د. جلال أمين

د. جلال أمين
أستاذ الإقتصاد بالجامعة الأمريكية والمفكر المصرى الكبير

الجمعة، 30 ديسمبر 2011

يا لها من فوضى خلاّقة

الشروق - الجمعة 30 ديسمبر 2011

منذ سبع أو ثماني سنوات، عقب الهجوم الأمريكى على العراق، صدر عن كونداليزا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، تصريح مدهش جاء فيه أن من المرغوب فيه أن تحدث فى منطقة الشرق الأوسط «فوضى خلاّقة».

شعرت حينئذ بأهمية هذا التصريح رغم أنى لم أفهم المقصود منه بالضبط. إذ كيف تكون الفوضى خلاّقة؟ وهل يتطلب كونها خلاّقة أن يكون هناك تخطيط سابق لها؟ وإذا كانت فعلا خلاّقة، فهل هى كذلك فى نظر الجميع، أى بمن فيهم شعوب المنطقة نفسها، أم هى خلاّقة فقط فى نظر الولايات المتحدة؟ أم فى نظر الولايات المتحدة وإسرائيل؟

ظل هذا التعبير «الفوضى الخلاّقة» يعود إلى ذهنى بين الحين والآخر، وعلى فترات متباعدة، حتى جاء يوم الجمعة 28 يناير، عندما ظهر بوضوح أن من الممكن جدا أن تتحول انتفاضة يوم 25 يناير إلى ثورة حقيقية. ولكن انتهى اليوم فإذا بنا نسمع فى الليل أصوات إطلاق الرصاص، ونحن فى حىّ بعيد جدا عن أماكن المظاهرات، دون أن نعرف من أين يأتى الرصاص، ومن الذى يطلقه، مع تناقل الناس أقوالا عن هروب بعض المسجونين من سجن طرة القريب من منزلنا، واستيلائهم على بعض أسلحة السجن، ومهاجمتم بعض المحال التجارية ونهبها. بل وسمعنا أن بعض جنود الشرطة قاموا بأعمال مماثلة، كما سمعنا أنهم هم الذين يطلقون الرصاص بغرض ترويع الناس، وإجبارهم على البقاء فى منازلهم، وعدم الانضمام للمتظاهرين.

كان كل هذا يستحق وصفه بأنه بداية لفوضى حقيقية، دون أن يبدو منها أى شىء خلاّق. ثم حدث بعد ذلك بخمسة أيام (2 فبراير) واقعة الجمل الشهيرة، حين هجمت أعداد كبيرة من سمّوا بالبلطجية، حاملين السيوف والعصىّ والشوم، على المتظاهرين فى ميدان التحرير، وهم يركبون الجمال والخيول، فأشبعوا المتظاهرين ضربا وقتلوا كثيرين منهم، دون تدخل من قوات الأمن، التى كانت غائبة تماما، أو من قوات الجيش أو الشرطة العسكرية التى كانت تحيط بالميدان، ودون أن يفهم أحد بالضبط سبب غياب أولئك أو اتخاذ هؤلاء هذا الموقف السلبى البحت.

تأكد وقوع الفوضى إذن، ثم تتابعت أحداث الفوضى، الواحد بعد الآخر، دون أن يكون لأى منها تفسير معقول، مما جعلنى أسأل نفسى عما إذا كان هناك مخطط شيطانى وراء تتابع أحداث الفوضى على هذا النحو، مما قد يجعل لها هدفا نهائيا لا ندركه بعد، وأن تحقيق هذا الهدف هو المقصود بوصف الفوضى «الخلاّقة».

ذلك أنه سرعان ما حدثت أحداث غير متوقعة وغير مفهومة، من اعتداءات متكررة على كنائس، ومن ثم اشتباكات بين مسلمين وأقباط، دون أن تقوم قوات الشرطة بواجبها لمنع تفاقمها، بل ومع تراخٍ ملحوظ فى القبض على المشتركين فيها أو المحرضين عليها. قيل وقتها إن رجال الشرطة «غاضبون»، بسبب ما تعرضوا له من اعتداءات من المتظاهرين، أو أنهم «خائفون» من اعتداء المتظاهرين عليهم لو تدخلوا بفضّ الاشتباكات. فهل هذا معقول؟ وهل فقدت الحكومة السيطرة تماما على جهاز الأمن؟ فإذا افترضنا أن الحكومة تتعمد إشاعة الفوضى حتى يكفّ المتظاهرون عن التظاهر ضد نظام مبارك، فلماذا استمر هذا التهاون فى فوضى النظام وحكم القانون حتى بعد سقوط رئيس الجمهورية فى 11 فبراير، ومجىء حكومة جديدة زعمت أنها تتعاطف مع الثوار؟

اكتشفنا شيئا فشيئا أن الحكومة الجديدة (حكومة أحمد شفيق) حكومة ثورية وغير ثورية فى الوقت نفسه، إذ بدلا من إحداث تغييرات مهمة فى جهازى الأمن والإعلام، ظل المسئولون الكبار فى الجهازين دون تغيير، ومن ثم لم يكن من الواضح تماما للثوار ما إذا كان الممسكون الجدد بالسلطة ومصدرو القرارات العليا، يفعلون اللازم للقضاء على الفوضى.

حتى جاء استفتاء مارس على تعديل بعض مواد الدستور، فذهب الناس فرحين، وبأعداد غير مسبوقة، إلى صناديق الاستفتاء، فإذا بهم يصدمون من جديد إذ رأوا أن القوى السلفية يترك لها الحبل على الغارب فى التأثير على المشتركين فى الاستفتاء، بالادعاء بكل جرأة بأن كل من يصوّت بـ«لا» على الاستفتاء، إنما هو كافر أو شىء قريب منه، وأن المؤمن الحق هو الذى يقول «نعم». لم تتدخل السلطة بعمل اللازم لمنع هذا السخف. وفى غضون ذلك قامت أعداد من الناس الذين سمّوا بالبلطجية، بإحراق بعض مبانى أجهزة الأمن وما فيها من أوراق وملفات دون أن يتدخل الممسكون بالسلطة للحيلولة دون ذلك إلا بعد قوات الأوان.

ثم انهمرت أعمال الفوضى بعد ذلك بلا حساب، من مظاهرات للمطالبة بحقوق فئة بعد أخرى من الموظفين أو العمال، إلى مظاهرات احتجاج على تعيين محافظ قبطى، إلى قطع الطرق والسكك الحديدية، إلى تكرّر أعمال النهب والخطف، إلى أحداث ماسبيرو التى نسبت أيضا إلى بلطجية، إلى أحداث الاعتداء على معتصمى ميدان التحرير من المطالبين بحقوق أهالى الشهداء، إلى الاعتداء على المتظاهرين فى شارع محمد محمود بدعوى اقترابهم من مبنى وزارة الداخلية، إلى ضرب المعتصمين أمام مجلس الوزراء بالرصاص...إلخ.

كل هذا يتضمن أمثلة كثيرة لحالة من الفوضى التى لاشك فيها، ولكن من أين بالضبط يأتى وصفها بأنها «خلاّقة»؟ فمن وجهة نظر المصلحة الوطنية تبدو الفوضى وكأنها النقيض التام لما نتمناه للوطن: الاقتصاد يتعثر والأسعار ترتفع، والناس يتشاجرون (وأحيانا يتقاتلون) للحصول على أنبوبة بوتاجاز، والسياحة شبه متوقفة، والأمن مفقود فى الشارع، والأقباط خائفون ويفكرون فى الهجرة، والنساء المحجبات يخشين أن يفرض عليهن النقاب، والسافرات يخشين أن يفرض عليهن الحجاب...إلخ. فما هو بالضبط الشىء الخلاّق فى كل هذا؟

كثيرون يعلقون آمالهم على الديمقراطية، ويجدون فيها التبرير الحقيقى لما حدث من فوضى. «لا بأس من بعض الفوضى»، هكذا يقولون، «فى سبيل أن يحصل الشعب فى النهاية على حريته، ويقول كلمته، ويختار ممثليه المعبرين عن رغباته الحقيقية. وقد اختارت الأغلبية التيار الإسلامى، فدعه يحكم إذن، ومتى تسلم الحكم فسوف ترى أن الفوضى قد انتهت».

لا ينكر أحد أن بعض الفوضى قد شابت عملية الانتخاب نفسها، فسُمح باتباع بعض الأساليب غير المشروعة للتأثير فى الناخبين، كقيام بعض أنصار التيار الإسلامى بالدعاية لمرشحين على أبواب اللجان الانتخابية، رغم أن القانون يمنع ذلك، بل وداخل اللجان نفسها، ورفعوا شعارات دينية كان المفروض ألا تقحم على العملية الانتخابية، وجرى تسامح مريب مع هذا أيضا. ولكن قد يقال ان علينا أن نضرب الصفح عن هذا، إذ إن الأرجح أن النتيجة لابد أن تكون لصالح التيار الإسلامى حتى دون اتباع هذه الأساليب.

الشىء المقلق حقا هو أنه بمجرد أن أعلنت نتائج الجولة الأولى للانتخابات بانتصار كاسح للتيار الإسلامى، سمعنا أن مسئولا أمريكيا كبيرا، قد جاء على الفور إلى القاهرة، وزار بعض قيادات هذا التيار فى مقر حزبهم، فأجرى معهم بعض المحادثات التى لم يخبرنا أحد بفحواها بالضبط، رغم أهميتها بالضرورة، ورغم تعارض هذا الكتمان مع قواعد الديمقراطية والشفافية. الذى يستدعى النظر أيضا أن هذه الزيارة غير المتوقعة بالمرة، تأتى من نفس الدولة التى استخدمت منذ بضع سنوات تلك العبارة الغامضة عن «الفوضى الخلاّقة». من حق المرء إذن أن يربط بين هذه الزيارة المفاجئة وبين تلك العبارة غير المفهومة، وأن يثور بذهنه السؤال: «هل كان هذا إذن هو المقصود (بالفوضى الخلاقة)؟ وهل كانت الفوضى (خلاّقة) بمعنى أن تسير الأمور بعد انتهاء الفوضى بما يتفق بالضبط مع رغبات هذه الدولة بالذات؟».

الجمعة، 23 ديسمبر 2011

أحفاد أحفاد خوفـو

الشروق - الجمعة 23 ديسمبر 2011


لا أكاد أصدق أنه مر ما يقرب من أربعين عاما على قراءتى لهذه القصة القصيرة الرائعة، التى نشرت فى صفحة كاملة بجريدة الأهرام فى أوائل السبعينيات.

الذى ذكرنى بها من جديد وفاة كابتها الموهوب أحمد بهجت، منذ أيام قليلة، الذى ظل اسمه مرتبطا فى ذهنى، طوال هذه السنوات، بهذه القصة الأثيرة (أحفاد خوفو)، التى لم أحتفظ للأسف بنسخة منها، ولكنى مازلت أتذكر كثيرا من تفاصيلها بسبب كثرة المرات التى تكلمت فيها عنها، وأعدت حكايتها فى مناسبة بعد أخرى.

القصة تتلخص فى الآتى: أسرة مصرية صغيرة تنتمى إلى شريحة متوسطة من شرائح الطبقة الوسطى، تسكن بالقرب من ميدان الجيزة، وتقرر قضاء يوم الجمعة فى فسحة بالهرم. تناقش الزوجان فى مساء الخميس حول ما سوف يأخذونه معهم من طعام. لا أذكر بالضبط التفاصيل المتعلقة بالأصناف التى تناقشا بشأنها، ولكنها تضمنت أصابع المحشى، وسندوتشات التونة، والبيض المسلوق وأشياء أخرى كثيرة.

يسير الزوجان ومعهما ابن وبنت لا أذكر عمريهما بالضبط، ومعهم أيضا خادمة فى نحو العشرين من عمرها، حملت على رأسها سلة كبيرة تحتوى أصناف الطعام التى أعدتها ربة البيت فى المساء، ورتبتها بعناية فى الصباح، كما أضافت إليها الفاكهة وبضع زجاجات من البيبسى كولا أو شراب مماثل، إذ كانت كلما فكرت فى إضافة نوع من المأكولات أو المشروبات، وترددت فى ذلك، قررت فى النهاية أن تضيفه من باب الاحتياط.

سارت العائلة يتقدمها الزوج ببضع خطوات، ووراءه الزوجة والأولاد بخطوات بطيئة، بسبب ثقل وزن الزوجة، وراءهم الخادمة بخطوات أكثر بطئا بسبب ثقل ما تحمله من طعام.

صعد الجميع إلى الأتوبيس المتجه إلى الهرم، فوجدوا أماكن لجلوسهم جميعا إلا الخادمة. وكان من الممكن أن يستبشر الجميع بأنهم سوف يقضون فسحة سعيدة لولا أن لاحظ رب الأسرة شيئا فظيعا، فقد رأى شابا من الركاب يعاون الخادمة فى إنزال السلة من الأتوبيس ووضعها على الرصيف، واعتقد رب الأسرة اعتقادا جازما أن أيديهما قد تلامست، وأنهما تبادلا الابتسام. فما كان منه إلا أن استشاط غضبا وصب ألفاظا مهينة كثيرة على الخادمة، واصفا إياها بالخلاعة وقلة الأدب، حتى شرعت الخادمة فى البكاء.

استعاد الجميع هدوءهم بالتدريج ونسوا هذه الواقعة، بل واتسمت على وجوههم الابتسامات عندما رأوا هرم خوفو العظيم وعاد إليهم استبشارهم بفسحة جميلة. بدأ سيرهم البطىء نحو الهرم، ثم تباطأت خطواتهم أكثر عندما بلغوا بداية المنحدر الذى كان عليهم صعوده بأحمالهم الثقيلة. فلما بلغوا منتصف المنحدر رأوا شجرة لها مساحة من الظل لا بأس بها، فخطر لرب الأسرة أن يقفوا تحتها قليلا حتى يستعيد أنفاسه، ورحبت الزوجة بذلك، ووضعت الخادمة السلة على الأرض. ثم اقترح الرجل أن يفرشوا الحصيرة التى أحضروها معهم ليجلسوا عليها أثناء هذه الاستراحة القصيرة. جلس الجميع ثم خطر للرجل فكرة جهنمية هى أنه لا بأس بالمرة من أن يبدأوا الأكل من الآن، فلم يعترض أحد، وبدأت الزوجة ترص أصناف الطعام على الحصيرة ثم أقبل الجميع على الأكل فى شهية كبيرة.

كان من المحتم أن يشعر الزوج بالنعاس بعد الأكل، فإذا به يستسلم لإغفاءة قصيرة. فلما استقيط نظر إلى هرم خوفو بحماس أقل كثيرا مما استقبله به عندما رآه فى البداية. وتفوه بجملة فاجأت الجميع ولكنهم لم يشعروا بأى رغبة فى الاعتراض عليها. قال الرجل: ها هم قد رأوا الهرم، واستنشقوا بعض الهواء، فما الداعى لمزيد من الصعود المرهق إلى سفح الهرم؟

بذلك أعلن الرجل انتهاء الفسحة، فعادت الأسرة أدراجها إلى البيت.

لا أذكر الآن من القصة أكثر من ذلك، ولكنى فهمت تماما ما قصده أحمد بهجت من اختيار هذا العنوان البديع لها: «أحفاد خوفو».

***

مر كما قلت ما يقرب من أربعين عاما على نشر هذه القصة، تشمل معظم سنوات حكم السادات، وكل سنوات حكم حسنى مبارك، ثم قامت ثورة 25 يناير، وها قد كاد ينقضى عام كامل على قيامها. فلما سمعت بخبر وفاة أحمد بهجت، شعرت بالأسف لفقده، لما قدمه الرجل من خدمة جليلة من خلال كتاباته، وكان لابد أن أتذكر قصة «أحفاد خوفو». ولكن مر بذهنى هذا الخاطر السار: كم تغير المصريون خلال هذه العقود الأربعة، فى اتجاه معاكس لما وصفه أحمد بهجت فى قصته، وقد قدم شباب ثورة 25 يناير، الدليل القاطع على أنهم أكثر حرارة بكثير من جيلى (وهو نفس جيل أحمد بهجت) بأن يكونوا «أحفاد خوفو». بل أكاد أجزم أنه كان من المستحيل أن يخطر ببال أحمد بهجت أن يكتب قصة كهذه، بالمغزى الذى تحتويه، قبيل وفاته بقليل.

كان أحمد بهجت فى قصته يسخر بالطبع مما آل إليه أحفاد خوفو من ضعف الهمة، وحب الراحة، ولا مبالاة بأى شىء، وترتيب سقيم للأولويات. وكان يقول لنا إن المصريين الذين بنوا الأهرام لا يمكن أن يكونوا بهذه الصفات وإلا ما كان بقدرتهم أن يبنوا الأهرام أو أى شىء آخر، ولكن ها نحن نرى اليوم شبابا رائعا، يقيمون أسبوعا بعد أسبوع فى البرد القارس، بين رصيف مجلس الوزراء ورصيف مجلس الشعب، يرتدون أبسط الثياب، ولا يفكرون فى الأكل والشراب، ويواصلون اعتصامهم حتى بعد أن يصلهم طعام كاد يودى بحياة كثير منهم، ويعامل بعضهم البعض ذكورا وإناثا، بمنتهى التحضر، يدفهم إلى كل ذلك أمل واحد، هو أن يصبح مستقبل مصر ومستقبل أولادهم وأحفادهم أفضل بكثير مما شهدوه حتى الآن. هؤلاء إذن هم أحفاد أحفاد خوفو، فما أشد فرحنا وفخرنا بهم، مهما اختلط هذا الفرح والفخر بالدموع حزنا على من ضحى بحياتهم منهم مدفوعين بهذا الأمل.

الجمعة، 16 ديسمبر 2011

دليل الرجل الذكى إلى فن اصطياد سمكة كبيرة بسمكة صغيرة

الشروق - الجمعة 16 ديسمبر 2011

من خمسمائة عام (فى سنة 1513)، ظهر فى إيطاليا كتاب خطير، ظل يثير الجدل لمئات السنين بعد ظهوره، وأصبح اسم مؤلفه، بسبب هذا الكتاب، معروفا للجميع (سواء قرأوا الكتاب أو لم يقرأوه)، وظل اسمه يتخذ رمزا لرذيلة ممقوتة فى ممارسة السياسة وفى الحياة اليومية على السواء.

الكتاب اسمه «الأمير»، والمؤلف اسمه «ماكيافيللى». وسبب الشهرة أنه شرح بأسلوب واضح وفصيح كيف أن النجاح فى السياسة يتطلب الخروج على قواعد الأخلاق، وأن السياسى (أو الأمير) الناجح لابد له من اتباع وسائل غير أخلاقية فى معاملته لشعبه، فإن لم يفعل فإن نصيبه الفشل الذريع وربما دفع حياته ثمنا لذلك.

أثبت ماكيافيللى بهذا الكتاب «سواء أعجبتك نصائحه أو لم تعجبك» أنه كان مراقبا جيدا جدا للنفس البشرية، وفاهما لأوجه ضعفها التى تجعلها فريسة سهلة لمن يعرف أوجه الضعف هذه ويريد استغلالها لصالحه.

بعد كتاب ماكيافيللى بثلاثة قرون (أى فى مطلع القرن التاسع عشر) استولى رجل بالغ الذكاء على حكم مصر، ولم يتورع عن ارتكاب أعمال منافية لأبسط قواعد الأخلاق، من أجل ترسيخ حكمه لمصر، وكانت نتيجة ذلك أنه استمر هو وأولاده وأحفاده يحكمون مصر لمدة تقرب من قرن ونصف القرن. وقد ذكر له أحد مساعديه مرة أن هناك كتابا مهما يحسن أن يقرأه، وهو كتاب ماكيافيللى، فأمره محمد على بترجمته وبأن يقرأ عليه فى كل يوم فصلا من فصوله، ولكن لم تنقض أيام قليلة حتى أمره محمد على بالكف عن الترجمة والقراءة، فهو (أى محمد على)، ليس فى حاجة لمثل هذا الكتاب، إذ إنه يعرف من وسائل الخدع والحيل التى تمكنه من الاستمرار فى الحكم أكثر بكثير مما كان يعرف ماكيافيللى.

كان ماكيافيللى يكتب منذ خمسمائة عام، فلم تتح له تجارب خمسة قرون، لابد أنها حفلت بالكثير من الدروس التى كان من الممكن أن تضيف الكثير من الحيل والألاعيب إلى كتابه. ومحمد على كان يكتب منذ قرنين، فلم تتح له هو الآخر معرفة وسائل الحكم الحديثة، ولا شهد تطورات تكنولوجية جبارة كان يمكن أن يحقق منها فوائد كبيرة فى خداع شعبه، لم يكن الراديو قد اخترع بعد، ولا الصورة الفوتوغرافية ولا التليفزيون بل حتى الصحف كانت شيئا نادرا، وتوزيعها محدودا للغاية، وتكاد تقتصر على نشر الوقائع الرسمية، ومن ثم كان هذا هو اسم الجريدة الوحيدة التى كانت تصدر فى عهده.

لم يشهد محمد على ما فعله جمال عبدالناصر بالصحف والإذاعة (وعلى الأخص إذاعة صوت العرب) وكيف استفاد من أغانى المطربين لتدعيم ثورته، ثم من التليفزيون الأبيض والأسود فى السنوات العشر الأخيرة من حياته، ولا ما فعله أنور السادات وحسنى مبارك بعد ذلك، خاصة بعد أن دخل التليفزيون الملون كل بيت تقريبا من بيوت المصريين. من المؤكد أن عبدالناصر والسادات ومبارك كان لديهم من النصائح التى كان من الممكن أن يوجهوها لمحمد على لإحكام قبضته على شعبه، ولتضليله عند اللزوم، مما لم تكن له أو لماكيافيللى إحاطة به.

وقد يظن البعض أن الأمر قد انتهى بقيام ثورة 25 يناير 2011، ولكن الحقيقة أن عشرة أشهر فقط كانت كافية لأن تكشف عن أوجه ضعف أخرى فى النفس البشرية، ربما لم تكن واضحة تماما فى ذهن ماكيافيللى أو محمد على، ولكنها ذات فائدة مؤكدة لأى حاكم حصيف.

وقد حاولت أن أستعيد فى ذهنى ما ظهر فى مصر خلال الشهور العشرة التالية لثورة يناير، من أوجه الضعف الإنسانى، التى استغلها الممسكون بالسلطة من أجل تقليم أظافر الثورة، فتوصلت إلى خمسة أوجه للضعف الإنسانى، يمكن الإفادة منها على النحو التالى:

أولا ــ اتق شر من أحسن إليك:
هناك حكمة شائعة ومعروفة تقول: «اتق شر من أحسنت إليه»، ولكن قد يكون الأقرب إلى الصواب أن عليك الحذر من شر من أحسن إليك. ذلك أنه إذا قدم شخص لك خدمة، ولو بسيطة، يمكن أن يستخدمها فيما بعد لكى يحصل منك على خدمات تفوق قيمتها أضعاف ما قدمه إليك. فإذا بدرت منك أى بادرة احتجاج، سارع بتذكيرك بالخدمة التى سبق أن قدمها إليك. مثال ذلك أن امتناع جنود الجيش أو الشرطة العسكرية عن ضرب الثوار فى ميدان التحرير، يمكن أن يستخدم المرة بعد الأخرى لتبرير قيامهم بضرب الثوار بعد ذلك.

ثانيا ــ كيف تصيد سمكة كبيرة بسمكة صغيرة:
إذا طالبك شخص بشىء ليس لديك أى رغبة فى إعطائه له، فلا ترفض طلبه، بل تظاهر باستعدادك للاستجابة له، واكسب ثقته بإعطائه جزءا صغيرا مما يطلب، ثم استمر فى تأجيل تسليم الباقى، شهرا بعد شهر، وأثناء ذلك حاول بطريقة أو بأخرى استرداد ما دفعته له من قبل.

مثال ذلك، إذا طالب الناس بدستور جديد، أخبرهم بأنك ستقوم مؤقتا بتعديل بعض المواد على أن يوضع دستور جديد بعد انتخاب برلمان جديد. سيفرح الناس بشدة بتعديل بعض مواد الدستور، وسيتسابقون إلى صناديق الاستفتاء على هذا التعديل، ثم اشغلهم لعدة شهور فى حوارات حول الشكل الذى يمكن أن يكون عليه الدستور الجديد، وحول طريقة تشكيل اللجنة التى ستقوم بوضع المعايير التى سيتم على أساسها تشكيل اللجنة التى ستقوم بوضع الدستور ثم اشغلهم بعد ذلك بالمناقشة حول وثيقة تتناول شكل الدولة التى سوف ينص عليها الدستور الجديد.. إلخ.

والأرجح أنه خلال هذه الفترة سوف ينسى الناس ما هو المهم وما هو غير المهم من البنود التى يمكن أن يتضمنها الدستور، فإذا وضع الدستور فى النهاية، بشكل أو آخر، فالأرجح أنه لن يختلف فى أى شىء مهم عن الدستور الذى كان مطلوبا إلغاؤه، وسوف يتم على أى حال العبث به والخروج عليه بنفس الوسائل التى استخدمت فى العبث والخروج على كل الدساتير السابقة.

ثالثا ــ آفة حارتنا النسيان:
لا تنس الحكمة البليغة التى قالها نجيب محفوظ فى إحدى رواياته: «آفة حارتنا النسيان»، وحاول بقد الإمكان استخدامها لصالحك. خذ مثلا مطالبة الشعب باسترداد الأموال التى استولى عليها رجال العهد السابق بغير وجه حق. ابدأ بالتعبير عن ضرورة هذا الاسترداد، وحق الشعب الذى لا يمكن الشك فيه فى استعادة ما نهب من أمواله. وانشر التقديرات المختلفة لحجم هذه الأموال المنهوبة، وأعلن أيضا أن الاتصال جار بسفاراتنا فى الخارج لكى تتصل بحكومات الدول الأجنبية لإخبارهم بعزمنا على استرداد هذه الأموال. بل ولا بأس من القبض على بعض صغار المسئولين الذين عرف عنهم بعض الأخطاء الصغيرة فى سبيل الاستيلاء على أموال الدولة أو أراضيها بغير وجه حق.

سوف تمر بضعة أسابيع فى مثل هذا، يمكن خلالها السماح بسفر كثيرين من المطلوب مصادرة أموالهم، وبتحويل أموالهم إلى أماكن آمنة، وبعد أن يتم ذلك يمكن الاعتماد على نسيان الناس لما قيل لهم فى البداية عن حجم الأموال المهربة، وقد ينشغلون بدلا من ذلك بالنقاش حول طريقة الإشراف على تصويت المصريين فى سفاراتنا بالخارج لضمان تمثيلهم تمثيلا صحيحا فى الانتخابات، حتى ينُسى تماما موضوع استعادة الأموال المهربة.

يمكن أيضا الاعتماد على نفس القاعدة (آفة حارتنا النسيان) لضمان اشتراك فلول العهد السابق فى الانتخابات الجديدة، رغم المطالبات المتعددة باستبعادهم فى الأيام الأولى للثورة، والوعد باتخاذ الإجراءات اللازمة لهذا الاستبعاد، مع تأجيل اتخاذها أسبوعا بعد أسبوع حتى يتم نسيان الأمر. ويمكن الاستفادة من هذه القاعدة أيضا فى موضوع محاكمة الرئيس المخلوع ورجاله.

رابعا ــ سك كلمات لا وجود لما يقابلها فى الواقع:
هناك بعض الكلمات أو المصطلحات التى لا يوجد مقابل لها فى الواقع، كالعفريت مثلا، ولكن تكرار استخدامها يجعل الناس يعتقدون أن لها وجودا حقيقيا، ومن ثم يمكن استخدامها لتفسير ظواهر مريبة ليس من المصلحة الكشف عن مدبريها الحقيقيين. من هذه الكلمات كلمة «الإرهابى» مثلا، التى شاع استخدامها بشدة فى العشرين سنة الأخيرة، وهى كلمة اخترعتها جهات لها مصلحة مؤكدة فى وقوع الأحداث «الإرهابية»، مع أنها دائمة الشكوى منها.

من ذلك أيضا اصطلاح «البلطجى»، الذى يقوم بأداء خدمات مفيدة جدا لأصحاب السلطة، بينما هم دائمو الشكوى منه، ويتظاهرون بأنهم يحاولون تعقبه والقبض عليه. فهنا أيضا، كل ما تحتاج إليه هو تكرار استخدام الكلمة لتبرير مختلف أنواع الاعتداء والتخريب، سواء ضد الأقباط، أو ضد ثوار ميدان التحرير، أو ضد الشرطة العسكرية.. إلخ. ومتى تكرر استخدام الكلمة بدرجة كافية، شاع الاعتقاد بوجود «البلطجية» بالفعل.

خامسا وأخيرا ــ يوجد ثلاثة أنواع من البشر:
يمكن تقسيم الناس إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول يتكون من أصحاب المبادىء المتمسكين بها، فيرفضون أى إغراء بالمال أو بالمنصب الرفيع للتخلى عنها. ونوع ثان هو العكس بالضبط، أشخاص لا مبادىء لهم على الإطلاق، وينحصر أملهم فى الحصول على المزيد من المال أو السلطة أو الاثنين معا، ومن ثم هم مستعدون لأن يقولوا شيئا اليوم وعكسه غدا، وأن يفعلوا كل ما يطلب منهم فى العهود المختلفة، رغم الاختلاف الشديد بين سياسة كل عهد عن العهود الأخرى، طالما أن ذلك يضمن لهم الاستمرار فى جمع المال أو القرب من السلطة.

النوع الأول يصلح لشغل المناصب المهمة فى السنوات الأولى للثورة، عندما يكون المطلوب اقتلاع نظام فاسد وترسيخ بعض المبادىء الجديدة، كما كان الحال، مثلا، فى السنوات الأولى التالية لثورة 1952 (تذكر مثلا أسماء فتحى رضوان وإسماعيل القبانى وعلى الجريتلى... إلخ) ولكن هذا النوع من الناس لا يصلح عندما تبدأ الثورة فى الانتكاس والتراجع، بل وتنقلب على نفسها، وتبدأ الأمور فى العودة إلى ما كانت عليه قبل الثورة. فى هذه الحالة يكون النوع الثانى من الناس (الذى لا يؤمن بأى مبادىء) مفيدا للغاية من وجهة نظر الحاكم. (كما كان الحال مثلا فى معظم سنوات السبعينيات ثم ابتداء من الثمانينيات وحتى قيام ثورة 25 يناير 2011).

ولكن هناك نوعا ثالثا من الناس يختلف حولهم الرأى فيما إذا كانوا من النوع الأول أو الثانى، إذ إن تاريخهم يشمل أعمالا يمكن اعتبارها من هذا الصنف أو ذاك. وقد يرجع ذلك إلى أنهم يحبون السلطة أو المال حبا جما، ولكنهم أيضا يحبون السمعة الطيبة، ومن ثم تجدهم فى حيرة تجعلهم يطبقون سياسات متعارضة، أو بالأحرى يسكتون على تطبيق سياسات متعارضة، ويحاولون محاولات يائسة لتبرير هذا التناقض لأنفسهم وللناس بلا جدوى.

هذا النوع من الناس مفيد جدا للحاكم فى فترات معينة، لا هى الفترات التى يجرى فيها تطبيق مبادىء الثورة ولا الفترات التالية لانتكاسها وبعد أن يستقر الحكم فى أيدى أصحاب الثورة المضادة. بل هم مفيدون على الأخص فى الفترات الانتقالية، بين هذه وتلك حين يكون المطلوب ليس تكريس مبادىء الثورة بل تصفيتها، وقبل أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل الثورة.

فى هذه الفترات الانتقالية، عليك إذن باستخدام هذا النوع الثالث من الناس، وهم موجودون للأسف بكثرة، وما عليك إلا أن تعرف جيدا كيف تميزهم عن النوعين الآخرين.

الجمعة، 9 ديسمبر 2011

من ثورة يناير.. إلى نكسة نوفمبر

الشروق - الجمعة 9 ديسمبر 2011 

بعد ستة أشهر من هزيمة مصر العسكرية فى 1967، دعيت لحضور مؤتمر كبير عقد فى هافانا، عاصمة كوبا، كان الغرض منه تعريف أكبر عدد من مثقفى العالم الثالث، الذين يمكن أن يتعاطفوا مع ثورة كاسترو، على ما أنجزته هذه الثورة خلال الأعوام التسعة الأولى من عمرها.

كان حزن المصريين لايزال عميقا لما حدث فى يونية 1967، وقد اعترتهم مشاعر مختلطة من فقدان الثقة بالنفس، إلى اليأس من أن تحقق بلادهم أى تقدم، إلى الندم عما علقوه على ثورة 1952 من آمال..الخ.

وكنت، مثل بقية المصريين الذين دعوا إلى هذا المؤتمر نشعر، بالإضافة إلى كل هذا، بنوع من الخجل إذ نضطر إلى مواجهة مثقفى العالم وبلادنا فى هذه الحال، وبعد أن ساءت سمعتنا بسبب هزيمة ساحقة بعد قتال لم يستغرق إلا أياما قليلة (بل وقد يقول البعض ساعات معدودة).

ثم فوجئنا عندما وجدنا أنفسنا وسط مثقفين جاءوا من مختلف أنحاء العالم، فإن هؤلاء المثقفين عندما يفكرون فى مصر، لا تحتل حرب 1967 إلا حيزا صغيرا جدا من تفكيرهم، ولا يتوقفون طويلا للتساؤل عن المسئول عن عجز النظام المصرى عن مواجهة الهجوم الإسرائيلى المدعوم بمساعدة وتأييد الولايات المتحدة، بل وجدناهم يعلقون أهمية أكبر بكثير على ما تمثله حركة الجيش المصرى فى 1952 من ثورة على نظام ملكى فاسد ولا يستغربون أن تواجه مثل هذه الثورة عقبة بعد أخرى، توضع لها من قوى خارجية أو داخلية. ناهيك بالطبع عما تمثله مصر فى نظرهم من أهمية بسبب تاريخها العريق ومساهمتها المتميزة فى الثقافة العربية. فوجئنا، نحن أعضاء الوفد المصرى، هذه المفاجأة السارة، وأدركنا خطأ الاستسلام لمشاعر ناتجة عن حادث، مهما كانت فداحته، فهو فى النهاية حادث عابر فى تاريخ مصر الطويل.

تذكرت تطور مشاعرى فى تلك الأيام، التى مر عليها ما يقرب من نصف قرن، بسبب ما يعانيه المصريون الآن من حزن وخيبة أمل بعدما أصاب ثورة 25 يناير 2011 من إحباطات متتالية، كان آخرها نكسة فظيعة فى نوفمبر من نفس العام، عندما فوجئ المصريون المعتصمون فى ميدان التحرير من أجل المطالبة باستعجال صرف التعويضات المستحقة لأهالى شهداء الثورة، فإذا بهم فى 19 نوفمبر والأيام التالية يتعرضون لضرب بالرصاص الحى والمطاطى والخرطوش، ويفقد كثير منهم حياتهم، وآخرون يفقدون بصرهم، عقابا لهم على المطالبة بما كانوا يعتبرونه حقا بديهيا وواضحا للغاية.

عندما حدث هذا، استيقظ المصريون فجأة على اكتشاف فظيع، كانوا يرفضون تصديقه رغم تكرار الدلائل على صدمة خلال الشهور العشرة السابقة، فكانت الصدمة قاسية، والشعور بالحزن والإحباط شديد الوطأة. هو اكتشاف أن الذين استلموا السلطة بعد الثورة لا يدينون بالمبادئ التى قامت الثورة من أجلها.

ثم ضاعف من أثر الصدمة وشدة الشعور بالإحباط، لدى أعداد كبيرة من المصريين (أنا واحد منهم)، ما أعلن عن نتيجة الانتخابات التى جرت بعد أسبوع واحد من أحداث القتل والترويع، من ذهاب غالبية الأصوات إلى أحزاب لا تثق هذه الأعداد الكبيرة من المصريين، لا بقدرتها على تحقيق النهضة المطلوبة، ولا على توسيع نطاق الحريات التى قامت ثورة 25 يناير من أجلها، بل وتحمل تهديدات حقيقية لمن يدينون بدين غير دين الأغلبية.

تذكرت مشاعرى فى أعقاب هزيمة 1967، ثم ما طرأ عليها من تغير بعد رحلتى إلى كوبا، فتأكدت لدى من جديد ضرورة الحذر من الاستسلام لتأثير أحداث قصيرة العمر، وضرورة النظر إليها فى إطارها التاريخى طويل المدى، فإذا بها تبدو أحداثا عارضة بمعنى الكلمة، وإذا بمشاعر الإحباط واليأس تحل محلها ثقة أكبر بالمستقبل.

***

فلنعد أولا إلى تذكر ما أسفرت عنه الأيام الأولى لثورة 25 يناير، من اكتشاف ما كان يجرى تحت سطح الحياة اليومية فى مصر من تطور رائع فى الجيل الجديد من المصريين، ذكورا وإناثا، هذا التطور الرائع لم يكن بسبب الثورة، بل كانت الثورة فقط سببا لاكتشافه. لقد ظهر فجأة أن الثلاثين أو الأربعين عاما السابقة على ثوة يناير 2011، رغم كل ما اقترنت به من فساد وأخطاء وعجز، لم تستطع منع حدوث تطورات إيجابية للغاية، كانت لابد أن تنشأ وتنمو بالرغم من كل ذلك الفساد والعجز وذلك الكم من الأخطاء. بل إنى استطيع الزعم بأن بعض هذه التطورات الإيجابية كانت نتيجة مباشرة أو غير مباشرة لبعض تلك الأخطاء. هل يمكن اعتبار هذا من قبيل «مكر التاريخ»؟، بمعنى أن التاريخ لا يسير فى خط مستقيم صاعد أو هابط، بل إن أحداث التاريخ تولد إمكانيات للنجاح والفشل فى نفس الوقت، وقد تنتج أشياء طيبة فى خضم أخبث فترات التاريخ وأكثرها فسادا.

ألم يكن التضخم الجامح نفسه، الذى أحدثته السياسات الاقتصادية الخاطئة التى اتخذت ابتداء من منتصف السبعينيات، وما خلقته من صعوبات أمام الأسرة المصرية التى وجدت أملها الحقيقى آخذا فى الانهيار بسبب التضخم، دافعا فى نفس الوقت لمضاعفة الجهد من كل فرد فى الأسرة، ذكورا وإناثا، من أجل مجرد البقاء على قيد الحياة؟

كذلك كان تطور التليفزيون المصرى، ذلك التطور الملعون ابتداء من تلك الفترة، عامل إفساد من وجوه كثيرة، وسببا من أسباب انتشار التفسيرات اللاعقلانية للدين. ولكن ألم يكن جهاز التليفزيون نفسه رغم كل ذلك (ثم الكمبيوتر والإنترنت) من عوامل التعرف على ما يجرى فى العالم، وشحذ الذكاء لدى جيل جديد من المصريين، استطاع بعضهم أن يجنى منه منافع رفعت بالكثيرين منهم إلى القيام بثورة 25 يناير؟

أو فلننظر إلى ما حدث فى ميدان التعليم. لقد أرى نظاما فاسدا، استمر نحو أربعين عاما، إلى تدهور شديد فى مستوى التعليم فى مصر فى مختلف مراحله. ولكن ألم يصاحب هذا توسع كمى فى التعليم كان لابد أن تحقق منه بعض النفع أعداد غفيرة من الشباب فى مختلف أقاليم مصر، وقد خرج كثيرون منهم للتظاهر ضد هذا النظام الفاسد، ونجحوا فى إسقاط رأسه فى 11 يناير؟

نعم، لابد أن تؤدى الأخطاء الجسيمة إلى نكسات خطيرة، ولكن هذا لا يعنى أن النكسة مهما كانت خطورتها لا يمكن النهوض بعدها، ومواصلة السير من جديد، بشرط أن ننجح فى اكتشاف الأسباب الحقيقية التى أدت بنا إلى النكسة.

***

هل هناك شبه بين الأسباب التى أدت إلى انتكاسة ثورة 23 يوليو 1952، وانتكاسة ثورة 25 يناير 2011، رغم ما بينهما من فوارق كبيرة كانت نتيجة ضرورية لمرور أكثر من نصف قرن بين الثورتين؟

لقد قام بثورة 1952 مجموعة من الضباط الشبان المملوئين حبا للوطن، فعبروا عن آمال الطبقات المغبونة فى مصر، فلاحين وعمالا وطبقة متوسطة صغيرة، ضد طبقة إقطاعية تتمتع بامتيازات دون وجه حق ولكن حدث أن تحول هؤلاء الضباط الشبان، مع مرور خمسة عشر عاما، إلى طبقة جديدة، ورثت امتيازات الاقطاعيين، فاستطعموا حلاوة السلطة والمال، وركنوا إلى الراحة، ولم يستعدوا بالدرجة اللازمة لمواجهة مطامع خارجية. بل إن هذه المطامع الخارجية لا يمكن أن تجد فرصة للنجاح إلا من خلال طبقة تستطعم حلاوة السلطة والمال فتركن إلى الراحة. وهكذا حدثت نكسة 1967.

فى 25 يناير 2011 قامت ثورة أخرى اشتركت فيها كافة الطبقات المغبونة فى مصر، تطالب بحقوقها فى مواجهة نظام ظالم وفاسد، فنجحت نجاحا باهرا فى إسقاط رأس هذا النظام، ولكن الثورة انتكست بعد شهور قليلة فأثارت كل هذا الحزن واليأس. فهل كان سبب الانتكاسة هنا أيضا، إن الذين تسلموا الحكم بعد نجاح الثورة، ينتمون بدورهم إلى طبقة كانت من قبل قد ذاقت حلاوة السلطة والمال فاستطعمتها، فركنت إلى الراحة، أم أن قوى خارجية استفظعت الثورة فعملت كل ما تستطيع عمله لوأدها فأصابتها بهذه النكسة؟ أم أن الحقيقة هنا أيضا أن القوى الخارجية لا يمكن أن تعمل إلا من خلال طبقة حليفة تتفق مصالحها مع مصالح هذه القوى الخارجية؟

* * *

أيا كان التفسير، فهناك حقيقة أخرى لا شك فيها، وهى أن التاريخ المصرى لم ينته فى 5 يونية 1967، كما أنه لا يمكن أن ينتهى فى نوفمبر 2011. ليس هذا فحسب، بل إن كل ما ارتكب من أخطاء وأعمال شريرة لا يمكن أن يمحو الحقيقة الآتية: وهى أن الجيل الجديد من المصريين الذى نحظى به الآن، ولم يكن موجودا أو مؤثرا فى 1967، يحمل إمكانيات جبارة للنهوض والمحاولة من جديد. هل هذا هو ما كان يدور بذهن الشاعر الفذ أحمد فؤاد نجم، عندما كان يخاطب مصر فى قصيدة كتبها فى سجن القناطر فى 1969، أى بعد النكسة الأولى بسنتين، قائلا:

مصر يامّه يا بهية  يامّ طرحة وجلابية

الزمن شاب وانتى شابة        هو رايح وانتى جاية

جاية فوق الصعب ماشية      فات عليكى ليل وميّه

واحتمالك هوّ هوّ    وابتسامتك هىّ هىّ

تضحكى للصبح يصبح        بعد ليلة ومغربية

تطلع الشمس تلاقيكى           معجبانية وصبية

يا بهية؟