د. جلال أمين

د. جلال أمين
أستاذ الإقتصاد بالجامعة الأمريكية والمفكر المصرى الكبير

الجمعة، 26 أغسطس 2011

ما كل هذا العراك حول الهوية؟

الشروق - الجمعة 26 أغسطس 2011

الشجار محتدم فى مصر، بل هى حرب حامية الوطيس، بين طرفين استبد بكل منهما الغضب على الآخر، ولا يكف عن أن يوجه لهذا الآخر، أعنف أنواع السباب، مقترنا أحيانا بإشعال الحرائق أو الضرب أو القتل.

كلنا نعرف بالضبط من هما طرفا هذا الشجار، ولكن من أصعب الأمور الاتفاق على تسميتهما. فإذا سميت أحدهما بالتيار الدينى، أو المتدينين، ووجهت باعتراض وجيه مداره أنه ليس كل المتدينين بهذا التعصب، بل ليس كل متدين يكره أصحاب الدين الآخر أو يضمر له شرا.

وإذا سميته بالإسلامى ووجهت بنفس الاعتراض «إذ ليس كل المسلمين متطرفين إلى هذا الحد» فضلا عن الاعتراض بأن هذا التشدد ليس مقصورا على دين دون آخر، فهناك من الأقباط من يبدى هذا التشدد ويحمل للطرف الآخر نفس المشاعر العدائية. وإذا سميته أنصار الدولة الدينية، اعترض عليك بأن الإسلام لا يعرف الدولة الدينية، وأن التاريخ الإسلامى لم يعرفها إلا خلال فترة قصيرة بعد ظهور الإسلام، انتهت بانتهاء عصر الخلفاء الراشدين.

كذلك فيما يتعلق بالطرف الآخر فى الخصومة. قد نسميه التيار الداعى للدولة المدنية، ولكن قد يعترض على ذلك بأن وصف الدولة بالمدنية قد لا يعبر عن الموقف الحقيقى لهؤلاء، إذ قد يختلط معنى الدولة المدنية بمعنى المجتمع المدنى.

بل يذهب بعض أنصار الطرف الأول إلى وصف الطرف الآخر بأنهم ينادون بالدولة المدنية ليس إلا حيلة لتجنب وصفهم بالعلمانيين، الذى هو وصفهم الصحيح فى رأيهم، إذ إن وصف العلمانى يثير فى نظر الكثيرين شبهة اتخاذ موقف عدائى من الدين بأسره.

التسمية فى حد ذاتها مشكلة، ولكن مهما اختلفنا فى التسمية فكلنا يعرف أن هناك خصومة حقيقية بين طرفين من حيث موقف كل منهما من علاقة الدين بالسياسة: طرف يدعو إلى أن يكون المرجع فى اتخاذ القرارات السياسية هو الشريعة الإسلامية، وأن يعلن ذلك صراحة، وطرف يدعو إلى تحرر متخذ القرار السياسى من الإعلان المسبق لهذا الالتزام دون أن يمنع ذلك من استلهام مبادئ الشريعة الإسلامية فى اتخاذ القرارات ووضع القوانين.

ما سر هذا الخلاف إذن، وما مغزاه؟
قبل أن نجيب عن هذا السؤال لابد أن نختار اسما مختصرا لكل طرف «رغم صعوبة ذلك كما ذكرت» وليكن اسم «تيار الإسلام السياسى» للطرف الأول، واسم «التيار العلمانى» للطرف الثانى، على أن يكون المفهوم أن المقصود بمضمون الموقفين هو ما ذكرته حالا، لا أكثر ولا أقل. فالذى أقصده بـ«تيار الإسلام السياسى» هو الدعوة إلى الالتزام بالشريعة الإسلامية، ولكن لا يعنى بالضرورة الدعوة إلى فرض الحجاب أو النقاب بالقوة، أو فرض الجزية على الأقباط، إذ إن اتخاذ هذا الموقف أو ذاك من الحجاب أو النقاب أو الجزية يتوقف على نوع تفسيرك للشريعة الإسلامية. والذى أقصده بالتيار العلمانى، هو أن يتحرر راسمو السياسة وواصفو القوانين من إعلان الالتزام بالشريعة الإسلامية، وليس بالضرورة استبعادها أو رفضها ناهيك عن التنكر للدين برمته.

دعنا نتفق أيضا على أنه توجد مساحات شاسعة من ميادين السياسة الخارجية والداخلية، الاقتصادية والاجتماعية، يسهل تصور اتفاق الطرفين عليها، كما أن هناك مساحات شاسعة من هذه الميادين يسهل تصور وجود اختلافات قوية عليها فى داخل كل من هذين التيارين. والأمثلة التى يمكن تقديمها على هذا أو ذاك كثيرة جدا.

فالمنتمى إلى تيار الإسلام السياسى يمكن مثلا أن يدعو إلى التحرر من السيطرة الأمريكية، ومن التبعية عموما لأى قوة خارجية، كما يمكن أن يدعو العلمانى إلى نفس الشىء. هذا يمكن أن يتفقا عليه، كما يمكن أن يتفقا على أن الوحدة العربية، اقتصاديا وسياسيا، فى مصلحة العرب، وأن معاهدة الصلح التى عقدها أنور السادات مع إسرائيل فى 1979 لم تكن فى مصلحة مصر أو العرب، وعلى أن وجود قطاع عام قوى يخدم قضية التنمية، وأن نظام الضرائب التصاعدية مطلوب لتحقيق المزيد من العدالة الاجتماعية.. الخ.

ولكن من الممكن جدا أيضا أن نتصور أن يتفق شخص منتم إلى تيار الإسلام السياسى مع شخص منتم للتيار العلمانى على عكس هذا بالضبط، أى أن يتفقا على أن التحالف مع أمريكا شىء مفيد، أو أن الوحدة السياسية بين الدول العربية تضر بتقدم العرب، أو أن التصالح مع إسرائيل كان مفيدا لمصر والعرب، أو أن تغليب القطاع الخاص على العام أفضل للتنمية.. الخ.

من ناحية أخرى، من الممكن جدا أيضا أن تجد شخصين داخل تيار الإسلام السياسى يتخذان موقفين مختلفين إزاء أى قضية من هذه القضايا، وشخصين داخل التيار العلمانى يختلفان أيضا حول أى قضية منها.

السبب فى إمكانية الاتفاق بين شخصين ينتميان إلى التيارين المتخاصمين، وإمكانية الاختلاف بين شخصين ينتميان لنفس التيار، يرجع فى رأيى إلى أن هناك مسائل كثيرة مما يواجهنا فى العالم المعاصر لم تتخذ الشريعة الإسلامية منها موقفا، أو أن الموقف الذى اتخذته منها يمكن تفسيره وفهمه بأكثر من معنى، ومن ثم يمكن أن يتفق اثنان على تحكيم الشريعة ويختلفان على التفسير والفهم، كما يمكن أن يتفق اثنان ينتمى أحدهما لتيار الإسلام السياسى، والآخر للتيار العلمانى، بسبب لجوء كل منهما إلى استيحاء مبادئ من خارج الشريعة الإسلامية ولكنها لا تتعارض معها، أو بسبب اتفاق التفسير الذى يعطيه أحدهما للشريعة، مع رأى العلمانى.

إننى لا أقول هذا القول جزافا، أو كمجرد تصور نظرى، فالذى نسمعه ونراه بالفعل من أشخاص محترمين ينتمون إلى هذا التيار أو ذاك، يؤيد ما أقول، حيث نرى مواقف متشابهة فى السياسة الخارجية، وفى الموقف من إسرائيل، ومواقف أقرب إلى الاشتراكية، وأخرى إلى الرأسمالية، تصدر من أشخاص ينتمون إلى التيارين المتصارعين، كما نرى اختلافات شديدة فى هذه المسائل وغيرها داخل كل من التيارين.

إذا كان الأمر كذلك، فما أصل الخلاف بين الطرفين إذن؟ ولماذا يصل الخلاف إلى ما نراه من حدة وغضب، بل أحيانا إلى درجة الكراهية؟
إننى لا أجد تفسيرا لهذا الخلاف إلا الخلاف حول موضوع «الهوية». تيار لا يكف عن ترديد أن هويته إسلامية، والآخر لا يفعل ذلك لأحد سببين: إما لأنه ليس مسلما، أو لأنه يخشى أن يؤدى تحديد هوية الدولة على هذا النحو إلى تطبيقات وتفسيرات معينة للشريعة الإسلامية لا يوافق عليها «وإن كان مستعدا لقبول تفسيرات أخرى»، فيما يتعلق بمعاملة أصحاب الأديان الأخرى، مثلا أو بمعاملة المرأة، أو بالعقوبات المفروضة على بعض الجرائم، أو ببعض المعاملات الاقتصادية.. الخ.

أعود فأكرر أن الخلاف بين التيارين ليس فى الحقيقة خلافا حول مواقف معينة من هذه الأمور، إذ إن المنتمين لتيار الإسلام السياسى لا يتفقون دائما على مواقف محددة منها. والمنتمون للتيار العلمانى لا يعرفون، بالتالى، على نحو اليقين، ما سوف يحدث بالضبط إذا استولى تيار الإسلام السياسى على مقاليد الأمور. وإنما الخلاف هو على الإصرار على إعلان هوية معينة من جانب، وخوف من الجانب الآخر مما يمكن أن يعنيه وضع هذا الإعلان عن الهوية موضع التطبيق.

ولنضرب مثالا واحدا من كثير من الأمثلة الممكنة. الإسلام يحرم الربا، هذا لا شك فيه. ولكن ما هو بالضبط الربا المحرم؟ تختلف فى ذلك الآراء. وقد سمعت وقرأت عن مواقف متضادة من بين المنتمين للتيار الإسلامى حول ما إذا كان من المقبول أو غير المقبول دفع البنوك فوائد على القروض، أى حول ما إذا كان دفع هذه الفوائد يعتبر أو لا يعتبر من قبيل الربا. فإذا كان من العلمانيين من يعتقد أن إلغاء الفائدة على قروض البنوك له أضرار اقتصادية تفوق منافعه، فإنه لن يوافق على تحديد معنى الربا بحيث ينطبق التحريم على هذه الفوائد.

ولكن هذا الموقف من جانبه لا يميزه عن جميع المنتمين لتيار الإسلام السياسى بل عن بعضهم فقط. وقل مثل هذا عن احتشام المرأة: ما هى الدرجة المطلوبة فى الاحتشام مما يجوز فرضه بقانون. هل ارتداء الحجاب مع رداء طويل يعتبر احتشاما كافيا، أم لابد من النقاب؟ وكذلك هل يجب تطبيق منع شرب الخمر على المسلمين فقط أم يطبق على غير المسلمين أيضا من الأجانب وغيرهم؟
ليس هناك اتفاق على تفسيرات واحدة من أحد الجانبين، ومن ثم ليس هناك معرفة كاملة لدى الجانب الآخر، بالتفسيرات التى سوف يجرى تطبيقها.

وغياب اليقين على هذا النحو، أو غياب المعرفة الكاملة لدى أصحاب التيار العلمانى بما يمكن أن يسفر عنه انتصار تيار الإسلام السياسى، هو الذى يقود معظم العلمانيين إلى رفض إقحام الدين فى السياسة، أى رفض تبرير السياسة بالدين، وليس رفض الدين نفسه، إذ يرون أن الأفضل أن يجرى اختيار وتبرير أى سياسة ما بناء على المقارنة بين الفوائد والأضرار المحتملة، فى كل حالة على حدة. فلا يكون تبرير تطبيق قاعدة قانونية أو سياسة معنية مستندا إلى نص دينى أو قول مأثور، بل يفسر النص الدينى نفسه، والقول المأثور، طبقا للحكم العقلى وبما تقضى به المصلحة، فى كل ظرف على حدة.

عندما يرفض أصحاب تيار الإسلام السياسى هذا الموقف من جانب العلمانيين، لا يمكن أن يكون أساس هذا الرفض شيئا غير التمسك بالهوية، أى الخوف من أن ينطوى الموقف العلمانى على استهانة بالدين وشريعته، أو عدم تبجيلهما بالدرجة الكافية. لهذا أقول إن أصل الخلاف فى الحقيقة خلاف حول «الهوية»: جانب يؤكد باستمرار على ضرورة إعلان هوية معينة والتمسك بها، وجانب آخر يرى أن احترام الهوية لا يتطلب بالضرورة لا الإعلان المستمر عنها ولا أن تكون هى المقياس الوحيد لتحديد السياسة المثلى.

بهذا فى رأيى يمكن فهم اشتعال المعركة والتهاب العواطف حول المادة الثانية من الدستور التى تقول إن الشريعة الإسلامية هى المصدر الأساسى للتشريع.
أصحاب تيار الإسلام السياسى يصرون بالطبع على بقائها ويحذرون من أى مساس بها، بينما يفضل كثير من العلمانيين صيغة أخرى، كالنص على اعتبار الشريعة الإسلامية «مصدرا أساسيا» بدلا من اعتبارها «المصدر الأساسى» للتشريع، أو أن تضاف عبارة أو عبارات أخرى إلى النص القائم حاليا، تمنع تفسير هذه المادة تفسيرا ينطوى على عدم رعاية أصحاب الديانات الأخرى رعاية كافية. كثير من العلمانيين عبَّروا، بصدق فى رأيى، عن تفضيلهم ترك المادة الثانية على ما هى عليه، خوفا من أن يؤدى أى تغيير فيها مهما كان طفيفا، إلى إثارة فتنة نحن فى غنى عنها.

ولكن اختلاف موقف التيارين من هذه المادة هو اختلاف حقيقى ولا يجب إنكاره، وهو اختلاف يصب فى رأيى فى موضوع «الهوية».

إذا كان الأمر كذلك، فإن لنا أن نتساءل: هل يجوز أن يكون الخلاف حول «تحديد الهوية»، هو شاغلنا الأساسى الآن، فى خضم المشكلات العويصة التى نواجهها، والمتاعب والمصاعب التى يمر بها الوطن مثل الاعتداء الإسرائيلى الأخير؟ إن الصورة تبدو مؤسفة للغاية، وهى تشبه فى رأيى صورة رجلين اشتبكا فى مشاجرة عنيفة، وتبادلا السباب والضرب، وهما فى أقصى درجات الغضب والهياج، بينما يشتعل حريق فى المنزل الذى يشترك الاثنان فى سكناه، وذلك لمجرد أن أحد الرجلين تفوه بعبارة فهمها الآخر بأنها لا تحمل احتراما كافيا له، فإذا بهما يتركان الحريق وينشغلان بتبادل الاتهامات والإهانات؟
إننى لا أخفى على القارئ أننى عندما أرى سير الجدل «بل العراك»، بين أصحاب تيار الإسلام السياسى والتيار العلمانى، تطوف بذهنى أحيانا صورة إسرائيلى يتابع ما يحدث عندنا يوما بيوم، ويقرأ ما يكتبه أنصار كل من التيارين عن أنصار التيار الآخر، ويقرأ النقاش الدائر حول ما إذا كانت هناك نية مبيتة لإلغاء المادة الثانية من الدستور أو الإبقاء عليها كما هى، أو إدخال بعض التعديلات عليها، أو حول ما إذا كانت الشريعة الإسلامية يجب أن توصف بأنها المصدر الأساسى للتشريع، أو يكفى أن توصف بأنها مصدر أساسى له، على الرغم من أن إلغاء حرفى الألف واللام، أو الإبقاء عليهما، لن يؤثرا قيد أنملة على اتخاذ الموقف الوطنى السليم من أى مشكلة مهمة من المشاكل التى تواجههنا، فلن يؤثر مثلا عما إذا كنا يجب أن نبقى ملتزمين بقواعد معاهدة كامب ديفيد أو أن نحاول إلغاءها أو تعديلها.

أقول لنفسى حينئذ: ما عسى أن يقوله هذا الإسرائيلى لنفسه وهو يتابع هذا العراك؟ وأى فرح غامر لابد أن يملأ قلبه كلما قرأ عنه أو سمع به؟ وأى نهاية مأساوية يمكن أن يئول إليها حالنا إذا لم نتوقف عن مثل هذا الجدل، ولم نلتفت إلى أمور أكثر نفعا، فنتناقش بدلا من ذلك حول الموقف المحدد المطلوب فى كل قضية على حدة؟

الجمعة، 19 أغسطس 2011

العدالة الاجتماعية .. هدف حقيقى أم سراب؟

الشروق - الجمعة 19 أغسطس 2011

 الكلام عن العدالة الاجتماعية فى مصر كثير جدا، منذ قامت ثورة 25 يناير، ولكن ما يمكن عمله لتحقيقها قليل، ما لم تتغير أمور مهمة وصعبة للغاية.
لهذا السبب أعتقد أن كثيرين ممن يعدون بتحقيق العدالة الاجتماعية، أو حتى بالسير فى طريقها، لا يعنون حقا ما يقولون، إذ إن معظمهم يدركون مثلى، أن لتحقيق العدالة الاجتماعية فى مصر شروطا مهمة لم تتحقق، ولا يبدو فى الأفق أنها سهلة التحقيق. ولهذا أيضا أعتقد أن من الأجدى للمؤمنين حقا بضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية، أن يعملوا على تحقيق شروطها أولا.
لكى أدلل على صحة هذا الرأى، من المفيد أن نعود قليلا للتاريخ.

●●●

مشكلة العدالة الاجتماعية فى مصر قديمة جدا، لا شك فى أنها تعود إلى ما قبل التاريخ. ولكن مصر شهدت عهودا أفضل من غيرها فى تحقيق العدالة. وفى التاريخ القريب يمكن القول إن مشكلة العدالة الاجتماعية عمرها لا يزيد على أربعين عاما. لقد عمل جمال عبدالناصر على حلها، وحقق فى ذلك نجاحا باهرا، وتجاهلها أنور السادات، ولكن ساعده الحظ بأن حدث فى عهده ما خفف من وطأتها على الناس، أما حسنى مبارك فقد تجاهلها هو الآخر وحالفه سوء الحظ فى نفس الوقت، فتفاقمت مشكلة العدالة الاجتماعية (أو بالأحرى الظلم الاجتماعى) إلى أن وصلت إلى ما نحن فيه الآن.

لقد تسلم عبدالناصر الحكم ومصر تعانى من ظلم اجتماعى فادح، لم يكن يخفف من وطأته إلا أن 80٪ من السكان لم يعرفوا أو يسمعوا، لا هم ولا أجدادهم، عن شىء أفضل مما كانوا فيه. ولكن عبدالناصر استجاب لمشاعر طبقة متوسطة مستنيرة كانت تعرف واجبها نحو الغالبية العظمى المحرومة من الشعب، كما استجاب لظروف دولية كانت فكرة العدالة الاجتماعية فيها، حية وقوية، وتسعى مختلف الحكومات إلى تطبيقها، بدرجات وأشكال مختلفة.
فعل عبدالناصر خمسة أشياء فى سبيل تحقيق العدالة الاجتماعية أثمرت ثمارا طيبة للغاية، فإذا بالنظام الاجتماعى والاقتصادى فى نهاية عهده أكثر عدالة بكثير مما كان فى بدايته، والتعاون فى الدخول والثروة أقل بكثير مما كان، والتوتر الاجتماعى بسبب غياب العدالة أخف بكثير مما كان قبل 1952 ومما هو الآن. فماذا صنع عبدالناصر؟

أولا: قانون الإصلاح الزراعى، الذى كان ثوريا منذ بدايته، وزادت ثوريته بتعديله مرتين، فى كل مرة يخفض فيها الحد الأقصى للملكية الزراعية المسموح بها، مع إعادة توزيع الأراضى المستولى عليها من الدولة على المعدمين أو شبه المعدمين من الفلاحين، مع فرض حد أقصى للإيجارات الزراعية.

ثانيا: التأميمات الشاملة للملكيات الصناعية والتجارية، التى اقترنت، فضلا عن نقل الملكيات الكبيرة فى الصناعة والتجارة إلى الدولة، بوضع حد أدنى للأجور، وإشراك العمال فى مجالس الإدارة والأرباح.

ثالثا: تعديل نظام الضرائب تعديلا جذريا جعله أكثر تصاعدية بكثير، ووضع حد أقصى للدخل والرواتب الحكومية.

رابعا: تحمل الدولة مسئوليات كبيرة فى توفير السلع والخدمات الأساسية للجميع، بدعم السلع الضرورية، وتوفير الخدمات الأساسية فى التعليم والصحة والمسكن، بأسعار زهيدة أو بالمجان.

خامسا: تخفيض البطالة إلى أقل مستوى ممكن إذ ساعدت إعادة توزيع الأراضى الزراعية على تخفيض البطالة فى الريف، واستوعبت المشروعات الاستثمارية الكبيرة فى الزراعة والصناعة، أعدادا كبيرة من المتبطلين والمنضمين إلى سوق العمل، وضمنت الحكومة توظيف جميع الخريجين الجدد من الجامعات والمعاهد العليا.

لم تكن كل هذه الإجراءات ممكنة، بل ولا يمكن تصورها، إلا فى وجود دولة قوية، تصدر القوانين لكى تطبق لا لتخرق، وقادرة على الاستيلاء على الأراضى الزراعية بالقوة وضرب الاقطاعيين المتمردين إذا لزم الأمر، وقادرة على تنفيذ تجديد عقود الإيجار للفلاحين ضد رغبة الملاك، وعلى حدى الرأسماليين الأجانب والمصريين، فتقوم بتأميم ممر مائى يهم العالم كله، كقناة السويس، وتهيئ له من يديره بنجاح، وترفض تهديدات أكبر دول العالم بالحرب انتقاما من هذا التأميم، وقادرة أيضا على تأميم جميع البنوك الأجنبية، وشركات مصرية كبيرة يملكها رجال كان لهم فى يوم من الأيام سيطرة على الملك نفسه وحاشيته. دولة قادرة على تحصيل الضرائب مهما كانت مرتفعة، ومعاقبة المتهربين والموظفين المرتشين عقابا حقيقيا لا وهميا، وقادرة على وضع وتنفيذ خطط اقتصادية طموح تشمل بناء المصانع والمدارس والمستشفيات والمساكن للفقراء، وتهيئ فرص العمل لمن يطلبه.

استطاعت الدولة المصرية أن تفعل كل هذا فى الخمسينيات والستينيات، ونجحت فيه نجاحا باهرا، ثم تقاعست عنه تقاعسا مزريا ابتداء من السبعينيات وحتى الآن، وإن لم ينقطع الكلام طوال هذا الوقت عن العدالة الاجتماعية ورعاية ذوى الدخل المحدود.. إلخ فلما قامت ثورة 25 يناير 2011، تجددت الآمال فى الإصلاح، وصدرت تصريحات متكررة عن العزم على تحقيق العدالة الاجتماعية، وعلى فرض حد أدنى وحد أقصى للأجور والدخول، وعلى جعل الضرائب أكثر تصاعدية مما هى، وعلى مواجهة مشكلة البطالة بتشجيع المشروعات الصغيرة.. إلخ.
الكلام كثير جدا ولكن الثقة بوضعه موضع التنفيذ قليلة جدا، ولأسباب مفهومة تماما. ليس هناك أى بوادر حتى الآن على وجود دولة قوية تتوافر فيها كل الصفات الضرورية التى ذكرتها، وتؤهلها للتصدى جديا لتحقيق العدالة الاجتماعية. لا يبدو على الدولة أن لديها القدرة على التصدى لأصحاب المصالح المضادة لمصالح الفقراء، فى الريف أو الحضر، وسواء كان أصحاب رءوس الأموال من المصريين أو الأجانب. ولا تبدو عليها القدرة على تنفيذ قانون جديد للضرائب (ولا حتى على تطبيق قوانين الضرائب القائمة بالفعل) أو أن لديها القوة اللازمة لمعاقبة المتهربين من الضريبة والمرتشين من الموظفين، ولم يصدر عنها أى تعبير عن النية فى وضع خطط اقتصادية طموح أو غير طموح، أو فى التصدى الجرىء لمشكلات التعليم والصحة والإسكان. إنها تبدو غير قادرة على توفير الأمن فى الشارع، ولا على عزل عميد فاسد فى إحدى الجامعات، أو إحلال محافظ صالح محل محافظ فاسد.. إلخ فكيف نثق بالوعد بتحقيق عدالة اجتماعية؟

قد يقال إن الدولة تمر الآن بظروف مؤقتة، ينحصر الهدف فيها فى إجراء انتخابات نزيهة، على أن يقوم الحزب الفائز، من بين الأحزاب المتنافسة، بعمل اللازم لتحقيق العدالة وغيرها من الأهداف، ولكنى أجد فى تصريحات المسئولين، حتى فى هذه الظروف المؤقتة، ما يعد بالسير فى تحقيق العدالة الاجتماعية منذ الآن، وفى المقابل لا أجد بين البرامج التى تطرحها الأحزاب المتنافسة ما يطمئن على توافر الشروط التى سبق ذكرها. فالبرامج المطرومة حتى الآن تتسم بدرجة عالية من العمومية والغموض، وتكتفى بشعارات عامة يمكن أن تفسر تفسيرات متباينة أشد التباين، فيما يتعلق بالعدالة الاجتماعية وغيرها (إذ يبدو أن الصراع بين أنصار الدولة المدنية والدولة الدينية مثلا قد ألهى الجميع عن التفكير فيما يجب على الدولة المدنية أو الدينية أن تصنفه عندما تتسلم الحكم).
خذ مثلا مسألة الضرائب التصاعدية. من المؤكد أنه فى أى سياسة تستهدف تحقيق درجة معقولة من العدالة الاجتماعية يجب أن تتسم أسعار الضرائب بدرجة معقولة من التصاعدية، فلا يجوز أن تطبق سعرا واحدا للضريبة على الغنى غنى فاحشا وعلى متوسطى الدخل، ولكن من المؤكد أيضا أن الدولة التى تعتمد اعتمادا أساسيا على القطاع الخاص، وطنيا وأجنبيا، لابد أن تراعى منتهى الحذر فى زيادة عبء الضريبة عن حد معين بسبب تأثيرها على الاستثمارات المدفوعة بحافز تحقيق أقصى ربح، ناهيك عن الحذر الواجب فى ظروف اقتصادية وأمنية صعبة مثل التى تمر بها مصر الآن، وظروف أزمة عالمية يصنف فيها بشدة الدافع إلى الاستثمار مع أو بدون ضرائب تصاعدية. إن مجرد الكلام الآن عن ضرورة الضرائب التصاعدية قد يكون بعيدا عن الحكمة، قبل أن تتجاوز مصر هذه الظروف الصعبة، وتنقشع الأزمة العالمية.

ولكن حتى لو افترضنا ظروفا عادية، فى مصر والعالم، إلى أى حد يمكن الجمع بين تنمية اقتصادية سريعة بالاعتماد على الاستثمارات الخاصة، من الداخل أو الخارج، وبين نظام ضريبى يستهدف تحقيق أكبر قدر من العدالة الاجتماعية. إن تجارب التنمية الاقتصادية السريعة فى العالم، فى الماضى والحاضر، تؤدى بنا إلى القول باستحالة هذا الجمع، فتاريخ التنمية السريعة يعطينا أمثلة إما على دولة تعتمد اعتماما أساسيا على القطاع الخاص وتهمل اعتبارات العدالة، أو دول تعتمد اعتمادا كبيرا على القطاع العام وتعطى دورا كبيرا للدولة فى الاقتصاد، وتحقق فى نفس الوقت درجة عالية من العدالة، من الممكن بالطبع تجنب التطرف فى أى من الاتجاهين، ولكن الاتجاه الذى ساد فى مصر طوال الأربعين عاما الماضية، من تضاؤل الاستثمار الحكومى، والتهاون فى حماية القطاع العام، والاستعداد للتخلص من الملكية العامة بمبرر ودون مبرر، والمبالغة فى تدليل المستثمر الأجنبى، كل هذا كان يجعل تطبيق «نظام ضريبى عادل» أضغاث أحلام. ويترتب على ذلك أن أى كلام اليوم أو غدا عن زيادة درجة التصاعدية فى الضرائب، دون تعديل فى السياسات الأخرى التى تنطوى على اعتبار القطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية المحرك الأساسى للتنمية، ولا تتيح للدولة دورا كبيرا فى الاقتصاد، لا يمكن اعتباره أكثر من سراب.

مثال آخر يتعلق بفرض حد أدنى وحد أعلى للأجور والدخل، لنفرض أن الحكومة قامت الآن بفرض حد أدنى للأجور تعتبر أنه يضمن مستوى معقولا من المعيشة. فهل يا ترى سيتم تطبيقه على الحكومة والقطاع العام فقط أم على القطاع الخاص أيضا، الوطنى والأجنبى؟ إن المفترض أن مستوى الأجور، سواء فى حدها الأدنى أو الأقصى، يتحدد فى الأحوال العادية بظروف العرض والطلب، وأن تدنى الحد الأدنى للأجور، فى كلا القطاعين الخاص والعام فى مصر، يعود إلى حد كبير إلى وفرة العمالة الرخيصة وشيوع البطالة. فكيف نضمن تنفيذ فرض هذا الحد الأدنى الجديد على القطاع الخاص عندما توجد أعداد غفيرة من البشر، مستعدين لقبول أجر أقل من الحد الأدنى المفروض بقانون؟ إن هذا السبب (شيوع البطالة) هو بالضبط ما جعل محاولة حكومة الثورة فى 1952، أن تفرض حدا أدنى للأجر الزراعى، تذهب سدى، رغم النجاح فى تطبيق المواد الأخرى عن قانون الإصلاح الزراعى ولم يبدأ الأجر الزراعى فى الارتفاع فى الواقع إلا بعد نجاح مجهودات الحكومة فى التصنيع وبناء السد العالى. ولكن إذا افترضنا أن استطاعت الحكومة الآن (رغم ضعفها) فرض الحد الأدنى للأجور على القطاع الخاص، فكيف نتجنب نتائج وخيمة من حيث انخفاض مستوى الاستثمار والتنمية فى وقت تخلت فيه الدولة عن مسئوليتها فى زيادة الاستثمار، تاركة الأمر كله (أو تقريبا كله) للقطاع الخاص؟ أما إذا اكتفت الحكومة بتطبيق الحد الأدنى للأجور على القطاع العام والحكومة. فكيف تضمن الحكومة ألا يؤدى ارتفاع معدل التضخم (المرتفع أصلا) إلى ضياع معظم النفع الذى يعود على صغار الموظفين من فرض الحد الأدنى؟ فإذا زاد معدل التضخم نتيجة لفرض الحد الأدنى، فهل ستظل الحكومة ترفع الحد الأدنى كلما زاد معدل التضخم؟
أما الحد الأقصى للأجور، فكيف نمنع الأثر السيئ الذى يمكن أن يؤدى إليه تطبيقه على القطاع الخاص (إذا فرض واستطاعت الحكومة فرضه عليه) من حيث عجزه عن إغراء أصحاب الكفاءات النادرة من المصريين والأجانب؟ وأما تطبيقه على القطاع العام وحده، فسوف يزيد من ضعف قدرة هذا القطاع على منافسة القطاع الخاص، بتقديمه إغراء العاملين فى القطاع العام بتركه إلى العمل فى المشروعات الخاصة.

●●●

أو فلنأخذ مسألة انخفاض وثبات المعلمين وسوء أحوالهم، بالرغم من ضخامة المسئولية الملقاة على عاتقهم. لقد لجأ المعلمون فى ظل تجاهل الدولة لمشكلتهم، عقودا طويلة، إلى حلها عن طريق إعطاء دروس خصوصية، ولو على حساب مستوى ما يعطونه فى المدارس لبقية التلاميذ. فإذا بمحاولة المعلمين حل مشكلة العدالة الاجتماعية عن طريق تقليل الفجوة بين مستوى معيشتهم ومستوى بقية المهنيين، عن طريق الدروس الخصوصية، تتم على حساب تفاقم مشكلة العدالة الاجتماعية فى جانب آخر، هو جانب أسر التلاميذ غير القادرة على تكاليف الدروس الخصوصية الباهظة ــ كيف يمكن للدولة التعامل مع هذه المشكلة؟ هل تحل مشكلة المعلمين بزيادة رواتبهم مع تحريم الدروس الخصوصية؟ وكيف يتم ذلك بعد عشرات السنين من ترسخ «مؤسسة« الدروس الخصوصية، واعتياد المعلمين تحديد مستوى استهلاكهم ونمط معيشتهم على أساس ما يتقاضونه منها؟ وكيف يتم ذلك على يد دولة لا تستطيع حتى تطبيق قواعد المرور فى الشارع؟ وفى ظل ارتفاع مستمر فى معدل التضخم، كيف نضمن ألا تعود ظاهرة الدروس الخصوصية من جديد حتى بفرض ربط رواتب المعلمين بمستوى الأسعار؟

●●●

إننى لا أقول كل هذا لإشاعة اليأس من إمكانية تحقيق قدر أكبر بكثير من العدالة الاجتماعية، من القدر القائم الآن، بل للتأكيد على أن العدالة الاجتماعية قضية أخطر من أن تحل بقانون منفرد، أو بإجراءات قليلة، أو بتعديلات فى الميزانية، بينما تترك السياسة العامة للدولة كما هى، وأنها قضية أخطر من أن تحلها وزارة واحدة تسمى وزارة العدالة الاجتماعية أو الوزارة المسئولة عن الضرائب ووضع الميزانية أو أى وزارة أخرى. العدالة الاجتماعية تتعلق بالفلسفة العامة للدولة، وسياستها الاقتصادية العامة، وكلاهما يتعلقان بالموقف الأخلاقى للدولة من قضية الغنى والفقر، ونمط التنمية المطلوب ونوع النهضة المنشودة. وهذه أمور تتطلب حكومة متجانسة فى ميول وزارائها وكبار مسئوليها، إذ لابد أن يتعاون الجميع لتنفيذ السياسة العامة، ومن ثم يجب أن يتبنى الجميع نفس الفلسفة العامة للدولة. لا يمكن فى رأيى الاستمرار فى عقد الآمال على قدرة ثورة يناير 2011 على تحقيق العدالة الاجتماعية إلا بتحقيق هذا الشرط، وبدونه لابد أن نستمر فى التعامل مع التصريحات المتكررة عن قرب تحقيق العدالة الاجتماعية على أنها مجرد كلام المقصود منه كسب الوقت وإلهاء الرأى العام.

الجمعة، 12 أغسطس 2011

الثورة المصرية ومشكلة التبعية

الشروق - الجمعة 12 أغسطس 2011

ما فائدة ثورة يناير إذا لم تمكنا من التخلص من التبعية؟ إن مساوئ نظام حسنى مبارك كثيرة، ويصعب حصرها، ولكن من أسوأها بلا شك، إن لم يكن أسوأها على الإطلاق، ضعفه المذهل أمام الإدارة الأمريكية، واستعداده الدائم للانصياع لها، ومن ثم لما تريده إسرائيل أيضا.

نعم، لقد بدأت هذه التبعية فى عهد أنور السادات، واستمرت حتى مقتله فى 1981، ولكن حسنى مبارك ورجاله لم يحيدوا قيد أنملة عن طريق التبعية الذى شقه السادات، سواء فى السياسة الاقتصادية، أو السياسة العربية، أو فى الموقف من إسرائيل، أو من مختلف القضايا الدولية التى تبدى الولايات المتحدة أى اهتمام بها.

فى عهد حسنى مبارك تنازلت مصر عن زعامتها للبلاد العربية، وعن الولاء للقضايا العربية، لأن هذا هو ما ترغب فيه الولايات المتحدة وإسرائيل، وتنازلت عن حماية القطاع العام والاقتصاد الوطنى، وفتحت الأبواب بلا ضابط لاستيراد السلع ورءوس الأموال الأجنبية، مهما كانت الأضرار التى يمكن أن تلحق بالصناعة الوطنية، وبالاستثمار الوطنى، التى تهدد تحقيق حد أدنى من الاكتفاء الذاتى الضرورى فى سلع أساسية كالقمح، ومن ثم سمحت للولايات المتحدة باستخدام حاجتنا إلى القمح كوسيلة للضغط علينا لتنفيذ أغراضها الاقتصادية والسياسية فى المنطقة.

كما أبدى نظام حسنى مبارك استكانة مهينة أمام توجيهات صندوق النقد الدولى إلى حد اختيار رؤساء الوزراء والوزراء المسئولين عن الاقتصاد، أو عزلهم، طبقا لرضا أو سخط صندوق النقد والإدارة الأمريكية عنهم.

وسمح لهيئات أجنبية، كهيئة المعونة الأمريكية والبنك الدولى، بالتدخل فى شئون التعليم المصرى تحت شعار مزيف هو «إصلاح التعليم»، بما فى ذلك التدخل فى مقررات مؤسسة عريقة كالأزهر.

والحقيقة أن المطلوب لم يكن إلا العمل على تغيير العقلية المصرية فى اتجاه قبول المشروع الصهيونى، وأسوأ ما فى الحضارة الغربية، ولو تطلب ذلك إضعاف الولاء للغة العربية والهبوط بمستوى تعليمها، وتزييف التاريخ من أجل إضعاف الهوية الوطنية، وإضعاف الولاء للقومية العربية.

سارت السياسة الخارجية المصرية أيضا خطوة بخطوة طبقا لأهواء السياسة الأمريكية، فصادقت مصر من صادقه الأمريكيون وعادت من عادوهم. هكذا تقلب الموقف المصرى من ليبيا والعراق والسودان طبقا لتقلبات السياسية الأمريكية. فمصر تصادق صدام حسين وجعفر النميرى ومعمر القذافى طالما ظلت الولايات المتحدة راضية عنهم، ثم تنقلب ضدهم بمجرد انقلاب الولايات المتحدة ضدهم. وتحدد مصر موقفها من الاعتداء العراقى على الكويت طبقا لما تمليه الإدارة الأمريكية، بل وتشترك فى الاعتداء العسكرى الأمريكى على العراق لإضفاء بعض الشرعية على هذا الاعتداء.

وتتوتر العلاقة المصرية السورية عندما تتوتر علاقة أمريكا بسوريا، وتعادى مصر النظام الإيرانى بنفس الدرجة بالضبط التى تبديها الولايات المتحدة، فالهجوم يشتد على إيران عندما تقرر أمريكا أن تزيد درجة الضغط عليها، ثم تخف حدة الهجوم المصرى إذا أرادت أمريكا أن تجرب سياسة المهادنة.

ثم تعامل مصر ببرود مذهل دولا فى أمريكا اللاتينية كانت ترغب فى مد يد الصداقة لها، وتفيد مصر إفادة بالغة، سياسيا واقتصاديا لو صادقتها، لمجرد أن الولايات المتحدة لا تنظر إلى هذه الدول بعين العطف، لأنها تتخذ سياسات مستقلة ووطنية.

هكذا كانت مصر عندما قامت ثورة 25 يناير 2011، فنجحت نجاحا باهرا فى إشاعة شعور رائع باسترداد الكرامة، والقدرة على تحقيق آمال المصريين. فهل هناك أمل أعز من استرداد إرادتها ضد أى ضغط خارجى؟ أى أعز من التخلص من قيود التبعية؟

●●●

كلما عبرت عن هذا الرأى الذى يعلق أهمية كبرى على ما يمارس على مصر من ضغوط خارجية من القوى الكبرى، وجدت من يقول لى إنى أهمل مسئوليتنا نحن عما نحن فيه، وأن من السهل جدا أن يلقى المرء بالمسئولية على غيره فيتنصل من أخطائه. وأنا على استعداد للإقرار بأنه مهما كانت مسئولية العوامل الخارجية كبيرة، فالطرف الأضعف يتحمل أيضا جزءا من المسئولية عن ضعفه. وقد قيل مرة بحق إن السكّير لا يصح أن يلقى بالمسئولية عن إدمانه الخمر على صاحب الحانة. وكذلك الدولة التابعة التى تستكين للضغوط الخارجية، لابد أن تتحمل جزءا صغيرا أو كبيرا من المسئولية. وقد أصاب أيضا أحد الكتّاب عندما صك تعبير «القابلية للاستعمار» لوصف حالة مثل حالة هذه الدولة، قاصدا أوجه الضعف الداخلية التى تشجع القناص على اقتناص فريسته.

كل هذا صحيح، وهو يحذرنا من التسرع فى إلقاء المسئولية على الغير، ومن التعميم على جميع حالات السيطرة والاستغلال والاستعمار بدلا من بحث كل حالة على حدة. ولكن قراءة التاريخ المصرى تجعلنى أميل إلى التأكيد على أهمية العوامل الخارجية، لظروف تتعلق بمصر بالذات، أكثر مما تتعلق بغيرها. بل وأجد من السهل تفسير كثير من أوجه ضعفنا الداخلية ذاتها، بما تعرضت له مصر من عدوان خارجى.

إلى لا أجد أى سبب للاعتقاد بأن المصرى أقل ذكاء من أمم خرجت أو كادت تخرج من محنتها فى العقود الأخيرة، ولا أقل شجاعة أو همة أو حيوية. وما أكثر أن قام المصريون بانتفاضات وهبات ومحاولات النهضة، فتعرضوا دائما لردود فعل قوية من الخارج لوأدها. وعندما شرعت منذ ثلاثين عاما فى دراسة تطور العلاقة بين مصر وبقية دول المشرق العربى وبين الغرب «أسفرت عن كتاب بعنوان المشرق العربى والغرب، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1980» وجدت أمثلة كثيرة على محاولات مبهرة للنهضة فى بلد عربى بعد آخر، منذ أواخر القرن الثامن عشر، وأدها جميعا تدخل دولة أو أخرى من الدول الاستعمارية، من الحركة الوهابية فى الجزيرة العربية، التى كانت فى بدايتها غير ما تطورت إليه فيما بعد، إلى حركة محمد على فى مصر وسوريا والسودان، إلى حركة الأمير بشير فى لبنان، إلى إصلاحات داود باشا «حليف محمد على» فى العراق، إلى الحركة السنوسية فى ليبيا «التى امتدت إلى بلاد عربية أخرى»، إلى الحركة المهدية فى السودان.. إلخ كلها ضربت بقسوة من دول الاستعمار الغربى. واستمر الضرب والاعتداء خلال القرن العشرين، حتى ضربت تجربة جمال عبدالناصر فى مصر ومحاولته لإحياء القومية العربية، باعتداء 1967.


●●●

عندما تقوم ثورة جديدة مبهرة فى مصر فى يناير 2011 لا أستطيع إذن أن أتجاهل موقف القوى الخارجية منها، وأن أستغرق فى تفسير ما يجرى فى مصر بعوامل ودوافع داخلية بحتة، فليس هذا هو ما نتعلمه من التاريخ، ومن التاريخ المصرى بالذات. وقد تعرضت فى مقال سابق «بجريدة الشروق» لما يمكن أن يكون عليه موقف الولايات المتحدة من هذه الثورة المصرية، باعتبار أن علاقة مصر بالولايات المتحدة استمرت لمدة أطول من ثلث قرن علاقة التابع بالمتبوع، وكانت النتائج سيئة للغاية، فى مختلف المجالات، الاقتصاد والسياسة العربية والخارجية، والأحوال الاجتماعية، والتعليم.. إلخ، كما حاولت أن أبين فى بداية هذا المقال.

إن الذى حدث فى يناير وفبراير 2011 أعطانا أسبابا قوية للتفاؤل، ومازلت أعتقد أنه مهما أصاب هذه الثورة من نكسات، فإن الآتى لا يمكن أن يكون أسوأ من الماضى، إذ كانت الثلاثون عاما الماضية، فى رأيى، من السوء بحيث يصعب جدا أن نتصور ما هو أسوأ منها.

ولكن طموحاتنا وآمالنا يجب بالطبع أن تذهب إلى أبعد من هذا، ولا يمكن أن نقنع بأن يكون مستقبلنا أفضل بعض الشىء مما كنا فيه، ونحن نعرف أن تحقيق هذه الطموحات والآمال مرهون قبل كل شىء بالخلاص من التبعية. فما هى فرصتنا الحقيقية فى تحقيق هذا الخلاص؟

●●●

سوف أسمح لنفسى بأن أشرح للقارئ أسباب تفاؤلى فى هذا الأمر أيضا، أى أسباب اعتقادى بأن هناك من التغييرات التى تحدث الآن فى العالم مما يعطى لدولة كمصر، «وأمة كالعرب» فرصة لمحاولة النهوض من جديد، بل ولإحراز نجاح فى ذلك أكبر من أى نجاح سبق لنا تحقيقه.

إن قراءة التاريخ المصرى خلال القرنين الماضيين تؤدى بنا إلى النتيجة الآتية: إن أفضل الفترات التى مر بها المصريون من حيث تحقيق «أو على الأقل الشروع فى تحقيق» نهضة حقيقية فى مختلف المجالات، كانت هى الفترات التى تمتعت فيها مصر بدرجة من حرية الحركة إزاء القوى الخارجية، وأن هذه الحرية فى الحركة كانت تتوافر عندما تسود العلاقات الدولية درجة من التوازن تمنع إحدى القوى من الانفراد بفرض إرادتها على الدول الأصغر والأضعف، كانت أفضل فترات التاريخ المصرى، فى رأيى، من هذه الزاوية، هى فترة حكم محمد على، استثناء السنوات العشر الأخيرة من حكمه، وفترة حكم جمال عبدالناصر، باستثناء السنوات الثلاث الأخيرة من حكمه. أدى توازن القوى الدولية فى عهد محمد على إلى شل يد كل من انجلترا وفرنسا عن التصرف فى مصر، كما أدى توازن القوى فى عهد عبدالناصر إلى تقييد حركة كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتى إزاء مصر، فانطلق محمد على كما انطلق عبدالناصر لعمل اللازم لبناء نهضة مصرية، فشيد كل منهما ما لانزال نجنى ثماره حتى اليوم، رغم انقضاء نحو نصف قرن على انتهاء تجربة عبدالناصر، وأكثر من قرن ونصف القرن على انتهاء عهد محمد على، وعلى الرغم من كل ما حدث بعد سقوط كل منهما من نكسات وما فرض على مصر بعد كل منهما من تبعية.

إن هناك من الدلائل القوية ما يشير إلى أن عهدا جديدا قد بدأ بالفعل فى العالم، من حيث أفول نجم القطب الواحد المسيطر على العالم «الولايات المتحدة» وصعود عدة نجوم أخرى فى مناطق مختلفة من العالم «فى شرق وجنوب آسيا، وفى أوروبا، وفى أمريكا اللاتينية، بل وفى الشرق الأوسط أيضا»، تنمو قوتها بسرعة، بل وبدأت بالفعل فى شل يد الولايات المتحدة عن الحركة. لا يكفى أن تكون للولايات أكبر قوة اقتصادية وعسكرية فى العالم، كما هى بالفعل اليوم، بل الأهم هو ما طرأ ويطرأ من تغيير على القوة النسبية فى كلا الأمرين، وهو تغيير يجرى بسرعة لغير صالح الولايات المتحدة، مما يضعف بشدة من قدرتها على المساومة، ناهيك عن فرض إرادتها المنفردة.

الدلائل كثيرة «خاصة بعد حدوث الأزمة المالية والاقتصادية فى سنة 2008 التى مازالت مستمرة، بل وحد فى الأسابيع القليلة الماضية ما يضفى عليها خطورة أكبر» على حاجة الولايات المتحدة الشديدة إلى أن تتخذ الصين والهند وأوروبا سياسات اقتصادية تخفف من حدة الأزمة فى الولايات المتحدة. وفى مثل هذه الظروف تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى قبول تطورات اقتصادية وسياسية ما كانت لتقبلها من قبل.
فى مثل هذه الظروف يمكن أن تفهم مثلا الصعود السريع لقوة دولة كتركيا فى الشرق الأوسط، أو البرازيل فى أمريكا اللاتينة، واتخاذ كل منهما مواقف سياسية واقتصادية لا ترضى عنها الولايات المتحدة.

بل ونفهم قدرة إيران على الاستمرار فى تحدى الإرادة الأمريكية، بل وأيضا أن نفهم الفشل الذريع للسياسة الأمريكية فى العراق، وعجزها عن الخروج من ورطتها فى أفغانستان.

فى ظروف جديدة كهذه، هل يستحيل على مصر أن تعود للوقوف على قدميها، وتنفض عن نفسها تراب التبعية، وتشرع فى بناء نهضة جديدة، بل وفى قيادة نهضة جديدة للعرب جميعا؟ أعتقد أن الظروف الدولية تنبئ ببزوغ عصر جديد ملائم تماما لنهضة مصرية، وملائم أيضا لنهضة مماثلة فى بلاد عربية أخرى، وفى دول أخرى فى أفريقيا وآسيا، مثلما حدث من قبل فى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى.

قد يقال: ولكن من أين لنا زعيم مثل أردوغان الذى حظيت به تركيا، أو مثل لولا دا سيلفا الذى حظيت به البرازيل، ولا يمكن قيام نهضة والتخلص من التبعية إلا إذا توافر للأمة زعيم وطنى قوى، يستطيع أن يلهم شعبه ويقوده فى طريق النهضة.

ولكنى أعتقد أن العلاقة بين حدوث النهضة وبين وجود زعيم ملهم هى عكس ما يظن كثيرون. الزعيم مهما كان ملهما ورائعا لا يصنع الظروف الملائمة، ولكن الظروف الملائمة هى التى تصنع الزعيم الرائع، أو بالأحرى تفسح له المجال وتظهره بعد أن كان مختبئا، الأمثلة التاريخية التى يمكن تقديمها على ذلك لا نهاية لها، والقاعدة تنطبق على لولا دا سيلفا فى البرازيل كما تنطبق على أردوغان فى تركيا، وكما تنطبق على محمد على وجمال عبدالناصر فى مصر. نعم كان محمد على شخصية قوية لا حد لطموحه، وذا إرادة حديدية، وكان عبدالناصر رجلا وطنيا ذكيا وطموحا أيضا، وذا إرادة حديدية. ولكن أمثال هذا الرجل وذاك ليسوا بالندرة التى قد نظنها، وإنما الظروف التى تسمح لأمثال هؤلاء بالظهور هى الظروف النادرة.

●●●

إنى أدرك تماما، كما يدرك غيرى، أن الظروف التى تواجه مصر والأمة العربية أصعب مما تواجه دولة كتركيا أو البرازيل، فلدينا البترول الذى يسيل له لعاب العالم، وفى وسطنا إسرائيل التى دأبت على لعب دور المخرب فى تعطيل نهضة العرب. ومع هذا فإنى لم أفقد الأمل، ولا يجب علينا أن نفقده.
من كان يظن فى سنة 1800، وسط ظلام حكم الولاة العثمانيين والمماليك، أن مصر بعد أربعين عاما ستصبح أقوى قوة ضاربة فى المنطقة، وأن يخرج منها من الأطباء والمهندسين والمفكرين من يمكن أن نفاخر بهم العالم؟ ومن كان يظن فى 1950، فى ظل فساد الملك فاروق وحاشيته، أن من الممكن أن تحقق مصر، فى أقل من خمسة عشر عاما، ثورة صناعية صغيرة، وأن تعيد للفلاح المصرى والعامل المصرى كرامتهما وأن تقود حركة قوية وواعدة لتوحيد العرب؟

ولا يجوز أن نقول إن كل هذا قد انهدم وصار كأن لم يكن، فليس هذا صحيحا. إذ مهما شكونا من سوء حالنا فى الحاضر، فهو أفضل من نواحٍ كثيرة ومهمة مما كنا فيه فى سنة 1950، وبالطبع أفضل مما كنا فيه فى 1800، وبفضل ما فعله عبدالناصر ومحمد على.

كما لا يجوز إغفال الجوانب الناصعة التى أسفرت عنها ثورة يناير 2011، وأسقطت نظام حسنى مبارك البالغ الفساد. لقد كشفت هذه الثورة عن شباب جديد رائع، وعن نساء وفتيات مصريات رائعات، أكثر حرية وأشد ثقة بالنفس مما كانت عليه المرأة المصرية فى أى وقت فى تاريخها، ومن حقنا وواجبنا أن نفخر بهن ونفسح لهن الطريق ولا نكمم أفواههن. هؤلاء وأولئك ينتظرون فقط أن ينفرج النظام الدولى عن مساحة غير ملبدة بالغيوم لكى ينطلقوا فيها، كما انطلقت أجيال سابقة لبناء نهضة جديدة.

هذا التفاؤل بإمكانية تفرق السحب وظهور السماء الصافية من جديد ليس حلما أو خيالا. إن نجاح الشباب المصرى فى إزاحة نظام مبارك علامة من علامات هذا الانفراج، وكذلك ما حدث ومازال يحدث فى بلاد عربية أخرى، وكما أن بداية صعود الشمس يساعد على تبديد السحب، فإن الحركة التى بدأت فى تونس فى ديسمبر، وفى مصر فى يناير، ثم توالت فى بلد عربى بعد آخر، لابد أن تسفر فى النهاية عن زيادة قدرة العرب على مقاومة الضغوط الخارجية، وممارسة إرادتهم المستقلة.

صحيح أن هذه الممارسة قد مرت ببعض الانتكاسات، ولكن لا يجب أن ننسى أننا بعد أكثر من ثلاثين عاما من خضوعنا لقيود قاسية على قدرتنا على الحركة المستقلة، تبين لنا فجأة أننا لم نفقد هذه القدرة تماما، وأن الأمر لا يتطلب أكثر من بعض الجرأة، وتكرار المحاولة المرة بعد المرة. فلننظر مثلا إلى تجربة نبيل العربى كوزير للخارجية المصرية، التى لم تستمر أكثر من أربعة أشهر.

هل تذكرون كيف استطاع فى هذه الفترة القصيرة أن يعيد لنا الأمل فى قدرتنا على حل مشكلات عويصة «أو على الأقل فى البدء الجدى فى حلها» بمجرد أن تذكرنا أننا لسنا فاقدى الأهلية وعديمى الإرادة، سواء فيما يتعلق بموقفنا من إيران، أو بقضية فلسطين، أو بقضية مياه النيل.. إلخ؟ صحيح أنه نقل للأسف أمينا عاما لجامعة الدول العربية حيث لا يجد نفس القدر من حرية التصرف، وصحيح أن الذى حل محله لم يكن مستعدا لممارسة نفس القدر من الحرية، ولكن هل تذكرون كيف وقف العرب يصفقون لنبيل العربى بحماسة لدى ترشيحه أمينا عاما للجامعة العربية؟ ألا يدل هذا على أن الشعوب العربية كلها «على الرغم من خضوعها للاستبداد» مازالت قادرة على تمييز الحق من الباطل، والخطأ من الصواب، وعلى انتهاز أى فرصة واعدة تتاح لها؟

الجمعة، 5 أغسطس 2011

عودة إلى موضوع قديم: الديمقراطية السياسية.. والديمقراطية الاجتماعية

الشروق - الجمعة 5 أغسطس 2011

فوجئ الناس فى مصر، عقب تنحية حسنى مبارك عن الحكم فى فبراير 2011، بإعلان من المجلس العسكرى الذى تولى السلطة، أن انتخابات مجلس الشعب الجديد سوف تجرى فى سبتمبر، أى بعد ستة أشهر.

كان المفترض أن يكون هذا الإعلان خبرا سعيدا للجميع، إذ ما أشد شوق الناس فى مصر إلى الديمقراطية، بعد حرمان استمر ثلاثة عقود، وقد يقول البعض: بل أربعة، البعض قد يقول: بل ستة! ولكن المفاجأة كانت أن أعدادا كبيرة من المصريين المسيّسين تلقوا الخبر بالوجوم بل وببعض الخوف، إذ لابد أنهم قالوا لأنفسهم: «أى نوع من الناس يمكن أن تجلبه الانتخابات إلى مجلس الشعب، حتى بفرض أعلى درجة ممكنة من النزاهة وعدم التزوير؟».

لقد ذكرت فى مقالى السابق ثلاثة أسباب تبرر هذا التخوف من ألا تأتى الانتخابات، حتى بافتراض الحرية الكاملة فى الترشيح والانتخاب، بمن يحقق الأهداف المرجوة للوطن. ذكرت أولا الفساد وطول العهد به، وانتشاره فى مختلف طبقات المجتمع وطوائفه، وفى المدن والقرى، وفى شتى درجات الوظائف الحكومية والمجالس المحلية، مما كان من المتعذر «بل ومن غير المتصور» أن يختفى بمجرد سقوط رأس النظام، إذ لا يمكن أن يختفى الفساد إلا باختفاء أسبابه. والفساد الذى ثار عليه الناس فى 25 يناير يختلف اختلافا شديدا عن الفساد الذى قامت ضده ثورة 23 يوليو، الذى كان يكفى للقضاء عليه اقتلاع رأس النظام وتقليم أظافر الإقطاع.

الفساد الآن يعود إلى حصيلة أربعة عقود من نمو غير متوازن فى الدخل، مع نمو سريع فى السكان، وعجز عن توفير أبسط الضروريات لشرائح واسعة من الناس «بما فى ذلك توفير فرص العمل اللائق»، فى الوقت الذى تثير فيه وسائل الإعلام والانفتاح على العالم، تطلعات الناس إلى حياة أفضل، ويزداد فيه نهم الشريحة العليا من المجتمع لاستهلاك سلع لا تلبى أى حاجات حقيقية، ولكنها تنجح فقط فى استفزاز بقية شرائح المجتمع.

الفرق بين ما كنا نحتاجه لعلاج الفساد فى 1952 وما نحتاجه الآن لعلاج الفساد يشبه الفرق بين خلع ضرس، يقضى فورا على الألم، ويخلص الجسم فورا من أى خطر، وبين علاج فشل كلوى امتدت آثاره إلى مختلف أجزاء الجسم وأنهكت قواه.

فى مجتمع يتكون أكثر من نصفه من الجوعى أو المتبطلين، أو ممن اعتاد أن يكمل دخله، أو قبول رشوة كبيرة أو صغيرة، كيف يمكن إدارة منافسة انتخابية يعتمد النجاح فيها فقط على درجة إخلاص المرشح ووطنيته ونزاهتهم، ولا يعتمد على درجة ثرائه ونفوذه؟
ذكرت أيضا من أسباب التوجس ما أفرزه نفس هذا المناخ الاقتصادى والاجتماعى الذى وصفته حالا، من انتشار تفسيرات للدين بعيدة عن العقلانية، بل وقد تتخذ أحيانا صورة «الهوس الدينى» أو الدروشة، حيث تتغلب العاطفة على المنطق، وظهور ذلك فى ممارسة الحياة اليومية وفى العلاقات الاجتماعية، وفى معاملة أصحاب الديانات الأخرى، ولابد أن يظهر أيضا فى المنافسات السياسية والانتخابية. فى مناخ كهذا، كيف نتوقع مثلا أن يفضّل الناخب المسلم مرشحا قبطيا أكثر نزاهة ووطنية من مرشح مسلم، أو أن يحدث العكس فيعطى الناخب القبطى صوته لمرشح مسلم أكثر نزاهة ووطنية من منافس قبطى؟
بل ومن بين مرشحين مسلمين، أيهما أكبر فرصة فى النجاح: الأكثر حكمة أم الأكثر تطرفا؟ الأحرص على المصلحة العامة أم الأقدر على العزف على أوتار المشاعر الدينية؟

هناك أيضا سبب ثالث يتعلق بغياب الحياة السياسية الحقيقية لنحو ستة عقود، حتى كاد الناس ينسون معنى الحوار السياسى، واختفت القضايا المصيرية وحلت محلها المناقشات الأقرب إلى جدل العصور الوسطى «من نوع ما إذا كان الاحتفال بشم النسيم حلالا أم حراما» أو المناقشات حول أمور كانت مهمة منذ ستين عاما ولم تعد كذلك الآن، كتخصيص نسبة من مقاعد مجلس الشعب للعمال والفلاحين، أو ما إذا كان الأفضل تحديد حصته للمرة فى مجلس الشعب أم ترك المنافسة حرة بين النساء والرجال.. إلخ.
بينما أدى احتكار فئة قليلة للحكم إلى يأس الناس من فائدة أى عمل سياسى أو أى حوار حول الإصلاح.

فى مناخ كهذا، فقد الناس فيه عادة الحوار حول قضايا سياسية مهمة، وأصبحوا يفتقدون الزعامات السياسية الحقيقية، أى نوع من المنافسة أو المعارك الانتخابية تتوقع ظهوره عندما يفتح باب الترشيح لمجلس الشعب الجديد؟ أى نوع من البرامج السياسية يمكن أن نتوقع أن يطرح على الناس للاختيار من بينها؟ وعلى أى أساس يمكن أن يقارن الناس بين مرشح وآخر عندما تكون البرامج متشابهة أو غير واضحة وغير محددة المعالم «كأن يكتفى مثلا بالدعوة إلى العدالة الاجتماعية، كأن أحدا يريد الظلم الاجتماعى»؟

●●●

شعر كثيرون بأن هناك مشكلة حقيقية، وأنها لن تحل مجرد إجراء انتخابات نزيهة، ولكنهم شعروا أيضا بأنهم لا يمكن أن يتنكروا للديمقراطية، بينما العالم كله يعتبر الآن أن «الديمقراطية هى الحل»، وأن أفضل السبل لحل أى مشكلة، أيا كانت، أن ترجع إلى رأى الأغلبية فتجد الحل الصائب. هكذا يقول الجميع والرد عليهم ليس سهلا. وجد البعض الحل فى أن يقترحوا تأجيل الانتخابات، فاعترض أنصار التيار الدينى قائلين: «ولماذا التأجيل؟ ألا يعجبك ما يختاره الناس؟». واقترح البعض أن يستمر المجلس العسكرى فى الحكم لمدة سنة أخرى أو سنتين، أو أن يشكل مجلس رئاسى يضم بعض العسكريين وبعض المدنيين، فاعترض أنصار الديمقراطية قائلين: أتفضلون ديكتاتورية عسكرية على الديمقراطية، لماذا قامت الثورة إذن؟

المشكلة عويصة، والتأجيل أو تكوين مجلس رئاسى لن يحل المشكلة، بل فقط سيؤجل حلها. والحالة تشبه فى نظرى حالة مريض بمرض خطير اكتشفت خطورته لحسن الحظ فنقل إلى المستشفى. ولكن انقسمت بعد ذلك الآراء: فريق يريد عودة المريض إلى بيته فى أقرب فرصة، بعد بعض الإسعافات العاجلة، بزعم أن رعاية أهله له أفضل من أى معاملة يمكن أن يلقاها فى المستشفى والبعض يريد أن يطيل بقاء المريض فى المستشفى أطول مدة ممكنة، خوفا من جهل الأهل بأصول الرعاية الصحية، ولكنهم لا يريدون الاعتراف بأن المريض لن ينقذه إلا عملية جراحية، وهى عملية خطيرة. فما هى هذه العملية الخطيرة التى يتطلبها الإصلاح السياسى فى مصر؟

أريد أن أذكر القارئ بقضية قديمة دار حولها جدل طويل فى الفكر السياسى ترجع بدايته إلى أكثر من قرنين كاملين، إذ أثاره قيام الثورة الفرنسية فى أواخر القرن الثامن عشر، وفجّره بقوة الفكر الماركسى فى منتصف القرن التاسع عشر، ثم انقسم حوله أنصار وأعداء الثورة الروسية فى مطلع القرن العشرين، واستمر يشكل جزءا أسياسيا من الفكر السياسى حتى اتضح الضعف الشديد الذى أصاب التجربة الاشتراكية فى الاتحاد السوفييتى، ثم بدا وكأن هذا الموضوع قد تم حسمه بسقوط دولة بعد أخرى من الدول الاشتراكية وأخذها بصورة أو أخرى من صور الديمقراطية الغربية.
أقصد بهذا قضية العلاقة بين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية.

لقد أنهت الثورة الفرنسية عصرا طويلا من الحكم الاستبدادى الذى كان الملك فيه يعتبر نفسه ويعامل من الناس على أنه «ظل الله فى الأرض»، ودشنت عصرا من الحرية السياسية التى تقوم على حرية الترشيح والانتخاب.

ولكن الاشتراكيين قدموا اعتراضا بالغ القوة على تطبيق الديمقراطية السياسية فى مجتمع لم يحقق بعد «الديمقراطية الاجتماعية»، وأشبع كارل ماركس وأنصاره، الديمقراطية السياسية التى لا تقترن بتوزيع عادل للدخل، سخرية واستهزاء، فاعتبروا ديمقراطية الثورة الفرنسية «من طرائف البورجوازية»، وقالوا إن مثل هذه الديمقراطية لن يفيد منها إلا أصحاب القوة الاقتصادية، بينما سوف تقتصر حرية العامل الفقير أو الفلاح الفقير على حرية الاختيار من قبول الخضوع لاستغلال الرأسمالى أو الإقطاعى، وبين الموت جوعا.

هكذا برر لينين وستالين ديكتاتورية البروليتاريا فى الاتحاد السوفييتى لفترة تقرب من سبعين عاما: الجوع يفسد الديمقراطية، ولا معنى للحرية السياسية إذا لم تقترن بالفضاء على التفاوت الطبقى «أو على الأقل التخفيف الشديد منه»، وهكذا دافعت عن نفسها كل نظم الديكتاتورية التى سمت نفسها اشتراكية فى العالم الثالث، من ديكتاتورية كاسترو فى كوبا، إلى ديكتاتورية ماوتسى تونج فى الصين، مرورا بدول كثيرة فى أفريقيا وآسيا، ومن بينها ديكتاتورية جمال عبدالناصر فى مصر.

عندما انقلب أنور السادات على نظام عبدالناصر ففتح الباب شيئا فشيئا لصور مختلفة من الاستغلال، كان دفاعه عن نظامه الجديد يستند إلى ما أتاحه من حريات سياسية وحرية التعبير مما لم يكن متاحا فى ظل عبدالناصر. واستمر نظام حسنى مبارك يطبق نفس سياسة السادات: ديمقراطية سياسية مزيفة مع ظلم اجتماعى فاحش. وكانت النتيجة هى ما بدأت به هذا المقال: جسم عليل للغاية، يعانى من استفحال الفساد والفقر واللا عقلانية وفقدان الوعى. فهل ينحصر «العلاج، والحال بهذه الدرجة من الخطورة، فى إجراء انتخابات حرة ونزيهة؟».

●●●

إنى أشك جدا فى أن يكون الحل بهذه البساطة. إنى لا أعرف ثورة ناجحة فى التاريخ كان كل ما فعلته هو تنحية الحاكم وحل مجلس الشعب ثم إجراء الانتخابات ليأتى حاكم جديد وبرلمان جديد. فما بالك إذا كان هذا الحاكم الذى جرت تنحيته قد حكم البلاد مدة ثلاثين عاما أفسد فيها كل شىء، وزور كل الانتخابات، ولم ير أكثر من نصف السكان حاكما غيره؟ إن أبسط ما ننتظره من الثورة أن يقوم الثوار أو من يتولى الحكم باسمهم، بمجرد استيلائهم على الحكم باتخاذ بعض الإجراءات وإصدار بعض القوانين التى تتفق مع الأهداف التى قامت الثورة من أجلها، وتمنع استمرار ما قامت الثورة بالقضاء عليه.

إنى لا أقصد إرساء قواعد تفصيلية لنظام اقتصادى جديد، فهذا لا يتحقق بإجراء سريع أو بإصدار قانون فورى، وإنما أقصد الإجراءات والقوانين التى تعالج العوامل الثلاثة التى ذكرتها فى بداية هذا المقال، التى تهدد فرصة حصولنا على مجلس للشعب قادر حقا على تحقيق آمال الناس فى نهضة حقيقية: أى القضاء على الفساد «وأهم أسبابه شراء السلطة بالمال»، ومنع استغلال المشاعر الدينية لتغليب مرشح على آخر، وإفساح أكبر مجال للتعبير الحر عن الرأى، ولكن مع حماية حرية الرأى من سطوة المال ومن استغلال العواطف الدينية.

إن مراعاة هذه الشروط الثلاثة، بإعلان بعض المبادئ التى تعبر عنها قبل إجراء انتخابات لمجلس الشعب، وباتخاذ بعض الإجراءات وإصدار بعض القوانين التى تضمن تحققها، وهى التى تضمن ألا يأتى تحقيق الحرية السياسية على حساب الحرية الاقتصادية، ومن ثم تفقد الديمقراطية السياسية مضمونها ومغزاها، ويخيب الآمال المعقودة عليها.

إن عدم مراعاة هذه الشروط الثلاثة حتى الآن هو فى رأيى أحد الأسباب الأساسية فى أن الستة أشهر التى انقضت على قيام ثورة 25 يناير، أصابتنا بدرجة كبيرة من خيبة الأمل. فتأخير محاكمة رموز العهد السابق لم يبعث الخوف اللازم فى نفوس أنصارهم من المسئولين عن إشاعة الفساد فى مصر، فضلا عن الأخطاء المتكررة فى اختيار مسئولين جدد، والإصرار، المرة بعد الأخرى، على التمسك بأشخاص تورطوا فى الفساد فى العهد السابق، ثم السماح باستغلال العواطف الدينية فى وسائل الإعلام، مع تخبط واضح فى السياسة الإعلانية، من تأخر غير مفهوم فى تغيير القيادات الإعلامية، إلى اختيارات باهتة لقيادات جديدة لا تعكس الأهداف الحقيقية للثورة، بل وربما لا تؤمن بها أصلا.

إن هناك سببا حقيقيا إذن للخوف، من ألا تسفر ثورة يناير عن أى تقدم يذكر فى تحقيق الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية، ومن ثم فى تحقيق الحرية السياسية الحقيقية، بل أن تأتى لنا بحريات سياسية صورية، لها شكل الديمقراطية وحقيقة الديكتاتورية.