د. جلال أمين

د. جلال أمين
أستاذ الإقتصاد بالجامعة الأمريكية والمفكر المصرى الكبير

الجمعة، 25 نوفمبر 2011

التحليل الطبقى للثورة المصرية

الشروق - الجمعة 25 نوفمبر 2011
 
لا شك أن المطالبة «بحكومة إنقاذ»، التى نادى بها البعض قبيل قيام الثورة المصرية الثانية فى 18 و19 نوفمبر، (ومازالت مستمرة وأنا أكتب هذا المقال فى 23 نوفمبر) استقبلت بترحيب عام من سائر المصريين (باستثناء، بالطبع، من نريد إنقاذ مصر منهم).

فلما قامت هذه الثورة الثانية، اشتدت المطالبة بحكومة إنقاذ، تأتى محل حكومة عصام شرف، التى أضافت إلى فشلها فى إدارة البلاد، سماحها بأعمال القتل والضرب ضد ثوار أبرياء.
أسأل نفسى مع ذلك: «من هو هذا الشخص أو الهيئة التى نطالبها بأن يأتى أو تأتى لنا بحكومة إنقاذ؟». إذا كانت المطالبة موجهة إلى المجلس العسكرى، الذى يتولى الآن أعلى سلطة فى البلد، فهل نتوقع حقا أن يلبى هذا المجلس هذا المطلب؟

لقد قامت ثورة 25 يناير بدورها لإنقاذ البلاد، فتولى المجلس العسكرى الحكم، ثم ثبت أن أول حكومة يكونها هذا المجلس، بعد تنحى رئيس الجمهورية، وهى حكومة أحمد شفيق، حكومة غير صالحة، سرعان ما طالب الناس بإنقاذ البلاد منها. فلما قام المجلس العسكرى بتكوين حكومة جديدة، وهى حكومة عصام شرف، كان المأمول أيضا أن تقوم هذه الحكومة «بإنقاذ» البلاد، فزادت الأمور سوءا. وها هم الثوار من جديد يطالبون بحكومة إنقاذ جديدة، فما الذى يجعل الناس يعتقدون أن المجلس سوف يحسن الاختيار هذه المرة؟

نعم، لقد تعلم الثوار هذا الدرس، فطالبوا هذه المرة، بالإضافة إلى حكومة إنقاذ، بتنحى المجلس العسكرى نفسه، إذ تثور شكوك قوية الآن، فى أن هذا المجلس ليس حسن النية فى اختياراته، وأنه يتعمد اختيار حكومات ضعيفة لأسباب غير واضحة. قلت لنفسى: ولماذا لا تحاول أنت معرفة هذه الأسباب؟ وقديما قال كارل ماركس «إن الحرية هى فهم الضرورة»، أى أن نجاحك فى تحقيق هدفك يتوقف على درجة فهمك، وأن من الخطأ أن نحاول ممارسة الحرية إذا لم نكن مدركين للعقبات التى تعترض هذه المحاولة فإذا طبقنا هذا على ما نحن فيه الآن فى مصر، كان معناه أننا لا يمكن أن ننجح فى تحقيق «إنقاذ» حقيقى لمصر، إذا لم نكن نعرف من هم الأعداء الحقيقيون المعارضون لهذا الإنقاذ، وما هى دوافعهم الحقيقة فى معاداتها.

كان لابد، وأنا أبحث عن الإجابة أن أتذكر فكرة أساسية أخرى من أفكار كارل ماركس، وهى نظريته فى التحليل الطبقى للدولة. ولكن قبل أن أوضح هذه الفكرة لمن لا يعرفها أو لمن نسيها، وعلاقتها بمحنتنا الحالية فى مصر، أحب أن أكتب بضعة سطور قليلة لتبرير إثارة اسم كارل ماركس الآن، وقد كنا نظن أن الرجل قد انتهى عهده إلى الأبد، وأن أفكاره، قد ثبت فسادها، خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتى والكتلة الشيوعية منذ عشرين عاما، تعليقى على هذا هو أن أعّبر عن تأسفى لانتشار هذا الموقف المدهش إزاء أفكار سيطرت على الجدل السياسى فى العالم لمدة تقرب من قرن ونصف القرن. نعم لقد أثبتت تطورات قرن ونصف القرن أخطاء جسيمة فى بعض أفكاره، ووجود أوجه نقص خطيرة فى أفكار أخرى له، ولكن هل يعقل ألا يبقى من الأفكار الماركسية أى شىء يساعدنا فى فهم ما حدث فى العالم المعاصر؟

الحقيقة أن فكرة ماركس عن التحليل الطبقى للدولة مازالت مفيدة جدا فى تفسير ما يحدث فى العالم، بما فى ذلك ما حدث ويحدث الآن فى مصر. نعم، لقد دأب كثير من الماركسيين على المبالغة فى إقحام التفسير الطبقى على الأحداث التاريخية، الكبير منها والصغير، بدون مبرر، كما أن ماركس نفسه، بحكم ظروف عصره، لم يفطن إلى الأثر الحاسم لظاهرة الاستعمار والتبعية فى تطور الأحداث فى بلاد كبلادنا (إذ كان تحليل ماركس ينصب على دول متقدمة صناعية وتتمتع بإرادة سياسية مستقلة). كما أن ماركس لم يعش ليشهد ذلك النمو الكاسح للطبقة الوسطى، فبقى الصراع الطبقى فى نظره محصورا بين طبقة أرباب العمل والبروليتاريا، وعلى الأخص العمال الصناعيين. ولكن كل هذا لا ينفى أن فكرة ماركس فى التحليل الطبقى للدولة يمكن أن تلقى ضوءا مفيدا على التاريخ المصرى الحديث، بما فى ذلك عهد مبارك والثورة عليه.

<<<

يمكن تلخيص فكرة ماركس فى هذا الصدد فى أن من الخطأ الشديد أن نتصور أن الدولة (أى دولة) يمكن أن تكون محايدة بين الطبقات. أصحاب السلطة فى أى بلد، وفى أى عصر، هم ممثلو الطبقة المسيطرة اقتصاديا وهم يستخدمون سلطة الدولة (وعلى الأخص الشرطة والجيش) لضمان هذه السيطرة الاقتصادية، ولضمان استمرار تمتع هذه الطبقة بامتيازاتها، من ثم يستخدمون سلطة الدولة فى قهر الطبقات المظلومة والمسغلة، وتمنع أى محاولة من جانب هذه الطبقات للثورة عليها.

طالما سخر ماركس والماركسيون ممن يتكلمون عن الدولة على أنها دولة فوق الطبقات، فيتقدمون إليها بمظالمهم على أمل الاستجابة لطلباتهم. فأصحاب الامتيازات لا يتنازلون عن امتيازاتهم إلا تحت الضغط وبالقوة. وهم إذا اضطروا إلى هذا التنازل عندما يشتد الضغط عليهم، لا يكفون عن محاولة استعادة مراكزهم مهما تطلب ذلك من أعمال العنف بالغة القسوة.

نظرت من هذه الزاوية إلى عهد حسنى مبارك، الذى استمر ثلاثين عاما، وإلى الثورة عليه فى 25 يناير، وتنحيته فى 11 فبراير، ثم إلى الأشهر العشرة التى انقضت على سقوطه، وأعمال المجلس العسكرى خلال هذه الأشهر العشرة، ونوع الحكومات التى شُكلت لتحل محل حكومات مبارك، فوجدت أن هذه الفكرة المهمة من أفكار ماركس تلقى ضوءا ساطعا على هذه الأحداث.

<<<

لقد ورث حسنى مبارك عن سلفه أنور السادات طبقة مدهشة فى تسلطها الاقتصادى، فى تطلعاتها وتصميمها على تحقيق المزيد من الثراء والقوة، وفى درجة استعدادها لممارسة الفساد والإفساد لتحقيق مكاسب اقتصادية جديدة.

كانت هذه الطبقة حديثة نسبيا فى التاريخ المصرى. ليست لها جذور قوية بالمرة تربطها بالطبقة التى سيطرت اقتصاديا فى عهد الملكية، ولم يسمح لها عبدالناصر بالظهور والنمو إلا فى سنواته الأخيرة بعد أن تلقى ضربة قاصمة من الخارج (بهزيمة 1967). ولكن هذه الطبقة ترعرعت، وباضت وأفرخت فى عهد أنور السادات (الذى كان هو نفسه يحمل نفس ميولها وأهدافها وتطلعاتها). وساعدت على نموها وزيادة قوتها سياسة الانفتاح التى دشّنها السادات، وما حظيت به هذه السياسة وهذه الطبقة من دعم وتشجيع من القوى الخارجية (وعلى الأخص الولايات المتحدة وإسرائيل) والتى رضى السادات بالتبعية لهما. فسكتت هذه القوى الخارجية على ما مارسته هذه الطبقة الجديدة من فساد، بل وشجعها على الإمعان فيه من أجل ترسيخ هذه التبعية.

لم يحدث فى عهد حسنى مبارك، فى هذا الصدد، إلا الإمعان فى خدمة هذه الطبقة، ومدّها بكل التسهيلات الممكنة لتسهيل أعمال الفساد، من تكوين شركات توظيف الأموال، إلى الحصول على قروض خيالية من البنوك ثم تهريب الأموال إلى الخارج، إلى التلاعب فى العملة، إلى الاستيلاء على أراضى الدولة، إلى العبث بالقوانين وتزوير الانتخابات..إلخ.

هذه الطبقة سخّرت كل سلطات الدولة لخدمتها (طبقا لما كان يتصوره ماركس بالضبط)، من جيش وشرطة وقضاء ورؤساء الوزارات والوزراء، حتى إذا ما جاءت آخر حكومة من حكومات مبارك (حكومة نظيف) وجدنا سلطات الدولة تتوحد مع رجال هذه الطبقة توحدا لم تعرف له مصر مثيلا من قبل، ورأينا تزاوجا تاما ومكشوفا بين أصحاب المال وأصحاب السلطة، إلى درجة تولية منصب الوزير لمن كانت أعماله الخاصة وشركاته تخضع لهذه الوزارة (أو العكس). كما ساهم بقوة فى إتمام هذا التزاوج ما كانت تقدمه القوى الخارجية (الولايات المتحدة وإسرائيل) لهذه الطبقة (النظام) من دعم اقتصادى وسياسى وأمنى (مما لم يكن مألوفا فى عصر كارل ماركس فلم يلتفت إليه).

<<<

فى 25 يناير ظهر أن السيل قد بلغ الزبى، وأن الطبقات المقهورة قد بلغ سخطها وشعورها بالظلم ذروته. صحيح أن الآلاف المؤلفة التى اجتمعت فى الميادين لم تكن تنتمى كلها إلى طبقة واحدة، بل أدهشتنا الثورة بتآلف الناس من مختلف الطبقات وإجماعهم على كراهية حكم تلك الطبقة التى عاثت فى البلاد فسادا وتخريبا. فهذه الطبقات كلها التى اشتركت فى الثورة (متوسطة ودنيا بمختلف شرائحهما) كانت تشكو من نفس المظالم ونفس القهر، فخرجت كلها إلى الميادين. لم تعد القضية (مثلما كانت أيام ماركس) قضية صراع بين البروليتاريا والرأسماليين، حول الأجور المنخفضة والاستئثار بفائض القيمة، بل أصبحت قضية صراع يختلط فيه استغلال العامل باستغلال المستهلك، ويختلط فيه قهر العامل والفلاح، بقهر أسر التلاميذ بتكاليف الدروس الخصوصية، صراع يختلط فيه القهر الاقتصادى بالقهر النفسى والروحى.

ربما كان هذا التعدد فى المراكز الاقتصادية للمشاركين فى الثورة، وتعدد صور القهر، سببا مهما للصعوبة التى صادفها الثوار فى بلورة أهداف محددة لهم جميعا، ولكن شيئا خطيرا آخر كان يعانى منه ثوار 25 يناير، وهو الظن بأن الدولة يمكن أن تكون محايدة بين الطبقات، والظن بأن المجلس العسكرى، الذى عايش وصادق وزامل الحكّام الذين كان الثوار يطالبون بعزلهم، يمكن أن يتنكر بين يوم وليلة للطبقة التى ينتمى إليها.

كان انقضاء عشرة أشهر على قيام ثورة يناير كافيا لإدراك هذا الخطأ. وكان الضرب والقتل بمنتهى القسوة، اللذان تعرض لهما الثوار فى 19 نوفمبر والأيام التالية، كافيين لاكتشاف أن الدولة لا يمكن أن تكون محايدة، واكتشاف أنه وإن كانت مصر فى حاجة ماسة إلى إنقاذ، فإنه لا يمكن أن يتم هذا الإنقاذ بتقديم طلب به إلى نفس الطبقة التى يراد إنقاذ بقية الشعب من حكمها.

الجمعة، 18 نوفمبر 2011

عودة الاغتراب

الشروق - الجمعة 18 نوفمبر 2011

حالة الحزن الشديد التى تسود المصريين الآن مقترنة بشعور بخيبة الأمل، بسبب التطورات السياسية التى حدثت خلال الشهور القليلة الماضية، جلت إلى ذهنى من جديد فكرة «الاغتراب»، فوجدتها أكثر الكلمات تعبيرا عما بدأ يعترى المصريين شيئا فشيئا، إزاء السلطة الحاكمة، خلال هذه الشهور.

ها قد عاد الشعور بالاغتراب من جديد، أسابيع قليلة، ساد فيها الفرح وارتفعت الآمال إلى عنان السماء، وخُيل فيها للمصريين أن أصبح لهم أخيرا حكام يشعرون بما يشعرون، وينوون العمل على تحقيق ما يطمحون إليه. ها هو كل يوم جديد يأتينا للأسف بخبر أو قرار جديد معناه العكس بالضبط، وإذا بالآمال تتسرب من بين أصابعنا كحبات الرمل، وإذا بأول سؤال يوجهه كل منا لمن يلتقى به هو «إلى أين تسير مصر؟».

...

قلت لنفسى: «نعم، ها هو الشعور بالاغتراب يعود من جديد، ولكن هل تذكر أن مر المصريون، طوال الخمسين أو الستين عاما الماضية، بفترة زال فيها عنهم هذا الشعور لأكثر من شهور قليلة، تعقبها سنوات وسنوات من الاغتراب؟

فلنبدأ من سنة 1950، عندما شعر المصريون بالفرح الشديد لدى نجاح حزب الوفد فى انتخابات نزيهة (بعد طول تزوير)، وتولى زعيمهم المحبوب مصطفى النحاس رئاسة الحكومة، وقامت المظاهرات فى كل أنحاء مصر تعبر عن فرحة الناس بانتهاء فترة طويلة من الاغتراب فى ظل حكومة بعد أخرى من حكومات الأقليات، الخاضعة لإرادة الملك أو الأنجليز. نعم، أذكر هذا الفرح الذى ساد فى 1950، فهل استمر هذا الشعور أكثر من سنة ونصف السنة، انتهت بحريق القاهرة فى يناير 1952، الذى اتخذ علة لإقالة حكومة النحاس، فعادت الأمور إلى ما كانت عليه قبل 1950؟

نعم، شعر المصريون بفرح غامر مرة أخرى فى يوليو 1952، عندما قامت الثورة، وبدا وكأن أصحاب السلطة الجدد والشعب يد واحدة وروح واحدة، وتوالت بعد ذلك الإجراءات والقوانين المفرحة للغاية، من عزل الملك، إلى إصدار قانون الإصلاح الزراعى، إلى إلغاء الألقاب، إلى إعلان الجمهورية.. إلخ.. ولكن هل استمر هذا الفرح، هذه المرة أيضا، أكثر من سنة ونصف السنة؟ لا لم يستمر أكثر من ذلك، إذ عاد الشعور بالاغتراب فجأة فى مارس 1954، بسماعنا بيانا فى الإذاعة كان معناه انقلاب الضباط بعضهم على بعض، وتنحية الرئيس المحبوب محمد نجيب عن السلطة، وقدمت لذلك أسباب غير مقنعة بتاتا، وبدأت سلسلة من الإجراءات غير المحبوبة، بما فى ذلك ما بدا لكثيرين (وأنا منهم) تمثيلية محبوكة لمحاولة الاعتداء على الرئيس الجديد، وإذا بالأغانى الجديدة تُؤلف وتلحن فى مدح هذا الرئيس الجديد لم يشعر الناس إزاءها بالاغتراب.

نعم، عم الفرح بتأميم قناة السويس فى يوليو 1956، واستمر هذا الفرح عامين كاملين (بل ربما عامين ونصف العام) حتى يناير 1959، حدثت خلالهما أمور مفرحة كثيرة، من الشروع فى بناء السد العالى، إلى انضمام مصر إلى مجموعة دول عدم الانحياز، إلى إعلان الوحدة مع سوريا، إلى إعلان برنامج طموح للتصنيع وخطة طموح أيضا للتنمية الاقتصادية. ولكننا فوجئنا فى مطلع 1959 بحملة اعتقالات واسعة شملت كثيرا من أخلص الوطنيين ومن أكثر المصريين إيمانا بالعدالة الاجتماعية، وسمعنا عما لقيه كثير منهم من معاملة سيئة فى السجن، إلى حد وفاة بعضهم من جراء التعذيب. لم يكن مفهوما بالمرة لماذا هذا الإصرار على تطبيق الاشتراكية بدون اشتراكيين، ولماذا كل هذا العداء لنظام وطنى جديد فى العراق، هل كان هذا بناء على قرار مستقل نابع من إرادة حرة، أم إرضاء لقوة خارجية؟ بدأ الشعور بالاغتراب يعود منذ ذلك الوقت، ثم ازداد ثقلا مع زيادة طابع الدولة البوليسية قسوة مع مرور السنوات عقب انفصال سوريا عن مصر فى 1961، ودخول مصر حرب اليمن فى السنة التالية حتى بلغ الشعور بالاغتراب أقصاه بوقوع هزيمة 1967.

استمر هذا الشعور بالاغتراب، بلا انقطاع تقريبا، حتى سقوط حسنى مبارك فى فبراير الماضى. أقول «تقريبا» لأن من الممكن أن نستثنى فترتين قصيرتين للغاية، لم تدم أى منهما أكثر من شهور قليلة. كانت أولاهما فترة الفرح الشديد بعبور أكتوبر 1973، الذى أعاد للمصريين ثقتهم بأنفسهم وبجيشهم. ولكنها انتهت بخيبة أمل بسبب التطورات السياسية التى أعقبت النصر العسكرى، وإذا بأنور السادات يقوى شعور المصريين بالاغتراب يوما بعد يوم، بتصالح غير مبرر مع الإسرائيليين انتهى بكامب دافيد فى 1979، وبتنكر تدريجى لأمل الوحدة العربية ولقضية الفلسطينيين، وبتبعية متزايدة للأمريكيين، وبتبنيه نمطا من السياسة الاقتصادية يؤدى إلى فتح الأبواب بلا ضابط على السلع الأجنبية، قوت من الشعور بالاغتراب لدى العاجزين عن اقتناء مثلها، وانتهى كل ذلك باعتقالات بالجملة لمئات من الوطنيين من مختلف الاتجاهات السياسية وإيقاف كل صحف المعارضة.

ثم بدا لفترة قصيرة بعد مقتل السادات فى 1981، وكأن الرئيس الجديد سوف يعمل على إعادة الأمور إلى نصابها بالإفراج عن المعتقلين السياسيين، والسماح للصحف المصادرة بالعودة، وترشيد السياسة الاقتصادية، وممارسة بعض الاستقلال فى السياسة الخارجية والعربية. ولكن سرعان ما ظهر، بعد أقل من عام، أن كل هذا كان سرابا، إذ استمرت التبعية لأمريكا، والتخاذل أمام إسرائيل، وخضوع السياسة الاقتصادية لضغوط صندوق النقد والبنك الدولى، فتفاقمت البطالة وسوء توزيع الدخل، وعادت ظاهرة سيدة مصر الأولى، كما عاد تقييد الحريات وتزوير الانتخابات، فعاد الشعور بالاغتراب، بل وأصبح بالتدريج أقوى مما كان فى أيام السادات.

...

حصيلة هذا كله أنه خلال فترة تزيد على ستين عاما، لم يحظ المصريون، على أحسن تقدير، بأكثر من ثمانية أعوام متفرقة شعروا خلالها بأن حكومتهم تتبنى آمالهم وتعمل على تنفيذها: حكومة النحاس (50 ــ 51) التى انتهت بحريق القاهرة، والشهور الأولى التالية لثورة يوليو 1952، والتى انتهت بأزمة 1954، والسنتان التاليتان لتأميم قناة السويس فى يوليو 56 وقد انتهيتا باعتقالات 1959 وبضعة أشهر عقب انتصار الجيش فى أكتوبر 1973، وانتهت باتفاقيات فك الاشتباك مع إسرائيل ثم عقد معاهدة صلح منفرد معها، والشهور القليلة التالية للإفراج عمن اعتقلهم السادات فى 1981 وعودة صحف المعارضة للظهور، وانتهت بعودة الرقابة على الصحف وتزوير الانتخابات..إلخ.

 ...

ثم زال الاغتراب فجأة وعم الفرح ابتداء من 25 يناير 2011، ولكن ها نحن، قبل انقضاء عشرة أشهر على هذا اليوم البديع، نشعر من جديد بألم الاغتراب، الذى تزيد مرارته كلما تذكرنا مدى فرحنا فى 25 يناير.

هل يعقل مثلا، بعد أقل من عشرة أشهر من قيام الثورة، أن يعود نظام الإعلام فى مصر إلى نفس عاداته القديمة فى خداع الناس، وتأليب بعضهم على بعض؟ ويعود نفس النوع من رؤساء تحرير الصحف الحكومية ورؤساء مجالس إداراتها، هذا النوع الذى يجيد فهم ما تريده السلطة بالضبط، ويعرف كيف يصيغ الأخبار ويختار المانشيتات بما يتفق بالضبط مع ما يريد الحكام الإيحاء به للناس مهما كان مخالفا للحقيقة، مما كان يثير فينا الغم كل صباح قبل قيام الثورة؟ هل يعقل بعد أن ثار طلاب الجامعات على عمداء ومديرين تابعين لجهاز الأمن فى ظل نظام مبارك، أن يعود نفس العمداء والمديرين إلى مناصبهم، ولكن بعد انتخابات لا تعبر عن آمال الأساتذة أو الطلاب أو الموظفين؟ وأن يفتح باب الترشيح أمام نفس الأشخاص الذين أفسدوا الحياة السياسية قبل ثورة 25 يناير؟..إلخ هل علينا إذن أن نتوقع أن يحدث بين يوم وليلة، أن تغلق الصحف القليلة التى تشكو من كل هذا فيزداد شعورنا بالاغتراب قسوة، فلا نقرأ ولا نسمع بعد هذا ما يطمئننا أننا لسنا وحدنا الذين يشعرون بهذه الغربة؟

 ...

الشباب المصرى يتمتع الآن بالطبع بميزة كبرى لا يتمتع بمثلها جيلى من المصريين. نحن جيل اعتاد للأسف تكرار خيبة الأمل وعودة حالة الاغتراب، المرة بعد الأخرى، ولكن الجيل الجديد من الشباب لا يذكر لحسن الحظ ما مرّ بمصر من دورات الأمل والإحباط، ومن ثم فهو مستمر فى المحاولة وفى تقديم التضحيات. من بينهم هؤلاء الشبان الرائعون الذين ضحوا بحياتهم أو ببصرهم فى سبيل أن تحصل مصر على حكومة تعبر عن مشاعر المصريين وطموحاتهم، ومنهم أيضا الشبان الرائعون المقبوض عليهم طبقا لأحكام عسكرية أو مدنية عقابا على جرائم لم يرتكبوها. وهؤلاء بالطبع، وليس أحد غيرهم، هم من يمدّون المصريين، بمن فيهم جيلى الأكبر سنا بكثير، بالأمل فى أن تظفر مصر بفترة جديدة يزول فيها الشعور بالاغتراب، وبالأمل فى أن تكون الفترة القادمة أطول بعض الشىء من فترات سعيدة سابقة.

الجمعة، 11 نوفمبر 2011

فيم أخطأ طارق البشرى؟

الشروق - الجمعة 11 نوفمبر 2011

كان لابد أن أهتم، كما لابد أن اهتم كثيرون غيرى، بظهور مقال للأستاذ طارق البشرى منذ أيام قليلة (جريدة الشروق 7/11/2011) بعنوان «فى الجدل حول المدنية والدينية». فالمقارنة بين هذين النوعين من الدول من أهم موضوعات الساعة فى مصر، والجدل محتدم بين أنصار هذه الدولة أو تلك، ويصل أحيانا إلى درجة عالية من الحدة.

والأستاذ طارق البشرى معروف بانتصاره لما يعرف بالتيار الدينى، ولعب دورا مهما فى الشهور الأولى للثورة بعد تعيينه رئيسا للجنة تعديل الدستور، ولكنه معروف أيضا بالاتزان والوقار، فضلا عن سمعته الممتازة كقاض فى مجلس الدولة، صدرت منه أحكام قوية تنتصر للحرية والديمقراطية، وتتحدى النظام السابق الذى أسقطته ثورة يناير. وحيث إن الأستاذ البشرى مقل أيضا فى أحاديثه ومقالاته، فلابد أن نهتم بظهور مقاله عسى أن يضع به النقاط فوق الحروف، فيتضح الغامض، بل وربما ارتاحت به النفوس وهدأت الخواطر.

لابد أن أصارح القارئ مع ذلك بأننى، رغم اهتمامى بظهور المقال، كنت أشعر ببعض الخوف قبل أن أشرع فى قراءته، من ألا أحصل من مقاله على شىء من هذا: لا توضيح الغامض ولا تهدئة الخواطر. وذلك لعدة أسباب. منها ما لاحظته من متابعة التطور الفكرى للأستاذ البشرى خلال الأربعين عاما الماضية، من أنه يسمح لنفسه بالتأثر أكثر من اللازم، فى رأيى، بمشاعر الجماهير واتجاهاتهم. ومن ثم بدا لى أن هناك احتمالا قويا لأن يخضع هذه المرة أيضا لاتجاهات الجماهير، خاصة أنها، منذ قامت الثورة، تزداد قوة وجرأة فى التعبير عن مشاعرها. من الأسباب أيضا ما ألاحظه عادة على كتابات الأستاذ البشرى منذ فترة، بأنها تتسم بدرجة من التعقيد، قد لا يكون ثمة خطر كبير فيها (إذ يمكن للمرء أن يزيد فهمه لعباراته بمعاودة قراءتها أكثر من مرة)، لولا أن الموضوع الآن يحتاج إلى درجة أكبر من الصراحة والوضوح، والتعبير المباشر عما يقصده الكاتب منعا لإثارة الظنون وتعدد التفسيرات لما يكتبه. أعترف أيضا بأننى بعد أن قرأت المقال تأكدت مخاوفى، بل وأضيفت إليها أسباب جديدة للأسف.

●●●

المقال يبدأ بداية غير متوقعة، إذ اقتطف قصة رواها الشاعر جلال الدين الرومى عن رجل أحول نظر إلى إبريق فظنه إبريقين، فلما كسر الإبريق ظنا أنه يحتفظ بإبريق آخر تبين أنه ليس هناك غير هذا الإبريق المكسور. وقال الأستاذ البشرى إن حالتنا فى محاولة الاختيار بين الدولة الدينية والدولة المدنية، تشبه موقف ذلك الرجل الأحول، إذ ليس هناك فى الحقيقة إلا شىء واحد، أى دولة واحدة، دينية ومدنية فى نفس الوقت، فإذا ضحينا بإحداهما (كالدولة الدينية مثلا) فإننا نضحى أيضا بالأخرى (أى المدنية) ونتيجة لذلك ظهر عنوان فرعى للمقال بخط كبير هو: «لا نختار بين الدولة المدنية والدولة الدينية لأنهما شىء واحد»، استغربت هذا الكلام جدا، فقد كنت (ولا أزال) أعتقد أن الجدل الدائر حول هذه القضية جدل حول قضية حقيقية وليست متوهمة، وخوف أحد الفريقين من أن ينتصر الفريق الآخر خوف حقيقى له دوافعه المفهومة. فما هذا الكلام إذن عن أن الدولة الدينية هى أيضا دولة مدنية؟

إننى أفهم أنه عندما يحتدم النقاش بين شخصين يختلفان فى الرأى، علينا أن نكتشف ما الذى يقصده بالضبط كل من الشخصين من كلامه ومصطلحاته، لكى نكتشف أوجه الاعتراض الحقيقى لدى كل منهما على رأى الآخر. فإذا كان الاختلاف مثلا حول ما إذا كانت الدولة الدينية أفضل أم المدنية، فمن الواجب أن نحاول أن نحدد بالضبط ما الذى يفهمه أنصار كل منهما بتعبير الدولة الدينية أو الدولة المدنية، فلا نقوم نحن بتقديم تعريف لكل منهما كما نشاء، وينتهى الأمر بالقول: وهكذا ترون أنه لا خلاف هناك فى الحقيقة، لأن الدولتين فى الواقع دولة واحدة!» ليس هكذا، فيما أظن، تُحل الخلافات وتهدأ النفوس. ونحن نعرف جيدا أن مفهوم الدولة الدينية فى نظر الرافضين لها، هو أن يجرى تبرير القوانين والإجراءات باقتطاف نصوص مقدسة، بعكس الدولة المدنية التى يمتنع فيها إقحام الدين فى شئون الحكم، دون أن يعنى هذا بالضرورة معاداة الدين أو تعطيل ممارسة الشعائر الدينية والعبارات. بل قد تعتبر الدولة المدنية من واجباتها توفير الوسائل التى تضمن قيام أصحاب كل دين بممارسة شعائرهم وعباداتهم، على أساس أن هذا من حقوق الإنسان، مثل حقه فى الحياة والحرية.

هذا التحديد لمعنى الدولة الدينية والمدنية يتفق، فيما يبدو لى، مع الفهم السائد الآن فى الجدل الدائر حول أفضلية هذه الدولة أو تلك، وهناك حجج كثيرة يمكن أن تقال لصالح هذه الدولة أو تلك، ولكن ليس هذا موضوعى الآن. الذى أقصده هو أن الأستاذ طارق البشرى قد أخطأ بتصوير الأمر وكأنه لا يوجد فرق فى الحقيقة. كيف وصل الأستاذ البشرى إلى هذه النتيجة؟. وصل إليها عن طريق تقديم تعريف مدهش لكلتا الدولتين. يقول بالنص:

«إذا كانت (المدنية) فى الاستخدام الجارى الآن مقصود بها لدى من يستخدمونها ويدعون إليها الاهتمام بالصالح الدنيوى للجماعة الوطنية، فهى طبعا لابد منها لانتظام الجماعة. وإذا كانت (الدينية) فى الاستخدام الجارى الآن تعنى الأصول الثقافية المرجوع إليها مما يسود لدى الجماعة البشرية الوطنية ويحفظ لها قوة تماسكها فهى لازمة وضرورية أيضا».

وأنا لا أتفق بالمرة مع طريقة الأستاذ البشرى فى هذا التعريف «للاستخدام الجارى». فهذا التعريف للدولة المدنية «الاهتمام بالصالح الدنيوى»، ليس هو تعريفها «فى الاستخدام الجارى الآن»، بل يشمل هذا التعريف أنها دولة لا تقحم الدين فى تعريف ما هو الصالح الدنيوى. وكذلك لا أتفق معه فى أن تعريف الدولة الدينية بأنها «الأصول الثقافية المرجوع إليها الآن.. إلخ» هو تعريفها فى الاستخدام الجارى الآن، بل يشمل هذا التعريف أن تكون النصوص الدينية ليست فقط المرجع فى تحديد «الأصول الثقافية» بل وأيضا فى تحديد الصالح الدنيوى إذا كان الأمر كذلك فالخلاف موجود وحقيقى، ولا جدوى من الزعم بعدم وجوده.

إن موقف الأستاذ البشرى من هذه القضية يجلب إلى ذهنى حالة زوجة رفعت دعوى ضد زوجها طالبة الطلاق، بسبب اعتياده ضربها وتعذيبها بشتى الطرق. وقامت بتقديم الأدلة على ذلك. فإذا بالقاضى يرفض التطليق على الأساس الآتى:

إن الزواج فى الأصل القصد منه إنشاء علاقة سلام ومودة وتراحم بين الزوجين، مما لا يتصور معه ضرب أحد الطرفين للآخر أو تعذيبه. ومن ثم فلابد من التعايش السلمى بين الزوجين، وهو ما يفترض استمرار الزواج!

●●●

إن هذا هو جوهر اعتراضى على مقال الأستاذ البشرى، ولكننى أرى فى ثنايا المقال أشياء أخرى لا تخلو من خطورة، ولا أدرى ما إذا كان الكاتب متنبها إليها. فبصرف النظر عن خطأ اعتبار الدولة الدينية والدولة المدنية دولة واحدة فإن المقال يمرر بذلك موافقته على قيام شىء واسمه «الدولة الدينية» بتعريف أو آخر. وهذا كلام يكاد يكون جديدا على الجدل القائم الآن فى مصر. فالرافضون لشعار الدولة المدنية، والمنتصرون لإخضاع السياسة للدين، يحاول أغلبهم تجنب استخدام لفظ «الدولة الدينية» وينفون نفيا قاطعا أن الإسلام عرف الدولة الدينية فى أى فترة من تاريخه، وما أكثر من يقطفون القول المأثور عن الرسول صلى الله عليه وسلم «أنتم أعلم بشئون دنياكم». فالدين إلهى ولكن الحكم بشرى، والحاكم أيا كانت منزلته يمكن أن يخطئ أو يصيب فى تفسير النصوص المقدسة ولكن ها هو المستشار البشرى، وهو من هو، يقول ما معناه أنه لا بأس من الدولة الدينية، فيعطى دعما، من حيث يدرى أو لا يدرى، لمن يمكن أن ينادى بدولة دينية فى مصر.

من الممكن طبعا أن يحتج الأستاذ البشرى بقوله إن الذى يقصده بالدولة الدينية التى يناصرها هى «الأصول الثقافية المرجوع إليها.. إلخ». فهل سيجد الأستاذ البشرى أو غيره الوقت، أو سيسمح له، إذا قامت دولة دينية فى مصر، بأن يوضح أنه لم يقصد من الدولة الدينية إلا «الأصول الثقافية.. إلخ».

●●●

يقول الأستاذ البشرى أيضا فى مقاله: «إن الفكر المرجعى المستند إلى الدين، متهم من غير ذويه بأن ينكر شئون المصالح الدنيوية، وهو اتهام لا يقوم فى أساسه ولا لدى الغالبية الغالبة من مفكرى هذا المجال، حتى فى العصور قبل العصور الحديثة». وأنا أطمئن الأستاذ البشرى أنه لم يخطر ببالى قط أن أتهم هذا الفكر الذى يسميه «الفكر المرجعى المستند إلى الدين» بهذا الاتهام الخطير. بل من الذى يتجرأ، أيا كانت مرجعيته، على «أن ينكر شئون المصالح الدنيوية» (وهو على أى حال تعبير فضفاض يصعب تحديد معناه). إنما النقد هو أن الإصرار على تفسير المصالح الدنيوية بالرجوع إلى نصوص دينية ليست دائما قاطعة المعنى وواضحة الدلالة، يعرض المرء للوقوع، ولو بحسن نية، فى خطأ الإساءة إلى المصالح الدنيوية وللدين فى نفس الوقت. يضيف الأستاذ البشرى لتأييد موقفه قولا مقتطفا من حديث لرجل عاصر بداية عصر المماليك وهو العز بن عبدالسلام، يقول فيه «التكاليف كلها راجعة إلى مصالح العباد فى دنياهم وأخراهم، والله غنى عن عباده، ولا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين». وأصارح الأستاذ بأننى لم أجد فى هذا الحديث شيئا يدعم حجته على أى وجه من الوجوه فالاعتراف بأن «التكاليف كلها راجعة إلى مصالح العباد فى دنياهم وأخراهم» أمر مفروغ منه ومسلم به، وإنما المشكلة هى فيما إذا كان تفسير معين لهذه التكاليف سوف تضفى عليه هالة من التقديس قد تمنع الناس من الاعتراض عليه، حتى لو كان جديرا بهذا الاعتراض. وقد استغربت أن يجد الأستاذ البشرى ضرورة أو حتى فائدة من اقتطاف حديث ليس فيه جديد، إلا أنه يرجع، على حد تعبيره إلى بداية عصر المماليك، ثم يضيف «وهو العصر الذى يسميه البعض عصر التخلف» ما الذى يريد الأستاذ أن يقوله هنا؟ هل يريد أن ينفى عن عصر المماليك صفة التخلف، أم أن يقول إنه حتى فى أشد العصور تخلفا، كان هناك من يؤكد أن التكاليف الإسلامية يقصد بها فى النهاية تحقيق مصالح العباد، فى الدنيا والآخرة؟

إن الأمر يستعصى علىّ فهمه، فقد كنت أظن أن هناك اتفاقا عاما، فى جميع العصور، على أن الدين أى دين، لا يقصد إلا تحقيق مصالح العباد، فى هذه الدنيا أو فى الآخرة؟

●●●

الأستاذ البشرى يختم مقاله بخاتمة غريبة، فهو يقتطف جلال الدين الرومى مرة أخرى فى قول قد لا يخلو من فصاحة ولكنه لا يبدو ملائما لما نحن فيه. يقول الرومى «إن العالم مصنوع من المتناقضات وإن الحياة تتأتى من السلام بين المتعارضات، وإن الموت يكمن فى التحارب بينهما». وأنا قد أتفق مع الشاعر الكبير، ولكن أى ضوء يمكن أن يلقيه هذا الكلام عما نحن فيه؟ نعم يا حبذا لو ساد السلام بين المتعارضات، ولكن هل طريقة إحلال السلام هى التظاهر بأنه ليس هناك تعارض على الاطلاق، على طريقة رجال الدين الإسلامى والمسيحى عندنا، عندما يتبادلان العناق عقب كل أزمة طائفية، ثم سرعان ما تنشأ أزمة طائفية جديدة؟

●●●

أصارح القارئ، وأصارح الأستاذ البشرى نفسه، بأننى كنت أفضل بكثير، وقد قرر الأستاذ أن يدلى برأيه فى الجدل الدائر حول أيهما أفضل: الدولة الدينية أم المدنية، أن يقول لنا رأيه الواضح والقاطع فى أمور ملموسة مما يثار حولها الجدل الآن، أو التى يختلف فيها الرأى بين أنصار هذه الدولة وتلك، مثل ما إذا كان يشارك بعض أنصار التيار الدينى رأيهم فى أن الاحتفال بشم النسيم حرام، وفى كيفية التعامل مع السياح، وما إذا كان مع أو ضد اعتبار النحت عملا منافيا للدين الإسلامى ومن ثم رأيه فيما إذا كانت تماثيل قدماء المصريين يجب هدمها، أو ما إذا كان يوافق أو لا يوافق على التدخل بمنع ظاهرة جديدة بدأت تترعرع منذ اشتداد ساعد التيار الدينى فى مصر فى الشهور الأخيرة، وهى أن يتفنن بعض المؤذنين فى إلقاء الأذان من خلال مكبر جبار للصوت، فيحاول إبراز مواهبه فى تلحين الأذان، وكأنه يغنى أغنية لأم كلثوم، وهو خلو من أى موهبة، متسلحا باعتقاده بأنه ما دام يؤدى عملا له علاقة بالدين، فلابد أن يقبله الناس صاغرين، ويفعل ذلك، وهو مرتاح الضمير فى جميع أوقات النهار وعند الفجر. هل يمكن تبرير سلوك هذا الرجل بالقول بأنه يحقق مصالح دنيوية أو دينية؟ أم أنه يحقق أغراض الدولة الدينية والمدنية فى نفس الوقت، مادام الأستاذ طارق البشرى يعتبر أن الاثنتين دولة واحدة فى الحقيقة؟

الجمعة، 4 نوفمبر 2011

لماذا لا يسقط نظام مبارك؟

الشروق - الجمعة 4 نوفمبر 2011

أصارح القارئ بأنى لم أعلق أى أهمية قط، فى أثناء تولى حسنى مبارك رئاسة الجمهورية، على دوره فى حكم مصر. وكنت استغرب جدا الإشارات الكثيرة فى الصحف والمجلات، والتعليقات المحلية والأجنبية، إلى أنه فعل كذا أو رفض أن يفعل كذا، أو أنه رأى رأيا معينا فقام وزراؤه ومساعدوه بتنفيذه، أو كان كارها لسياسة معنية فأحجم عنها هؤلاء الوزراء والمساعدون. نعم، ربما كان له دور فى مسائل صغيرة جدا، كأن يعين سفيرا مصريا فى دولة بدلا من أخرى (على أن تكون هاتان الدولتان على قدر بسيط من الأهمية) أو أن يعين صديقا لابنه أو قريبا لزوجته فى وظيفة له رغبة فيها، ولكنى كنت واثقا من أنه ليس له أى أثر فى الأمور المهمة التى تشكل سياسة مصر الخارجية أو الداخلية، أو حتى فى أمور أقل من هذه بكثير.

ذلك أنى كونت عن الرجل فكرة معنية منذ أن ظهر على مسرح السياسة المصرية كنائب لرئيس الجمهورية، فكرة مستمدة من القصص والأخبار الكثيرة التى رويت عنه بعد توليه المنصب، وعن تاريخه قبل توليه ذلك المنصب، (وكلها قصص وأخبار منسق بعضها مع بعضها الآخر) وتتعلق بمدى ذكائه، وحدود اهتماماته وهواياته، وما الذى يلفت نظره وما لا يلتفت إليه، وتعليقاته المدهشة إذا زار مصنعا أو قابل شخصية دولية مهمة.. إلخ، وكلها ترسم صورة متكاملة تؤدى إلى النتيجة التى توصلت إليها عن قدراته المحدودة جدا. بل وقد توصلت أيضا، بنفس الطريقة، إلى تصور معين عن مدى إدراكه هو لحجمه الحقيقى ولحدود قدراته وهكذا اكتملت صورة لا تدعو إلى الإعجاب الشديد! قدرات محدودة، وإدراك محدود لحقيقة هذه القدرات.

كذلك فيما يتعلق بابنه الأصغر جمال. هناك بالطبع فارق السن والنشأة والتعليم الذى تلقاه كل منهما، واختلاف ظروف العصر الذى ترعرع فيه هذا وذاك، ولكن استقر لدىّ أن قدرات الابن لابد أن تكون محدودة بدورها، وأن كل ما ينسب إليه من تصريحات أو تعليقات أو أفكار إنما نسبت إليه دون أن تكون فى الحقيقة صادرة عنه، إذ هناك من لهم مصلحة أكيدة فى رسم صورة غير حقيقية له، وأنه قد تم تلقينه وتدريبه على القيام بأعمال معينة أو إصدار تصريحات بعينها، بل وأن القيام بهذا التلقين والتدريب لم يكن مهمة سهلة بالمرة.

كان هناك بعض الشخصيات التى كثيرا ما يشار إليها على أنهم هم أصحاب السلطة الحقيقية فى تعريف الأمور، ويمثلون مناصب فى أمانة الحزب الحاكم، أو فى رئاسة الجمهورية، وبعضهم قد لا تكون اسماؤهم متداولة بين الناس، بل وقد لا تذكر أسماؤهم على الإطلاق فى الصحف ولم يكن لدىّ شك فى أن هذه المجموعة من الأشخاص لهم فعلا تأثير أهم بكثير مما للرئيس أو ابنه، ومع ذلك فقد كنت أميل إلى اعتبار هؤلاء أقرب إلى المنفذين منهم: صانعو سياسة، ومازلت أعتقد أنى كنت على صواب. فمن كان إذن أصحاب القرار الحقيقيون وصانعو السياسة؟

كان هناك بالطبع رجال الأعمال، الذين يهمهم أن تسير السياسة المصرية (ليست فقط السياسة الداخية بل وأيضا الإقليمية والخارجية) فى اتجاه معين يخدم مصالحهم الاقتصادية. وكان بعض هؤلاء معروفا ويحتلون بعض المناصب السياسية، وبعضهم قليلو الظهور، رغم أهميتهم، هؤلاء كانوا فى نظرى (ونظر كثيرين غيرى) أقرب كثيرا إلى أن يكونوا الحكام الحقيقيين لمصر، ولكنى كنت أعلق أهمية أكبر على وجوه مجهولة لنا تماما، وإن كانت تحتل مراكز مهمة فى أجهزة الأمن المختلفة (والمتعددة الأسماء). إذ كان هؤلاء هم القادرون على التصرف فى مواجهة أى أزمة أو مشكلة طارئة تحتاج إلى تدخل أو علاج سريع، وأى إخلال مهم بالأمن، أو تهديد للنظام بأكمله. لابد أن يكون لهؤلاء نفوذ كبير على كل من سبق ذكرهم، من الرئيس وأسرته، إلى أصحاب المال الوفير والشركات الكبيرة، بسبب قدرتهم الحاسمة على حماية النظام والأمن (بما فى ذلك أمن هؤلاء الأشخاص الكبار أنفسهم).

إذا كان الأمر كذلك، وما دامت بعض القوى الخارجية ذات المصلحة الأكيدة فى المحافظة على بقاء النظام، وعلى بقاء السياسة المصرية، الخارجية والداخلية كما هى، لابد أن تعمل على تأمين منافذ لها فى داخل دوائر صنع القرارات المهمة، فإن هذه القوى الخارجية لابد أن يكون لها ممثلون فى داخل أجهزة الأمن المختلفة هذه، مصريون بالطبع ولكنهم على اتصال مستمر بالقوى الخارجية، ولديهم القدرة الكاملة على الفهم السريع والتنفيذ الكامل لمصالح هذه القوى الخارجية.

●●●

هكذا كان تصورى للوضع قبل ثورة 25 يناير. وأصارح القارئ أيضا بأنه، بعد مرور عدة شهور على قيام هذه الثورة، وبعد ما رأينا من تطور الأحداث، وما يسمى أحيانا بالتلكؤ أو التباطؤ، أو بالتصرفات غير المفهومة، أو بقلة الكفاءة أو قلة الخبرة.. إلخ، أصبحت أميل إلى الاعتقاد بأن تصورى للحال قبل ثورة 25 يناير، يصلح تماما لوصف ما يحدث بعدها، إذ إنه يبدو لى أقدر من أى تصور آخر على تفسير الألغاز التى نقابلها يوما بعد يوم فى تطور الحياة السياسية واليومية فى مصر. يبدو لى إذن أن أصحاب القرارات المهمة والمصيرية مازالوا هم هم. لقد حدثت بالطبع تغيرات كثيرة فى الظوف بسبب قيام الثورة، ولابد أن يأخذ هؤلاء فى اعتبارهم تقلبات الشارع المصرى، والتغييرات التى تطرأ على مزاج الطوائف المختلفة من الشعب، ولكنهم مازالوا فى رأيى محكومين بنفس الاعتبارات الأخرى المهمة، الخارجية والداخلية.

الاعتبارات الخارجية التى تتعلق بمصالح بعض الدول التى يهمها بشدة ما يحدث فى مصر (وعلى الأخص الولايات المتحدة وإسرائيل) والاعتبارات الداخلية التى تضمن أولا نفس هذه المصالح الخارجية، وتضمن ثانيا مصالح كبار رجال الأعمال فى مصر.

إن فضل هذا التشخيص على غيره أنه يستطيع أكثر من غيره تفسير الكثير من ألغاز الثورة فمثلا: لماذا استمرار التظاهر بأن الرئيس السابق وأسرته على وشك أن يخضعوا لمحاكمة عادلة وأن يتلقوا العقاب العادل على ما صنعوه، ولكن الأيام والأسابيع والشهور تمر دون أن تتقدم إلا بسرعة السلحفاة نحو توقيع هذا العقاب؟ ولماذا التظاهر بأن الأموال المهربة إلى الخارج سوف تعاد إلى مصر ثم يُنسى الأمر تماما، أو تتخذ بعض الإجراءات بعد فوات الأوان؟ ولماذا هذا التراخى فى منع رجال النظام القدامى (أو من يسمون بالفلول) فى المشاركة فى الانتخابات الجديدة؟ ولماذا هذا الباطؤ فى إعادة الأمن إلى الشارع المصرى، رغم أهميته القصوى لعودة النشاط الاقتصادى (بما فى ذلك السياحة) إلى طبيعته، فضلا عن أهميته لعودة الطمأنينة لقلوب الناس؟ لماذا عاد فرض نوع من الرقابة على الصحف والتليفزيون، فيمنع هذا الكاتب، ويستبعد هذا المذيع؟.. إلخ الأمثلة كثيرة مما أصبح يتردد باستمرار على ألسنة الجميع، وكلها تدل على أن سقوط حسنى مبارك من كرسى الرئاسة لا يعنى بالمرة سقوط نظامه.. والسبب الذى حاولت شرحه، هو أن الرجل نفسه لم يكن مهما بالمرة، ولا حتى بقية المقبوض عليهم ومن قدم منهم للحاكمة. المهمون الحقيقيون مازالوا فى أماكنهم، لم يتعرض لهم أحد، ومن ثم فهم مازالوا يمارسون نفس سلطاتهم القديمة، وتحقيقا لنفس الأغراض القديمة.