د. جلال أمين

د. جلال أمين
أستاذ الإقتصاد بالجامعة الأمريكية والمفكر المصرى الكبير

الجمعة، 30 سبتمبر 2011

مزيد من ألغاز الثورة

الشروق - الجمعة 30 سبتمبر 2011

كان من ألغاز ثورة يناير 2011، أن يعلن من استولوا على السلطة فى أعقابها عن موعد قريب لإجراء انتخابات مجلس الشعب. بدا هذا الإسراع فى الإعلان عن انتخابات جديدة، غريبا فى أعقاب ثورة مهمة لهذه الدرجة، جاءت لإنهاء حكم طويل اقترن بشيوع الفساد فى مختلف مجالات الحياة السياسية والاقتصادية. فالمألوف والمتوقع مع ثورات شعبية من هذا النوع، أن يتخذ من يتسلم السلطة بعد نجاح الثورة بعض الإجراءات المهمة وأن يصدر بعض القوانين التى تواجهها كان شائعا من فساد، قبل أى تفكير فى تسليم السلطة لمنتخبين جدد. فالإسراع بإجراء انتخابات جديدة لابد أن يؤدى إلى عودة أشخاص من نفس النوع الذى ثار الناس عليه، والذين مازالوا يتمتعون بامتيازات من النفوذ والمال تسمح لهم بالعودة من جديد، أو للتيار الدينى الذى يتمتع بأكبر قدر من الشعب قبل وبعد الثورة، أو بمزيج من الفريقين. فهل دخل هذا أو ذاك فى حساب الممسكين الجدد بالسلطة؟

● ● ●

حدث أيضا بعد أيام قليلة من تنحى رئيس الجمهورية، هجوم مريب على أكثر من مركز من مراكز الأمن التى تحتوى على ملفات مهمة لابد أن فيها ما يدين أشخاصا كانوا يحتلون مناصب كبيرة قبل الثورة. قام المهاجمون بإحراق عدد كبير من الملفات، فما الذى كانوا يريدون إخفاءه وطمسه إلى الأبد؟ ولماذا تأخر المسئولون عن استتباب الأمن فى عمل اللازم لمنع هذا الهجوم قبل وقوعه أو التصدى له قبل استفحاله؟

بدأ يشيع استخدام لفظ «البلطجية» لوصف من يقوم بأعمال إجرامية أو اعتداءات، بما فى ذلك الاعتداء على الثوار أنفسهم، أو من يعتصمون منهم فى الميادين، أو المنادين باتخاذ بعض الإجراءات التى تتفق مع أهداف الثورة، أو المحتجين على التباطؤ فى اتخاذ هذه الإجراءات. ووصف «البلطجية» وصف غامض وغير مفيد البتة، إذ إنه، مثل وصف «الإرهابى» لا يصف الشخص بل يصف العمل الذى قام به، ومن ثم فهو لا يفيد فى زيادة معرفتنا بنوع الجانى أو هدفه، بل يفيد فقط فى صرف النظر عن محاولة التعرف عليه. وهكذا زادت ألغاز الثورة لغزا. إذ من هم البلطجية الذين اشتركوا أو قادوا «موقعة الجمل»، وهاجموا الثوار فى ميدان التحرير وهم يحملون السيوف والعصى راكبين الجمال والخيول؟ ومن هم البلطجية الذين اشتبكوا مع المعتصمين المنادين بالإسراع بمحاكمة من خططوا أو اشتركوا فى هذه الموقعة التى سقط فيها الكثير من الشهداء؟ ومن هم البلطجية الذين ألقوا بألواح الزجاج أو البلاط من العمارات المحيطة بميدان العباسية عندما قصده ثوار ميدان التحرير متجهين إلى وزارة الدفاع؟ ولماذا لا يضع المسئولون عن الأمن حدا لأعمال البلطجة هذه، أيا كان هدفها؟ ولماذا لا يُختار أشخاص أقوياء ومشهورون بالحزم كوزراء للداخلية؟

● ● ●

ولكن لغز اختيار المسئولين ليس مقصورا على وزارة الداخلية. لقد لوحظ من البداية أن اختيار المسئولين الجدد لا يتفق تماما مع ما كان يتوقعه الذين قاموا بالثورة. لم يكن غريبا أن الحكومة الجديدة التى شكلها رئيس الجمهورية قبيل التنحى، أملا فى تهدئة الثوار وكسب الوقت، عهدت رئاستها لرجل كان وزيرا فى الحكومة السابقة، وإن لم يُعرف عنه أشياء تغضب الناس بل اشتهر بالكفاءة والحزم. ولكن لماذا يعود هو نفسه إلى رئاسة الحكومة حتى بعد تنحى رئيس الجمهورية، ولا يُختار شخص جديد تماما أقرب إلى ميول الثوار وأكثر استعدادا لتحقيق أهدافهم؟ الأغرب من هذا بقاء بعض الوزراء المهمين (كوزيرى المالية والخارجية مثلا) وبعض المسئولين الكبار فى جهاز النيابة العامة، فى مناصبهم رغم أنهم كانوا وزراء فى العهد السابق، أو يشغلون وظائف مهمة خلال ذلك العهد، وبدا منهم التعاون التام مع النظام الذى تم إسقاطه. كيف يمكن تفسير ذلك أو فهمه؟

أدى هذا إلى تعاقب القيام بمظاهرات فى ميدان التحرير للمطالبة بالتغيير، فكان من المدهش التباطؤ الملحوظ فى الاستجابة لهذه المطالبات، أو إحلال شخصية متوسطة، من حيث تمتعها بقبول الثوار، محل شخصية أخرى. حدث هذا حتى فى اختيار رئيس الوزراء. كان رجلا معروفا بالنزاهة والوطنية، ولكنه بدا من اليوم الأول قليل الحزم والقدرة على فرض إرادته. بل وصدرت من نائبه منذ اليوم الأول لتعيينه، عبارات أذيعت على الملأ، تحمل هذا المعنى، فلا توحى بانسجام تام بين رئيس الوزراء ونائبه، ومع ذلك استمر كل منهما فى منصبه، كذلك ظل فى منصبه وزير الخارجية الذى ظل مسئولا لمدة طويلة عن سياسة خارجية فاسدة فى النظام السابق، ووزراء آخرون معروفون بالضعف أو الفساد أو الفشل أو الاتفاق التام مع طبيعة النظام السابق، ظلوا أيضا فى أماكنهم دون أى سبب مفهوم، وعندما جاء وزير جديد للخارجية تتفق آراؤه مع أهداف الثوار، تحت ضغط مستمر من هؤلاء الثوار، سرعان ما طلب إليه التخلى عن منصبه لاحتلال منصب آخر لا يستطيع أن يفعل فيه الكثير بحكم طبيعة ذلك المنصب الجديد.

● ● ●

كان من الممكن جدا والمتوقع أن تجرى تغييرات مهمة فى وسائل الإعلام، ولكن تم التغيير بعد فترة أطول من اللازم، وكأنها تتم على مضض، وبأقل قدر ممكن من تغيير الاتجاه العام للجريدة أو برامج التليفزيون والإذاعة، وبدلا من طرد أو فصل أو بدء التحقيق مع المسئولين القدامى، تركوا وشأنهم، وأحيانا أعطيت لهم مساحة فى داخل الجريدة أو التليفزيون لا تختلف كثيرا عما كانوا يحتلونه من قبل. بل حدث نكوص عن بعض هذه التغييرات، وعادت بعض الوجوه القديمة إلى احتلال مواقع مهمة فى الإعلام.

ثم سرعان ما ظهر لغز آخر يتعلق بطريقة التعامل مع كبار المسئولين فى النظام السابق الذين تمت إزاحتهم عن مناصبهم، من رئيس الجمهورية وزوجته وولديه، إلى كبار المسئولين عن الحزب وأعضاء لجنة السياسات التى كان يرأسها ابن الرئيس، وبقية الوزراء الذين استبعدوا من الحكومة الجديدة. جاءت للناس أخبار متناثرة يصعب اكتشاف المنطق الذى يحكمها، وأسباب القبض على هذا الرجل بالذات دون آخر، وتقديم هذا للمحاكمة وترك غيره، بل وترك بعض المسئولين الكبار جدا دون أن نسمع عن القبض عليهم، أو التحقيق معهم، أو حتى تنحيتهم عن مناصبهم. وأما المنع من السفر فلم يبد أيضا أن هناك منطقا يحكمه. لماذا ترك هذا الرجل يسافر فى الوقت المناسب ولم يسمح لغيره؟ ولماذا تم التحفظ على أموال هذا الرجل بالذات والتحقيق معه، مع أن هناك كثيرين أكثر خطرا بكثير وأكثر اشتهارا بالفساد؟

أما متابعة الثروات المهربة إلى الخارج فقد احتار الناس فى فهم ما اتخذ من إجراءات بشأنها. فرغم ما دأبت الصحف على نشره، صدرت تصريحات من مسئولين فى دول أجنبية تنفى أنه قد قدم إلى دولهم أى طلب بالتحفظ على الأموال. وأما الرئيس المخلوع نفسه، هو وزوجته، فقد احتار الناس مع الأخبار الواردة عن الصحة والتوعك وفقدان الشهية وتدهور الحالة النفسية، وقدرتهما أو عدم قدرتهما على الحركة، والعزم على نقلهما أو عدم نقلهما من مكانهما إلى مكان آخر، وصلاحية أو عدم صلاحية ذلك السجن أو ذلك المستشفى لاستقبالهما.. الخ. فلما كاد الناس يفقدون صبرهم، وبدأوا يعبرون عن شكوكهم وضجرهم، أعلن عن بدء محاكمة الرئيس ونجليه ووزير داخليته، وأن المحاكمة ستذاع بالصوت والصورة. فلما شاهد الناس صورة الرئيس وهو يدخل القفص محمولا على سرير، لم تبد الصورة مقنعة تماما، خاصة وأن البعض رأى صورة لنجلى الرئيس المخلوع ووزير داخليته، وهم خارجون من قاعة المحكمة دون قيد حديدى فى أيديهم، بل وظهرت لهم صورة وهم يتبادلون الضحكات أثناء خروجهم، وقيل إن بعض الضباط الذين كانوا فى طريقهم أدوا التحية العسكرية لوزير الداخلية الأسبق، وهو المتهم بتهم قد تصل عقوبتها إلى الاعدام.

● ● ●

هناك تفسير يبدو معقولا جدا لكل هذه الألغاز. وهو أن العادة فى أى ثورة ناجحة أن الذين يقومون بالثورة هم الذين يتسلمون مقاليد الحكم بمجرد نجاحها، أو على الأقل يتسلم الحكم من يختارونه لتمثيلهم. إذا حدث هذا فلا يتصور أن تحدث مثل هذه المفارقات التى ذكرتها. ولكن هذا التفسير لابد أن يثير التساؤل عن السبب: لماذا لم يتسلم الثوار السلطة، كما يحدث لأى ثورة ناجحة؟ بل يخطر بالذهن لغز آخر إذا نظرنا إلى المنطقة العربية ككل، نعم، لقد تتابعت الثورات فى دولة عربية بعد أخرى، ولكن لماذا لايبدو أن أيا من هذه الثورات، رغم مرور عدة شهور على قيامها، قد بلغت نهايتها وحققت هدفها؟ فى كل يوم نسمع أن هذه الثورة أو تلك على وشك أن تتم وأنه لم تبق إلا ساعات حتى يسقط النظام بأكمله، ثم نتبين أن النظام لم يسقط، أو أن رأس النظام مازال يقاوم الثورة بنجاح. حدث هذا فى ليبيا واليمن وسوريا. (بل وحتى تونس لم تستقر فيها الأوضاع بعد على نهاية واضحة) فلماذا يا ترى تبدو ثورات هذا العصر مختلفة تماما عن ثورات الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى، عندما كان المرء يستيقظ فى الصباح فيسمع عن استيلاء بعض الضباط على الحكم وعزل الرئيس وينتهى الأمر؟

إننى أميل، أكثر فأكثر إلى الاعتقاد بأننا نعيش فى عصر لا يسمح لنا فيه إلا برؤية ما يظهر على خشبة المسرح، دون أن يقال لنا أى شىء عما يدور فى الكواليس، (بل كثيرا ما يقال لنا عكس ما يدور فيها بالضبط). القرارات تأتى كحصيلة صراع بين العديد من المصالح والضغوط التى لا يسمح لنا بمعرفتها، ولا يترك لنا إلا حق التخمين. ما الذى يمنع يا ترى الوصول بمحاكمة الرئيس المخلوع ونجليه إلى نهايتها الطبيعية؟ وما الذى يمنع يا ترى من التحقيق مع تلك الشخصية الخطيرة بينما يحقق مع غيرها؟.. إلى آخر تلك الأسئلة التى طرحتها فيما تقدم. وإذا لم يسمح لنا بأكثر من التخمين عن طبيعة هذه الضغوط ومصدرها، فكيف يسمح لنا بالمشاركة فى مقاومتها؟

هذه، للأسف، هى سمة العصر الذى نعيشه الآن، عصر التكنولوجيات الحديثة التى تسمح بمعاملة الشعوب والمحكومين مثل هذه المعاملة: تتحكم وسائل الإعلام والاتصال الحديثة فى عقولهم ومشاعرهم على نحو لم يكن متاحا من قبل، وتهزأ بآمالهم وطموحاتهم، وتشكل أفكارهم وعواطفهم على النحو الذى يتفق مع أهداف لا يفصح عنها، وتستبدل بالحقائق مجموعة من الصور المتحركة، فلا يدرى المرء ما إذا كان يشهد الأحداث كما تحدث فى الواقع، أم كما يتصورها المخرجون والمصورون.

الجمعة، 23 سبتمبر 2011

ألغاز الثورة المصرية

الشروق - الجمعة 23 سبتمبر 2011

من المفهوم والمبرر تماما ما شعر به المصريون لدى قيام ثورة فى 25 يناير من فرح وفخر، وشعورهم بفرح وفخر أكبر عندما نجحت الثورة فى إسقاط النظام.

ولكن المدهش أن تظل مجموعة من الأسئلة والألغاز، التى أثارتها أحداث هذه الثورة وتطورها، خلال الثمانية أشهر الماضية، بلا إجابة مقنعة. نعم الفرح قد يُنسى المرء نفسه، وقد يجعله لا يطيل التفكير فى أسباب الحدث المفرح وملابساته، خاصة إذا كان هذا الحدث المفرح قد طال انتظاره لدرجة كادت تؤدى إلى اليأس التام من حدوثه. ولكن الواجب يقتضى، خاصة بعد أن هدأت الأمور، ثم بدأت السماء تتلبد بالغيوم، أن يمضى المرء فى التفكير فى الأمر برمته بل وقد يتطلب الأمر أن يستعيد المرء أحداث الثورة، يوما بيوم، حتى لا يفوته شىء من التفاصيل التى قد تلقى الضوء على عامل مهم من العوامل التى حكمت هذه الأحداث كلها.

إنى أكاد أتصور الأمر وكأنه يشبه قصة بوليسية غامضة، أحداثها تبدوء متناقضة، ولا يؤدى بعضها ــ منطقيا ــ إلى البعض الآخر.

كذلك أحداث ثورة 25 يناير فى مصر، فيها من الألغاز والتناقضات ما يطلب التروى الشديد فى محاولة فهمها.

نعم لقد قامت ثورة 25 يناير فى مصر عقب ثورة ناجحة فى تونس. ولكن هل كانت ثورة تونس نفسها مفهومة تماما وخالية من الألغاز؟ غضب الشعب التونسى مفهوم تماما، مثلما كان غضب المصريين، ولكن النظام البوليسى فى تونس كان يبدو مستقرا وواثقا من نفسه، مثلما كان النظام البوليسى فى مصر، وكلاهما كانا مدعومين بقوة من دول خارجية، تغدق عليهما المعونات والأسلحة، فكيف انقلب كل هذا فجأة إلى ضده؟ وما الذى جعل التجمهر الواسع على هذا النحو ممكنا فجأة، بعد أن كان محظورا وممنوعا بقسوة؟ هل الإجابة أن لكل شىء نهاية، ولابد أن ينفد الصبر بعد حين؟ ولكن لماذا ينفد صبر المصريين فى نفس الوقت الذى ينفد فيه صبر التونسيين والليبيين واليمنيين والبحرانيين والعمانيين والسوريين، رغم الاختلاف الكبير فى الظروف السياسية والاجتماعية والمادية لهذه الشعوب، ورغم اختلافهم الكبير فى مدى الاستعداد للصبر على المكروه؟

قد يقال إن «نظرية الدومينو» تسمح بتساقط النظم واحدا بعد آخر على هذا النحو، فيؤدى سقوط أحدهما إلى سقوط آخر قريب منه. والشعوب العربية تنتمى على أى حال إلى أمة واحدة، لشعوبها خصائص مشتركة قد تشجع على استجابة كل منها، على هذا النحو، لما يحدث للشعب الآخر. الإجابة معقولة ولكنها بصراحة لا تقنعنى تماما. فأحداث السقوط المتتالى، على طريقة الدومينو، نادرة فى التاريخ، وهى لا تحدث عادة إلا بمساعدة من الخارج.

الأمر مازال محيرا إذن، خاصة أن ظاهرة التساقط المتتالى هذه اقترنت ببعض الأحداث المتشابهة، كانتحار شاب فى تونس، ومحاولات فاشلة للانتحار فى مصر أمام مجلس الشعب وفى الإسكندرية، ثم إنقاذ أصحابها فى الوقت المناسب. بل وكان هناك بعض الشبه فى كثير من الشعارات المرفوعة، رغم ما يوجد عادة من اختلاف بين أسلوب كل شعب من الشعوب العريبة فى التعبير عن عواطفه.

كان قد تم الإعلان بالفعل عن القيام بمظاهرة والدعوة إلى التجمع فى ميدان التحرير بالقاهرة قبل حدوث هذا التجمع بأيام كثيرة. فلماذا يا ترى لم تتخذ سلطات الأمن الخطوات اللازمة لمنع حدوثه؟ لقد اعتدنا لسنوات طوال أن يأخذ رجال الأمن جميع احتياطاتهم لمنع تجمهر أصغر من هذا بكثير وأقل خطورة. وكان من الوسائل المألوفة ملء الميدان المتوقع التجمهر فيه برجال الأمن وسياراتهم ومصفحاتهم، وإغلاق الشوارع المؤدية إلى الميدان فيصبح التجمهر مستحيلا. كان مثل هذا يحدث ويتكرر فى ظروف أقل حدة بكثير مما كانت الظروف فى يناير 2011، بل ولمجرد إنجاح مرشح معين فى الانتخابات وإسقاط آخر، فلماذا امتنع الأمن عن القيام بهذه الإجراءات فى هذه المرة؟

حدث أيضا شىء غريب جدا فى مساء يوم 28 يناير واليوم التالى. إذا رأينا وسمعنا ما يدل على انسحاب كامل من رجال الشرطة من مراكزهم، وانصرافهم إلى بيوتهم بل وقيام بعضهم بمهاجمة بعض المحال التجارية وسرقتها، وببعض أعمال التخريب فى الشوارع. لماذا قرر رجال الشرطة فجأة التوقف التام عن حماية النظام؟ وفى نفس الوقت صدر تصريح من قيادة الجيش بأن الجيش يؤيد مطالب المتظاهرين ولن يقوم بالاعتداء عليهم. ما معنى هذا؟ الجيش مع إسقاط النظام والشرطة لم يعجبها هذا الكلام؟ وفى الوقت نفسه تصدر تصريحات لا غموض فيها من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، ووزيرة خارجيته، بأنها أيضا تؤيد المظاهرات المصرية وتوصى الرئيس المصرى بالتنحى؟

ثم حدث بعد أيام قليلة «2 فبراير» ما سمى بواقعة الجمل، حيث اقتحم رجال يمتطون الجمال والخيول ميدان التحرير، حاملين السيوف والعصى وانهالوا بالضرب على المتظاهرين، يدعمهم قناصة من أعلى المنازل المحيطة بالميدان، أطلقوا رصاصهم فقتلوا وجرحوا عدة مئات وأفقدوا نحو ألف من المتظاهرين بصرهم. سُمى من قاموا بذلك بالبلطجية، وأنكر رئيس الوزراء وقتها (الذى عينه رئيس الجمهورية، قبل خلعه) أى علم له بما حدث.

وظهر فيما بعد أن الذى حدث فى ذلك اليوم كان بترتيب بعض قيادات الحزب الحاكم بمعونة بعض كبار رجال الأعمال فى محاولة مستميتة لإنهاء هذا الشغب الذى لا يعرفون ما يكن أن ينتهى إليه إذا لم يضعوا له حدا على الفور: الشرطة منسحبة، والجيش لا يتدخل، فلا يمنع البلطجية من دخول الميدان ولكنه أيضا لا يضرب المتظاهرين أو يحاول تفريقهم.

قاوم رئيس الجمهورية ورجاله فترة أخرى ثم اضطر إلى إعلان تنحيه عن الرئاسة فى 11 فبراير. فمن الذى أجبره فى النهاية على ذلك؟ ليس الخوف من وصول المتظاهرين إلى بيته، فقد كان من الممكن منعهم باستخدام بعض القسوة، خاصة أن المتظاهرين لم يكونوا مستخدمين أى وسيلة من وسائل العنف، والنظام قادر، ماديا ونفسيا على استخدام هذا القدر اللازم من القسوة. من المؤكد أن قادة الجيش هم الذين حسموا الأمر فى النهاية لصالح تنحى الرئيس عن الحكم، فلماذا اتخذ قادة الجيش هذا القرار رغم تعاونهم الوثيق مع النظام طوال الثلاثين عاما الماضية؟

من المهم أيضا أن تلاحظ ما طرأ من تطورات على المكانة التى يحتلها ما يسمى «بالتيار الدينى» فى الساحة السياسية، وهذا أيضا من الألغاز التى مازالت فى حاجة إلى تفسير. لم يكن للتيار الدينى وجود ملحوظ فى الأيام الأولى للثورة، ولكن هذا الغياب لم يحظ باهتمام كبير من المعلقين فى البداية. كان هناك بالطبع فى الميدان، كثيرون من المنتمين للإخوان المسلمين أو غيرهم من الجماعات الإسلامية، ولكنهم كانوا مع ذلك قلة وسط جموع المحتشدين فى الميادين، ولم يكن لهم أى أثر ملحوظ فى الشعارات المرفوعة أو الهتافات. كانت الشعارات والهتافات محايدة تماما من حيث موقفها من الدين، وكانت تدور حول إسقاط النظام وحول العدالة الاجتماعية والحرية وشجب الفساد والمفسدين.

أما الدين فلم يظهر له أثر واضح إلا فى تلك الأمثلة الجميلة لما ساد من وئام تام بين المسلمين والأقباط واتفاقهم على أهداف واحدة.

لم يمض وقت طويل حتى أعلن عن تشكيل لجنة تعديل بعض مواد الدستور، واختير رئيس لها رجل يتمتع باحترام عام وتقدير من الجميع، لما اتخذه فى السنوات الماضية من مواقف وطنية ومعارضته للنظام والفساد.

ولكن الرجل كان معروفا أيضا بتعاطفه المؤكد مع التيار الدينى، وإن لم يكن عضوا فى أى جماعة سياسية دينية. وقد توجس البعض خوفا من أن يكون اختياره رئيسا لهذه اللجنة ذا دلالة على موقف معين من جانب الممسكين الجدد بالسلطة بعد تنحى الرئيس، من حيث الانتصار للتيار الدينى أكثر من انتصارهم لغيره. ومع ذلك مر تشكيل هذه اللجنة دون شكوى أو لغط كثير حتى جاء موعد الاستفتاء على تعديلات الدستور. فعلى الرغم من أنه لا المواد التى جرت عليها التعديلات، ولا مضمون التعديلات نفسها، كان يمس الدين من قريب أو بعيد، أثار بعض المنتمين للتيار الدينى فكرة أحدثت شقاقا مخيفا بين أنصار الاتجاه الدينى والعلمانى، وهى الزعم بأن كل من يقول «لا» للتعديلات علمانى معاد لتطبيق الشريعة الإسلامية، وأن من يقول «نعم» هو المتدين الصحيح، حتى كاد البعض يذهب إلى حد تصنيف المشتركين فى الاستفتاء إلى فصليين: مسلم وكافر!

كان هذا مفاجأة غير سارة بتاتا، ولكن أجهزة الإعلام روجت لها، ولم يبد من الدولة أنها على استعداد للتدخل فى الأمر فى محاولة لإعادة الناس إلى صوابهم.

فى أثناء ذلك وقبله وبعده حدثت أحداث غريبة أيضا وغير سارة على الإطلاق، أدت إلى تأجيج الفتنة بين المسلمين والأقباط، من إحراق كنيسة فى الجيزة، والهجوم على كنيسة أخرى فى إمبابة، ثم سير المهاجمين عدة أميال إلى كنيسة ثالثة بنية الهجوم عليها أيضا، مع بطء غير مبرر أو مفهوم فى تدخل رجال الأمن لمنع تفاقم الأحداث. كان الأمن فى حالة تسيب واضح منذ قام رجال الشرطة بذلك الانسحاب المريب بعد أيام قليلة من اندلاع الثورة، ولكن أن يستمر هذا التسيب حتى فى مواجهة أحداث بهذه الخطورة بين المسلمين والأقباط، فهذا هو ما كان غير مفهوم وغير مبرر على الإطلاق.

كان عدد كبير من الذين صوتوا بـ«لا» على التعديلات الدستورية يعترضون على الموعد المحدد لإجراء انتخابات مجلس الشعب الجديد ورئيس جديد للجمهورية، ويفضلون التريث وإفساح مجال أكبر لتكوين أحزاب جديدة وتشكيل تجمعات تعبر عن أفكار جديدة للإصلاح. وربما كان بعض هؤلاء يتخوف بالفعل من أن يؤدى الاستعجال فى إجراء الانتخابات إلى أن يسيطر على مجلس الشعب الجديد إما بقايا الحزب الحاكم الذى تم إسقاط رأسه، أو أنصار التيار الدينى الذى يتمتع بأكبر قد من الشعبية بين الناس. ولكن كان من التهور الشديد تصوير هؤلاء المعترضين على أنهم يهدفون فى الحقيقة إلى تعديل المادة الثانية للدستور التى تنص على أن الشريعة الإسلامية هى المصدر الأساسى للتشريع. كان تصوير الأمر على هذا النحو يبذر بلا شك بذور الفتنة بين أنصار موقفين مختلفين من علاقة الحكم بالدين، بل ويبذر بذور الفتنة أيضا بين المسلمين والأقباط.

هل كان هذا الشقاق حتميا حقا أم كان من الممكن جدا تجنبه أو القضاء عليه فى مهده؟

فى أثناء ذلك صدرت أعمال مريبة أيضا من الجهاز الإعلامى. فلم تمض أسابيع قليلة على تنحى رئيس الجمهورية حتى صدر قرار بالإفراج عن زعيم جماعة إسلامية حكم عليه بالسجن منذ ثلاثين عاما لاشتراكه فى التخطيط لاغتيال رئيس الجمهورية السابق (أنور السادات)، ولم يفرج عنه لعدة سنوات حتى بعد أن انتهت مدة العقوبة ثم أفرج عنه الآن. رأينا صوره فى الصحف وهو خارج من السجن، محاط بأقاربه وأنصاره مهنئين ومهللين، ثم فوجئنا بظهوره فى حوار تليفزيونى مع أشهر مذيعة فى مصر. ظهر الرجل بلحيته الكثيفة الطويلة، يجيب عن أسئلة المذيعة بمنتهى الثقة، وكان مما قاله، ولم أصدق أذنى عندما سمعته، يقول: إن اشتراكه فى اغتيال رئيس الجمهورية كان عملا مبررا طالما لم تكن هناك طريقة قانونية للتخلص منه. هل تيوز إذاعة مثل هذا الكلام على الملأ على هذا النحو؟ وأى رسالة يمكن أن يأمل المسئولون عن جهاز التليفزيون فى توصيلها للشباب المصرى؟

هكذا ساد مناخ كان غريبا جدا أن يسود بعد ثورة رائعة اتحد فيها الجميع على هدف واحد، وأسفر هذا المناخ عن استقطاب ذميم وانشقاق حول علاقة الدين بالحكم، أشد بكثير مما كان سائدا قبل الثورة.

ولكن هذه ليست نهاية ألغاز الثورة. فهناك ألغاز أخرى كثيرة نستكملها فى مقال قادم.
 

الجمعة، 16 سبتمبر 2011

فى الذكرى العاشرة لأكبر عمل إرهابى: هل أنا إرهابى؟

الشروق - الجمعة 16 سبتمبر 2011

أصارح القارئ بأن لدى حساسية شديدة ضد اصطلاح «الإرهاب». لا أفهمه ولا أستسيغه، وأمتعض منه كلما رأيته يستخدم فى مقال أو كتاب. بل إنى إذا عرفت من عنوان كتاب أو مقال، أو فصل فى كتاب، بأن الكاتب يقبل استخدام هذه الكلمة «الإرهاب» دون أن يشكك فيها «أو على الأقل يضعها بين قوسين للإشارة إلى أنها محل نظر» فقد يثنينى هذا عن قراءة الكتاب أو المقال بالمرة.

إن لدى شعورا قويا بأنه اختراع شرير، يجرى الترويج له لأغراض شريرة، لا علاقة لها بمكافحة «الإرهاب»، بل لها علاقة وثيقة بتسهيل نوع آخر من الإرهاب، وهو ما تمارسه دولة ضد دولة أخرى، أو ما تمارسه الدولة ضد مواطنيها.

إذا كان هذا هو حالى مع كلمة «الإرهاب»، فليس غريبا أن أشعر بالضيق والغيظ الشديدين كلما كنت على وشك ركوب طائرة للسفر، فيطلب منى المرور بمختلف الإجراءات الأمنية التى يقال إن الغرض منها حماية الطائرة وركابها من «الإرهابيين».

إنى أشعر بأن هؤلاء الذين فرضوا هذه الإجراءات على المسافرين أقرب إلى ممارسة الإرهاب من أى شخص آخر، وهم على الأقل يمارسونه بالفعل، ويوميا، ضد ملايين من الأبرياء من ركاب الطائرات، وليسوا مجرد خطر يلوح به، ونادرا ما يوجد فى الواقع. وحتى عندما يزعمون أنهم قبضوا على إرهابيين حقيقيين نجد أن القصص التى يروونها عنهم نادرا ما تكون مقنعة أو مستساغة.

وأريد أن أذكر القارئ بأن هذه الإجراءات المسماة بالأمنية، والتى تمارس على راكبى الطائرات بحجة الوقاية من الإرهاب، تزداد ضراوة ووقاحة سنة بعد أخرى. بدأت بأن يطلبوا من المسافر أن يمر من خلال إطار من الصلب قادر على اكتشاف وجود أى جسم معدنى فى جيب من الجيوب، ووضع حقائب اليد على حزام متحرك يمر بجهاز للتصوير يكشف عن محتويات الحقيبة. وكم كان سخيفا أن تنطلق صفارة التحذير بأن جيب المسافر يحتوى على شىء خطير، فيطلب منه أن يعود للمرور مرة أخرى خلال نفس الإطار الممغنط، وتتكرر صفارة الإنذار ثم يظهر أن الأمر لا يزيد على وجود سلسلة مفاتيح أو بضعة نقود معدنية.

تطور الأمر فطلب من الراكب أو الراكبة أن يفتح لموظف أو موظفة حقيبته الصغيرة، فيكشف عما تحمله بداخلها. وقد تكون أشياء شخصية جدا لا يحب الرجل أو المرأة أن يطلع عليها أحد.

ثم طلب من الراكب أن يرفع ذراعيه فى الهواء ويسمح لمسئول الأمن بأن يمر بيديه على جسمه، من أعلاه إلى أسفله خوفا من أن يكون قد أخفى شيئا تحت ملابسه.

ثم طلب من الركاب أن يخلعوا الأحذية ووضعها فى صندوق من البلاستيك، ويمر الصندوق بالحذاء تحت جهاز مماثل قادر على كشف محتويات الحذاء، خوفا من أن يكون قد وضع شيئا فى النعل مما لا تستطيع العين المجردة اكتشافه، وبرر ذلك بأن حدث مرة أن وضع أحد الركاب شيئا داخل نعل الحذاء، مما يمكن أن يستخدم فى صنع متفجرات.

أضيف بعد الحذاء، المعطف أو الجاكتة التى يرتديها الراكب، ثم طلب من الراكب أن يستخرج من حقيبة اليد أى أداة حادة، مهما كان حجمها، ولو كانت مقص أظافر، إذ من يدرى، فقد يستخدم هذا المقص فى تهديد قائد الطائرة، وإجباره على أى شىء يريده الإرهابى.

بعد قليل اكتشف مكافحو الإرهاب أن زجاجة الماء التى يحملها كثير من الركاب بهدف تجنب العطش، يمكن أن تستخدم استخدامات خطيرة. إذ ظهر أن من الممكن، إذا صب الراكب كمية من الماء على بعض المواد الكيماوية أن يصنع مادة متفجرة، ويستطيع بها تفجير الطائرة بأكملها (بما فيها هو نفسه). ومن ثم صودرت كل زجاجات المياه التى قد يحملها الركاب، إذا زادت كمية الماء الموجودة بها على حد معين. وأصبح من هموم الراكب الإضافية أن يتأكد أن كمية الماء التى تحتويها زجاجته أكبر أو أصغر من المسموح به.

كم كنت أشعر بالضيق والأسف، عندما أرى أمامى رجلا مهيب الطلعة، كبير السن، يرفع ذراعيه فى الهواء ريثما يمسح موظف الأمن بيديه على أجزاء جسمه، والرجل المسكين مستكين تماما، وقد تعود على اعتبار ما يحدث له ضرورة من ضروريات الحياة. وقد سألت نفسى أكثر من مرة عن سر هذه الاستكانة الغريبة التى يبديها المسافرون إزاء هذه الإجراءات المهينة، والتى تزداد وقاحة سنة بعد أخرى.

هل السبب هو تلك الصرامة المدهشة والحزم التام اللذان يبديهما موظفو الأمن، وكأنهم يستندون فى تنفيذ هذه الإجراءات إلى قوة عليا مجهولة، تحميهم ضد أى معارض أو متمرد؟ أم أن السبب أن الإنسان بطبيعته قادر على التعود على أى شىء، إذا تكرر عددا كافيا من المرات، مهما كانت غرابته وعدم معقوليته؟ أم أن المسافرين يصدقون فعلا أن ما يخضعون له من إجراءات الغرض منه هو حمايتهم هم أنفسهم، فمن الحمق الاعتراض بل عليهم أن يشعروا بالامتنان لما يبذله مسئولو الأمن من أجل مصلحتهم؟

يساعد بالطبع على ضمان هذا الاستسلام التام من جانب الركاب، أن العملية كلها قصيرة. فالإجراءات الأمنية سرعان ما تنتهى، وتبدأ الرحلة بعد ذلك بلا منغصات، والمسافر يشاهد أمامه، على أى حال، الرجال والنساء والأطفال يخضعون كلهم لما يخضع له من تفتيش، وكلهم يبدو أنهم يفعلون ذلك عن طيب خاطر، بل وأحيانا تُرى على وجوههم ابتسامة. فهل هو أفضل من هؤلاء جميعا؟ فكما هى الحال دائما، يرتاح المسافر إلى ما يرتاح إليه الفرد فى أى قطيع: «لابد أن الأمر لا غضاضة فيه، ما دام كل هؤلاء لم يجدوا فيه أى غضاضة».

قبلنا جميعا إذن أن نخضع أجسامنا وحقائبنا للتفتيش، وأن يتحسس شخص غريب أذرعتنا وسيقاننا، وأن نخلع الساعة والحزام، والحذاء والجاكتة، وأن نخرج ما لدينا من نقود معدنية، وأن نعترف بأننا نحن الذين قمنا بملء حقائبنا بأنفسنا دون مشاركة من أحد، ولم نعترض على ما يذيعه الميكروفون كل بضع دقائق، من أننا يجب ألا نترك أى حقيبة من حقائبنا، ولو للحظة واحدة بعيدة عن أنظارنا، وإلا صودرت الحقيبة مع احتمال تعرضها للإعدام. وقبلنا التنازل إلى غير رجعة عن أى شىء حاد كمقص صغير يمكن أن يستخدم فى التهديد بالقتل، وأى زجاجة ماء يمكن استخدامها فى صنع قنبلة.. إلخ

وقبلنا بكل غباوة الزعم بأن كل هذا يجرى رعاية لمصلحتنا نحن وللمحافظة على حياتنا، مع أن الأمر كله لا يمكن أن يقبله أى شخص رشيد، إذ إن كل هذا يحدث وتزداد إجراءات الأمن تشددا رغم عدم حدوث أى زيادة فى الحوادث المسماة بالإرهابية، (اللهم من جانب الدول نفسها التى تفرض هذه الإجراءات). ولا يعقل أنه إذا وضع شخص واحد مجنون مادة قابلة للانفجار فى نعل حذائه، من بين ملايين الركاب الذين يسافرون كل يوم إلى مختلف بقاع الأرض، أن يصبح كل حذاء محل شبهة، أو إذا تصادف أن أخرج رجل مختل العقل، أو فى حالة سكر شديد، مدية من جيبه وهدد بها أحد العاملين فى إحدى الطائرات، أن يعتبر كل مقص خطرا داهما يهدد سلامة الطيران.. إلخ

والمدهش أن كل قرار نتخذه فى حياتنا إنما يبنى على تقديرنا أو تخميننا لدرجة الاحتمالات للظروف المؤثرة فيه.

فى حياتنا اليومية نتعرض باستمرار لمخاطر كبيرة وصغيرة، نتجاهل معظمها لأن درجة احتمال حدوثها ضئيلة جدا. فإن لم نفعل ذلك فإن حياتنا تتحول إلى جحيم لا يطاق، وربما لم نتخذ أى قرار على الإطلاق، ولا نقوم بأى عمل. فالعواصف يمكن أن تهب فى أى وقت، فى الصيف أو الشتاء، والشجر يمكن أن يقع على رءوس بعضنا ونحن سائرون فى الطريق، والمبنى الحكومى الذى ندخله قد يكون آيلا للسقوط.. إلخ. وكذلك فى الطيران. إن هناك بالطبع احتمالا صغيرا لوقوع الطائرة بسبب خلل مفاجئ أو عاصفة غير متوقعة، ولكن هذا لم يؤد بنا إلى صرف النظر عن فكرة الطيران بأسرها، والاكتفاء بركوب السفن أو القطارات، والمشى على الأقدام.

وعلى كل حال، فالسفن والطائرات وحتى المشى، معرضة كلها لأخطار، ولكننا نتجاهلها كلها إذا كانت درجة احتمال وقوعها أقل من درجة معينة. فلماذا لا نصنع هذا مع الإرهاب؟ إن احتمال إخفاء شخص قنبلة داخل ملابسه، أو متفجرات فى حذائه، من الضآلة (بحكم قلة ما حدث من أحداث كهذه من قبل) بحيث يتعين التغاضى عنه، أو على الأقل تخفيض إجراءات الاحتياط ضده إلى أقل قدر ممكن.

بل فلنلاحظ أن الاحتمال هنا يتعلق ليس فقط بحمل متفجرات لتفجير الطائرة، أو لقتل قائد الطائرة أو الركاب، بل يتعلق أيضا بقتل المرء لنفسه. فكم يا ترى يمكن أن نصادف فى حياتنا مثل هذا الشخص، الذى يفكر ويخطط ويتخذ كل الاحتياطات اللازمة لإخفاء ما يخطط له عن الجميع، ويتظاهر بكل هذا الدهاء والخبث، حتى يخدع كل من يقابله فى مساره نحو الطائرة، كل ذلك من أجل أن يقتل نفسه فى النهاية؟

ومن أجل أى قضية بالضبط؟ ليس هناك قضية واضحة تُروى لنا عن الهدف من هذا كله، أو كيف يساهم قتل شخص لنفسه فى تحقيقها، أو كيف ساهم مفجرو الطائرات السابقون فى تحقيق هذا الهدف الذى يقال إنهم ضحوا بأنفسهم عن طيب خاطر من أجله. لا يقال لنا شىء عن الهدف سوى أن الهدف هو «الإرهاب»، والدليل الوحيد على ذلك أن الشخص الذى يقوم به هو «إرهابى»، والدليل الوحيد على أنه إرهابى أنه يقوم بأعمال «إرهابية».. وهكذا.

ما الذى منع المسئولين عن كل هذا الكلام الفارغ يا ترى من رؤية السخافة المفرطة فى كل هذه الإجراءات والاحتياطات؟

ولكن الأمر يبدو أنه لم ينته بعد، فقد قرأت أخيرا أنه بدأ فى الولايات المتحدة تطبيق إجراء جديد لتوفير مزيد من الأمان، وأكثر فاعلية فى مكافحة الإرهاب.

هذا الإجراء الجديد هو أن يعطى المسافر الخيار بين استمرار الطريقة القديمة فى التفتيش، والتى تتضمن تحسس أجزاء الجسم بأيدى المسئولين عن الأمن، أو أن يمر المسافر داخل إطار معدنى من نوع جديد، مركب فيه جهاز جديد يكشف صورة المسافر لمسئولى الأمر وهو عريان تماما (أو عارية تماما)، فيمكن لهم التقييم التام مما قد يكون ملتصقا بجسمه ومتفجرات، دون المرور بأيديهم على الجسم. للمسافر الآن الاختيار بين إجراءين: الأول يعرض جسمه لأيدى الآخرين، والثانى يكشفه عريانا أمام عيون الآخرين.  فللمسافر الآن مطلق الحرية فى تفضيل إحدى الطريقتين على الأخرى، فى العبث به وتعريضه للامتهان.

فى أثناء هذا كله، لا ينقطع الحديث عن ازدهار الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.

الجمعة، 9 سبتمبر 2011

الثورة المصرية.. بالصوت والصورة

الشروق - الجمعة 9 سبتمبر 2011

على مر العصور، ظلت القدرة على تعبئة الجماهير، وحثهم على الاشتراك فى عمل واحد، كالقيام بمظاهرة أو بثورة ضد الممسكين بالسلطة، قرونا كثيرة محدودة للغاية، رسمت حدودها التكنولوجيا المتاحة. فطالما ظلت تكنولوجيا الاتصال بسيطة وبدائية، ظلت القدرة على تعبئة الجماهير والتأثير فيهم بسيطة أيضا ومحدودة.
هكذا ظلت قدرة الثائرين والمهيجين على جميع المؤيدين محدودة، بدرجة قدرتهم على الخطابة المؤثرة، أى مدى ما يتوفر لهم من فصاحة وبلاغة، وقوة الصوت ووضوح النطق. وفى تاريخ مصر الحديث، وحتى منتصف القرن العشرين ظهر عدد قليل من الناس الكثيرين تمتعوا بهذه القدرة، من أبرزهم عبدالله النديم (خطيب الثورة العرابية) ومصطفى كامل وسعد زغلول ومصطفى النحاس، ثم أحمد حسين ومكرم عبيد وفتحى رضوان.
وهؤلاء جميعا كانوا يتمتعون بدرجة عالية من الفصاحة والبلاغة، وإتقان للغة العربية ووضوح النطق وقوة الصوت، فلم يكونوا بحاجة إلى ميكروفونات لتكبير الصوت، ولم يكن الميكروفون معروفا فى مصر على أى حال حتى بداية القرن العشرين، ولم يستخدم بكثرة، حتى بعد أن عرف، إلى منتصف القرن.
كانت هناك بالطبع صحف، حتى قبل بداية القرن العشرين، ويذكر المؤرخون تهافت الناس على الصحف حتى قبل الحرب العالمية الأولى لمتابعة بعض القضايا والفضائح. وظهرت الإذاعة فى بداية الثلاثينيات، ولكن ظلت الصحف والإذاعة محدودة الأثر جدا فى مجتمع الغالبية العظمى من سكانه من الأميين، ويسكنون فى قرى لا تعرف الكهرباء.
كان الوضع قدبدأ يتغير منتصف القرن، لكن من المهم أن نتذكر أن ثورة 1952 لم يكن لديها وسائل لإثارة حماس الناس وتعبئتهم تختلف كثيرا عما كان عليه الحال فى ثورة 1919. كانت الصحف مازالت قليلة الانتشار فى ظل أمية نسبتها تزيد على 80٪ من السكان، وحرمان سكان الريف (الذين كانوا يكوّنون نسبة قريبة من هذه) من الكهرباء، مع انخفاض قدرتهم الشرائية إلى ما لا يسمح لهم باقتناء الراديو وشراء البطاريات اللازمة له. كان عدد أجهزة الراديو فى كل قرية محدودا للغاية إذن فلا يكاد يحوزه، غير عمدة القرية، إلا عدد صغير جدا من الأشخاص.
عندما أرسل الضباط الأحرار الذين قاموا بالثورة فى 23 يوليو 1952، واحدا منهم إلى مبنى الإذاعة لإذاعة البيان الأول الذى يعلن للناس استيلاء الضباط على الحكم، كان اختيارهم لأنور السادات لإلقاء البيان مبينا بلا شك، على قوة صوته وحسن إلقائه، وقدرة تفوق قدرة بقية الضباط على تجنب ارتكاب أخطاء شنيعة فى النحو. ولكن أثر الإذاعة فى الناس ظل ضئيلا ومحدودا بحدود سكان المدن لعدة سنوات، حتى بعد قيام الثورة. كانت واحدة من أوائل الأغنيات التى ظهرت بسبب الثورة، وحازت شهرة واسعة أغنية جميلة لمطرب شعبى مطلعها «ع الدوار، على الدوار، راديو بلدنا فيه أخبار». وهذه الكلمات وحدها تدل على أن الراديو الوحيد (أو أحد أجهزة الراديو القليلة فى القرية) كان فى دوار العمدة. ولكن سرعان ما اكتشف الثوار أهمية تقوية الإذاعة فى تعبئة الجماهير لتأييد الثورة وساعدها على ذلك ظهور الراديو الصغير المحمول (الترانسستور)، الذى سمح للبرنامج الجديد الذى أنشأته الثورة تحت اسم «صوت العرب» بأن يسمع فى القرى النائية فى مصر وبقية أنحاء العالم العربى، وقد ساهم مساهمة كبيرة فى انتشار شعبية جمال عبدالناصر، وجعل هذا من مدير برنامج صوت العرب (أحمد سعيد) شخصية مهمة فى تاريخ ثورة 1952.
فعلت الإذاعة المصرية كل ما تستطيع لتعبئة الناس وراء الضباط الأحرار، وكان من البديهى أن تلجأ إلى أكثر المطربين شعبة (أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب) للمساهمة فى هذه التعبئة، فقدموا أغانى تشيد بالضباط. كما ساعدت الإذاعة على تحقيق شعبية واسعة لمطربين شباب جدد. (كعبدالحليم حافظ وفايدة كامل) ارتبطت أسماؤهم لمدة طويلة بالأغانى الحماسية التى تشيد بزعيم الثورة، وبكل عمل مهم من أعماله، من تأميم قناة السويس إلى توحيد مصر وسوريا إلى تأييد الثورات الجديدة فى كل مكان.. إلخ.
أنشأت الثورة أيضا صحفا جديدة (كالشعب والجمهورية) لتنافس بها الجرائد التقليدية (كالأهرام والأخبار) ومجلات جديدة (كالتحرير والرسالة الجديدة) لتنافس مجلات عريقة (كروز اليوسف والمصدر وآخر ساعة)، ولكن سرعان ما تبين صعوبة الاطمئنان إلى صحفيين نشأوا وترعرعوا فى ظل الملكية والأحزاب القديمة، ففاجأتنا حكومة الثورة بخطوة بالغة الجرأة (والتهور) وهى مكافحة الصحف والمجلات، واستبدال «أهل الثقة» بأهل الكفاءة، إذ قيل إن المهم ليس مستوى الأداء الصحفى بقدر درجة الإخلاص للثورة.
ظلت كل هذه التغييرات فى الإذاعة والصحافة مقبولة من الناس طالما كانوا متعاطفين مع الثورة، وطالما استمروا يشعرون بأن الحكم الجديد، رغم ديكتاتوريته، يترجم مطالب الناس الحقيقية إلى أعمال وقوانين. ولكن ضعف هذا التعاطف شيئا فشيئا، وأحس الناس بوطأة قيد وسائل الإعلام، أكثر فأكثر، عندما بدت وسائل الإعلام وكأنها تعمل فقط لمجرد تكريس الحكام فى أماكنهم.
هكذا نجد أن الناس تعاطفوا مثلا، مع أغنية صلاح جاهين احتفالا بتأميم قناة السويس، وأغنية عبدالحليم حافظ التى تنتقد البنك الدولى لرفضه تمويل السد العالى، أكثر بكثير مما تعاطفوا مع الدعاية التى صاحبت هزيمة 1967، فسخر الناس من تسمية وسائل الإعلام للهزيمة بمجرد «نكسة»، ولم يصدقوا ما يقوله الإعلام عن «اقتصاديات الحرب»، وأنه لا يجب «أن يعلو صوت فوق صوت المعركة».. إلخ.
كان إسراع حكومة الثورة بإدخال التليفزيون مفهوما تماما من نظام جديد فى الحكم، يحاول تغيير أفكار الناس وأن يخلق شعبية لحكام من نوع جديد تماما.
ومع ذلك فقد ظل تأثير التليفزيون فى مصر محدودا بحدود القدرة الشرائية لمعظم المصريين طوال السنوات العشر الأولى من عمره، أى طوال الستينيات، ولم يصبح له أثره الكاسح إلا عندما أدت الهجرة إلى بلاد الخليج، ابتداء من أوائل السبعينيات، إلى تمكين الملايين الجد من المصريين من اقتناء جهاز التليفزيون. وكما هو متوقع من شعب قليل الإقبال على قراءة الصحف، بسبب انتشار الأمية، ومع جهاز لا يمكن مقاومته، إذ يحل محل الصوت المجرد الذى يأتى من الراديو، صوتا وصورا خلابة، تعرض على رجال ونساء وأطفال نادرا ما يخطون خطوة واحدة خارج قريتهم أو مدينتهم الصغيرة، أصبح التليفزيون ابتداء من منتصف السبعينيات، وسيلة النظام الأساسية فى كسب تأييد الناس وتشكيل أفكارهم.
من المهم أن نلاحظ الفارق الكبير بين دور وسائل الإعلام فى قيام وتطور ثورة 1952، وبينه فى أحداث ثورة 2011، وهو ما يمكن اختصاره فى القول بإنه، بينما كان دور الإعلام فى ثورة 1952، دورا «كاشفا» فى الأساس، أصبح دوره فى ثورة 2011 دورا «صانعا» للثورة ابتداء.
لقد بدأ ما نسميه الآن بثورة 1952، بمجرد حركة (وكانت تسمى أحيانا الحركة المباركة)، قام بها عدد صغير جدا من الضباط، أضروا الشعب بما صنعوه بعد أن أتموا عمله، دون الاستعانة بأى عمل شعبى لإسقاط الملك ونظامه.
فعلى الرغم من عموم السخط على العهد الملكى بين جميع طوائف الشعب، كان أقصى عمل جماهيرى يمكن القيام به فى ظل الملكية، هو انضمام مجتمعات طلابية إلى تجمعات عمالية، تحمل شعارات وتصحح بهتافات مثل «يحيا تضامن الطلبة مع العمال» ثم «يسقط هذا أو ذاك»، والسير فى الشوارع حتى يفضها رجال الشرطة.
لم يكن التجمع «الجماهيرى» متاحا إلا فى فناء الجامعة أو الجامعتين، وبعض المدارس الثانوية، وفى بعض المصانع التى تشغل عددا كبيرا من العمال، وكانت بدورها قليلة العدد.
كان عدد الصحف والمجلات المناوئة للنظام قليلا أيضا وأعجز فى تعبئة الناس حتى من خطباء الجامعات أو المصانع، رغم شدة اللهجة المتحدة فى الهجوم على الملك والنظام، وبلاغة المعارضين بسبب ما ذكرته من ضآلة توزيع الصحف.
لم يكن هناك من طريقة إلا الانقلاب العسكرى، يقوم به عدد من الضباط الواثقين من تأييد الناس لهم، دون أن يستطيعوا تعبئة الناس وراءهم ابتداء. هذا ما أقصده من القول بأن الإعلام فى 1952 كان يقوم فى الأساس بدور «كاشف» لا خالق أو صانع للثورة. وإنما تحولت الحركة إلى «ثورة» لا بالتعبئة الجماهيرية، بل بما قامت به الحركة من أعمال واتخذته من إجراءات وأصدرته من قوانين. هذا هو الذى جعلها تستحق بجدارة أن تصبح «ثورة»، بعد أن كانت مجرد «حركة».
فى سنة 2011 كان من الممكن وصف ما حدث فى 25 يناير، فى نفس اليوم أو بعد أيام قليلة جدا، بأنه كان «ثورة» بمعنى الكلمة، ليس بسبب ما قام به الثوار من أعمال، وما رفعوه من شعارات، بل لمجرد قدرتهم على تجميع هذه الحشود الهائلة من الناس، والتى وصفت بحق «بالمليونية»، ولم يكن هذا ممكنا بالطبع إلا عن طريق وسائل الإعلام. هذه الأعداد الكبيرة التى لم يكن من الممكن تعبئتها فى 1952 عن طريق التجمع فى الجامعات والمدارس والمصانع، أمكن تعبئتها بالتليفون المحمول والإنترنت والفيس بوك، وهى وسائل إعلامية لا يجدى فى تكميمها سيطرة الحكومة على الصحف والإذاعة.
وبمجرد أن نجح الشباب وأنصارهم فى التجمع فى الميادين قام جهاز التليفزيون بدور مهم فى زيادة حماسهم ومضاعفة أعدادهم. صحيح أن الحكومة كانت تسيطر على قنوات التليفزيون الرسمية، ولكن هذه القنوات كانت قد فقدت منذ سنوات احتكارها وكثيرا من شعبيتها، وحلت مكانها قنوات خاصة، مصرية وعربية وأجنبية، اكتسبت ثقة أكبر من الناس، وحاولت الاحتفاظ بهذه الثقة عن طريق نقل ما يحدث بالفعل فى الشارع.
أضاف التليفزيون إلى الصوت الذى تنقله الإذاعة، والكلمة التى تطبع فى الصحف، الصورة التى ضاعفت من تأثير الخبر، خاصة إذا كان من نوع قيام ثورة شعبية.
واستخدام الصورة فى الإعلام يمكن بسهولة التلاعب به بما يضاعف من تأثيره. فمجرد ترتيب الصور، واحدة بعد أخرى، وإطالة عرض صورة معينة دون غيرها، واختيار الصور المؤثرة فى اتجاه معين، واستبعاد غيرها، يزيد أو يقلل من أثر خبر معين، بل وقد يحول الخبر إلى خطبة حماسية أو عمل فنى، يصيب الهدف بأقوى مما يمكن أن يصيبه أى خبر ينشر فى الصحف أو يسمع فى الإذاعة. فإذا أضيفت إلى الكلام والصورة موسيقى مختارة بعناية يمكن مضاعفة الحماس مما يجلب إلى الثوار المتجمهرين فى الميادين أعدادا جديدة فى كل يوم.
بعض القنوات التليفزيونية التى تصل إلينا من دول أخرى، بدا وكأن لها أهدافا خاصة بها فى زيادة نيران الثورة التهابا، ليس لمجرد زيادة دخلها من الإعلانات، فبعضها لا يبث إعلانات من أى نوع، بل لأسباب أخرى غير معروفة، لابد أن تتعلق بسياسة الدول التى تقوم بتمويلها. وهى لا تكتفى ببث صور المظاهرات وتطورها لحظة بلحظة، بل تجلب المعلقين لشرحها وتفسيرها، وتختار من المعلقين من تعرف أنه يناصر الثوار وتمتنع عن دعوة غير المناصرين لها. وبهذا كله يتحول دور وسائل الإعلام إلى دور يتجاوز بكثر مجرد «الإعلام» بالثورة إنه فى الواقع يساهم مساهمة فعالة فى صنع الثورة وتطوير أحداثها.
فى الأيام التالية لقيام ثورة 25 يناير فى مصر، اعتاد المصريون رؤية الوزراء ورئيس الوزراء على شاشة التليفزيون بمجرد تعيينهم، فيعلنون للناس ما ينوون صنعه. ثم شعر العسكريون الذين استلموا السلطة بأن ظهورهم على الشاشة أصبح بدوره أمرا ضروريا يمكن أن يكسب الرأى العام لصفهم.
فرأينا بعض أعضاء المجلس العسكرى الحاكم، وجها لوجه، وشاهدنا تعبيرات وجوههم مما يمكن من الحكم على درجة الإخلاص فى الكلام ومدى حسن أو سوء النية. ورأينا كاتبا مرموقا على شاشة التليفزيون أيضا، وهو ينتقد رئيس الوزراء بشدة ويحرجه، مما انتهى بعد ساعات قليلة باستقالة رئيس الوزراء ومجىء غيره. كما أودت بضع زلات لسان، بنائب لرئيس الوزراء، سمعها منه الناس عن طريق التليفزيون، فشوهت سمعته مما ساهم، مع أخطاء أخرى مماثلة، فى خروجه من الحكومة. وأصبحت الاجتماعات التى يعقدها كبار المسئولين للتحاور مع السياسيين والكتاب والمثقفين، تجرى أمام عدسات الكاميرا وتنتقل على الهواء مباشرة إلى شاشات التليفزيون.
لابد أن جهاز التليفزيون قد أصبح إذن، مع حلول ثورة 25 يناير، سلاحا أساسيا يعتمد عليه الثوار تارة، ويستخدمه الممسكون بالسلطة لتهدئتهم تارة أخرى، ويتنافس الطرفان على السيطرة عليه باعتباره أهم مؤثر فى الرأى العام، بدلا من أسلوب الخطابة القديم، أو النشر فى الصحف أو أحاديث الإذاعة. وأصبح اختيار شخصية المسئول الأول عن قناة تليفزيونية، أو الإبقاء على مذيع أو مذيعة أو عزلها، قرارات مهمة تحتاج إلى حنكة سياسية ولا يجوز اتخاذها دون رؤية وحذر. ولكن استخدام جهاز التليفزيون أصبح أيضا وسيلة مهمة للخروج من بعض الورطات السياسية الكبرى، وقد يستخدم بنجاح فينهى مشكلة مهمة أو استخداما سيئا فيزيدها تعقيدا.
يبدو أن محاكمة الرئيس المخلوع ونجليه، كانت من نوع هذه الورطات السياسية الكبرى، التى جرى فيها اللجوء إلى التليفزيون لحلها. فالناس تطالب وتلح فى المطالبة بالإسراع بتقديم الرئيس السابق ونجليه للمحاكمة، وتتخذ من هذا دليلا على درجة إخلاص الممسكين الجدد بالسلطة، للأهداف التى قامت من أجلها الثورة. ولكن الحكام الجدد يجدون أنفسهم تحت ضغوط شديدة من الخارج والداخل لمعاملة الرئيس السابق وأسرته معاملة مختلفة تماما، قد تصل إلى حد تخليصهم من العقاب.
الأمر إذن يستحسن تأجيله لأطول مدة ممكنة، على أمل أن تحل المشكلة نفسها بمرور الزمن. ولكن الناس تعيد المطالبة بالمحاكمة ولا تكف عن ذلك. كان المخرج هو إجراء محاكمة تبث مباشرة على شاشة التليفزيون، ويظهر فيها الرئيس المخلوع ممدا على سرير المرض، كما يظهر نجلاه وراء القضبان فى المحكمة ولكن الجلسة كانت قصيرة جدا سرعان ما جرى إنهاؤها بسرعة.
قيل إنه لم يكن هناك بيت واحد فى مصر لم يتفرج على هذه المناظر، وأنه لم يكن هناك شخص واحد سائر على قدميه فى الشارع أثناء بث المحاكمة على التليفزيون. وقيل أيضا إن الناس هدأت بعد مشاهدتها للصور التليفزيونية.
فإذا كان كل هذا صحيحا، فإن قرارات مهمة أصبحت الآن تتخذ بناء على ما يمكن أو لا يمكن عمله عن طريق التليفزيون. لم يعد ما يسمى بوسائل الإعلام إذن، مجرد وسائل لتعريف الناس بما يجرى من أحداث، بل أصبحت هى التى تحدد مسار الأحداث، بما فى ذلك مثلا، ما إذا كان الرئيس المخلوع ستتم معاقبته أم لا.

الجمعة، 2 سبتمبر 2011

الثورة المصرية .. وثلاثة أطباء كبار

الشروق - الجمعة 2 سبتمبر 2011

مع تردد الأسماء المرشحة، لرئاسة الجمهورية، يخطر لى من حين لآخر ثلاثة أسماء لأشخاص تتوفر لهم فى رأيى كل الصفات التى نحتاجها فى رئيس جمهورية جديد لمصر، ولكن لا أحد منهم بدت منه، للأسف، أى رغبة فى التقدم لترشيح نفسه.

كان من حسن حظى أن تعرفت عليهم جميعا قبل ثورة يناير 2011 بسنوات كثيرة، أصبحوا من أقرب الناس إلى قلبى، ثم اكتشفت فجأة، عندما خطر لى أن أكتب عنهم أن فيهم صفة مشتركة لا علاقة بينها وبين الثورة والثورية، وهى أنهم أطباء. لكل منهم تخصص بعيد عن تخصص الآخر، ولكننى لم أستطع أن أتبين أى سبب يمكن أن يجعل طبيعة تخصص كل منهم مسئولة عما يتحلون به من صفات، وعن اشتراكهم فى العمل الوطنى قبل الثورة بزمن طويل. أحدهم طبيب أسنان. والثانى متخصص فى أمراض النساء والعقم، والثالث، وهو أكبرهم سنا، متخصص فى أمراض الكلى. كل منهم نبغ فى مجال تخصصه، ولكنه فعل أيضا أشياء أخرى بديعة، لا علاقة لها بالثورة، بل وبعضها لا علاقة له أيضا بالطب.

طبيب الأسنان، اكتشفنا فجأة أنه روائى كبير وبين يوم وليلة طبقت شهرته الآفاق فى مصر وخارج مصر، بل وأصبحت بعض رواياته، فى مثل لمح البصر، من أكثر الكتب مبيعا فى بعض الدول الأوروبية، بعد أن ترجمت إلى عدة لغات. والطبيب المتخصص فى أمراض النساء أنشأ أول مركز لعلاج العقم فى مصر، وحقق فيه نجاحا باهرا، أضاف إلى شهرته التى اكتسبها من بحوثه العلمية. ثم فاجأنا هو الآخر بنشر كتاب بديع عن سيرته الذاتية أفصح عن جمال روحه بالإضافة إلى سعة علمه. وأما الطبيب الثالث فقد أنشأ (ويكاد أن يكون ذلك بيديه المجردتين) مركزا رائعا لعلاج وزرع الكلى، فى مدينة إقليمية مصرية، حيث قرر الإقامة المستمرة بها، خارجا عن العادة السائدة فى تفضيل الإقامة فى العاصمة.

ترجع معرفتى بطبيب الكلى إلى سنوات بعيدة مضت، إذ عرفنى عليه صديقى المرحوم على مختار الذى كان قد تخرج لتوه فى كلية الطب، وأنا فى الحقوق، وكان سبب التعارف اشتراكنا نحن الثلاثة فى فرع ناشئ فى مصر لحزب يدعو للقومية والوحدة العربية، عرفنا به بعض الشباب العربى المثقف الذين أتوا للدراسة فى مصر. بهرتنى منذ ذلك الوقت قوة شخصيته، وجديته التامة، وحسمه وتفضيله للنشاط العملى المفيد على الاستغراق فى المناقشات النظرية والجدل.

كنت أكبر منه بأربع سنوات، ولكننى لم أكن قد تجاوزت حينئذ الثالثة والعشرين من عمرى، ثم باعدت بيننا الأيام. بسبب سفرى إلى إنجلترا للدراسة، ثم سفره هو أيضا، وقيام الحزب الذى انضممنا إليه بحل نفسه استجابة لطلب جمال عبدالناصر، كشرط للوحدة مع سوريا، ثم استقراره هو فى المنصورة بعد عودته من الخارج، بينما عشت أنا فى القاهرة. كنت أسمع أخباره من بعيد، واقرأ عن إنجازاته المبهرة فى مركز الكلى. وكان هو يرسل إلىّ بالتحية، من بعيد أيضا، ذاكرا أنه يقرأ كتبى وما أكتبه فى الصحف. ثم تقابلنا بعد فراق طويل جدا، فى حفلة اقيمت لتكريم د. محمد البرادعى، إذ جاء صديقى الطبيب فى صحبة د. البرادعى وقدمنى إليه.

فى هذا الحفل دعانى صديقى القديم للمجىء إلى المنصورة مع زوجتى لإلقاء محاضرة عن الاقتصاد المصرى، فقبلت مسرورا، لأكثر من سبب، وقضينا معه هو وزوجته فى المنصورة يومين من أجمل الأيام.

كان أجمل ما رأيت فى المنصورة مركز الكلى، الذى كان هذا الرجل صاحب فكرته، ومن عمل على جمع التبرعات من الخارج لتمويله، وواضع نظامه ومديره حتى بلغ سن التقاعد فأصبح مستشارا له. قابلنا الرجل فى مكتبه وطاف بنا فى أنحاء المركز. كنت أتوقع، ما دام المركز كله مدينا له بهذا القدر، وبسبب ما تعودت عليه من طريقة معاملة المرءوسين لرئيسهم فى مصر، أنه بمجرد أن يراه موظفو المركز وأطباؤه وفراشوه، وهو يمر بممرات وحجرات المركز مع بعض ضيوفه، أن يهب الجالس واقفا، أو أن يتركوا ما بأيديهم ليحيوه، ولكنى لاحظت العكس. ظل كل موظف مشغولا بما يفعله، رغم رؤيته للرجل الكبير، واكتفوا بالتحية الملائمة دون أى تزيد. مررنا أيضا بالكافتيريا فنبهنا الرجل إلى أنها مفتوحة للأطباء والعمال على السواء، وأن هناك حدا أقصى معقولا جدا لثمن الوجبة.

كان لدينا فسحة من الوقت بين زيارة المركز وموعد محاضرتى، فاصطحبنى أنا وزوجتى لرؤية مكتبة حديثة افتتحت فى المنصورة، تشبه المكتبات الحديثة فى القاهرة، التى تجذب شباب القراء، رجالا ونساء، وكان صاحب فكرة إقامة هذه المكتبة بالمنصورة مديرها، طبيبا مثله، ولكنه أضاف شيئا جديدا لم أره فى القاهرة، وهى أنه وضع جهازا للموسيقى فى البدروم، وخصص جلسة أو جلستين فى الأسبوع لاستقبال الشباب للاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية، وقال لى مدير المكتبة إن صديقى الذى جاء إلى المنصورة، يأتى مرة فى الأسبوع للحديث إلى الشباب فى موضوعات تتعلق بالتذوق الموسيقى.

كنت أظن أن صديقى قد نشأ فى المنصورة، وأن هذا هو سبب استقراره النهائى فيها بعد أن درس فى القاهرة والولايات المتحدة وإنجلترا. ولكنه أخبرنى أنه يعيش فى المنصورة قبل تعيينه مدرسا بكلية الطب بجامعتها، ولكنه لم يجد أى مبرر لأن يتركها ويقيم بالقاهرة. وقد وجدت شقته التى لا يزال يسكنها منذ ذلك الوقت، جميلة ولكنها صغيرة، فى عمارة بوسط المدينة، إذ لم ير أيضا مبررا لتركه هذه الشقة بعد تقدمه فى الوظيفة أو السن.

كان سبب تعرفى على صديقى الثانى، طبيب أمراض النساء، مختلفا تماما. كان صديقا لذلك الرجل الفريد من نوعه، الكاتب السودانى الطيب صالح. وكان الطيب صالح، كلما جاء فى زياراته الدورية للقاهرة، يُستقبل استقبالا حارا من مجموعة من المثقفين المصريين المحبيّن له، فيرتبون له لقاءات العشاء والسمر، وكنت أُدعى أحيانا إلى هذه اللقاءات، وفى إحداها التقيت لأول مرة بهذا الطبيب الفذ.

لفت نظرى إليه أولا قلة كلامه. إنه مستمع جيد، ومتكلم جيد، ولكنه برىء من أى عقدة تدفعه إلى الكلام بمناسبة وغير مناسبة، وهذا نوع نادر من الناس. ثم سمعت بنبوغه ونجاحه الباهر فى مجال عمله، وبأريحيته وكرمه فى معاملة المرضى غير القادرين على دفع تكاليف العمليات الجراحية والمستشفى. وقد لمست أنا هذا الكلام عندما لجأت إليه سيدة محدودة الدخل، لعلاج ابنتها من العقم، بعد أن احتارت مع غيره من الأطباء فأشرت عليها باللجوء إليه، ومازالت بعد مرور عشر سنوات، تلهج بالثناء عليه وتدعو له ولابنته الطبيبة أيضا، والتى قدمت بدورها خدماتها بعد قدوم الطفل، بدون مقابل.

كانت المفاجأة السارة التالية عندما عرفت أنه أيضا أديب. فقد ظهر له كتاب فى السيرة الذاتية، رأيت فيه ما رأيت فى الرجل من قبل، من تواضع غير مصطنع، وحكمة فى ترتيب الأولويات، وواقعيته فى تقييم الأحوال المصرية، ونوع من حب الوطن بالغ الجاذبية، لاختلاط العاطفة الجياشة فيه بالواقعية والروح العلمية.

لم أتعجب إذن عندما سمعت بعد ذلك باشتراكه فى تكوين جمعية للدفاع عن استقلال الجامعة المصرية، وتطهيرها من سيطرة الدولة وأجهزة الأمن، ومن تحكمها فيمن يعين مديرا أو عميدا، ومن يسمح له بإلقاء محاضرة عامة فى الجامعة ومن لا يسمح له..الخ. وقد تابعت بشغف خطواته فى هذا العمل، فوجدته دائما يؤكد تلك الصفات الرائعة، التى سبق أن رأيتها فيه.

تعرفت على صديقى الطبيب الثالث المتخصص فى طب الأسنان عندما اتصل بى لتحيتى بسبب بضعة مقالات نشرت لى ونالت إعجابه فالتقينا على الغداء. عرفت أنه قرأ لى أيضا كتابا قديما نشره ناشر مغمور ثم لم يعد طبعه ولكنه وجده فى مكتبة الجامعة التى كان يدرس بها بالولايات المتحدة أثناء دراسته لدرجة الماجستير. فى المرة التالية التى قابلته فيها أعطانى كتيبا صغيرا له، طبعه على نفقته الخاصة، طبعة محدودة النسخ ويحتوى على مجموعة من القصص القصيرة. قرأت الكتاب فطرت به فرحا، ومازلت حتى الآن أتذكر تفاصيل بعض قصصه وكأنى قرأتها بالأمس، وكنت أحكى لبعض معارفى وأصدقائى موضوعات هذه القصص بالتفصيل، لعمقها وطرافتها، وكتبت مقالا عن هذا الكتاب فى مجلة الهلال. بعد ذلك بقليل قال لى إنه أصدر مع مجموعة من الأصدقاء الذين لهم مثل آرائه فى الأحوال المصرية، عددا واحدا أو عددين من مجلة جديدة، محدودة النسخ، ويطبعونها أيضا على نفقتهم الخاصة، ويقومون بتوزيعها بأنفسهم بطريقة بدائية جدا على بعض المكتبات، ثم يمرون عليها من جديد لتحصيل ثمنها وجمع النسخ غير المباعة. كان اسم المجلة اسما جميلا «زرقاء اليمامة»، يناسب جدا الهدف من ورائها. كان هدفهم، باختصار، رسم طريق للتقدم لا يتنكر للتراث، وهى فكرة كنت ولا أزال أتعاطف معها جدا، وعبرت عنها فى أكثر من كتاب ومقال لى، مما جعل صديقى هذا يطلب منى الكتابة فى العدد التالى من المجلة فكتبته بعنوان «لماذا التمسك بالتراث؟»، أو شيئا بهذا المعنى.

لا أظن أن المجلة ظهر لها عدد تالٍ، فالامكانيات المادية كانت محدودة جدا، وكان إصدار مجلة جديدة محفوفا بالكثير من العقبات التى تضعها الدولة حرصا على أمن النظام الحاكم. ولكن مفاجأة سارة أخرى من هذا الصديق كانت فى انتظارى عندما أعطانى نسخة مكتوبة على الآلة الكاتبة لرواية كاملة كتبها وطلب رأيى فيها. جلست لقراءتها فوجدتها غاية فى التشويق والجمال والحساسية، وتعبّر عن فهم عميق لمشكلات مصر وأسبابها الحقيقية، وعن تعاطف صادق مع المظلومين من المصريين.

لم يكن الرجل قد حقق بعد أى شهرة تذكر، ولكن هذه الرواية عندما تم نشرها، جلبت له الشهرة فى مثل لمح البصر، وزادت شهرته حتى طبقت الآفاق عندما أنتجت فى فيلم جميل، ثم عندما ترجمت إلى عدة لغات وبيع منها ملايين من النسخ فى شتى أنحاء العالم.

كان من الطبيعى عندما تشتد حركة المعارضة فى السنتين أو الثلاث السابقة على ثورة يناير، أن يشترك كل من هؤلاء الأطباء العظام، كل بطريقته، فى دعم المعارضين ودفع حركتهم إلى الأمام. ساهم الثلاثة بنشاط فى مظاهرات الاحتجاج، وفى عقد الندوات وكتابة المقالات التى تندد بديكتاتورية النظام وفساده، ومنادين بتغييره، وبإصلاح ما فسد فى هذا الجانب أو ذاك من جوانب الحياة فى مصر ركز أحدهم على إصلاح أحوال الجامعة وأساتذتها، وكتب آخر مقالات بديعة عن المطلوب لإصلاح التعليم فى مصر، وفضح الثالث ما يرتكبه وزير الثقافة من تخريب أحوال الثقافة والمثقفين فى مصر، لتحقيق مصالحه الشخصية. ولم يأنف أحد منهم من الوقوف فى الشارع مع المتظاهرين، وسافر أحدهم مع مجموعة من الأطباء المصريين إلى غزة لعلاج المصابين من اعتداءات الإسرائيليين. وقدم الثلاثة المساعدة لجهود الدكتور محمد البرادعى فى تنظيم حركة شعبية لإسقاط النظام، وإفشال مشروع توريث رئاسة الجمهورية لابن الرئيس. ثم قامت الثورة بالفعل، فكان الثلاثة فى طليعة المتظاهرين والمطالبين بسقوط النظام، وأخذ أحدهم معه، فى بعض هذه المظاهرات، زوجته وبنتيه، معرضا نفسه وأسرته، مثلما تعرض زميلاه للمعاملة الغليظة من رجال الأمن، وللقنابل المسيلة للدموع. واشترك الثلاثة فيما كانت تعقده بعض القنوات التليفزيونية المستقلة من ندوات لتشجيع المزيد من الناس على الانضمام للمظاهرات.

عندما نجحت الثورة ذلك النجاح المبهر فى تنحية رأس النظام، وإفشال مشروع التوريث إلى الأبد، عمت الفرحة قلوب الجميع، وزادت ثقة المصريين بقدرتهم على إنجاز التقدم المنشود فى مختلف ميادين الحياة، وضاعف أطباؤنا الثلاثة العظام من جهودهم فى سبيل إحداث هذا التقدم. ولكن فوجئ الثلاثة كما فوجئنا جميعا بتباطؤ غير متوقع من جانب الممسكين الجدد بالسلطة. فوجئنا أولا بالتباطؤ فى ضرب العاملين على إفساد العلاقة بين المسلمين والأقباط بل وما بدا وكأنه إفساح المجال لبعض كبار المتعصبين الذين يزيدون الفتنة الطائفية اشتعالا. ثم فوجئنا باختيار عدد من المسئولين الكبار الجدد لا يبعثون على الثقة التامة فى تعاطفهم مع الثوار ومطالبهم، مع الابقاء على عدد آخر فى نفس مواقعهم المهمة، ممن لا شك فى انتسابهم للنظام الذى جرى إسقاطه. ثم ظهر أيضا تباطؤ ملحوظ فى تعقب عدد من المسئولين الكبار الذين تمت تنحيتهم، والذين لا شك عند الناس فى ضلوعهم فى الفساد ودعم مشروع التوريث، بل وضلوع بعضهم فى الاعتداء على الثوار اعتداء أدى إلى مقتل كثيرين، وإصابة عدد أكبر فى أعينهم مما أودى ببصرهم، لوحظ تباطؤ شديد فى تعقب هؤلاء بالمحاكمة، فى الوقت الذى اتخذت فيه بعض الإجراءات العنيفة، ضد بعض الثوار الذين عبروا عن استيائهم من هذا التباطؤ، والذين طالبوا بإجراءات أكثر حسما وثورية، سواء فى اختيار المسئولين الجدد، أو فى تعقب كبار المسئولين القدامى، بما فى ذلك الكشف عما سرقوه من أموال البلد وهربوه إلى الخارج.

بدأت السماء تتلبد بالغيوم، وبوادر الشك والاحباط تتسرب إلى النفوس، فإذا بأطبائنا الثلاثة يساهمون بنشاط فى التعبير عما بدأ الناس يشعرون به، ويطالبون بصيانة الثورة من الضياع والحيلولة دون تحول الثورة، إذا استمر الحال على ذلك، إلى مجرد انقلاب، يغير رأس النظام وبعض الأفراد المحيطين به، ولكن تبقى السياسات القديمة كما هى، ويستمر الفساد على ما كان عليه.

فى مشهد تليفزيونى لا ينسى، رأينا أحد هؤلاء الأطباء الثلاثة، ومعه رجلان وطنيان، أحدهما سياسى شهير والآخر إعلامى شهير أيضا، يحاورون أول رئيس للوزراء عيّنه الرئيس المخلوع بعد قيام الثورة، فى محاولة لتهدئة الناس، ثم استمر رئيسا للوزراء لبضعة أسابيع حتى بعد تنحية رئيس الجمهورية. كانت المناقشة عنيفة، وتدور حول تهاون رئيس الوزراء فى تنفيذ طلبات الثوار. كانت ردود رئيس الوزراء تتسم ببعض التعالى وهو يرد على أسئلة الطبيب الحادة والجريئة، فزادت حدة الطبيب وجرأته، حتى ذهل الناس لرؤيتهم طريقة غير مألوفة فى مخاطبة المسئولين الكبار، بينما كان الطبيب يحاول فقط تأكيد حق أى شخص فى قول ما يعتقده فى نقد أى مسئول كبير، مهما كان القول عنيفا، طالما أنه لم يخرج عن حدود الأدب، فى الوقت الذى كان فيه رئيس الوزراء يطالبه بأن يلتزم بالطريقة المستكينة المألوفة فى مخاطبة أى رئيس فى مصر.

استقال رئيس الوزراء بعد ساعات قليلة من انتهاء هذه المناقشة التليفزيونية، وربما كانت هذه المناقشة سببا مهما من أسباب الاستقالة. واختفى رئيس الوزراء من الساحة السياسية تماما، بينما استمر صديقنا الطبيب وزميلاه فى التعبير عن مشاعر الناس إزاء ما يحدث يوما بيوم، وفى تأييد ما يستحق التأييد وفضح ما يجب فضحه.

أحيانا أقول لنفسى: «إذا كانت مصر قادرة على أن تنجب، بين الحين والآخر، رجالا من نوع هؤلاء الأطباء الثلاثة، فما الذى ينقصها لتحقيق ما تطمح إليه؟».