د. جلال أمين

د. جلال أمين
أستاذ الإقتصاد بالجامعة الأمريكية والمفكر المصرى الكبير

الجمعة، 28 أكتوبر 2011

بين مذبحة ماسبيرو ومذبحة الإسكندرية

الشروق - الجمعة 28 أكتوبر 2011

عندما وقعت أحداث ماسبيرو المرعبة فى 9 أكتوبر 2011، تذكرت ما كنت قرأته عن أحداث أخرى وقعت فى الإسكندرية فى 11 يونيو 1882، أى منذ مائة وثلاثين عاما، وعرفت فى التاريخ المصرى باسم مذبحة الإسكندرية.

كان الحادث مأساويا فى الحالين، إذ راح ضحيته أبرياء كثيرون، لم يرتكبوا أى جرم، كما أن أيا منهما لم يكن متوقعا بالمرة، ولا كان من المكن التنبؤ به. وقد صدر فى أعقاب كل منهما تحذير من أقوى دولة فى العالم (بريطانيا فى الحالة الأولى والولايات المتحدة فى الثانية)، موجه إلى الحكومة المصرية، يلقى عليها اللوم لفشلها فى المحافظة على الأمن وأرواح الأقليات (الأجانب فى حالة والأقباط فى الأخرى). وقد تلا توجيه هذا اللوم، فى حالة مذبحة الإسكندرية، وقوع مصر تحت الاحتلال الإنجليزى لفترة استمرت 74 عاما. فهل يا ترى يمكن أن تحدث فى أعقاب مذبحة ماسبيرو كارثة مماثلة؟

لا نريد أن يذهب بنا الخيال والتشاؤم إلى أبعد مما ينبغى، ولكن يبدو لى أن هناك مبررات حقيقية للخوف، إذ على الرغم من أوجه الاختلاف الكثيرة بين ظروف مصر والعالم فى أواخر القرن التاسع عشر وبين الظروف السائدة الآن، فإن هناك أيضا أوجه شبه مهمة تستحق الانتباه.

●●●

حدثت مذبحة الإسكندرية بعد تسعة أشهر من قيام ثورة رائعة فى مصر قادها الضابط أحمد عرابى فى 9 سبتمبر 1881، (وسماها الناس وقتها هوجة عرابى). إذ ذهب أحمد عرابى مع مجموعة من زملائه الضباط إلى ميدان عابدين، للتعبير عن غضبهم على معاملة الضباط المصريين والتمييز ضدهم لصالح الضباط الشراكسة، وحاملين مطالبهم للخديو توفيق. وقد دار الحوار الآتى بين الخديو وعرابى (طبقا لرواية المؤرخ عبدالرحمن الرافعى):

« ــ ما هى أسباب حضورك بالجيش إلى هنا؟

ــ جئنا يا مولاى لنعرض عليك طلبات الجيش والأمة، وكلها طلبات عادلة.

ــ وما هى هذه الطلبات؟

ــ عزل رياض باشا (رئيس الوزراء) وتشكيل مجلس النواب، وإبلاغ عدد الجيش إلى العدد المعين فى الفرمانات السلطانية.

ــ كل هذه الطلبات لا حق لكم فيها. وأنا خديو البلد، وأعمل زى ما أنا عاوز.

ــ ونحن لسنا عبيدا ولن نُورث بعد اليوم».

أما مذبحة ماسبيرو فوقعت بعد ثمانية أشهر ونصف الشهر من قيام ثورة رائعة أيضا، حيث تجمعت مئات الألوف من المصريين فى ميدان التحرير وغيره من الميادين، يطالبون بالخبز والحرية والعدالة الاجتماعية، ثم بإسقاط النظام.

فى سنة 1881 اضطر الخديو توفيق للاستجابة، ولو مؤقتا، لمطالب عرابى، فقام بتغيير الحكومة، وعين حكومة جديدة، برئاسة شريف باشا، واشترك أحمد عرابى نفسه مع شريف باشا فى اختيار الوزراء الجدد. وفى سنة 2011 اضطر حسنى مبارك للاستجابة إلى مطالب الثوار بالتنحى، وشكلت حكومة جديدة برئاسة أحمد شفيق، وبدا وكأن النظام كله على وشك السقوط. ولكن فى الحالتين (حالة الخديو توفيق وحسنى مبارك) أخذ النظام القديم يستعيد قوته شيئا فشيئا، وأخذ الثوار يفقدون قوتهم شيئا فشيئا.

أثناء ذلك كان هناك فى الحالين قوى خارجية متربصة، تراقب باهتمام بالغ (وطبيعى للغاية) تطورات الثورة. كان لبريطانيا أطماع مهمة فى مصر تغرى باحتلالها (تتلخص فى الرغبة فى الحصول على موقع قدم فى طريقها إلى الهند، بما فى ذلك السيطرة على قناة السويس، وضمان تسديد ديون مصر للمقرضين الأجانب، وتحويل مصر إلى مزرعة قطن لخدمة صناعة المنسوجات البريطانية). وكان ولايزال للولايات المتحدة أطماع فى مصر (تتعلق بإخضاع أكبر دولة فى المنطقة العربية التى تحوز ثروة هائلة من البترول والغاز الطبيعى، كما تتعلق بمطامح إسرائيل بعيدة المدى، سياسية واقتصادية). ومن المؤكد أن الأطماع الخارجية فى الحالين تتعارض مع أهداف الثورتين فى التحرر والاستقلال وفى تحقيق ديمقراطية حقيقية.

من الممكن جدا إذن أن يكون قيام مذبحة من نوع مذبحة الإسكندرية فى 1882، ومذبحة ماسبيرو فى 2011، تشيع الفوضى فى البلاد، وتخلق أسبابا قوية للنزاع والشقاق، ومن ثم تعرقل أى تقدم للثورة، بل وتعطى مبررا قويا للتدخل الخارجى أمرا مرغوبا فيه بشدة من قوى خارجية وداخلية، ومن ثم يمكن أن يكون وقوعه طبقا لخطة مرسومة سلفا.

●●●

من المهم أن نلاحظ شبها آخر يتعلق بطريقة تنفيذ المذبحة فى الحالتين، أو إذا شئت، طريقة إخراجها وتمثيلها الفاعل الرئيسى فى الحالين هو «البلطجى»، وهو شخص لا قضية له، ولا يحمل مشاعر من أى نوع، أو على الأقل لا مشاهد عدائية لديه ضد الطرف الذى يقوم بقتله أو ضربه، وإن كان يستفيد من شيوع مشاعر التوجس والخوف بين طرفين، مثل المشاعر التى شاعت بين المصريين والأجانب أيام مذبحة الإسكندرية، أو بين المسلمين والأقباط فى أيام مذبحة ماسبيرو.

أما الهدف الأساسى للبلطجى (وربما الهدف الوحيد)، من ممارسة القتل أو الضرب، فهو مجرد الحصول على مبلغ من المال. إنه إذن شخص معدوم الضمير، ويفتقد أى شعور بالولاء للوطن أو لأى قضية على الاطلاق، احترف الإجرام كوسيلة لكسب الرزق بعد أن شحت فى الأسواق فرص الكسب المستمر من عمل شريف.

لقد تداول الناس فى أعقاب مذبحة ماسبيرو، تقديرات لعدد البلطجية الذين يشتغلون فى خدمة جهاز أمن الدولة المصرى لتنفيذ أغراض سياسية لا يستحسن بشأنها أن يظهر رجل الأمن بزيه الرسمى. هذا العدد هو 165 ألف شخص، وهو رقم ليس لدىّ أى سبب للشك فى قربه من الصحة، بالنظر إلى معرفتى بالزيادة الكبيرة فى أعداد المتبطلين فى مصر طوال ربع قرن الماضى، بسبب تدهور الأحوال الاقتصادية، وتكرار الإشارة إلى «البلطجية» فى البيانات الرسمية لتبرير اعتداء بعد آخر على ثوار يناير 2011 (ابتداء من موقعة الجمل فى 28 يناير)، والاعتداء المتكرر على الأقباط وكنائسهم بعد وقبل ثورة يناير.

سوف يتذكر القارئ مثلا أنه عندما وقعت جريمة نجع حمادى، التى قتل فيها ستة من الأقباط وأصيب تسعة آخرون، وهم خارجون من كنيستهم فى ليلة عيدهم يوم 6 يناير 2010، جاء فى التحقيق أن المتهم باطلاق النار (واسمه الكمونى) «مسجل شقى خطر» تكرر ارتكابه جريمة بعد أخرى، وسبق اعتقاله فى سنة 2002 وحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات  فى «جريمة بلطجة»، كما تردد كلام كثير وقتها (بل ونشرت بعض الصور) يشير إلى وجود علاقة بينه وبين رجل مهم فى الحزب الحاكم فى منطقة نجع حمادى. والآن، فى مذبحة ماسبيرو، ثبت أن جماعات وصفت أيضا بـ«البلطجية»، انضمت إلى مسيرة الأقباط السلمية، التى نظموها للاحتجاج على موقف محافظ أسوان من بناء كنيسة، فخرجت فجأة من شوارع جانبية أعداد من حملة السيوف والسنج بل وقنابل المولوتوف، وبدأت الضرب فى المتظاهرين وفى الشرطة العسكرية فى نفس الوقت، فأشعلت القتال بين الجانبين، الذى راح ضحيته 25 قتيلا وأكثر من 200 مصاب.

أما فى مذبحة الإسكندرية التى وقعت فى 1882 والتى قُدر عدد القتلى فيها بنحو خمسين والجرحى بنحو سبعين، فيذكر عبدالرحمن الرافعى (الثورة العرابية، والاحتلال الإنجليزى، 1949، ص304) أ:

«أول من أشعل الفتنة مالطى من رعايا بريطانيا وهو أخ لخادم القنصل البريطانى، ولا يمكن أن يكون هذا من قبيل المصادفات».

بعد شهر بالضبط من وقوع مذبحة الإسكندرية (11 يوليو 1882) بدأ ضرب الأسطول البريطانى للإسكندرية تمهيدا للاحتلال البريطانى. وكتب الشيخ محمد عبده فى الربط بين الاحتلال البريطانى ومذبحة الإسكندرية.

«إن الحكومة الإنجليزية على عادتها فى اختلاق العلل.. قلبت وجوه المسائل، واستدبرت طالع الحق، واستقبلت وجه مطمعها.. واندفعت لتسيير مراكبها إلى مياه الإسكندرية.. ثم نفخ بعض رجالها فى أنوف ضعفة العقول من الأجانب المقيمين بالثغر حتى أوقدوا فتنة هلك فيها المساكين، قضاء لشهرة إنجليزية، وأقامت منها حكومة إنجلترا حجة فى العدوان على الأراضى الخديوية. ولو أن بصيرا نظر إلى أحوال القطر المصرى بعين صحيحة لعلم أن بداءة الخلل فى ذلك القطر من يوم ورود المراكب الإنجليزية لثغر الإسكندرية، ولا نسبة بين ما كان قبل ذلك من عموم الأمن ورواج الأعمال وانتظام المصالح، وبين ما كان بعده» (تاريخ الأستاذ الإمام، اقتطفه الرافعى ص 304).

ليس غرض من كتابة هذا المقال الشروع فى طرح مجموعة من الاحتمالات (الفظيعة كلها) لما يمكن أن يكون الهدف النهائى من تدبير مذبحة ماسبيرو: تفتيت العالم العربى أجزاء، أصغر حتى مما جرى عمله منذ تسعين عاما فى أعقاب الحرب العالمية الأولى؟ مزيد من إضعاف الدولة فى مصر، والعرب عموما، لدرجة تمكن الإسرائيليين من السير قدما فى تهويد فلسطين؟ إعادة توزيع ثروة العرب (وعلى الأخص البترول والغاز الطبيعى» بما يعطى لإسرائيل نصيبا ملموسا، وفى مأمن من أى احتمال للمقاومة من جانب العرب؟

بل غرضى الأساسى من كتابة هذا المقال هو التأكيد مرة أخرى على أن الصراع بين المسلمين والأقباط، صراع مفتعل من أساسه، ولا ناقة فيه ولا جمل لا للمسلمين ولا للأقباط، بل الغرض الحقيقى من إثارته وزيادته هو الإضرار بالمسلمين والأقباط جميعا، وأن أى تصوير للأمر على خلاف ذلك ينطوى على خطأ فادح ناتج إما عن ترك العنان للعواطف، أو عن رغبة متعمدة لتضليل الطرفين.

الجمعة، 21 أكتوبر 2011

كيف نجمع بين التدين.. والتقدم؟

الشروق - الجمعة 21 أكتوبر 2011

عرفت فى حياتى من جمع بين تدين عميق وإيمان قوى، وبين رغبة صادقة فى تحقيق نهضة شاملة لهذه الأمة، وحيوية جعلته طول حياته ناشطا سياسيا، ينضم إلى هذا الحزب ثم ذاك، على أمل أن يسهم فى تحقيق هذه النهضة التى يرنو إليها.

كان تفسير هذا النوع الفذ من الناس للدين، تفسيرا عقلانيا تماما، فيفهم النصوص الدينية دائما بمعان تتفق مع متطلبات النهضة الاجتماعية والسياسية. ولكنه كان يدرك أيضا أن أعدادا غفيرة من المتدينين فى مصر يقبلون تفسيرات للدين أقل عقلانية، وينشغلون بأمور صغيرة لا علاقة لها بقضية النهضة، بل وقد تتعارض معها فى كثير من الأحيان. لم يتم هذا من عزم هذا النوع المستنير من الناس، ولكنه اعتقد، بسبب ثقته الشديدة بنفسه، وبسلامة موقفه، أنه قادر على التأثير فى هذه الجماهير على نحو يجعلهم يفهمون الدين الفهم الصحيح والايجابى، وعلى تعبئتهم للسير وراءه فى سبل تحقيق الأهداف السامية للأمة.

من هؤلاء الذين عرفتهم وتوفر فيهم هذا الإخلاص للدين، والإخلاص لقضية النهضة فى نفس الوقت، صديقى الراحل عادل حسين. كنت أقدر فيه هذين الموقفين، ولكنى أعترف بأنى أشفقت عليه فى سنواته الأخيرة، عندما رأيته يفشل فى تحقيق هدفه، إذ بدلا من أن يقنع الجماهير الغفيرة بتفسيره العقلانى للدين، رأيته يتزحزح شيئا فشيئا، مقتربا من تفسيرات هذه الجماهير الغفيرة البعيدة عن العقلانية، ورأيته ينشغل أكثر فأكثر ببعض الأمور الصغيرة التى لا علاقة لها بقضية النهضة (ولا بجوهر الدين فى رأيى) بل وقد تتعارض مع كل منهما.

كان لابد أن يذكرنى التحول الذى طرأ على عادل حسين فى سنواته الأخيرة بقصة قصيرة مشهورة للروائى الإنجليزى جورج أورويل، وتحمل عنوانه «إطلاق الرصاص على الفيل». وسبب شهرة هذه القصة هو بالضبط المعنى الذى ذكرنى بصديقى الراحل.

تتخلص القصة فى أن ضابط شرطة بريطانيا، أثناء خدمته فى بورما (وربما كان هذا الضابط هو أورويل نفسه إذ كان يعمل هو أيضا فى فترة من حياته فى جهاز الشرطة البريطانية فى بورما)، كلف بالذهاب إلى منطقة خرج فيها فيل ضخم مجنون، فسار فى شوارع قرية مكتظة بالسكان، وهدد حياة الناس بالخطر. وأعطى الضابط حرية التصرف فى أن يقتل الفيل أو أن يكتفى بصيده وشل حركته. ولكن الضابط أثناء رحلته إلى مكان الفيل، مر بجماهير غفيرة من الناس كانوا قد سمعوا بقصة الفيل، فساروا وراء الضابط آملين أن يروا مشهدا مثيرا، وكانوا يتحفزون لرؤية الفيل مقتولا، ولا يشبع غليلهم مجرد تهدئته أو شل حركته. وأثناء هذه المسيرة، ظل عدد الجماهير السائرة وراء الضابط يزداد شيئا فشيئا، حتى أصبحوا آلافا مؤلفة، كلهم يريدون أن يروا الفيل مقتولا، فإذا بالضابط يعجز عن مقاومة سلطانهم وقوة تأثيرهم، ولو بسبب العدد وحده، وإذا به يطلق النار على الفيل فيرديه قتيلا، ودون أن تكون هناك حاجة فى الواقع للذهاب إلى هذه الدرجة من القسوة فى التعامل مع الفيل.

فى خضم المد الدينى الحالى يثور خوف حقيقى لدى الكثيرين من المثقفين فى مصر (وهو خوف مبرر فى نظرى) من أن يحدث شىء مماثل لما حدث فى قصة أورويل، أى أن تسيطر تفسيرات لا عقلانية للدين، تحملها الجماهير الغفيرة إلى السطح، على التفسيرات الأكثر عقلانية، ومن ثم ان يحل محل الدعوة للتخلص من الاستبداد، نظام جديد مستبد يرغم الناس على الخضوع له، وعلى قبول مظالم جديدة يجرى تطبيقها هذه المرة باسم الدين.

أقول إن لهذا الخوف ما يبرره لأن التدين، كسلوك إنسانى واجتماعى، ينطوى على جرعة كبيرة من العاطفة، والعاطفة من الممكن أن يجرى إخضاعها للعقل، ولكنها كثيرا ما تقوم هى باخضاع العقل وحرفه عن مساره. ما أسهل أن تسود تفسيرات لا عقلانية لما يأمر به الدين أو ينهى عنه، لمجرد أنها التفسيرات التى قبلها عدد كبير من الناس الأعلى صوتا والأشد حماسا.

إن النهر المتدفق سريع الجريان هو الذى يحمل فى مساره مختلف أنواع الشوائب والأعشاب والحجارة، بينما يتخلص النهر بطىء الجريان، أثناء سيره، مما يعلق به من شوائب.

هذا الخطر هو الذى دفع كثيرين من مثقفينا إلى الشك فى قدرة الحركات السياسية التى ترفع شعارات دينية على تحقيق نهضة اجتماعية سياسية، وفضلوا أن يقوم النشاط السياسى وحركات المقاومة على فكر علمانى بحت، على أمل أن تقوم العلمانية بحماية النشاط السياسى من الانحراف والاستبداد واللاعقلانية. ولكن هذا الموقف ينطوى بدوره على خطر. إذ بدلا من أن نحتفظ بالحمية الدينية القوية التى يمكن أن تقوى روح المعارضة والمقاومة، وتسهم فى إنجاحها، ونحاول فقط أن نتخلص من الشوائب إذا بنا نستغنى عن شرط أساسى من شروط نجاح النشاط السياسى، ونجاح الجهود المبذولة لتحقيق النهضة.

وغنى عن البيان أن العلمانية بدورها، ليست كافية لحماية النشاط السياسى من الوقوع فى الشطط واللاعقلانية. فالنشاط السياسى القائم على أسس علمانية بحتة لم ينجح دائما فى أن يحمى نفسه من الشوائب والانحرافات، بل وقد تقترن العلمانية أيضا بما يشبه التقديس فى موقفها من زعمائها، فتعتبرهم بمثابة «السلف الصالح»، وتنتهى إلى درجة عالية من الاستبداد والتسلط، كما نعرف جيدا من تاريخ الستالينية والنازية والفاشية.

كثيرا ما يدفعنى هذا إلى أن أقول لنفسى أن الميل إلى «الميتافيزيقا» (أى إلى اعتناق أفكار تتجاوز الملموس والمحسوس من الظواهر الطبيعية) قد يكون أقوى بكثير مما نظن. وأن التدين ليس إلا شكلا واحدا من أشكال الموقف الميتافيزيقى. فكثيرا ما ينطوى الموقف العلمانى على موقف ميتافيزيقى أيضا. والموقف الميتافيزيقى، وليس التدين وحده، هو الذى ينطوى على خطر تغليب العاطفة على العقل، وخطر التشدد والتطرف، وخطر الإفراط فى تقديس المأثور إلى حد التفاوض عن الفروق التاريخية التى تجعل متطلبات عصر معين غير متطلبات عصر آخر، ومن ثم خطر الميل إلى الاستبداد وفرض الرأى الواحد على الغير.

إن المصدر الأصلى لكل أنواع التفكير الميتافيزيقى قد يكون حاجة دفينة فى الإنسان، قد يكون وراءها دافع بيولوجى. وهذا الموقف الميتافيزيقى كثيرا ما يكون مصدر قوة للنشاط السياسى ودافعا مهما من دوافع النهضة والتقدم، ولكنه هو نفسه الذى يحمل خطر انحراف النشاط السياسى عن مساره.

نحن إذن أمام مشكلة عويصة ليس من السهل حلها: لدينا شىء ثمين للغاية هو الميتافيزيقا، التى تثير الحمية والحماس، وتجمع الصفوف تبث شعورا قويا بالولاء والنسب، وهى أشياء ثمينة جدا لأى نشاط سياسى ولأى عمل يستهدف نهضة الأمة، ولكنها معرضة دائما للاختلاف بعواطف متطرفة قد تؤدى إلى الابتعاد عن الهدف الأصلى.

كيف نخلص النهر المتدفق سريع الجريان، مما يلحق به من شوائب وأعشاب دون أن نقلل من سرعته؟ كيف نحافظ على الحمية والحماس والاستعداد للتضحية، المستمد من التدين العميق، مع المحافظة فى الوقت نفسه على العقلانية والتسامح مع المختلفين عنا فى الرأى بل وحتى فى العقيدة، ولكنهم يتفقون معنا فى التطلع إلى تقدم الأمة؟ كيف نزيل الشوائب التى علقت بالدرة الثمينة دون أن نفقد فى غمار ذلك الدرة الثمينة نفسها؟

المهمة صعبة حقا، ولكن تاريخنا الثقافى لا يخلو من أمثلة جمعت بين هذين الشرطين. فالقرون الأولى للحضارة العربية الإسلامية الرائعة، جمعت بين الشرطين، كما أن تاريخنا الحديث لا يخلو من أمثلة لمثقفين عظام نجحوا أو كادوا ينجحون فى تحقيق هذا الجمع، نجاحا باهرا، وتركوا أثرا حميدا وباقيا فى حياتنا الثقافية والسياسية على السواء. إنى واحد من كثيرين ممن يعتبرون من بين هؤلاء المثقفين العظام الشيخ محمد عبده، حيث اقترنت لديه الدعوة إلى مقاومة الظلم والاستبداد، وإلى العمل من أجل تحقيق نهضة شاملة للأمة، بحمية دينية قوية، وخالية من أى أثر للتطرف والتسلط واللاعقلانية، مع تسامح رائع مع أصحاب الآراء والعقائد المغايرة.

ولكن أعود فأقول إن النجاح النسبى الذى حققه هؤلاء المثقفون العظام، فى كسب المؤيدين والأنصار، بينما تكاد تخلو حياتنا الثقافية الآن من شبيه لهم، قد يعود إلى الاختلاف الشديد بين المناخ الاجتماعى الذى كانوا يكتبون ويفكرون فيه فى أواخر القرن التاسع عشر والثلث الأول من القرن العشرين، وبين المناخ الاجتماعى الذى نعيش فيه الآن.

نعم، لا شك عندى فى أن من المهام الرئيسية للمثقفين المصريين والعرب والمسلمين الآن، إحياء فكر رجال عظام من نوع الشيخ محمد عبده، ولكنى لست من الغفلة بحيث أتصور أنها مهمة سهلة فى ظروف كالتى نعيش فيها اليوم. وكثيرا ما أقول لنفسى إن النجاح فى هذا المجال، أى فى تحقيق الجمع بين التدين والتقدم، سيتطلب أولا نجاحا فى مجال مختلف عنه ولكنه وثيق الصلة به، وهو مجال التقدم الاقتصادى، أى رفع مستوى المعيشة للغالبية من الناس وتحقيق قدر أكبر بكثير من العدالة الاجتماعية.

الجمعة، 14 أكتوبر 2011

مرة أخرى: التدين والتقدم

الشروق - الجمعة 14 أكتوبر 2011


يجب أن تكون لدينا الشجاعة للتمييز بين الدين والتدين. هل الأمر يحتاج إلى شجاعة حقا؟ نعم، لأن نقد شكل من أشكال التدين كثيرا ما يعتبر نقدا للدين، فإذا بنوع من الإرهاب الدينى يستخدم ضد أى شخص يتجرأ على نقد شكل من أشكال التدين، ولو كان نقدا لمدى ارتفاع صوت الميكروفون المستخدم لإذاعة الأذان.

الدين ظاهرة إلهية، أما التدين فظاهرة بشرية واجتماعية. وككل ظاهرة بشرية واجتماعية، يسرى عليها ما يسرى على غيرها من ظواهر اجتماعية من حيث خضوعها للتطور (بينما الدين ثابت لا يتغير)، ومن حيث اختلافها بين بلد وآخر وأمة وأخرى (حتى مع اعتناقهم كلهم نفس الدين)، ومن حيث تأثرها بما يطرأ على أحوال المجتمع من تغيرات اقتصادية وسياسية ونفسية.

إنى أستطيع أن أزعم مثلا، بكل ثقة، وسوف يؤيدنى كل من عاصر مثلى ما طرأ على مصر من تغيرات منذ أربعينيات القرن الماضى، أن التدين فى الأربعينيات والخمسينيات كان مختلفا جدا عنه الآن. كان أقل تشددا وتطرفا وأكثر تسامحا، سواء مع أصحاب الديانات الأخرى أو لنفس الدين. فما الذى حدث خلال هذه الفترة وعلى الأخص منذ سبعينيات القرن الماضى، أى خلال الأربعين سنة الماضية ليؤدى إلى هذه النتيجة؟

لقد أشرت فى المقال السابق إلى ارتفاع معدل العولمة كسبب محتمل من أسباب التغير الذى طرأ على أشكال التدين التى انتشرت، ليس فى مصر وحدها بل فى العالم كله. وأريد أن أضيف الآن عاملا آخر داخليا (ليس منبت الصلة بظاهرة العولمة) وهو ارتفاع معدل الحراك الاجتماعى، أى ما طرأ من تغير سريع على المركز النسبى للشرائح الاجتماعية المختلفة، إذ يصعد بعضها صعودا سريعا على السلم الاجتماعى، ويبهط غيرها، وتشتد اللهفة على الصعود، كما يشتد الخوف من الهبوط، وتحتد المشاعر بسبب هذه اللهفة وهذا الخوف، وتقوى الرغبة فى إثبات الصعود وإعلانه على الملأ، كما تقوى مشاعر الإحباط والأسى لدى من تدهور مركزه بين الناس. والصعود السريع يحمل إلى السطح تقاليد وعادات كانت خافية ومستترة بحكم ضعف المركز الاقتصادى، فأصبحت سائدة ومنتشرة عندما تحسن هذا المركز، ولكن الصعود السريع جدا قد يكون أيضا لسبب غير قانونى أو غير أخلاقى، إذ إن الأعمال المشروعة والتى تراعى قواعد الأخلاق لا تؤدى عادة إلى الإثراء المفاجئ والترقى السريع. كما أن الصعود السريع كثيرا ما يقترن بوصول المال إلى أيدى فئات قليلة الحظ من التعليم والثقافة، حصلت على المال بالشطارة والخفة وليس بما لها من مهارات أو كفاءات. كل هذا يجعل من الممكن جدا أن تظهر أنواع جديدة من التدين لم تكن معروفة أو ظاهرة من قبل، تتسم بحلول التشدد محل التسامح، والتظاهر بما ليس حقيقيا وصادقا، والتعصب والتطرف محل التدين العقلانى الحكيم، أو باستخدام التعبيرات الدينية الأخلاقية لإخفاء الحقيقة المنافية للأخلاق، أو لتعزية النفس عن الفشل فى الصعود الاجتماعى..الخ.

لابد من أن نكون على استعداد أيضا للتسليم بأن الخطاب الدينى يتسم باحتمال تفسيره على أكثر من نحو، ويمكن أن يستجيب له المثقف والأقل ثقافة، المتعلم وغير المتعلم، لما لهذا الخطاب من صلات قوية بالعواطف الجياشة المستمدة من الإيمان، وبتاريخ طويل من العادات والتقاليد التى تقع فى صميم المخزون الثقافى للأمة وتعبر عن شخصيتها، ومن ثم تستجيب لها عواطف الناس بسهولة، لا فرق فى هذا بين المثقف وغير المثقف. ما أسهل إذن أن ينتشر ويقوى الخطاب الدينى فى فترات الحراك الاجتماعى السريع التى تقوى فيها عواطف الناس وتتجه فى أكثر من اتجاه، ويحتاج الناس فيها إلى التعبير عنها بقوة تناسب ما حدث لعواطفهم من تأجج. لا عجب أيضا من أن يتبنى الناشطون السياسيون، أو عدد كبير منهم، الخطاب الدينى فى التعبير عن آمالهم وطموحاتهم السياسية، وتتبنى المقاومة السياسية، سواء كانت مقاومة للعدو الخارجى أو الداخلى، شعارات مستمدة من الخطاب الدينى، فيتحول الخطاب السياسى إلى خطاب دينى يستفيد بدوره مما يمارسه هذا الخطاب من تأثير عميق فى شعب متدين بطبعه.

إن هذا المجال من المجالات التى ظهر فيها المد الدينى (أو كما قد يقول البعض هذا الاستخدام أو «التوظيف» للدين)، وأقصد مجال المقاومة السياسية ضد العدو الخارجى أو الداخلى، هو من أنبل أمثلة المد الدينى ومن أقربها وأوثقها صلة بروح الدين الحقيقية، وبواحد من أسمى أهدافه، وهو التحرر من العبودية لغير الله. نعم، قد يرى البعض فى الدين دافعا لإطالة أو تقصير الثياب، أو لإطلاق اللحى، أو للتشدد فى حجب النساء عن العيون، ولكنى أزعم أنه فى هذه الميادين لا يظهر التدين فى أبهى صوره، ولا فى أكثرها فاعلية لتحقيق نهضة المجتمع. إذ فلتقارن بين هذه المظاهر من مظاهر السلوك التى تتعلق بأشياء كنوع ما يرتديه المرء من ثباب، أو بطريقة التعامل مع النساء، وبين استيحاء الدين لدعم كفاح من أجل الحصول على الاستقلال، أو من أجل التحرر من حكم حاكم مستبد أو من أجل تحرير أرض احتلها الأجنبى.

إن التدين كما يمكن أن يؤدى إلى الانشغال بقضايا سطحية، وضعيفة الأثر فى التحرر النفسى أو السياسى، بل إلى التفريق بين الناس، وإشاعة روح الخصام والعداوة بينهم، يمكن أن يؤدى إلى التأكيد على كرامة الإنسان ورفض الاعتداء على حريته وإلى التمسك بالمثل العليا (وهذا هو السبب فى ميلى إلى تسمية ما حدث خلال الأربعين عاما الماضية، مدا دينيا، بدلا من تسميته صحوة دينية، إذ إن تعبير المد الدينى يحتمل الجيد والسيئ من أنواع السلوك، المحمود وغير المحمود، بينما الصحوة الدينية لا تشير إلا إلى شىء مطلوب ومحمود).

فى العقود الأولى من القرن العشرين، كان من بين الشعارات التى هتف بها المصريون للمطالبة بالديمقراطية السياسية ومقاومة الاستبداد، هتاف «لا ملك إلا الله» وهو شعار جميل يؤكد الكرامة الإنسانية بتأكيده رفض الخضوع لأى إنسان، ثم رفع مثل هذه الشعارات للتخلص من حكم الشاه المستبد فى إيران فى أواخر السعبينيات، وفى مقاومة الاحتلال الإسرائيلى لفلسطين ولبنان. فإذا كان للتدين هذه القدرة على توليد هذه المشاعر الدافعة إلى نهضة الأمة واستقلالها، فأى خسارة يمكن أن تلحق بالأمة إذا تنكرت لدينها، أو إذا أنكر مثقفوها أن من بين أنواع التدين ما يمكن أن يساهم مساهمة فعالة فى تحقيق هذا الاستقلال وهذه النهضة؟

إن الدافع الأساسى لأى نهضة، قد لا يكون كما يعتقد الكثيرون عاملا اقتصاديا أو تكنولوجيا أو ماديا من أى نوع، بل قد يكون (ويا للغرابة!) اعتقادا ميتافيزيقيا (أى الاعتقاد فيما يتجاوز الطبقة المرئية والملموسة). والاعتقاد الميتافيزيقى يشمل التدين، ولكنه يشمل صورا أخرى غيره، إذ إن غير المتدين أيضا قد يصل إلى حد تقديس بعض الزعماء والمفكرين، فيدفعه هذا إلى حماس يشبه حماس المتدين لدينه (من ذلك مثلا تقديس الروس فى فترة ما لزعماء الماركسية)، وقد يشمل أيضا الشعور بالتفوق العرقى أو القومى (من ذلك شعور الألمان وحماسهم للنازية فيما بين الحربين العالميتين).

يعبر شكيب أرسلان تعبيرا رائعا عن هذا المعنى فى كتابه الجميل «لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟» الذى ظهر فى أوائل الثلاثينيات من القرن الماضى، حيث يقول: «لماذا ترى أعظم شبان اليهود رقيا عصريا، يجاهدون فى إحياء اللغة العبرية التى لا يعرف مبدأ تاريخها، لتوغلها فى القدم .... (وهم) أشد الناس أخذا بمبادئ العلم الحديث والحضارة العصرية؟.. وجميع هؤلاء الخلائق تعلموا وتقدموا وترقوا وعلوا فى السماء، والمسيحى منهم باق على إنجيله وتقاليده الكنسية، واليهودى باق على دينه.. وهؤلاء اليابانيون هم وثنيون.. فلا كانت الوثنية سبب تأخرهم الماضى ولا هى سبب تقدمهم الحاضر.. واعتقاد عامتهم فى وجود حصان مقدس، يركبه الإله فلان، لم يقف حائلا دون تقدمهم.... ليست الدبابات والطيارات والرشاشات هى التى تبعث العزائم وتوقد نيران الحمية فى صفوف البشر، بل الحمية والعزيمة والنجدة هى التى تأتى بالطيارات والدبابات».

●●●

ولكن الإقرار بما يمكن أن يكون للتدين من أثر رائع فى دفع الأمة إلى النهضة لا يتعارض مع الإقرار بأن هناك من صور التدين ما يؤدى إلى العكس بالضبط، أى ما يعرقل نهضة الأمة ويسلب منها عناصر القوة. ولابد أن تكون لدينا الشجاعة للاعتراف بأنه فى خضم المد الدينى الحالى، تشيع بين المصريين وغيرهم، صور من التدين تؤدى إلى ضعف الهمة بدلا من  تقويتها، وإلى التخلى عن المسئولية بدلا من النهوض بها، وإلى تفتيت الأمة بدلا من توحيدها وضم صفوفها. وانتشار هذه الصور من التدين يرجع إلى ظروف اجتماعية وعالمية، هى ما حاولت أن أبينه فى هذا المقال والمقال السابق. فماذا نحن فاعلون إزاء هذا الموقف الصعب؟

الجمعة، 7 أكتوبر 2011

التديُّن والتقدم

الشروق - الجمعة 7 أكتوبر 2011

كانت زيارة السيد رجب طيب أردوغان، رئيس وزراء تركيا لمصر، فى الشهر الماضى، زيارة مثيرة وفريدة من نوعها من أكثر من ناحية. جلبت الفرح لكثير من المصريين (أنا واحد منهم) ولكنها ــ لابد أيضا ــ أثارت القلق لدى البعض الآخر، فى مصر وخارجها.

فها هى تركيا تقدم لنا تجربة مثيرة فى الجمع بين التدين وبين التقدم الاقتصادى والسياسى والاجتماعى، لم ير المصريون أو العرب أو المسلمون مثلها منذ زمن طويل. وهى تجربة حديثة على تركيا أيضا، إذ لا تذكر تركيا فى تاريخها الحديث إلا نوعين من التجارب: تدين مقترن بالتخلف (فى القرون الأخيرة من الخلافة العثمانية)، أو تقدم مقترن بالتنكر الصريح للدين (فى عهد أتاتورك). أما هذا الجمع بين التدين والتقدم، كالذى اتسم به النظام التركى خلال العقد الماضى، فهو شىء جديد ومثير فى نفس الوقت، ويستحق التفكير والتأمل.

لابد من الاعتراف، مع ذلك، بأن هذه الظاهرة التركية قد أصابت بعض المثقفين المصريين بشىء من الحيرة، السيد أردوغان متدين حقا، وتركيا بدأت بلا شك نهضة حقيقية فى مختلف نواحى الحياة، منذ جاء أردوغان إلى الحكم، ولكن أردوغان يجهر صراحة بأن نظام حكمه علمانى، إذ قال إن الدولة التركية تحرص على أن تقف على مسافات متساوية من كل الأديان. كما قال بوضوح إنه وإن كان مسلما متدينا فإنه لا يحكم باسم الإسلام، إذ إنه يعرف أنه كشخص أو كحاكم يمكن أن يخطئ، ولكن الإسلام لا يمكن أن يخطئ، ومن ثم فإنه لو ادعى أنه يحكم باسم الإسلام، قد يلحق الضرر بسمعة الدين الذى يجله ويدين به، إذا ارتكب هو خطأ فى تفسيره.

هذا الجميع بين تدين الحاكم كشخص، وبين علمانية الدولة، هو ما أثار الحيرة لدى بعض المصريين الذين يكرهون وصف العلمانية ويكادون يعتبرونه مرادفا لشىء قريب من الكفر. كيف يمكن التوفيق (هكذا تساءل هذا الفريق من المصريين) بين حبهم وتقديرهم لأردوغان ولتجربته المبهرة فى تركيا، وبين رفضهم للعلمانية التى وصف بها الرجل سياسة الدولة التركية؟

اصارح القارئ بأننى، رغم تفهمى لهذه الحيرة لدى فريق من المصريين، لا أعتبر نفسى من أفراد هذا الفريق، إذ إننى لا أرى تعارضا بين التدين وبين النهضة، ولا بين التدين وبين علمانية الدولة، كما أننى، من ناحية أخرى، لا أشك فى إمكانية التعارض بين بعض أشكال التدين وبين النهضة والتقدم، وهو ما سأحاول بيانه فى هذا المقال، ومقالات تالية.

●●●

نحن نعيش منذ ما يقرب من أربعين عاما، فى حالة يمكن وصفها بـ«المد الدينى». البعض يسميها «صحوة دينية» ولكننى أفضل وصف «المد الدينى» لأسباب سوف تتضح بعد قليل.

إنها فترة اتسمت بارتفاع نبرة الخطاب الدينى وانتشاره، وزيادة قوته بل وسطوته مع ميل واضح لتفسير الدين تفسيرا أكثرا تشددا من ذى قبل.

هذا المد الدينى لا يقتصر على دولة واحدة أو عدد قليل من الدول، بل ولا على دين واحد دون غيره من الأديان. فالظاهرة مصرية كما هى عربية، وهى أيضا إيرانية وباكستانية وأفغانية وتركية. وتشمل المسلمين فى البلاد الإسلامية كما تشملهم فى أوروبا والولايات المتحدة وغيرهما. وهى ظاهرة شملت، ولو بدرجة أقل قوة، شعوبا تدين بالمسيحية، وتنتمى إلى مراحل مختلفة من مراحل التطور الاقتصادى والاجتماعى، من أوروبا والولايات المتحدة إلى أمريكا اللاتينية، إلى الأقليات المسيحية داخل البلاد العربية.

تجلت ظاهرة المد الدينى فى مجالات متعددة من مجالات الحياة الاجتماعية، فى الثقافة والفكر، فى المدارس ووسائل الإعلام، فى زيادة عدد المترددين على المساجد والكنائس، وغيرها من أماكن العبادة، وفى ارتفاع درجة التشدد فى تطبيق شعائر الدين، كما تجلى أثر التدين فى مختلف أنواع السلوك الاجتماعى، فى نوع الملابس، خاصة ملابس النساء، وفى انتشار استخدام التعبيرات الدينية فى الحديث والكتابة، وفى انخفاض درجة التسامح بوجه عام فى التعامل مع أصحاب الديانات الأخرى، وفى ارتفاع درجة التوتر بين المؤمنين بأديان مختلفة... إلخ.

إذا كانت ظاهرة المد الدينى قد زادت قوتها وانتشارها إلى هذا الحد، وامتد تأثيرها إلى مختلف جوانب الحياة الاجتماعية، فكيف لا نتوقع أن تمتد أيضا إلى النشاط السياسى، وإلى حركات المقاومة السياسية، سواء كانت مقاومة ضد عدوان خارجى أو ضد التسلط والاستبداد فى الداخل؟

كان هذا هو ما حدث بالفعل. فمنذ أوائل السبعينيات نمت الحركات السياسية التى تجمع بين الشعارات السياسية والدينية، كما نمت حركات المقاومة المتخذة طابعا دينيا، والتى تستخدم الخطاب الدينى فى صياغة مواقفها السياسية فى مصر والبلاد العربية الأخرى، التى ترفع شعارات دينية وتصيغ أهدافها صياغة دينية. كما تحول خطاب المقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلى من خطاب قومى علمانى إلى خطاب دينى. ورأينا ذلك أيضا فى مقاومة اللبنانيين للعدوان الإسرائيلى فى 1982، ثم فى 2006، وفى ثورة الإيرانيين على حكم الشاه، وفى المقاومة العراقية للاحتلال الأمريكى البريطانى، ومقاومة الأفغان للاحتلال السوفييتى ثم للاحتلال الأمريكى... إلخ. قد نضيف إلى ذلك بالطبع، مختلف الحركات التى يطلق عليها بحق أو بغير حق وصف «الحركات الإرهابية»، سواء كانت تعبيرا حقيقيا عن حركات دينية قررت أن تستخدم وسائل إرهابية للانتصار للإسلام، أو مجرد محاولات لتشويه صورة الإسلام بوصمه بالإرهاب.

من الصعب أن نفصل هذا الميل المتزايد لاستخدام الخطاب الدينى فى الحركات السياسية عن ظاهرة المد الدينى بصفة عامة.

فإذا كان كل شىء «يتدين»: السلوك اليومى والفكر والتعليم.. إلخ، فلماذا نستغرب أن تتدين أيضا السياسات وحركات المقاومة؟ إننى أميل إلى النظر إلى كل هذا كأجزاء من ظاهرة المد الدينى بصفة عامة، ومن ثم لابد لنا من البحث عن تفسير هذه الظاهرة العامة.

يمكن فى رأيى تفسير نشوء أو نمو ظاهرة المد الدينى خلال الثلاثين أو الأربعين عاما الماضية بعاملين أساسيين: أحدهما يتعلق بما طرأ من تغير على العلاقات بين الدول والأمم، والآخر بما طرأ على العلاقات الاجتماعية فى داخل البلد الواحد والأمة الواحدة (وكل من العاملين وثيق الصلة فى رأيى بالعامل الآخر وقد يكون الاثنان نتيجة لأسباب مشتركة). وسأتناول هذين العاملين على التوالى.

●●●

أما التطورات التى طرأت على العلاقات الدولية فأقصد بها ما حدث خلال الثلاثين أو الأربعين عاما الماضية من تصاعد موجة جديدة من العولمة. إننى أصف هذه الموجة من العولمة بـ«الجديدة» لأن العولمة ظاهرة قديمة، تعلو وتهبط، تشتد ثم تضعف، ويمكن بلا شك اعتبار الموجات الاستعمارية المتتالية، الحديثة والقديمة، موجات من العولمة، قربت المسافات التى تقطعها السلع والأشخاص ورؤوس الأموال والأفكار والعادات، ولكن هذه الموجة الأخيرة من موجات العولمة تميزت عن موجات العولمة السابقة ببضع سمات لها علاقة وثيقة فى رأيى بظاهرة المد الدينى.

إن موجات الاستعمار كلها، قديمها وحديثها، كان لها دائما دوافع اقتصادية قوية (حتى وإن اقترنت أحيانا بدوافع أخرى عسكرية أو سياسية أو أيديولوجية). وتتمثل هذه الدوافع الاقتصادية فى الرغبة فى الحصول على مواد أولية رخيصة، أو عمل رخيص، أو فتح أسواق جديدة أو مجالات جديدة للاستثمار، أو كل هذا معا. وقد كانت هذه الدوافع الاقتصادية فى المراحل المتعاقبة من التاريخ، تحفز دولة قوية إلى احتلال دولة أخرى أضعف منها، أى إلى الاعتداء العسكرى. ولكن الدوافع الاقتصادية وراء الموجة الاستعمارية الحالية (وإن اتخذت أحيانا صورة الاحتلال والاعتداء العسكرى) تحفز الدول والشركات إلى الاعتداء فى مجالات أخرى أيضا وبصور مختلفة. نعم، مازال الاحتلال والاعتداء العسكرى من أدوات الاستعمار، ووسيلة من وسائل تأمين الحصول على مواد أولية رخيصة وعمل رخيص، وتصريف السلع الباحثة عن أسواق، وفتح مجالات جديدة للاستثمار، ولكن السلع الباحثة عن أسواق، ذات طبيعة مختلفة عما كانت فى الماضى، ولم يعد القهر المادى أكثر الوسائل فعالية لضمان التسوق وفتح مجالات جديدة للاستثمار، بل أصبحت الوسيلة الفعالة هى الإغراء وتطويع المستهلك بالحسنى. الاستعمار (ويجب ألا نخجل من استخدام هذه الكلمة الآن وكأن ظاهرة الاستعمار لم يعد لها وجود)، يعمل الآن فى ميدان النفس البشرية، ويعتدى على العقول أكثر مما يعمل فى ميدان الحرب والاعتداء المادى. كما أصبح للاستعمار وسائل لتحقيق هذا النوع الجديد من الاعتداء لم تكن موجودة من قبل، أو على الأقل لم تكن موجودة بنفس الدرجة.

لم يعد التهديد موجها للأرض بقدر ما هو موجه للهوية، وعندما تكون الهوية مهددة يستيقظ الحس الدينى، وتهب الحمية الدينية للدفاع. بعبارة أخرى، فى ظل موجات الاستعمار القديمة، يهب المهددون بالاستعمار للدفاع عن أراضيهم وحياتهم برفع السلاح المادى ضد سلاح مادى. أما فى موجة الاستعمار الحالية، فإن المهددين بالعولمة والاغتراب يهب كثيرون للدفاع عن هويتهم بالتمسك بالدين، وتختار المقاومة خطابا يتناسب مع نوع الاعتداء، فإذا به، فى أحوال كثيرة خطاب دينى.

ولكن إلى جانب هذا التطور العالمى (أو الخارجى) كان هناك عامل قوى آخر فى داخل البلد الواحد والأمة الواحدة، ويعمل فى نفس الاتجاه، ويعطى مزيدا من الدعم للمد الدينى.

وسوف أتناول هذا العامل الداخلى فى المقال المقبل.