة هو بالضبط المعنى الذى ذكرنى بصديقى الراحل.

تتخلص القصة فى أن ضابط شرطة بريطانيا، أثناء خدمته فى بورما (وربما كان هذا الضابط هو أورويل نفسه إذ كان يعمل هو أيضا فى فترة من حياته فى جهاز الشرطة البريطانية فى بورما)، كلف بالذهاب إلى منطقة خرج فيها فيل ضخم مجنون، فسار فى شوارع قرية مكتظة بالسكان، وهدد حياة الناس بالخطر. وأعطى الضابط حرية التصرف فى أن يقتل الفيل أو أن يكتفى بصيده وشل حركته. ولكن الضابط أثناء رحلته إلى مكان الفيل، مر بجماهير غفيرة من الناس كانوا قد سمعوا بقصة الفيل، فساروا وراء الضابط آملين أن يروا مشهدا مثيرا، وكانوا يتحفزون لرؤية الفيل مقتولا، ولا يشبع غليلهم مجرد تهدئته أو شل حركته. وأثناء هذه المسيرة، ظل عدد الجماهير السائرة وراء الضابط يزداد شيئا فشيئا، حتى أصبحوا آلافا مؤلفة، كلهم يريدون أن يروا الفيل مقتولا، فإذا بالضابط يعجز عن مقاومة سلطانهم وقوة تأثيرهم، ولو بسبب العدد وحده، وإذا به يطلق النار على الفيل فيرديه قتيلا، ودون أن تكون هناك حاجة فى الواقع للذهاب إلى هذه الدرجة من القسوة فى التعامل مع الفيل.

فى خضم المد الدينى الحالى يثور خوف حقيقى لدى الكثيرين من المثقفين فى مصر (وهو خوف مبرر فى نظرى) من أن يحدث شىء مماثل لما حدث فى قصة أورويل، أى أن تسيطر تفسيرات لا عقلانية للدين، تحملها الجماهير الغفيرة إلى السطح، على التفسيرات الأكثر عقلانية، ومن ثم ان يحل محل الدعوة للتخلص من الاستبداد، نظام جديد مستبد يرغم الناس على الخضوع له، وعلى قبول مظالم جديدة يجرى تطبيقها هذه المرة باسم الدين.

أقول إن لهذا الخوف ما يبرره لأن التدين، كسلوك إنسانى واجتماعى، ينطوى على جرعة كبيرة من العاطفة، والعاطفة من الممكن أن يجرى إخضاعها للعقل، ولكنها كثيرا ما تقوم هى باخضاع العقل وحرفه عن مساره. ما أسهل أن تسود تفسيرات لا عقلانية لما يأمر به الدين أو ينهى عنه، لمجرد أنها التفسيرات التى قبلها عدد كبير من الناس الأعلى صوتا والأشد حماسا.

إن النهر المتدفق سريع الجريان هو الذى يحمل فى مساره مختلف أنواع الشوائب والأعشاب والحجارة، بينما يتخلص النهر بطىء الجريان، أثناء سيره، مما يعلق به من شوائب.

هذا الخطر هو الذى دفع كثيرين من مثقفينا إلى الشك فى قدرة الحركات السياسية التى ترفع شعارات دينية على تحقيق نهضة اجتماعية سياسية، وفضلوا أن يقوم النشاط السياسى وحركات المقاومة على فكر علمانى بحت، على أمل أن تقوم العلمانية بحماية النشاط السياسى من الانحراف والاستبداد واللاعقلانية. ولكن هذا الموقف ينطوى بدوره على خطر. إذ بدلا من أن نحتفظ بالحمية الدينية القوية التى يمكن أن تقوى روح المعارضة والمقاومة، وتسهم فى إنجاحها، ونحاول فقط أن نتخلص من الشوائب إذا بنا نستغنى عن شرط أساسى من شروط نجاح النشاط السياسى، ونجاح الجهود المبذولة لتحقيق النهضة.

وغنى عن البيان أن العلمانية بدورها، ليست كافية لحماية النشاط السياسى من الوقوع فى الشطط واللاعقلانية. فالنشاط السياسى القائم على أسس علمانية بحتة لم ينجح دائما فى أن يحمى نفسه من الشوائب والانحرافات، بل وقد تقترن العلمانية أيضا بما يشبه التقديس فى موقفها من زعمائها، فتعتبرهم بمثابة «السلف الصالح»، وتنتهى إلى درجة عالية من الاستبداد والتسلط، كما نعرف جيدا من تاريخ الستالينية والنازية والفاشية.

كثيرا ما يدفعنى هذا إلى أن أقول لنفسى أن الميل إلى «الميتافيزيقا» (أى إلى اعتناق أفكار تتجاوز الملموس والمحسوس من الظواهر الطبيعية) قد يكون أقوى بكثير مما نظن. وأن التدين ليس إلا شكلا واحدا من أشكال الموقف الميتافيزيقى. فكثيرا ما ينطوى الموقف العلمانى على موقف ميتافيزيقى أيضا. والموقف الميتافيزيقى، وليس التدين وحده، هو الذى ينطوى على خطر تغليب العاطفة على العقل، وخطر التشدد والتطرف، وخطر الإفراط فى تقديس المأثور إلى حد التفاوض عن الفروق التاريخية التى تجعل متطلبات عصر معين غير متطلبات عصر آخر، ومن ثم خطر الميل إلى الاستبداد وفرض الرأى الواحد على الغير.

إن المصدر الأصلى لكل أنواع التفكير الميتافيزيقى قد يكون حاجة دفينة فى الإنسان، قد يكون وراءها دافع بيولوجى. وهذا الموقف الميتافيزيقى كثيرا ما يكون مصدر قوة للنشاط السياسى ودافعا مهما من دوافع النهضة والتقدم، ولكنه هو نفسه الذى يحمل خطر انحراف النشاط السياسى عن مساره.

نحن إذن أمام مشكلة عويصة ليس من السهل حلها: لدينا شىء ثمين للغاية هو الميتافيزيقا، التى تثير الحمية والحماس، وتجمع الصفوف تبث شعورا قويا بالولاء والنسب، وهى أشياء ثمينة جدا لأى نشاط سياسى ولأى عمل يستهدف نهضة الأمة، ولكنها معرضة دائما للاختلاف بعواطف متطرفة قد تؤدى إلى الابتعاد عن الهدف الأصلى.

كيف نخلص النهر المتدفق سريع الجريان، مما يلحق به من شوائب وأعشاب دون أن نقلل من سرعته؟ كيف نحافظ على الحمية والحماس والاستعداد للتضحية، المستمد من التدين العميق، مع المحافظة فى الوقت نفسه على العقلانية والتسامح مع المختلفين عنا فى الرأى بل وحتى فى العقيدة، ولكنهم يتفقون معنا فى التطلع إلى تقدم الأمة؟ كيف نزيل الشوائب التى علقت بالدرة الثمينة دون أن نفقد فى غمار ذلك الدرة الثمينة نفسها؟

المهمة صعبة حقا، ولكن تاريخنا الثقافى لا يخلو من أمثلة جمعت بين هذين الشرطين. فالقرون الأولى للحضارة العربية الإسلامية الرائعة، جمعت بين الشرطين، كما أن تاريخنا الحديث لا يخلو من أمثلة لمثقفين عظام نجحوا أو كادوا ينجحون فى تحقيق هذا الجمع، نجاحا باهرا، وتركوا أثرا حميدا وباقيا فى حياتنا الثقافية والسياسية على السواء. إنى واحد من كثيرين ممن يعتبرون من بين هؤلاء المثقفين العظام الشيخ محمد عبده، حيث اقترنت لديه الدعوة إلى مقاومة الظلم والاستبداد، وإلى العمل من أجل تحقيق نهضة شاملة للأمة، بحمية دينية قوية، وخالية من أى أثر للتطرف والتسلط واللاعقلانية، مع تسامح رائع مع أصحاب الآراء والعقائد المغايرة.

ولكن أعود فأقول إن النجاح النسبى الذى حققه هؤلاء المثقفون العظام، فى كسب المؤيدين والأنصار، بينما تكاد تخلو حياتنا الثقافية الآن من شبيه لهم، قد يعود إلى الاختلاف الشديد بين المناخ الاجتماعى الذى كانوا يكتبون ويفكرون فيه فى أواخر القرن التاسع عشر والثلث الأول من القرن العشرين، وبين المناخ الاجتماعى الذى نعيش فيه الآن.

نعم، لا شك عندى فى أن من المهام الرئيسية للمثقفين المصريين والعرب والمسلمين الآن، إحياء فكر رجال عظام من نوع الشيخ محمد عبده، ولكنى لست من الغفلة بحيث أتصور أنها مهمة سهلة فى ظروف كالتى نعيش فيها اليوم. وكثيرا ما أقول لنفسى إن النجاح فى هذا المجال، أى فى تحقيق الجمع بين التدين والتقدم، سيتطلب أولا نجاحا فى مجال مختلف عنه ولكنه وثيق الصلة به، وهو مجال التقدم الاقتصادى، أى رفع مستوى المعيشة للغالبية من الناس وتحقيق قدر أكبر بكثير من العدالة الاجتماعية.

الجمعة، 14 أكتوبر 2011

مرة أخرى: التدين والتقدم

الشروق - الجمعة 14 أكتوبر 2011


يجب أن تكون لدينا الشجاعة للتمييز بين الدين والتدين. هل الأمر يحتاج إلى شجاعة حقا؟ نعم، لأن نقد شكل من أشكال التدين كثيرا ما يعتبر نقدا للدين، فإذا بنوع من الإرهاب الدينى يستخدم ضد أى شخص يتجرأ على نقد شكل من أشكال التدين، ولو كان نقدا لمدى ارتفاع صوت الميكروفون المستخدم لإذاعة الأذان.

الدين ظاهرة إلهية، أما التدين فظاهرة بشرية واجتماعية. وككل ظاهرة بشرية واجتماعية، يسرى عليها ما يسرى على غيرها من ظواهر اجتماعية من حيث خضوعها للتطور (بينما الدين ثابت لا يتغير)، ومن حيث اختلافها بين بلد وآخر وأمة وأخرى (حتى مع اعتناقهم كلهم نفس الدين)، ومن حيث تأثرها بما يطرأ على أحوال المجتمع من تغيرات اقتصادية وسياسية ونفسية.

إنى أستطيع أن أزعم مثلا، بكل ثقة، وسوف يؤيدنى كل من عاصر مثلى ما طرأ على مصر من تغيرات منذ أربعينيات القرن الماضى، أن التدين فى الأربعينيات والخمسينيات كان مختلفا جدا عنه الآن. كان أقل تشددا وتطرفا وأكثر تسامحا، سواء مع أصحاب الديانات الأخرى أو لنفس الدين. فما الذى حدث خلال هذه الفترة وعلى الأخص منذ سبعينيات القرن الماضى، أى خلال الأربعين سنة الماضية ليؤدى إلى هذه النتيجة؟

لقد أشرت فى المقال السابق إلى ارتفاع معدل العولمة كسبب محتمل من أسباب التغير الذى طرأ على أشكال التدين التى انتشرت، ليس فى مصر وحدها بل فى العالم كله. وأريد أن أضيف الآن عاملا آخر داخليا (ليس منبت الصلة بظاهرة العولمة) وهو ارتفاع معدل الحراك الاجتماعى، أى ما طرأ من تغير سريع على المركز النسبى للشرائح الاجتماعية المختلفة، إذ يصعد بعضها صعودا سريعا على السلم الاجتماعى، ويبهط غيرها، وتشتد اللهفة على الصعود، كما يشتد الخوف من الهبوط، وتحتد المشاعر بسبب هذه اللهفة وهذا الخوف، وتقوى الرغبة فى إثبات الصعود وإعلانه على الملأ، كما تقوى مشاعر الإحباط والأسى لدى من تدهور مركزه بين الناس. والصعود السريع يحمل إلى السطح تقاليد وعادات كانت خافية ومستترة بحكم ضعف المركز الاقتصادى، فأصبحت سائدة ومنتشرة عندما تحسن هذا المركز، ولكن الصعود السريع جدا قد يكون أيضا لسبب غير قانونى أو غير أخلاقى، إذ إن الأعمال المشروعة والتى تراعى قواعد الأخلاق لا تؤدى عادة إلى الإثراء المفاجئ والترقى السريع. كما أن الصعود السريع كثيرا ما يقترن بوصول المال إلى أيدى فئات قليلة الحظ من التعليم والثقافة، حصلت على المال بالشطارة والخفة وليس بما لها من مهارات أو كفاءات. كل هذا يجعل من الممكن جدا أن تظهر أنواع جديدة من التدين لم تكن معروفة أو ظاهرة من قبل، تتسم بحلول التشدد محل التسامح، والتظاهر بما ليس حقيقيا وصادقا، والتعصب والتطرف محل التدين العقلانى الحكيم، أو باستخدام التعبيرات الدينية الأخلاقية لإخفاء الحقيقة المنافية للأخلاق، أو لتعزية النفس عن الفشل فى الصعود الاجتماعى..الخ.

لابد من أن نكون على استعداد أيضا للتسليم بأن الخطاب الدينى يتسم باحتمال تفسيره على أكثر من نحو، ويمكن أن يستجيب له المثقف والأقل ثقافة، المتعلم وغير المتعلم، لما لهذا الخطاب من صلات قوية بالعواطف الجياشة المستمدة من الإيمان، وبتاريخ طويل من العادات والتقاليد التى تقع فى صميم المخزون الثقافى للأمة وتعبر عن شخصيتها، ومن ثم تستجيب لها عواطف الناس بسهولة، لا فرق فى هذا بين المثقف وغير المثقف. ما أسهل إذن أن ينتشر ويقوى الخطاب الدينى فى فترات الحراك الاجتماعى السريع التى تقوى فيها عواطف الناس وتتجه فى أكثر من اتجاه، ويحتاج الناس فيها إلى التعبير عنها بقوة تناسب ما حدث لعواطفهم من تأجج. لا عجب أيضا من أن يتبنى الناشطون السياسيون، أو عدد كبير منهم، الخطاب الدينى فى التعبير عن آمالهم وطموحاتهم السياسية، وتتبنى المقاومة السياسية، سواء كانت مقاومة للعدو الخارجى أو الداخلى، شعارات مستمدة من الخطاب الدينى، فيتحول الخطاب السياسى إلى خطاب دينى يستفيد بدوره مما يمارسه هذا الخطاب من تأثير عميق فى شعب متدين بطبعه.

إن هذا المجال من المجالات التى ظهر فيها المد الدينى (أو كما قد يقول البعض هذا الاستخدام أو «التوظيف» للدين)، وأقصد مجال المقاومة السياسية ضد العدو الخارجى أو الداخلى، هو من أنبل أمثلة المد الدينى ومن أقربها وأوثقها صلة بروح الدين الحقيقية، وبواحد من أسمى أهدافه، وهو التحرر من العبودية لغير الله. نعم، قد يرى البعض فى الدين دافعا لإطالة أو تقصير الثياب، أو لإطلاق اللحى، أو للتشدد فى حجب النساء عن العيون، ولكنى أزعم أنه فى هذه الميادين لا يظهر التدين فى أبهى صوره، ولا فى أكثرها فاعلية لتحقيق نهضة المجتمع. إذ فلتقارن بين هذه المظاهر من مظاهر السلوك التى تتعلق بأشياء كنوع ما يرتديه المرء من ثباب، أو بطريقة التعامل مع النساء، وبين استيحاء الدين لدعم كفاح من أجل الحصول على الاستقلال، أو من أجل التحرر من حكم حاكم مستبد أو من أجل تحرير أرض احتلها الأجنبى.

إن التدين كما يمكن أن يؤدى إلى الانشغال بقضايا سطحية، وضعيفة الأثر فى التحرر النفسى أو السياسى، بل إلى التفريق بين الناس، وإشاعة روح الخصام والعداوة بينهم، يمكن أن يؤدى إلى التأكيد على كرامة الإنسان ورفض الاعتداء على حريته وإلى التمسك بالمثل العليا (وهذا هو السبب فى ميلى إلى تسمية ما حدث خلال الأربعين عاما الماضية، مدا دينيا، بدلا من تسميته صحوة دينية، إذ إن تعبير المد الدينى يحتمل الجيد والسيئ من أنواع السلوك، المحمود وغير المحمود، بينما الصحوة الدينية لا تشير إلا إلى شىء مطلوب ومحمود).

فى العقود الأولى من القرن العشرين، كان من بين الشعارات التى هتف بها المصريون للمطالبة بالديمقراطية السياسية ومقاومة الاستبداد، هتاف «لا ملك إلا الله» وهو شعار جميل يؤكد الكرامة الإنسانية بتأكيده رفض الخضوع لأى إنسان، ثم رفع مثل هذه الشعارات للتخلص من حكم الشاه المستبد فى إيران فى أواخر السعبينيات، وفى مقاومة الاحتلال الإسرائيلى لفلسطين ولبنان. فإذا كان للتدين هذه القدرة على توليد هذه المشاعر الدافعة إلى نهضة الأمة واستقلالها، فأى خسارة يمكن أن تلحق بالأمة إذا تنكرت لدينها، أو إذا أنكر مثقفوها أن من بين أنواع التدين ما يمكن أن يساهم مساهمة فعالة فى تحقيق هذا الاستقلال وهذه النهضة؟

إن الدافع الأساسى لأى نهضة، قد لا يكون كما يعتقد الكثيرون عاملا اقتصاديا أو تكنولوجيا أو ماديا من أى نوع، بل قد يكون (ويا للغرابة!) اعتقادا ميتافيزيقيا (أى الاعتقاد فيما يتجاوز الطبقة المرئية والملموسة). والاعتقاد الميتافيزيقى يشمل التدين، ولكنه يشمل صورا أخرى غيره، إذ إن غير المتدين أيضا قد يصل إلى حد تقديس بعض الزعماء والمفكرين، فيدفعه هذا إلى حماس يشبه حماس المتدين لدينه (من ذلك مثلا تقديس الروس فى فترة ما لزعماء الماركسية)، وقد يشمل أيضا الشعور بالتفوق العرقى أو القومى (من ذلك شعور الألمان وحماسهم للنازية فيما بين الحربين العالميتين).

يعبر شكيب أرسلان تعبيرا رائعا عن هذا المعنى فى كتابه الجميل «لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟» الذى ظهر فى أوائل الثلاثينيات من القرن الماضى، حيث يقول: «لماذا ترى أعظم شبان اليهود رقيا عصريا، يجاهدون فى إحياء اللغة العبرية التى لا يعرف مبدأ تاريخها، لتوغلها فى القدم .... (وهم) أشد الناس أخذا بمبادئ العلم الحديث والحضارة العصرية؟.. وجميع هؤلاء الخلائق تعلموا وتقدموا وترقوا وعلوا فى السماء، والمسيحى منهم باق على إنجيله وتقاليده الكنسية، واليهودى باق على دينه.. وهؤلاء اليابانيون هم وثنيون.. فلا كانت الوثنية سبب تأخرهم الماضى ولا هى سبب تقدمهم الحاضر.. واعتقاد عامتهم فى وجود حصان مقدس، يركبه الإله فلان، لم يقف حائلا دون تقدمهم.... ليست الدبابات والطيارات والرشاشات هى التى تبعث العزائم وتوقد نيران الحمية فى صفوف البشر، بل الحمية والعزيمة والنجدة هى التى تأتى بالطيارات والدبابات».

●●●

ولكن الإقرار بما يمكن أن يكون للتدين من أثر رائع فى دفع الأمة إلى النهضة لا يتعارض مع الإقرار بأن هناك من صور التدين ما يؤدى إلى العكس بالضبط، أى ما يعرقل نهضة الأمة ويسلب منها عناصر القوة. ولابد أن تكون لدينا الشجاعة للاعتراف بأنه فى خضم المد الدينى الحالى، تشيع بين المصريين وغيرهم، صور من التدين تؤدى إلى ضعف الهمة بدلا من  تقويتها، وإلى التخلى عن المسئولية بدلا من النهوض بها، وإلى تفتيت الأمة بدلا من توحيدها وضم صفوفها. وانتشار هذه الصور من التدين يرجع إلى ظروف اجتماعية وعالمية، هى ما حاولت أن أبينه فى هذا المقال والمقال السابق. فماذا نحن فاعلون إزاء هذا الموقف الصعب؟

الجمعة، 7 أكتوبر 2011

التديُّن والتقدم

الشروق - الجمعة 7 أكتوبر 2011

كانت زيارة السيد رجب طيب أردوغان، رئيس وزراء تركيا لمصر، فى الشهر الماضى، زيارة مثيرة وفريدة من نوعها من أكثر من ناحية. جلبت الفرح لكثير من المصريين (أنا واحد منهم) ولكنها ــ لابد أيضا ــ أثارت القلق لدى البعض الآخر، فى مصر وخارجها.

فها هى تركيا تقدم لنا تجربة مثيرة فى الجمع بين التدين وبين التقدم الاقتصادى والسياسى والاجتماعى، لم ير المصريون أو العرب أو المسلمون مثلها منذ زمن طويل. وهى تجربة حديثة على تركيا أيضا، إذ لا تذكر تركيا فى تاريخها الحديث إلا نوعين من التجارب: تدين مقترن بالتخلف (فى القرون الأخيرة من الخلافة العثمانية)، أو تقدم مقترن بالتنكر الصريح للدين (فى عهد أتاتورك). أما هذا الجمع بين التدين والتقدم، كالذى اتسم به النظام التركى خلال العقد الماضى، فهو شىء جديد ومثير فى نفس الوقت، ويستحق التفكير والتأمل.

لابد من الاعتراف، مع ذلك، بأن هذه الظاهرة التركية قد أصابت بعض المثقفين المصريين بشىء من الحيرة، السيد أردوغان متدين حقا، وتركيا بدأت بلا شك نهضة حقيقية فى مختلف نواحى الحياة، منذ جاء أردوغان إلى الحكم، ولكن أردوغان يجهر صراحة بأن نظام حكمه علمانى، إذ قال إن الدولة التركية تحرص على أن تقف على مسافات متساوية من كل الأديان. كما قال بوضوح إنه وإن كان مسلما متدينا فإنه لا يحكم باسم الإسلام، إذ إنه يعرف أنه كشخص أو كحاكم يمكن أن يخطئ، ولكن الإسلام لا يمكن أن يخطئ، ومن ثم فإنه لو ادعى أنه يحكم باسم الإسلام، قد يلحق الضرر بسمعة الدين الذى يجله ويدين به، إذا ارتكب هو خطأ فى تفسيره.

هذا الجميع بين تدين الحاكم كشخص، وبين علمانية الدولة، هو ما أثار الحيرة لدى بعض المصريين الذين يكرهون وصف العلمانية ويكادون يعتبرونه مرادفا لشىء قريب من الكفر. كيف يمكن التوفيق (هكذا تساءل هذا الفريق من المصريين) بين حبهم وتقديرهم لأردوغان ولتجربته المبهرة فى تركيا، وبين رفضهم للعلمانية التى وصف بها الرجل سياسة الدولة التركية؟

اصارح القارئ بأننى، رغم تفهمى لهذه الحيرة لدى فريق من المصريين، لا أعتبر نفسى من أفراد هذا الفريق، إذ إننى لا أرى تعارضا بين التدين وبين النهضة، ولا بين التدين وبين علمانية الدولة، كما أننى، من ناحية أخرى، لا أشك فى إمكانية التعارض بين بعض أشكال التدين وبين النهضة والتقدم، وهو ما سأحاول بيانه فى هذا المقال، ومقالات تالية.

●●●

نحن نعيش منذ ما يقرب من أربعين عاما، فى حالة يمكن وصفها بـ«المد الدينى». البعض يسميها «صحوة دينية» ولكننى أفضل وصف «المد الدينى» لأسباب سوف تتضح بعد قليل.

إنها فترة اتسمت بارتفاع نبرة الخطاب الدينى وانتشاره، وزيادة قوته بل وسطوته مع ميل واضح لتفسير الدين تفسيرا أكثرا تشددا من ذى قبل.

هذا المد الدينى لا يقتصر على دولة واحدة أو عدد قليل من الدول، بل ولا على دين واحد دون غيره من الأديان. فالظاهرة مصرية كما هى عربية، وهى أيضا إيرانية وباكستانية وأفغانية وتركية. وتشمل المسلمين فى البلاد الإسلامية كما تشملهم فى أوروبا والولايات المتحدة وغيرهما. وهى ظاهرة شملت، ولو بدرجة أقل قوة، شعوبا تدين بالمسيحية، وتنتمى إلى مراحل مختلفة من مراحل التطور الاقتصادى والاجتماعى، من أوروبا والولايات المتحدة إلى أمريكا اللاتينية، إلى الأقليات المسيحية داخل البلاد العربية.

تجلت ظاهرة المد الدينى فى مجالات متعددة من مجالات الحياة الاجتماعية، فى الثقافة والفكر، فى المدارس ووسائل الإعلام، فى زيادة عدد المترددين على المساجد والكنائس، وغيرها من أماكن العبادة، وفى ارتفاع درجة التشدد فى تطبيق شعائر الدين، كما تجلى أثر التدين فى مختلف أنواع السلوك الاجتماعى، فى نوع الملابس، خاصة ملابس النساء، وفى انتشار استخدام التعبيرات الدينية فى الحديث والكتابة، وفى انخفاض درجة التسامح بوجه عام فى التعامل مع أصحاب الديانات الأخرى، وفى ارتفاع درجة التوتر بين المؤمنين بأديان مختلفة... إلخ.

إذا كانت ظاهرة المد الدينى قد زادت قوتها وانتشارها إلى هذا الحد، وامتد تأثيرها إلى مختلف جوانب الحياة الاجتماعية، فكيف لا نتوقع أن تمتد أيضا إلى النشاط السياسى، وإلى حركات المقاومة السياسية، سواء كانت مقاومة ضد عدوان خارجى أو ضد التسلط والاستبداد فى الداخل؟

كان هذا هو ما حدث بالفعل. فمنذ أوائل السبعينيات نمت الحركات السياسية التى تجمع بين الشعارات السياسية والدينية، كما نمت حركات المقاومة المتخذة طابعا دينيا، والتى تستخدم الخطاب الدينى فى صياغة مواقفها السياسية فى مصر والبلاد العربية الأخرى، التى ترفع شعارات دينية وتصيغ أهدافها صياغة دينية. كما تحول خطاب المقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلى من خطاب قومى علمانى إلى خطاب دينى. ورأينا ذلك أيضا فى مقاومة اللبنانيين للعدوان الإسرائيلى فى 1982، ثم فى 2006، وفى ثورة الإيرانيين على حكم الشاه، وفى المقاومة العراقية للاحتلال الأمريكى البريطانى، ومقاومة الأفغان للاحتلال السوفييتى ثم للاحتلال الأمريكى... إلخ. قد نضيف إلى ذلك بالطبع، مختلف الحركات التى يطلق عليها بحق أو بغير حق وصف «الحركات الإرهابية»، سواء كانت تعبيرا حقيقيا عن حركات دينية قررت أن تستخدم وسائل إرهابية للانتصار للإسلام، أو مجرد محاولات لتشويه صورة الإسلام بوصمه بالإرهاب.

من الصعب أن نفصل هذا الميل المتزايد لاستخدام الخطاب الدينى فى الحركات السياسية عن ظاهرة المد الدينى بصفة عامة.

فإذا كان كل شىء «يتدين»: السلوك اليومى والفكر والتعليم.. إلخ، فلماذا نستغرب أن تتدين أيضا السياسات وحركات المقاومة؟ إننى أميل إلى النظر إلى كل هذا كأجزاء من ظاهرة المد الدينى بصفة عامة، ومن ثم لابد لنا من البحث عن تفسير هذه الظاهرة العامة.

يمكن فى رأيى تفسير نشوء أو نمو ظاهرة المد الدينى خلال الثلاثين أو الأربعين عاما الماضية بعاملين أساسيين: أحدهما يتعلق بما طرأ من تغير على العلاقات بين الدول والأمم، والآخر بما طرأ على العلاقات الاجتماعية فى داخل البلد الواحد والأمة الواحدة (وكل من العاملين وثيق الصلة فى رأيى بالعامل الآخر وقد يكون الاثنان نتيجة لأسباب مشتركة). وسأتناول هذين العاملين على التوالى.

●●●

أما التطورات التى طرأت على العلاقات الدولية فأقصد بها ما حدث خلال الثلاثين أو الأربعين عاما الماضية من تصاعد موجة جديدة من العولمة. إننى أصف هذه الموجة من العولمة بـ«الجديدة» لأن العولمة ظاهرة قديمة، تعلو وتهبط، تشتد ثم تضعف، ويمكن بلا شك اعتبار الموجات الاستعمارية المتتالية، الحديثة والقديمة، موجات من العولمة، قربت المسافات التى تقطعها السلع والأشخاص ورؤوس الأموال والأفكار والعادات، ولكن هذه الموجة الأخيرة من موجات العولمة تميزت عن موجات العولمة السابقة ببضع سمات لها علاقة وثيقة فى رأيى بظاهرة المد الدينى.

إن موجات الاستعمار كلها، قديمها وحديثها، كان لها دائما دوافع اقتصادية قوية (حتى وإن اقترنت أحيانا بدوافع أخرى عسكرية أو سياسية أو أيديولوجية). وتتمثل هذه الدوافع الاقتصادية فى الرغبة فى الحصول على مواد أولية رخيصة، أو عمل رخيص، أو فتح أسواق جديدة أو مجالات جديدة للاستثمار، أو كل هذا معا. وقد كانت هذه الدوافع الاقتصادية فى المراحل المتعاقبة من التاريخ، تحفز دولة قوية إلى احتلال دولة أخرى أضعف منها، أى إلى الاعتداء العسكرى. ولكن الدوافع الاقتصادية وراء الموجة الاستعمارية الحالية (وإن اتخذت أحيانا صورة الاحتلال والاعتداء العسكرى) تحفز الدول والشركات إلى الاعتداء فى مجالات أخرى أيضا وبصور مختلفة. نعم، مازال الاحتلال والاعتداء العسكرى من أدوات الاستعمار، ووسيلة من وسائل تأمين الحصول على مواد أولية رخيصة وعمل رخيص، وتصريف السلع الباحثة عن أسواق، وفتح مجالات جديدة للاستثمار، ولكن السلع الباحثة عن أسواق، ذات طبيعة مختلفة عما كانت فى الماضى، ولم يعد القهر المادى أكثر الوسائل فعالية لضمان التسوق وفتح مجالات جديدة للاستثمار، بل أصبحت الوسيلة الفعالة هى الإغراء وتطويع المستهلك بالحسنى. الاستعمار (ويجب ألا نخجل من استخدام هذه الكلمة الآن وكأن ظاهرة الاستعمار لم يعد لها وجود)، يعمل الآن فى ميدان النفس البشرية، ويعتدى على العقول أكثر مما يعمل فى ميدان الحرب والاعتداء المادى. كما أصبح للاستعمار وسائل لتحقيق هذا النوع الجديد من الاعتداء لم تكن موجودة من قبل، أو على الأقل لم تكن موجودة بنفس الدرجة.

لم يعد التهديد موجها للأرض بقدر ما هو موجه للهوية، وعندما تكون الهوية مهددة يستيقظ الحس الدينى، وتهب الحمية الدينية للدفاع. بعبارة أخرى، فى ظل موجات الاستعمار القديمة، يهب المهددون بالاستعمار للدفاع عن أراضيهم وحياتهم برفع السلاح المادى ضد سلاح مادى. أما فى موجة الاستعمار الحالية، فإن المهددين بالعولمة والاغتراب يهب كثيرون للدفاع عن هويتهم بالتمسك بالدين، وتختار المقاومة خطابا يتناسب مع نوع الاعتداء، فإذا به، فى أحوال كثيرة خطاب دينى.

ولكن إلى جانب هذا التطور العالمى (أو الخارجى) كان هناك عامل قوى آخر فى داخل البلد الواحد والأمة الواحدة، ويعمل فى نفس الاتجاه، ويعطى مزيدا من الدعم للمد الدينى.

وسوف أتناول هذا العامل الداخلى فى المقال المقبل.

الجمعة، 30 سبتمبر 2011

مزيد من ألغاز الثورة

الشروق - الجمعة 30 سبتمبر 2011

كان من ألغاز ثورة يناير 2011، أن يعلن من استولوا على السلطة فى أعقابها عن موعد قريب لإجراء انتخابات مجلس الشعب. بدا هذا الإسراع فى الإعلان عن انتخابات جديدة، غريبا فى أعقاب ثورة مهمة لهذه الدرجة، جاءت لإنهاء حكم طويل اقترن بشيوع الفساد فى مختلف مجالات الحياة السياسية والاقتصادية. فالمألوف والمتوقع مع ثورات شعبية من هذا النوع، أن يتخذ من يتسلم السلطة بعد نجاح الثورة بعض الإجراءات المهمة وأن يصدر بعض القوانين التى تواجهها كان شائعا من فساد، قبل أى تفكير فى تسليم السلطة لمنتخبين جدد. فالإسراع بإجراء انتخابات جديدة لابد أن يؤدى إلى عودة أشخاص من نفس النوع الذى ثار الناس عليه، والذين مازالوا يتمتعون بامتيازات من النفوذ والمال تسمح لهم بالعودة من جديد، أو للتيار الدينى الذى يتمتع بأكبر قدر من الشعب قبل وبعد الثورة، أو بمزيج من الفريقين. فهل دخل هذا أو ذاك فى حساب الممسكين الجدد بالسلطة؟

● ● ●

حدث أيضا بعد أيام قليلة من تنحى رئيس الجمهورية، هجوم مريب على أكثر من مركز من مراكز الأمن التى تحتوى على ملفات مهمة لابد أن فيها ما يدين أشخاصا كانوا يحتلون مناصب كبيرة قبل الثورة. قام المهاجمون بإحراق عدد كبير من الملفات، فما الذى كانوا يريدون إخفاءه وطمسه إلى الأبد؟ ولماذا تأخر المسئولون عن استتباب الأمن فى عمل اللازم لمنع هذا الهجوم قبل وقوعه أو التصدى له قبل استفحاله؟

بدأ يشيع استخدام لفظ «البلطجية» لوصف من يقوم بأعمال إجرامية أو اعتداءات، بما فى ذلك الاعتداء على الثوار أنفسهم، أو من يعتصمون منهم فى الميادين، أو المنادين باتخاذ بعض الإجراءات التى تتفق مع أهداف الثورة، أو المحتجين على التباطؤ فى اتخاذ هذه الإجراءات. ووصف «البلطجية» وصف غامض وغير مفيد البتة، إذ إنه، مثل وصف «الإرهابى» لا يصف الشخص بل يصف العمل الذى قام به، ومن ثم فهو لا يفيد فى زيادة معرفتنا بنوع الجانى أو هدفه، بل يفيد فقط فى صرف النظر عن محاولة التعرف عليه. وهكذا زادت ألغاز الثورة لغزا. إذ من هم البلطجية الذين اشتركوا أو قادوا «موقعة الجمل»، وهاجموا الثوار فى ميدان التحرير وهم يحملون السيوف والعصى راكبين الجمال والخيول؟ ومن هم البلطجية الذين اشتبكوا مع المعتصمين المنادين بالإسراع بمحاكمة من خططوا أو اشتركوا فى هذه الموقعة التى سقط فيها الكثير من الشهداء؟ ومن هم البلطجية الذين ألقوا بألواح الزجاج أو البلاط من العمارات المحيطة بميدان العباسية عندما قصده ثوار ميدان التحرير متجهين إلى وزارة الدفاع؟ ولماذا لا يضع المسئولون عن الأمن حدا لأعمال البلطجة هذه، أيا كان هدفها؟ ولماذا لا يُختار أشخاص أقوياء ومشهورون بالحزم كوزراء للداخلية؟

● ● ●

ولكن لغز اختيار المسئولين ليس مقصورا على وزارة الداخلية. لقد لوحظ من البداية أن اختيار المسئولين الجدد لا يتفق تماما مع ما كان يتوقعه الذين قاموا بالثورة. لم يكن غريبا أن الحكومة الجديدة التى شكلها رئيس الجمهورية قبيل التنحى، أملا فى تهدئة الثوار وكسب الوقت، عهدت رئاستها لرجل كان وزيرا فى الحكومة السابقة، وإن لم يُعرف عنه أشياء تغضب الناس بل اشتهر بالكفاءة والحزم. ولكن لماذا يعود هو نفسه إلى رئاسة الحكومة حتى بعد تنحى رئيس الجمهورية، ولا يُختار شخص جديد تماما أقرب إلى ميول الثوار وأكثر استعدادا لتحقيق أهدافهم؟ الأغرب من هذا بقاء بعض الوزراء المهمين (كوزيرى المالية والخارجية مثلا) وبعض المسئولين الكبار فى جهاز النيابة العامة، فى مناصبهم رغم أنهم كانوا وزراء فى العهد السابق، أو يشغلون وظائف مهمة خلال ذلك العهد، وبدا منهم التعاون التام مع النظام الذى تم إسقاطه. كيف يمكن تفسير ذلك أو فهمه؟

أدى هذا إلى تعاقب القيام بمظاهرات فى ميدان التحرير للمطالبة بالتغيير، فكان من المدهش التباطؤ الملحوظ فى الاستجابة لهذه المطالبات، أو إحلال شخصية متوسطة، من حيث تمتعها بقبول الثوار، محل شخصية أخرى. حدث هذا حتى فى اختيار رئيس الوزراء. كان رجلا معروفا بالنزاهة والوطنية، ولكنه بدا من اليوم الأول قليل الحزم والقدرة على فرض إرادته. بل وصدرت من نائبه منذ اليوم الأول لتعيينه، عبارات أذيعت على الملأ، تحمل هذا المعنى، فلا توحى بانسجام تام بين رئيس الوزراء ونائبه، ومع ذلك استمر كل منهما فى منصبه، كذلك ظل فى منصبه وزير الخارجية الذى ظل مسئولا لمدة طويلة عن سياسة خارجية فاسدة فى النظام السابق، ووزراء آخرون معروفون بالضعف أو الفساد أو الفشل أو الاتفاق التام مع طبيعة النظام السابق، ظلوا أيضا فى أماكنهم دون أى سبب مفهوم، وعندما جاء وزير جديد للخارجية تتفق آراؤه مع أهداف الثوار، تحت ضغط مستمر من هؤلاء الثوار، سرعان ما طلب إليه التخلى عن منصبه لاحتلال منصب آخر لا يستطيع أن يفعل فيه الكثير بحكم طبيعة ذلك المنصب الجديد.

● ● ●

كان من الممكن جدا والمتوقع أن تجرى تغييرات مهمة فى وسائل الإعلام، ولكن تم التغيير بعد فترة أطول من اللازم، وكأنها تتم على مضض، وبأقل قدر ممكن من تغيير الاتجاه العام للجريدة أو برامج التليفزيون والإذاعة، وبدلا من طرد أو فصل أو بدء التحقيق مع المسئولين القدامى، تركوا وشأنهم، وأحيانا أعطيت لهم مساحة فى داخل الجريدة أو التليفزيون لا تختلف كثيرا عما كانوا يحتلونه من قبل. بل حدث نكوص عن بعض هذه التغييرات، وعادت بعض الوجوه القديمة إلى احتلال مواقع مهمة فى الإعلام.

ثم سرعان ما ظهر لغز آخر يتعلق بطريقة التعامل مع كبار المسئولين فى النظام السابق الذين تمت إزاحتهم عن مناصبهم، من رئيس الجمهورية وزوجته وولديه، إلى كبار المسئولين عن الحزب وأعضاء لجنة السياسات التى كان يرأسها ابن الرئيس، وبقية الوزراء الذين استبعدوا من الحكومة الجديدة. جاءت للناس أخبار متناثرة يصعب اكتشاف المنطق الذى يحكمها، وأسباب القبض على هذا الرجل بالذات دون آخر، وتقديم هذا للمحاكمة وترك غيره، بل وترك بعض المسئولين الكبار جدا دون أن نسمع عن القبض عليهم، أو التحقيق معهم، أو حتى تنحيتهم عن مناصبهم. وأما المنع من السفر فلم يبد أيضا أن هناك منطقا يحكمه. لماذا ترك هذا الرجل يسافر فى الوقت المناسب ولم يسمح لغيره؟ ولماذا تم التحفظ على أموال هذا الرجل بالذات والتحقيق معه، مع أن هناك كثيرين أكثر خطرا بكثير وأكثر اشتهارا بالفساد؟

أما متابعة الثروات المهربة إلى الخارج فقد احتار الناس فى فهم ما اتخذ من إجراءات بشأنها. فرغم ما دأبت الصحف على نشره، صدرت تصريحات من مسئولين فى دول أجنبية تنفى أنه قد قدم إلى دولهم أى طلب بالتحفظ على الأموال. وأما الرئيس المخلوع نفسه، هو وزوجته، فقد احتار الناس مع الأخبار الواردة عن الصحة والتوعك وفقدان الشهية وتدهور الحالة النفسية، وقدرتهما أو عدم قدرتهما على الحركة، والعزم على نقلهما أو عدم نقلهما من مكانهما إلى مكان آخر، وصلاحية أو عدم صلاحية ذلك السجن أو ذلك المستشفى لاستقبالهما.. الخ. فلما كاد الناس يفقدون صبرهم، وبدأوا يعبرون عن شكوكهم وضجرهم، أعلن عن بدء محاكمة الرئيس ونجليه ووزير داخليته، وأن المحاكمة ستذاع بالصوت والصورة. فلما شاهد الناس صورة الرئيس وهو يدخل القفص محمولا على سرير، لم تبد الصورة مقنعة تماما، خاصة وأن البعض رأى صورة لنجلى الرئيس المخلوع ووزير داخليته، وهم خارجون من قاعة المحكمة دون قيد حديدى فى أيديهم، بل وظهرت لهم صورة وهم يتبادلون الضحكات أثناء خروجهم، وقيل إن بعض الضباط الذين كانوا فى طريقهم أدوا التحية العسكرية لوزير الداخلية الأسبق، وهو المتهم بتهم قد تصل عقوبتها إلى الاعدام.

● ● ●

هناك تفسير يبدو معقولا جدا لكل هذه الألغاز. وهو أن العادة فى أى ثورة ناجحة أن الذين يقومون بالثورة هم الذين يتسلمون مقاليد الحكم بمجرد نجاحها، أو على الأقل يتسلم الحكم من يختارونه لتمثيلهم. إذا حدث هذا فلا يتصور أن تحدث مثل هذه المفارقات التى ذكرتها. ولكن هذا التفسير لابد أن يثير التساؤل عن السبب: لماذا لم يتسلم الثوار السلطة، كما يحدث لأى ثورة ناجحة؟ بل يخطر بالذهن لغز آخر إذا نظرنا إلى المنطقة العربية ككل، نعم، لقد تتابعت الثورات فى دولة عربية بعد أخرى، ولكن لماذا لايبدو أن أيا من هذه الثورات، رغم مرور عدة شهور على قيامها، قد بلغت نهايتها وحققت هدفها؟ فى كل يوم نسمع أن هذه الثورة أو تلك على وشك أن تتم وأنه لم تبق إلا ساعات حتى يسقط النظام بأكمله، ثم نتبين أن النظام لم يسقط، أو أن رأس النظام مازال يقاوم الثورة بنجاح. حدث هذا فى ليبيا واليمن وسوريا. (بل وحتى تونس لم تستقر فيها الأوضاع بعد على نهاية واضحة) فلماذا يا ترى تبدو ثورات هذا العصر مختلفة تماما عن ثورات الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى، عندما كان المرء يستيقظ فى الصباح فيسمع عن استيلاء بعض الضباط على الحكم وعزل الرئيس وينتهى الأمر؟

إننى أميل، أكثر فأكثر إلى الاعتقاد بأننا نعيش فى عصر لا يسمح لنا فيه إلا برؤية ما يظهر على خشبة المسرح، دون أن يقال لنا أى شىء عما يدور فى الكواليس، (بل كثيرا ما يقال لنا عكس ما يدور فيها بالضبط). القرارات تأتى كحصيلة صراع بين العديد من المصالح والضغوط التى لا يسمح لنا بمعرفتها، ولا يترك لنا إلا حق التخمين. ما الذى يمنع يا ترى الوصول بمحاكمة الرئيس المخلوع ونجليه إلى نهايتها الطبيعية؟ وما الذى يمنع يا ترى من التحقيق مع تلك الشخصية الخطيرة بينما يحقق مع غيرها؟.. إلى آخر تلك الأسئلة التى طرحتها فيما تقدم. وإذا لم يسمح لنا بأكثر من التخمين عن طبيعة هذه الضغوط ومصدرها، فكيف يسمح لنا بالمشاركة فى مقاومتها؟

هذه، للأسف، هى سمة العصر الذى نعيشه الآن، عصر التكنولوجيات الحديثة التى تسمح بمعاملة الشعوب والمحكومين مثل هذه المعاملة: تتحكم وسائل الإعلام والاتصال الحديثة فى عقولهم ومشاعرهم على نحو لم يكن متاحا من قبل، وتهزأ بآمالهم وطموحاتهم، وتشكل أفكارهم وعواطفهم على النحو الذى يتفق مع أهداف لا يفصح عنها، وتستبدل بالحقائق مجموعة من الصور المتحركة، فلا يدرى المرء ما إذا كان يشهد الأحداث كما تحدث فى الواقع، أم كما يتصورها المخرجون والمصورون.