د. جلال أمين

د. جلال أمين
أستاذ الإقتصاد بالجامعة الأمريكية والمفكر المصرى الكبير

الجمعة، 22 يوليو 2011

ثورة 25 يناير .. ونظرية الفراغ

الشروق - الجمعة 22 يوليو 2011

فى غمرة الفرح الذى عم المصريين بقيام ثورة 25 يناير، ثم بنجاحها فى تنحية رأس النظام، كان من الطبيعى أن تسود موجة من التفاؤل الشديد بمستقبل باهر لمصر.

كانت أسباب التفاؤل قوية ومقنعة. فالرئيس المخلوع كان يرأس نظاما فاسدا ضج الناس منه، وعانوا منه الأمرين لمدة تقرب من ثلاثين عاما. والذى نجح فى تنحيته الشعب المصرى نفسه. نعم كان للجيش دور مهم جدا، ولكن الجيش لم يبدأ الحركة، كما حدث فى 1952، بل استجاب لانتفاضة شعبية. والثورة تمت دون عنف أو تخريب، بل كانت سلمية على نحو بهر العالم كله، وعبر تعبيرا ناصعا عن طبيعة الشخصية المصرية. والمشاركون فى الثورة لم يقتصروا على طبقة اجتماعية واحدة هى الأكثر تعرضا للظلم، بل ضمت كل الطبقات، وساهم فيها النساء كما ساهم الرجال، والأقباط إلى جانب المسلمين، وأظهرت كل طائفة من هؤلاء مشاعر طيبة للغاية نحو الطوائف الأخرى، مما دعم بلا شك الشعور بالتفاؤل بالمستقبل.

قامت الثورة المصرية عقب ثورة ناجحة فى تونس، وتلتها ثورات فى بلاد أخرى بشرت أيضا بنجاح مماثل، فقوت أسباب الفرح فى دولة دواعى الفرح فى الدول الأخرى. وتكلم العالم عن «الربيع العربى» بعد شتاء كئيب طويل. بل وعبّرت دوائر رسمية كثيرة، فى دول أجنبية من بينها قوى عظمى، عن تأييدها لما حدث فى مصر، وعرضت علينا المعونات، وانضمت المؤسستان الماليتان العتيدتان (صندوق النقد والبنك الدولى) إلى فريق المؤيدين، وعرضتا بدورهما تقديم دعم سخى للاقتصاد المصرى.

نعم، سقط شهداء أعزاء، واهتز الاقتصاد المصرى اهتزازا عنيفا، وارتكبت أخطاء فى اختيار بعض المسئولين الجدد، صحح بعضها ولم يصحح البعض الآخر، ولكن هذا لم ينجح فى القضاء على روح التفاؤل، حتى مرت خمسة أشهر على خلع الرئيس، فإذا بالسماء تتلبد بالغيوم، ويبدأ الناس فى التساؤل عما إذا كانوا على صواب فى هذا التفاؤل.

كان من المفهوم تماما، فى غمرة الفرح الشديد أن يغفل الناس عن الحقيقة الآنية، وهى أن من الطبيعى أن يكون لثورة كهذه، فى دولة كمصر، أعداء مهمون وأقوياء، وأنهم لا يمكن أن يتركوا الأمور تجرى على النحو الذى يتمناه المصريون دون أن يضعوا العقبات فى الطريق. نعم، كان من المفهوم أن يغفل الناس عن ذلك، ولكنى أصارح القارئ بأنى ظللت أستغرب (ومازلت أستغرب حتى الآن) ندرة ما كتب أو قيل فى محاولة تحديد من هم بالضبط المعادون للثورة، وتحليل دوافعهم ومواقفهم المحتملة، بل لاحظنا انخراط الجميع فى تعبيرات حماسية، عن التأييد أو الشجب، وكأن جسامة الأحداث تعفينا من مسئولية التفكير والتحليل.

استغربت أيضا بشدة (ومازلت أستغرب) أن يستمر الكلام عما يحدث فى مصر وكأن مصر تعيش وحدها فى جزيرة منعزلة عن العالم، وكأن ما يحدث فيها يتحدد فقط نتيجة صراع داخلى بحت بين أنصار نظام جديد، وأنصار (أو فلول) النظام القديم، بينما ينظر العالم إلينا متفرجا ومنتظرا النتيجة.

●●●

فى الأيام الأولى للثورة، وقبل تنحى حسنى مبارك عن الحكم، صدرت تصريحات مدهشة من الرئيس الأمريكى أوباما، ومن وزيرة خارجيته، تتضمن كلها تأييدا صريحا للثورة وحثا للرئيس المصرى على سرعة الاستجابة لمطابها، لدرجة أن الرئيس الأمريكى استخدم تعبيرا «فورا» لوصف ما يجب على حسنى مبارك عمله. وعندما جاء سفير أمريكى سابق إلى مصر، معروف ببعض الصلات القوية بينه وبين حسنى مبارك، وأعلن بعد مقابلته له أنه يرى أن يستمر فى رئاسة الجمهورية، أسرعت وزيرة الخارجية الأمريكية بالقول بأن هذا السفير السابق لا يعبر إلا عن رأيه الخاص وليس عن رأى الحكومة الأمريكية.

استمر هذا الموقف الأمريكى المؤيد للثورة حتى بعد نجاحها، وكان هذا يمثل تطورا مدهشا فى موقف الولايات المتحدة من مصر، وكان من الواجب أن يُقبل المحللون على محاولة فهمه وتفسيره، وهو ما لم أر له أثرا فيما قرأت من تعليقات مصرية أو أجنبية. لا يمكن تفسير هذا الإحجام عن تفسير التغير فى الموقف الأمريكى بعدم أهميته. فغنى عن البيان مدى أهمية ما يحدث فى مصر للمنطقة العربية كلها، وللمشروع الصهيونى، وكذلك أهمية ما إذا كانت الولايات المتحدة تؤيده أو تعارضه وأنا أميل إلى تفسير هذا الإحجام فى وسائل الإعلام المصرية، بتأجج العواطف إلى درجة النفور من أى محاولة للتحيل، وأما وسائل الإعلام الأجنبية فقد تعودت منها لفترة طويلة، أنها لا تميل إلى إبراز دور القوى الكبرى فى التطورات التى تحدث فى دول العالم الثالث، والعوامل التى تحكم هذه التطورات، بل تميل إلى المبالغة فى إرجاع ما يحدث إلى عوامل داخلية بحتة، حتى تظل المسئولية ملقاة دائما على عاتق هذه الدول التى نادرا ما تملك الإرادة الحرة لفعل ما تريد، ومن ثم يمكن للقوى الكبرى أن تتملص من المسئولية.

قرأت بعض التعليقات المصرية والأجنبية التى تعبر عن اعتقاد أصحابها بأن الإدارة الأمريكية لابد أن حسنى مبارك ظل حليفا مخلصا لها طوال فترة حكمه.

وتجاهلت هذه التعليقات ما يدل على عكس ذلك بالضبط، من التصريحات الرسمية الأمريكية، صحيح أن التصريحات الرسمية كثيرا ما تعبر عن عكس الحقيقة، ولكن التصريحات الأمريكية التى أشرت إليها لم تكن تدل على ذلك، بسبب ما تضمنته من إصرار على تأييد الثورة، وتكرار هذا التأييد، مما لم تكن الإدارة الأمريكية فى حاجة إليه لو كانت الحقيقة عكس ذلك.

والحقيقة أنى لا أشعر بأى استغراب لهذا التطور الذى طرأ على الموقف الأمريكى. فليست هذه أول مرة (ولن تكون بالطبع آخر مرة) تتخلى فيها الولايات المتحدة (أو أى دولة كبرى) عن حليف مخلص لها بمجرد أن تقرر أنها لم تعد فى حاجة إلى خدماته، أو أن ضرره أصبح أكبر من نفعه. ولسنا بحاجة إلى التذكير بتنكر الولايات المتحدة لشاه إيران، ولرئيس الفلبين، بل وحتى لصدام حسين بعد أن أدوا جميعا خدمات جليلة للسياسة الأمريكية، كل فى منطقته إن تفسير مثل هذا التحول فى السياسة الأمريكية أسهل بالطبع بعد وقوعه من التنبؤ به قبل ذلك. ولكنى أجد بعض الأسباب القوية لتفسير هذا التحول الأمريكى إزاء نظام حسنى مبارك.

●●●

الفساد عنصر مهم بالطبع فى أى نظام يقوم بخدمة دولة كبرى، إذ لا تستطيع دولة كبرى أن تعتمد على سياسيين وطنيين لتنفيذ سياسات ليست فى صالح وطنهم. لابد أن تعتمد على سياسيين يقدمون مصالحهم الخاصة على مصالح الوطن، وهذا هو الفساد بعينه. ولكن الفساد أيضا قد يصل إلى حد قد تعتبره الدولة الكبرى أكبر ضررا بها مما يمكن تحمله. إن رأس المال الدولى يهمه جدا توافر درجة معينة من الفساد لتحقيق أغراضه، خاصة فى المراحل الأولى للتحول من نظام وطنى إلى نظام غير وطنى، ولكن المستثمر الأجنبى يهمه أيضا أن يتوافر حد أدنى من احترام القانون، ومن الاستقرار، مما قد تطيح به درجة عالية أكثر من اللازم من الفساد. ربما كان من الأهم من ذلك أن ظروف العالم تتغير، وما قد يخدم مصالح الدولة الكبرى فى مرحلة قد لا يخدمها فى مرحلة أخرى. انظر مثلا إلى موقف الولايات المتحدة من نظام الملك فاروق فى مصر فى الأربعينيات من القرن الماضى، وكيف تغير بعد ذلك. كان بقاء نظام كهذا فى مصر خلال سنوات الحرب العالمية الثانية (39 ــ 1945) أمرا مرغوبا فيه، ولم يكن يتصور لا من الأمريكيين ولا من الإنجليز المحتلين لمصر فى ذلك الوقت أن يتخلوا عن تأييد النظام الملكى فى ظل حرب عالمية طاحنة، تحمل أخطارا كبيرة، من بينها خطر الاحتلال الألمانى لمصر. لم يعد الأمر كذلك بعد انتهاء الحرب. لا عجب أن توالت الانقلابات العسكرية فى العالم الثالث بعد انتهائها، وأن حظى الكثير منها (ومن بينها انقلاب 1952 فى مصر، الذى تحول إلى ثورة) بتأييد الأمريكيين.

من الممكن جدا أن يرى المرء فيما بدأ يحدث فى العالم من تغييرات فى السنوات الأخيرة ما يستدعى تغييرا فى الموقف الأمريكى إزاء نظام من نوع نظام حسنى مبارك، لقد بدأ القرن الواحد والعشرون والولايات المتحدة فى حالة مختلفة تماما عما كانت عليه قبل نصف قرن. لقد ظننا لفترة قصيرة، عقب سقوط الاتحاد السوفييتى والنظم الموالية له، فى مطلع التسعينيات، أننا مقبلون على فترة طويلة من السيطرة الأمريكية المنفردة على العالم، وكثر الكلام عن نظام القطب الواحد (أى القطب الأمريكى) الذى حل محل نظام تتحكم فيه قوتان عظيمتان، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتى. ولكن سرعان ما تبين أن الولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكرى على أية قوة أخرى فى العالم، أضعف اقتصاديا من أن تنفرد بحكم العالم. ومع اشتداد المنافسة الاقتصادية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى من ناحية، وبين الولايات المتحدة وقوى جديدة فى شرق آسيا، تنمو بسرعة مذهلة، خاصة الصين، من ناحية أخرى، تبين لنا أننا على أعتاب عصر جديد يقوم على أقطاب متعددة بدلا من عصر القطب الواحد، وأن كلا من هذه الأقطاب لابد أن يعمل على تثبيت قدميه فى منطقة من العالم على حساب الأقطاب الأخرى، استعدادا لعهد جديد من المنافسة. يستبعد جدا أن تصل هذه المنافسة إلى درجة شن الحروب، (أو على الأقل الحروب الظاهرة والمعلنة)، كما كان الحال حتى منتصف القرن العشرين، ولكنها منافسة اقتصادية حادة قد لا تقل شراسة عن الاشتباك العسكرى. قد تتخذ المنافسة فى العهد الجديد شكل صراع بين شركات دولية أكثر مما تتخذ شكل منافسة بين الدول، ولكن الدول، بجيوشها، ودبلوماسييها وأجهزة مخابراتها، لابد أن تعبأ لخدمة شركاتها، مثلما كانت تفعل دائما من قبل عندما كانت الشركات مملوكة ملكية خالصة لدولة واحدة.

فى الاستعداد لهذه المواجهة الجديدة مع أقطاب جدد، ومع أقطاب قديمة تستعيد عنفوانها، كان لابد للولايات المتحدة أن تعيد ترتيب علاقاتها مع حلفائها (أو أتباعها) القدامى، ومن ذلك بالطبع النظم العربية، من منظور العالم الجديد لابد أن منظر النظم العربية، من المحيط إلى الخليج، بدا باليا ومتهالكا لدرجة تدعو إلى الرثاء وربما السخرية أيضا. هل يمكن أن تواجه أمريكا منافسيها فى العصر الجديد بحلفاء من نوع مبارك أو زين العابدين أو عبدالله صالح؟
ربما كان هؤلاء يصلحون فى عهد المنافسة مع السوفييت، عندما كان الفوز يتوقف على نشاط من نوع ما تمارسه أجهزة المخابرات، كاستخدام الأعمال الإرهابية مثلا للتخويف والتهديد، ولكن فى عصر يعتمد أساسا على المنافسة الاقتصادية، يحتاج الأمر إلى كفاءة اقتصادية أعلى، وفساد أقل، ودرجة أكبر من احترام القانون. من هذا المنظور يبدو كثير من النظم العربية وكأنها تنتمى إلى عصر عتيق أكل الدهر عليه وشرب، ومن ثم فمن المفيد، بل قد يكون من الواجب إراحتها.

●●●

ممن المكن أن نجد لما يحدث الآن سابقة فيما حدث فى المنطقة العربية قبل ستين عاما، أى فى أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات. كانت الولايات المتحدة تخطط أيضا لعصر جديد عقب الانهيار الاقتصادى للقوتين الاستعماريتين العتيدتين بريطانيا وفرنسا، على الرغم من خروجهما منتصرتين فى الحرب العالمية الثانية. وكانت الولايات المتحدة تخطط لوراثة ممتلكاتهما. لم يكن من الممكن لأمريكا أن تعتمد على سياسيين تقليديين، من نوع نورى السعيد فى العراق أو مصطفى النحاس فى مصر، أو كليل شمعون فى لبنان.

بل بدا أسلوب الانقلاب العسكرى أكثر ملاءمة. وفى منتصف الخمسينيات صدر من الرئيس الأمريكى تصريح شهير أعلن فيه ما سمى بـ«نظرية الفراغ» وكان يقصد أنه بعد أن انتهى عصر الاستعمار التقليدى فى منطقة الشرق الأوسط ظهر «فراغ» لابد من ملئه، واقترح أيزنهاور أن يكون ملء هذا الفراغ بتكوين تحالفات جديدة بين الحكومات الجديدة فى الشرق الأوسط وبين الولايات المتحدة. دعنا نتذكر كيف احتج جمال عبدالناصر على نظرية الفراغ هذه، أو ما سمى أحيانا بـ«مبدأ أيزنهاور» وقدم القومية العربية كبديل للتحالفات مع الغرب، وكيف حقق العرب بذلك انتصارات مهمة حتى تغلبت عليهم الولايات المتحدة وإسرائيل باعتداء 1967.

تُرى كيف تتصور الإدارة الأمريكية اليوم، كيفية «ملء الفراغ» الذى نشأ عن سقوط نظام مبارك وبعض الأنظمة العربية الأخرى؟ وإلى أى مدى يتفق أو يختلف هذا التصور الأمريكى مع آمالنا نحن؟ بل ما هى هذه الآمال بالضبط فى عالم يختلف اختلافا جذريا عما اعتدنا عليه؟ وما الذى يمكن أن نفعله من إجل تحقيق هذه الآمال حتى لو احتلفت تصورات دول خارجية كبرى؟ ألم يحن الوقت لمحاولة الإجابة عن هذه الاسئلة، أن سنظل لعدة سنوات أخرى نشجب أو نؤيد دون تفكير حتى فى الأسباب التى أدت إلى تلك التصرفات أو المواقف التى نشجبها أو نؤيدها؟

الجمعة، 15 يوليو 2011

الاقتصاد المصرى.. فى عالم جديد

الشروق - الجمعة 15 يوليو 2011

كان جمال عبدالناصر، بالإضافة إلى كونه شخصية عظيمة، رجلا سعيد الحظ. لقد ظهر الآن، بعد مرور ستين عاما على ثورة 1952، أن الخمسينيات والستينيات كانت فترة سعيدة فى حياة العالم، وليس فى مصر وحدها. طبعا يستطيع أى شخص أن يلفت النظر إلى أحداث سيئة حدثت فى مصر والعالم فى تلك الفترة، ولكنها من نواح كثيرة مهمة كانت فترة نادرة المنال، يصعب العثور على سابقة لها فى التاريخ الحديث.

كان العالم قد خرج لتوّه من حرب عالمية رهيبة راح ضحيتها ملايين من الناس، وأحدثت الكثير من الخراب، ولكن العالم تفاءل بالنجاح فى القضاء على النازية والفاشية، وبإنشاء هيئة دولية جديدة تعمل على توطيد السلام، ومؤسسات دولية مالية تعمل على تجنب الأزمات الاقتصادية العنيفة، وبتعاون دولى لإعادة بناء ما خربته الحرب، بل وتطلعت أوروبا إلى تحقيق وحدة اقتصادية تمنع بدورها من تكرار قيام حربين مأساويتين فى أقل من خمسين عاما.

تفاءلت أيضا دول العالم الفقير بقرب تحقيق استقلالها بعد أن خرجت الدولتان الاستعماريتان الكبريان وقد أنهكت قوتهما من جراء الحرب، وسلمتا زعامة العالم لدولتين كبريين أخريين أطلقت كل منهما شعارات صدقها العالم الفقير (الذى سُمى الآن بالعالم الثالث)، أو على الأقل اختارت كل دولة من دول العالم الثالث أن تصدق شعارات إحدى الدولتين الكبريين المناقضة لشعارات الأخرى. لقد حصلت الأغلبية العظمى من دول العالم الثالث على استقلالها من الدولة الاستعمارية القديمة (بريطانيا أو فرنسا أو بلجيكا أو هولندا أو ألمانيا أو إيطاليا)، ولكن انقسمت الدول المستقلة إلى فريق يصدق شعارات «العالم الحر» (التى رفعتها الولايات المتحدة) وآخر يتبنى شعارات الاشتراكية (التى رفعها الاتحاد السوفييتى).. لم يكن هذا الانقسام دائما نتيجة اختيار حر من جانب الدولة الصغيرة، ولكن شعوب العالم الثالث انقسمت بالفعل بين هذين النوعين الخلابين من الشعارات:

إطلاق الحرية لنظام السوق بأقل قدر من تدخل الدولة، أو نظام الدولة القوية التى تضع خططا للتنمية وتعيد توزيع الدخل بين الطبقات.

كان نصيب مصر فى الخمسينيات والستينيات تطبيق نظام الدولة القوية وتحقيق مزيد من العدالة فى توزيع الدخل، ولكن حسن الحظ تمثل فى أن كلا من الدولتين الكبريين قبلت هذا الانقسام بين دول العالم الثالث عن طيب خاطر.

كانت النتيجة فيما يتعلق بمصر أن حصلت على نحو عشر سنوات (56 ــ 1967) من حرية الحركة، طبقت خلالها نوعا من الاشتراكية دون أن تتعرض لها الولايات المتحدة بالمضايقات (بل استمرت الولايات المتحدة تمد مصر بالمعونات طوال هذه الفترة)، وأنجزت مصر بسبب هذه الحرية النادرة فى التصرف، نتائج مبهرة فى التنمية الاقتصادية وتحقيق مزيد من العدالة. ولم تكن مصر هى الدولة التى حققت مثل هذه الإنجازات، ولنفس السبب جلبت الحرب الباردة إذن (أو على الأقل تلك الفترة من الحرب الباردة) خيرا عميما لكثير من دول العالم الثالث، ولكنها اقترنت أيضا فى أوروبا واليابان بفترة باهرة من النمو الاقتصادى لم يعرف العالم كله مثلها (من حيث ارتفاع معدل النمو) فى تاريخه كله، كما صحب هذا النمو تطبيق ما عرف بنظام (دولة الرفاهة) التى عملت على تحقيق المزيد من العدالة الاجتماعية.

لن أخوض فى الأسباب التى جعلت هذا التطور والاقتصادى المبهر ممكنا فى العالم المتقدم والمتخلف على السواء، خلال الخمسينيات والستينيات، ثم أصبح غير ممكن، إلا باستثناءات قليلة هنا وهناك، فى العقود الأربعة التالية. لقد ذكرت فى المقال السابق كيف أن هذا التدهور الاقتصادى الذى حدث فى مصر بعد هزيمة 1967، كان سببه حلول الدولة الرخوة محل الدولة القوية ولكن هذه الظاهرة لم تكن بأى حال مقصورة على مصر.

لقد دخلت الدولة القوية فى عصر من الأفول منذ أواخر الستينيات فى دولة بعد أخرى من دول العالم المتقدم والمتخلف، ومازال هذا الأفول أو التدهور مستمرا حتى الآن. وأبسط تفسير لأفول دور الدولة فى الحياة الاقتصادية والاجتماعية فى العالم ككل، هو صعود عصر الشركات متعددة الجنسيات. وهو تفسير على بساطته يمكن اعتباره تلخيصا صحيحا لأهم ظاهرة فى التاريخ الاقتصادى للعالم فى النصف الثانى من القرن العشرين. وهى لم تكن ظاهرة اقتصادية فقط، بل امتدت آثارها فى مختلف نواحى الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية.

من الممكن تتبع آثار صعود ظاهرة الشركات متعددة الجنسيات على نمط الحياة فى مصر فى مختلف الميادين: فى السياسة ذهب عصر الدولة التى تعمل لصالح الناس دون أن تزعم أنها دولة ديمقراطية، لتحل محلها دولة تتظاهر بالديمقراطية وهى دائمة التزييف لإرادة الناس والعمل ضد مصلحتهم.

فى الاقتصاد زادت معدلات البطالة وازداد التفاوت فى توزيع الدخل، إذ كان كل هذا أكثر انسجاما مع الخضوع لنفوذ الشركات الدولية العملاقة من الفلس.

زادت أيضا درجة التسلط التى تمارسها المؤسسات المالية الدولية (التى تعمل فى الواقع لصالح هذه الشركات) على دول العالم الثالث (بل وعلى بعض الدول المتقدمة أيضا)، ففرضت عليها من السياسات مع ما يتلاءم مع متطلبات السادة الجدد، الذين أصبحوا يتمثلون فى شركات أكثر مما يتمثلون فى دول.

نحن أيضا نعرف جيدا ما أحدثه هذا «الانفتاح» على الشركات متعددة الجنسيات من آثار على تطلعات الناس وأنماط السلوك، مما ظهر جليا فى مصر منذ منتصف السبعينيات، مثلما ظهر فى غيرها، ومازال يتفاقم حتى اليوم.

نحن نعرف مثلا ما أحدثه التليفزيون من خلق تطلعات جديدة وإثارة تطلعات قديمة، نحو المزيد من استهلاك سلع وخدمات كانت تعتبر غير ضرورية فأصبحت ضرورية، أو لم تكن معروفة فأصبحت معروفة ومشهورة. وفى ظل هذه التلطعات يصبح من الصعب رفع معدل الادخار، ويتجه الاستثمار إلى إشباع طلب القلة الموسرة، على حساب الحاجات الأساسية لغالبية الناس، بل تشجع الحكومات على اتخاذ سياسات متهاونة فى مجال إعادة توزيع الدخل، تسهيلا لتصريف السلع والخدمات التى تنتجها هذه الشركات.

فى ظل النظام الجديد تنخفض قدرة الحكومات فى الدول الغنية على تقديم المعونات للدول الفقيرة، إذ تنتقل القدرة المالية بالتدريج من الحكومات إلى الشركات، وإذا بالاستثمارات الأجنبية الخاصة تصبح الوسيلة الأساسية بدلا من المعومات الرسمية، لتمويل التنمية فى دول العالم الثالث. ولكن التنمية التى تكون هذه الشركات مستعدة لتمويلها مختلفة جدا عن التنمية التى تمول عن طريق المعونات الرسمية، هكذا تتحول التنمية إلى طريقة لإثراء البعض على حساب الأغلبية، ويفقد التخطيط أهميته، بل تكاد تتحول كلمة «التخطيط» إلى كلمة سيئة السمعة، مثلما حدث مع شعارات الاشتراكية والعدالة الاجتماعية.

هذه الكلمات كلها أصبحت تتخذ كدليل على الجمود والتخلف الفعلى، إذ المهم هو زيادة الدخل بأى طريقة وفى أى صورة،، لأن هذا هو ما يعنى مزيدا من توسيع السوق أمام الشركات الدولية العملاقة، ويضمن استمرار مستوى الأجور منخفضا.

ومادام الأمر كذلك يصبح الهدف الأعظم هو زيادة القدرة على التصدير، تصدير أى شىء، ولو كان مواد أولية أو سياحة، إذ إن هذا هو الذى يزيد القدرة على الاستيراد، وزيادة القدرة على الاستيراد هى الهدف الأسمى للشركات الدولية.

وهكذا تدخل دول العالم الثالث فى منافسة فيما بينها، على جذب هذه الشركات إلى أرضها، فهى لم تعد فقط المصدر الأساسى لتمويل التنمية، بل هى أيضا التى تملك مفاتيح القدرة على التصدير بما تسيطر عليه من شبكات التسوق فى مختلف الدول. وفى سياق هذه المنافسة على جذب الشركات الدولية، يصبح الانصياع لتوجيهات صندوق النقد الدولى ضروريا وحتميا. إن هذا الصندوق هو أدرى المؤسسات بما تريده هذه الشركات، ولديه الوسائل الكفيلة بإجبار الدول الصغيرة (وأحيانا الكبيرة أيضا) على تنفيذ توصياته حتى وهى تدرك بالضبط مغبة هذا كله. وفى سبيل ذلك يضحى بالدعم المقدم للفقراء، ويسمح لخدمات التعليم والصحة والإسكان بالتدهور إذ إن الأموال التى كانت تنفق فى مثل هذه الأمور لا تفيد منها الشركات الدولية التى تريد من الدول ليس فقط تخفيض الضرائب، بل وأيضا تخفيض الإنفاق، فيما عدا الانفاق على ما يفيد تسويق منتجات هذه الشركات، كالطرق والكبارى التى تسمح باستيراد المزيد من السيارات، أو الكهرباء التى تسمح باستيراد المزيد من السلع المنزلية المعمرة.. إلخ.

هذا باختصار هو نمط التنمية الذى انتشر فى العالم الثالث ابتداء من أوائل السبعينيات، ومازال مستمرا حتى الآن. وقد انضمت مجموعة جديدة من دول العالم «الثانى»، التى كانت تطبق الاشتراكية من قبل، فخضعت بدورها لنفس النمط بعد سقوط حائط برلين فى 1989، فتحولت دولة بعد أخرى من دول شرق أوروبا إلى هذا النمط من التنمية، تحت اسم «انتصار الديمقراطية»، بينما لا يزيد الأمر على الوقوع فى نفس الفخ الذى نصبته الشركات متعددة الجنسيات للجميع وهى التى لم تعد تطبق عند زمنية معينة، أن ترى بلادا واسعة كالاتحاد السوفييتى لا تزال تقاطع سلعا مثل الماكدونالد أو الكوكاكولا، وبلادا غنية بالقوى العاملة المدربة، مثل بقية دول أوروبا الشرقية، يشتغل عمالها فى خدمة المواطن البسيط بدلا من خدمة رأس المال الدولى. كان هناك الطبع مكسب حصل عليه مواطنو هذه الدول (الاشتراكية سابقا) فى صورة حقوق الترشيح والانتخاب والمعارضة والتعبير الحر عن الرأى. ولكن الكثيرين (وأنا من بينهم) يعتبر الثمن الذى دفع للحصول على هذه الحقوق ثمنا باهظا، وهو أن يستبدل باحتكار الدولة احتكار الشركات الدولية، وبغسل المخ عن طريق الدولة، غسله عن طريق مختلف أجهزة الدعاية والتسويق التى تستخدمها هذه الشركات.

●●●

حدثت خلال العقود الأربعة الماضية بعض الاستثناءات المهمة، استطاعت فيها دول قليلة من دول العالم الثالث أن تنجو بنفسها من هذا الاستسلام للشركات الدولية العملاقة، وأن تحقق تنمية ناجحة لا تضحى بالمكاسب الاجتماعية، ولا بقوة الدولة، ولكن كان لكل من هذه الاستثناءات تفسيره الذى لا يدحض؟ فى صفحة التشخيص المتقدم.

كانت هناك تجربة ما سمى فى السبعينيات بالنمور الآسيوية، وعلى الأخص تجربة كوربا الجنوبية، تلتها تجربة ماليزيا، وخلال ذلك كانت الصين تقوم ولاتزال بقفزات رائعة، ثم انضمت إليها الهند وتركيا. ولكننا لا نكاد نجد تجربة واحدة مماثلة فى القارة الأفريقية، ولا فى أمريكا اللاتينية، (فيما عدا بوادر مشجعة فى السنوات الأخيرة فى البرازيل) وفى الشرق الأوسط.

من الممكن أن نفسر نجاح كوريا الجنوبية لظروفها الخاصة، والتهديد الذى كانت تمثله كوريا الشمالية. أما الصين فهى قارة بنفسها، تستمد قوتها من حجمها وثقلها. من الممكن أن نعثر على تفسيرات خاصة لحالة الهند، تتعلق بالحاجة إلى دعم قوة منافسة للصين، ولكن الارتكان إلى عوامل خارجية فى تفسير تجربتى ماليزيا وتركيا ليس بهذه السهولة، وقد يكون من الضرورى البحث عن عوامل قوة ذاتية فى كلتا التجربتين، وربما أيضا فى حالة البرازيل.

●●●

إن لنجاح تجربتى ماليزيا وتركيا بالذات، مغزى خاصا لحالة مصر، إذ يظهر فيهما بوضوح ما يتطلبه النجاح من استعادة الدولة القوية، كما هو الوضع فى حالة مصر، دون وجود فوارق كبيرة بينهما وبين مصر فى الحجم أو درجة الغنى بالموارد الطبيعية.

نلاحظ أنه فى كلتا التجربتين (ماليزيا وتركيا) حدث مزيج ناجح بين الدولة القوية، التى ترعى بدرجة عالية مصالح قليلى الدخل، وبين تشجيع القطاع الخاص، بين الاعتماد على القوى الذاتية واتخاذ الوسائل اللازمة لحماية الاقتصاد القوى وبين الانفتاح على العالم الخارجى فيما يتعارض مع هذه الحماية.

كلتاهما تعترف بأهمية التخطيط وضرورته، دون الإفراط فى المركزية ودون التقليل من دور الحافز الفردى. كلاهما يفتح الباب للاستثمار الأجنبى الخاص ولكن مع إخضاع المستثمر الأجنبى بشروط وقيود تمليها المصلحة الوطنية. كلتاهما تمارس الخصخصة ولكن دون افتئات على مشروعات عامة ناجحة، وبشروط تمنع تبديد الأموال العامة لصالح سياسيين مرتشين. اللافت للنظر أيضا أن كل هذا اقترن فى كلتا التجربتين، الماليزية والتركية بدرجة عالية من الديمقراطية وإتاحة حرية التعبير واحترام تراث الأمة، فأثبتت كل منهما أن النجاح الاقتصادى لا يتطلب التضحية بشخصية الأمة، بل على العكس أن الانصياع للإرادة الخارجية يؤدى إلى التضحية بالدين والدنيا معا.

يلاحظ أيضا أن كل من تجربة ماليزيا وتجربة تركيا، بهما بعض أوجه الشبه المهمة بالتجربة الناصرية فى مصر، ولكنها تختلف عنها فى أشياء مهمة أيضا. أعتقد أنه يجب اعتبار كل من التجارب الثلاث تجربة ناجحة فى البدء ببناء نهضة حديثة فى دولة من دول العالم الثالث، وقد ساهم فى ذلك تمتع كل منها بدرجة عالية من حرية الإرادة ورفض الانصياع للضغوط الخارجية، وقيام دولة قوية بدور فعال فى الحياة الاقتصادية والاجتماعية، واتباع نظلام للتخطيط المركزى ودرجة عالية من سيادة القانون. اعتمدت كل من التجارب الثلاث على تعبئة الموارد الذاتية مع إفساح مجال أصغر لرءوس الأموال الأجنبية، واتخذت كل منها إجراءات مهمة للتقريب بين الطبقات.

ولكن النظام الناصرى كان ينتسب لعصر لعبت فيه المعونات الأجنبية دورا كبيرا، بينما تحققت التجربتان الماليزية والتركية فى عصر سيادة الشركات الدولية العملاقة، فحلت الاستثمارات الأجنبية الخاصة محل المعونات الرسمية كان عصر عبدالناصر يتسامح مع الانغلاق الاقتصادى وإقامة الحواجز والسدود أمام السلع والخدمات الأجنبية، فحل محله عصر الانفتاح على العالم.

وقد حاولت التجربتان الماليزية والتركية التعامل مع هذا العصر بنجاح لابد من أن نعترف أيضا بأن الدولة الناصرية كانت أقرب إلى الدولة البوليسية (على الأقل فى سنواتها الأخيرة التالية لهزيمة 1967)، أكثر مما كانت الدولة فى التجربة الماليزية أو التركية. ولكن المناخ العالمى كان يسمح بذلك فى الستينيات (ربما بسبب ظروف الحرب الباردة) أكثر مما أصبح يسمح به الآن.

لماذا نجحت الدولتان الآسيويتان فى تدشين تجربتين باهرتين فى النهضة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولا تنجح دولة كمصر ليست أقل منهما مكانة فى التاريخ أو الثقافة أو حجم السكان أو الموارد الطبيعية بها بل يحيط بها عالم عربى واسع يملك ثروات مهمة، ويتعاطف مع مصر، ومستعد لدعهما وتأييدها، وقبل أكثر من مرة أن يسلم عن طيب خاطر بزعامتها له؟

هناك بالطبع أسباب مهمة تدعو للتفاؤل بأن تقوم مصر من غفوتها وتشرع فى بناء نهضة جديدة كما حدث فى مطلع الخمسينيات من القرن العشرين، وكما حدث فى النصف الأول من القرن التاسع عشر. وقد أثارت نثورة 25 يناير 2011 الآمال من جديد بإمكانية هذه النهضة بعد أكثر من أربعة عقود من شعور ثقيل بالإحباط.

يقوى من هذا الشعور بالتفاؤل ما يبدو من تغيرات جديدة فى العالم، قد تسمح لدولة كمصر بأن تمارس من جديد درجة عالية من حرية التصرف ومقاومة الضغوط الخارجية، مثلما حدث لعبدالناصر ومحمد على من قبل.

الولايات المتحدة التى تتزعم العالم آخذة فى الأفول. لازالت هى أقوى دول العالم عسكريا وأكبرها اقتصاديا، ولكن مركزها النسبى فى الاقتصاد العالمى آخذ فى التدهور، منذ عدة عقود، ولا يبدو هناك مفر من استمرار هذا التدهور ، وتدهور المركز الاقتصادى لابد أن يسفر فى المدى الطويل عن تدهور المركز السياسى والعسكرى. بل وحتى قبل أن يحدث هذا لابد أن يؤدى تدهور المركز الاقتصادى لدولة ما إلى تدهور قوتها فى الساحة وفى تسيير العالم على هواها.

والعالم يشهد بزوغ قوى جديدة لا يمكن الاستهانة بها، وتتقدم بسرعة مذهلة، وتنتمى لحضارات وثقافات غير غربية، وكانت حتى وقت قريب من دول العالم الثالث، فلا يمكن أن تتوقع أن تتنكر لبقية العالم الثالث بمجرد اقترابها من مركز الصدارة.

إنى أعنى بالطبع الصين والهند، ولكن لماذا لا نضيف أيضا ماليزيا وتركيا وإيران (متى خفت الضغوط الخارجية على هذه الدولة الأخيرة)؟ وكذلك البرازيل ودول أصغر منها فى أمريكا اللاتينية، وإن كانت أقرب فى ثقافتها إلى ثقافة الغرب، من الدول الآسيوية؟ لماذا لا يبعث هذا أيضا مزيدا من التفاؤل فى نفوس المصريين وبقية العرب، بإمكانية الشروع فى بناء نهضة جديدة؟

بل إن من مصادر التفاؤل أيضا ما كشفت عنه ثورة 25 يناير من تغيرات رائعة فى الجيل الجديد من الطبقة الوسطى المصرية، وكأنه هو الجيل الثانى من الانفتاحيين، أفادوا من الانفتاح على العالم ولكنهم أكثر ثقة بأنفسهم من الجيل السابق، وأكثر تمسكا بتراثهم، والنساء من بينهم أكثر تحررا، عقليا ونفسيا، وأكثر ثقة بالنفس دون التنكر لتقاليد أمتهم.
ولكنى أعود فتساورنى بعض الشكوك والقلق. إن العالم العربى مصاب فى موضعين ليس لهما مقابل فى أى منطقة أخرى من العالم الثالث أو المتقدم، وليس من السهل علاجها: إسرائيل من ناحية، وثروة البترول من ناحية أخرى.

وكلا المصابين (وأكاد أقول المصيبتين لولا صعوبة وصف الثراء بالبترول بهذا الوصف) يؤديان إلى تأخير تحرر الفريسة من قناصيها، حتى مع ما نلاحظه من ازدياد ضعف القناصين. فهل تكفى الإرادة الوطنية المصرية والعربية لتحقيق هذا التحرر؟ وهل السلطات الجديدة التى تسلمت أو سوف تتسلم مقاليد الأمور فى مصر وفى غيرها من البلاد العربية التى تموج الآن بالثورات، لها نفس هذا التصور لمتطلبات النهضة وشروط تحقيقها، بل وحتى بغرض حصول مصر ودول عربية أخرى على درجة عالية من الديمقراطية واستراداد المصريين (وبعض أشقائهم العرب) حقوقهم المسلوبة فى الترشح والانتخاب وحرية التعبير، التى حرموا منها عقودا طويلة، هل تكفى حقا هذه الديمقراطية المنقولة حرفيا من كتب غربية، لاسترداد حريتنا الحقيقية التى يمكن أن نبنى بها النهضة المنشودة؟

الجمعة، 8 يوليو 2011

بين الدولة الرخوة.. والدولة القوية

الشروق - الجمعة 8 يوليو 2011

إنى أعلق أهمية قصوى على ما حدث فى مصر من تحول (فى أعقاب هزيمة 1967)، من عهد الدولة القوية إلى عهد الدولة الرخوة. وقد طرحت فى الأسبوع الماضى الفكرة الآتية: إن السبب الأساسى فيما طرأ على الاقتصاد المصرى من تدهور، خلال العقود الأربعة الماضية، هو هذا التحول بالضبط، من دولة قوية إلى دولة رخوة. وذهبت إلى أن كثيرا جدا مما نشكو منه فى حياتنا الاقتصادية يمكن رده إلى هذا التغير.

وإذا كان الأمر كذلك، فالخروج من محنتنا الاقتصادية الحالية يشترط قبل كل شىء العودة إلى الدولة القوية، وإن كنت قد أسرعت بالتأكيد على أن المقصود ليس العودة إلى صورة طبق الأصل من دولة الستينيات فى مصر، فالعالم قد تغير خلال الأربعين عاما الماضية مما يجعل هذه العودة أمرا لا هو ممكن ولا هو مطلوب.

لماذا أعتبر ظهور الدولة الرخوة فى مصر مسئولا عما نحن فيه من مشكلات اقتصادية؟ انظر إلى ما فعلته الدولة القوية فى مصر فى السنوات العشر السابقة على الهزيمة العسكرية (57 ــ 1967).

عرفت مصر فى هذه السنوات العشر نظام التخطيط الاقتصادى لأول مرة، ووضعت أول خطة خمسية للتنمية (60 ــ 1965)، التى يمكن اعتبارها فى الحقيقة الخطة الجادة الوحيدة فى تاريخ مصر الاقتصادى، وكانت نتيجتها الارتفاع بمعدل الاستثمار ومعدل التصنيع ومعدل نمو الناتج القومى. لم يكن من الممكن أن يتم ذلك فى ظل دولة رخوة، ولا كان من الممكن إلا فى ظل دولة قوية اتخاذ إجراءات عميقة الأثر لإعادة توزيع الدخل، وتعميم الخدمات المجانية فى التعليم والصحة، أو المدعومة بقوة من الدولة، كالإسكان الشعبى، وتعديل قانون الإصلاح الزراعى مرتين لصالح صغار المزارعين، وإشراك عمال الصناعة فى الأرباح والإدارة. كان اتخاذ قرار بناء السد العالى يتطلب أيضا وجود دولة قوية، وقد أدى بناء السد العالى، مع ارتفاع معدل التصنيع وضمان الدولة لتعيين الخريجين، إلى تخفيض معدل البطالة الموسمية والمقنعة والمكشوفة، كما أدى تدخل الدولة الصارم بتقييد الواردات لصالح التصنيع، والتقييد الصارم لحركة رؤوس الأموال إلى تخفيض العجز فى الميزان التجارى وميزان المدفوعات، والمحافظة على ثبات سعر الصرف، كما أدت المراقبة الصارمة للإنفاق الحكومى إلى تخفيض عجز الموازنة العامة، والمحافظة على درجة عالية من ثبات الأسعار.

تطلبت هذه الإنجازات الرائعة ليس فقط دولة قوية إزاء الإقطاعيين والرأسماليين الوطنيين وغير الوطنيين، وإزاء المفسدين من جميع الطبقات فى داخل مصر، بل كانت تتطلب أيضا دولة قوية إزاء الضغوط الآتية من الخارج. وكان من حسن حظ مصر فى تلك الفترة (عصر الحرب الباردة والحياد الإيجابى) إن المناخ العالمى سمح لها بممارسة درجة عالية من حرية الإدارة إزاء المؤسسات المالية الدولية وإزاء الدول الكبرى. لقد اتخذت مصر قرار بناء السد العالى تحديا لموقف البنك الدولى برفض تمويله، وأممت قناة السويس تحديا لبريطانيا وفرنسا، وفرضت درجة عالية من الحماية للصناعة الوطنية تحديا لتوجيهات صندوق النقد الدولى. وعلى الرغم من بداية الاعتماد على القمح الأمريكى فى تلك الفترة، ظلت نسبة الاكتفاء الذاتى فى القمح وغيره من المواد الغذائية فى حدود معقولة، فى ظل معدل مرضٍ لنمو القطاع الزراعى.

لم يكن المناخ الدولى فى تلك الفترة معاديا لوجود الدولة القوية فى دول كثيرة من دول العالم الثالث، فاستطاعت مصر (كما استطاعت دول أخرى فى آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية) تأميم جزء كبير من مشروعات القطاع الخاص، وبناء قطاع عام قوى، وتطبيق نظام فعال فى دعم السلع والخدمات الضرورية، وإخضاع الاستثمار الأجنبى لقيود تمليها المصلحة الوطنية. وقد سمح كل هذا بأن تظل المديونية الخارجية فى حدود معقولة، لا تشكل خدمتها عبئا كبيرا على ميزان المدفوعات.

بدأ هذا البنيان العظيم فى الانهيار بمجرد أن تراخت قبضة الدولة على الاقتصاد بحدوث هزيمة 1967. أصبحت الدولة أضعف من أن تطالب الناس بضغط الاستهلاك للمحافظة على معدل عام للاستثمار، إذ أصبح تدليل الطبقة الوسطى مطلبا سياسيا مهما بعد الهزيمة. ولعجز الدولة عن تعبئة المدخرات، مع انخفاض شديد فى حجم المعونات الخارجية كجزء من العدوان على مصر، عجزت مصر عن تحقيق الاستثمارات اللازمة، فأصبحت خطة السنوات الخمس التالية (65 ــ 1970) حبرا على ورق.

احتلت اعتبارات الأمن وتهدئة الناس الأهمية التى كان يحتلها الاقتصاد قبل الهزيمة، وكان المقصود من شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، منع أى صوت أو عمل يهدد أمن النظام. تهاون النظام «لنفس السبب» فى حماية الصناعة المحلية، فغض النظر عن عمليات تهريب السلع الاستهلاكية التى كان ممنوعا استيرادها، كما تهاون فى السير فى طريق إصلاح التعليم، فسمح للجامعات باستقبال الأعداد الكبيرة من الطلاب كوسيلة أخرى لمنع تذمر الطبقة الوسطى. كما لم يعد الوقت مناسبا لاتخاذ قرارات جديدة لتضييق الفجوة بين الطبقات، إذ لم يعد النظام بعد الهزيمة فى حالة تسمح له بخلق أعداء جدد.

ومع كل ذلك «بل بسبب كل ذلك» اشتد ساعد الدولة البوليسية. إذ تحولت الدولة القوية بعد 1967 إلى دولة خائفة، تحمى نفسها لا بتعاطف الناس معها، بل بمراقبتهم ليلا ونهارا، والتنبه لكل همسة أو حركة طفيفة قد تخفى وراءها عملا ضد النظام.

مع مرور الوقت على الهزيمة تبين لنا بالتدريج أن أحد الأهداف الأساسية للاعتداء العسكرى الإسرائيلى على مصر فى 1967، هو هذا بالضبط: التخلص من الدولة القوية، إذ كانت للدولة المصرية القوية أبعاد كثيرة فى السياسة ضد إسرائيل، وفى السياسة العربية والخارجية.

وقد ثبت أن شخصية أنور السادات تلائم تماما هذا التحول من الدولة القوية إلى الدولة الرخوة، وسرعان ما ظهر هذا فى الاقتصاد كما ظهر فى غيره.

لم تكن سياسة الانفتاح التى دشنها السادات فى 1974 سياسة خاطئة تماما، فلم تكن هناك ضرورة فى السماح للمصريين بالخروج للعمل فى دول البترول، ولا فى فتح الباب لتسهيل استيراد السلع الوسيطة، ولا فى إصدار قانون جديد لتشجيع الاستثمار الأجنبى الخاص بعد الانخفاض الشديد فى المعونات الخارجية، بل ولا حتى فى التنازل عن الملكية العامة فى بعض المشروعات التى كان تأميمها لأسباب سياسية أكثر منه لدواع اقتصادية.

لكن كل هذا كان يتطلب لنجاحه إجراءات أخرى لم تتخذها دولة السادات. فأصبحت دولته، ليست مجرد دولة أكثر انفتاحا على العالم، بل دولة رخوة بكل معنى الكلمة. كان الانفتاح استهلاكيا وليس انفتاحا إنتاجيا. الهدف منه تشجيع الاستهلاك لا تشجيع الإنتاج. كان الانفتاح الرشيد يتطلب مثلا اتخاذ الإجراءات اللازمة لتوجيه تحويلات المصريين العاملين فى الخارج، فى اتجاهات منتجة وليس فى مجرد إرضاء النهم الاستهلاكى. كان من الواجب التمييز بين السماح بمزيد من الاستيراد الذى يخدم العملية الإنتاجية وبين إغراق السوق بالسلع الاستهلاكية والاستفزازية. كان من الممكن تشجيع الاستثمارات الأجنبية الخاصة دون إطلاق حريتها الكاملة فى تحديد محاولات الاستثمارات، وسياسة العمالة، وفى إنشاء بنوك أو فروع لبنوك عالمية لا هم لها إلا تعبئة مدخرات المصريين (خاصة تحويلات العاملين بالخارج) وتوجيهها إما للخارج، أو لاستثمارات فى داخل مصر ولكنها ضعيفة الأثر فى دفع عجلة التنمية.

بل كان من الممكن فى ظل سياسة الانفتاح تخفيض عبء الدعم الذى كانت تتحمله الحكومة، شيئا فشيئا، حتى تعود الأسعار تدريجيا للتعبير عن التكلفة الحقيقية للسلع، ولكن بشرط اتخاذ إجراءات كافية لتحقيق مزيد من العدالة فى توزيع الدخل. أما أن تسحب الحكومة يدها من تقديم الدعم ومن توفير الوظائف للخريجين، دون أن تضمن تحقيق الاستثمارات الكافية لتوظيف المتبطلين ورفع مستوى الدخل، وتتهاون فى الوقت نفسه فى تحصيل الضرائب، فهذا ليس مجرد سمة من سمات دولة تؤمن بتطبيق مبدأ حرية السوق، بل هو من سمات دولة ضعيفة تنفذ كل ما يأتيها من الخارج من توجيهات، وتخضع لرغبات طبقة جديدة فى الداخل، لا حد لطموحاتها المادية، وكأنها تريد الانتقام من نظام الستينيات الذى ضيق عليها فرض الكسب والتربح وتكوين الثروات، ولو أدى هذا الانتقام وهذه الطموحات إلى التضحية بسلالة الاقتصاد المصرى.

●●●

زادت رخاوة الدولة شيئا فشيئا مع مرور السنوات فى عهد السادات، واستمرت رخاوتها فى الزيادة فى عهد حسنى مبارك، سواء إزاء القوى الخارجية ذات المصلحة أو إزاء الطبقة الجديدة فى مصر، حتى وصل الاقتصاد المصرى إلى ما هو عليه الآن: معدل نمو منخفض فى الناتج القومى، معدل بطالة مرتفع، جهاز إنتاجى مختل لصالح الخدمات، وعلى حساب الصناعة والزراعة، ونسبة عالية من الاعتماد على الخارج فى توفير بعض السلع الأساسية، أهمها القمح، ومستوى عال من الديون الداخلية، ونمط بالغ السوء لتوزيع الدخل، ونظام للتعليم متهالك.. إلخ، بينما يمرح التليفزيون ليلا ونهارا فى تسلية المصريين وإثارة المزيد من التطلعات الاستهلاكية، أملا فى صرفهم عن التفكير فى مشكلاتهم الحقيقية.

●●●

إذا كان هذا التشخيص صحيحا، أو حتى قريبا من الصحة فلا مفر، من أجل تصحيح حالة الاقتصاد المصرى، من العودة إلى الدولة القوية. وقد ثارت الآمال بشدة بقيام ثورة 25 يناير، وتنحية نظام حسنى مبارك، فى أن يعود عهد الدولة القوية إلى مصر. ولكننى أعود فأكرر أن عالم اليوم لم يعد كما كان فى 1956 أو 1961. لقد مر على قيام الدولة المصرية بتأميم قناة السويس أكثر من نصف قرن، وبعد أيام قليلة يكتمل نصف قرن بالضبط على قيام جمال عبدالناصر بإعلان تأميمات شاملة للمشروعات الصناعية والتجارية، وإعلان إجراءات لإعادة توزيع الدخل التى قطعت شوطا بعيدا فى تحقيق العدالة الاجتماعية. فما هى التغيرات التى حدثت فى مصر وفى العالم، خلال نصف القرن الماضى، التى تجعل تكرار هذه التجربة مستحيلا اليوم، بل ومن غير المرغوب فيه.

وما هو الممكن عمله الآن للنهوض بالاقتصاد المصرى، وتحقيق المزيد من عدالة التوزيع، مما تسمح به ظروف مصر والعالم اليوم؟ هذا هو ما سأحاول مناقشته فى المقال التالى.

الجمعة، 1 يوليو 2011

محاولة للتشخيص.. ولتحديد العلاج

الشروق - الجمعة 1 يوليو 2011

تُنسب لاقتصادى إنجليزى كبير، المقولة الطريفة الآتية، والتى تنطوى مع ذلك على حقيقة مهمة: «إذا طلبت من خمسة من الاقتصاديين أن يبدوا رأيهم فى مشكلة اقتصادية، حصلت على ستة آراء!».

هذه المقولة لها للأسف نصيب كبير من الصحة، ولهذا فى رأيى سببان: الأول أن تشخيص المشكلة الاقتصادية واقتراح علاج لها، لهما علاقة وثيقة، فى معظم الأحوال، بالموقف الأيديولوجى للشخص الذى يقوم بالتشخيص أو يصنف العلاج، أى علاقة وثيقة بموقف الشخص السياسى والاجتماعى، ونوع ولائه الذى يتأثر بالطبقة التى ينتمى إليها، وطموحاته السياسية.

إذا كان الأمر كذلك، فإن التشخيص والعلاج اللذين يدلى بهما الاقتصادى لابد أن يعكسا ميوله وأهواءه، فلا عجب أن يختلف الاقتصاديون فيما بينهم حول معظم القضايا التى يدلون برأيهم فيها.

السبب الثانى لاختلاف الآراء، أن المشكلة الاقتصادية ليست فى العادة مشكلة بسيطة بل معقدة ومركبة، بمعنى أنها تتأثر وتؤثر فى مشاكل أخرى كثيرة ليست كلها اقتصادية بحتة، بل يتعلق بعضها بالأحوال السياسية والاجتماعية والنفسية. وآراء الناس تختلف فى تشخيص هذه الآثار المختلفة ومن ثم فى اختيار العلاج الأنسب للمشكلة المطروحة. إلى أى مدى مثلا ترجع الزيادة الكبيرة فى الاستهلاك إلى زيادة السكان، أو إلى تغير ميول الناس، أو إلى تغير السياسة الاقتصادية، أو إلى درجة الانفتاح على العالم ..إلخ؟ أو إلى أى مدى يرجع ارتفاع معدل نمو السكان إلى عوامل اقتصادية أو اجتماعية أو دينية؟ بل هل يعمل على ارتفاع معدل نمو السكان ارتفاع متوسط الدخل أم انخفاضه ..إلخ؟ وهكذا تختلف التفسيرات والتشخصيات لأن تحديد الإجابة الصحيحة على مثل هذه الأسئلة ليس سهلا بالمرة، ويندر أن توجد الأرقام أو البيانات التى ترجح إجابة على أخرى.

لا عجب، والحال كذلك، أن تصادف إجابات مختلفة من الاقتصاديين المصريين على السؤال عن التشخيص «الحقيقى» لمشكلة مصر الاقتصادية، وعن «أفضل» وسائل العلاج. وعندما أزعم فى هذا المقال أنى سأحاول تقديم تشخيص لمشكلتنا الاقتصادية، واقتراح علاج لها، فأنا لا أتوقع بالمرة أنى سوف أقدم شيئا سيحظى بتأييد كل (أو معظم) الاقتصاديين المصريين (إذ كيف أتوقع ذلك وحالة الاقتصاديين، سواء فى مصر أو فى غيرها، هى كما وصفت؟). بل إنى أرجو فقط (بالإضافة إلى الحصول على تأييد بعض الاقتصاديين الذين يشتركون معى فى نفس التحيزات والميول السياسية والاجتماعية، وكذلك تأييد بعض من لا يتركون العنان لعواطفهم فى رفض كل ما يبدو متعارضا مع تحيزاتهم) أن ألفت النظر إلى أهمية بعض العوامل التى ساهمت فى خلق مشكلتنا الاقتصادية الحالية، وازديادها سوءا، ومن ثم ألفت النظر أيضا إلى بعض الشروط المهمة واللازمة للخروج من هذه الأزمة.

هذه العوامل والشروط التى سأحاول لفت النظر إليها وتأكيدها، قد لا تكون اقتصادية بحتة. بل هى فى الحقيقة ليست اقتصادية بحتة، ولكننا يجب ألا نستغرب ذلك. فالاقتصاد، كما ذكرت حالا، يتداخل بشدة مع السياسة ومع الظروف الاجتماعية والنفسية السائدة، ومن ثم فمن الممكن جدا أن يكون الاقتصاديون غير كافين بالمرة لإرشادنا إلى الطريق الصحيح، خاصة إذا كانوا من هؤلاء الاقتصاديين الذين لا يفكرون إلا فى الاقتصاد، أو لا يرون غيره. فإذا كان من الصحيح القول بأن الحرب أخطر من أن تترك للعسكريين وحدهم، فإن تشخيص وحل مشكلتنا الاقتصادية لا يمكن أن يعتمدا فقط على اقتصاديين تضيق مخيلتهم عن استيعاب ما يتجاوز الأمور الاقتصادية.

●●●

إذا أردنا أن نبدأ البحث عن جذور مشكلتنا الاقتصادية الحالية، فإلى أين نذهب بالبحث والتنقيب؟إنى أعتقد أن جذور مشكلتنا الاقتصادية الحالية تبدأ من الهزيمة العسكرية فى 1967. (أعرف أنى بمجرد أن أقول هذا سأفقد تعاطف فريق كبير من الاقتصاديين المصريين الذين لا يتعاطفون بالمرة مع العهد الناصرى، لأسباب شتى بعضها لا علاقة له بالاقتصاد، ومن ثم فهم يفضلون أن يحددوا بداية التدهور ببداية العهد الناصرى، بل وربما بقيام ثورة 1952. وأنا أفهم هذا الموقف جيدا، بل ولا أعفى النظام الناصرى من بعض الأخطاء الجسيمة، ولكنى أعتقد أن أخطاء هذا النظام فى الميدان الاقتصادى لم تكن جسيمة، بل أعتقد أن انجازات ذلك العهد الاقتصادية كانت واقعة، وقد تمثل سوء حظ مصر فى هذا الميدان، ليس فيما فعله عبدالناصر بالاقتصاد، بل فيما فعله أعداء مصر بالاقتصاد المصرى والسياسة المصرية على السواء).

أعود لأقول إن نقطة البداية المشئومة كانت هزيمة 1967، أى منذ 44 عاما. فمنذ ذلك الوقت أصبح الاقتصاد المصرى اقتصادا عليلا. لم يكن عليلا فى السنوات العشر السابقة (57 ــ 1967)، وقد ظل عليلا منذ ذلك الوقت، أى منذ 1967 وحتى الآن وكما يجب على الطبيب الذى يبحث عن التشخيص الصحيح للمرض وأفضل طرق علاجه، أن يميز بين الأسباب الأصيلة للمرض وبين أعراض المرض، فإنى سأحاول أن أفعل الشىء نفسه فيما يتعلق بمشكلتنا الاقتصادية، فأميز بين الأسباب الأصلية للمشكلة وبين نتائجها وأعراضها. وسوف يلاحظ القارئ أنى سأضع بين النتائج والأعراض، مشكلات قد يعتبرها كثيرون مشكلات أساسية، بل وقد يعتبرها بعض الاقتصاديين أس البلاء، والمسئولة عما عداها مما يشكو منه. سوف أعتبر من قبيل النتائج، أو من قبيل المشكلات الثانوية أو حتى الأعراض، مشكلات مهمة مثل تباطؤ معدل نمو الناتج القومى، (ومن ثم تباطؤ متوسط الدخل وبتاطؤ التحسن فى مستوى المعيشة)، وتباطؤ معدل التصنيع، واتساع الفجوة بين الدخول، وارتفاع معدل البطالة، وارتفاع معدل التضخم، واتساع العجز فى الميزان التجارى، وتدهور سعر الصرف، وزيادة الديون الخارجية والداخلية، وتدهور مستوى الإنتاجية، وتدهور مستوى التعليم.. إلخ، ولابد أن هناك أشياء أخرى كثيرة يمكن ضمها إلى ما أعتبره من النتائج أو الأعراض، وليس من الأسباب الأصيلة أو الأساسية للمرض.

ما الذى اعتبره إذن السبب الأصيل لمشكلتنا الاقتصادية، أو الموطن الأصلى لمرضنا الاقتصادى؟ قبل أن أجيب عن هذا السؤال أود أن أذكر ملاحظتين:
الملاحظة الأولى: إن أعراض مشكلتنا الاقتصادية (أو ما أسميه بالنتائج وليس السبب الأساسى للمشكلة) وإن كانت قد بدأت فى 1967، ومازالت موجودة حتى اليوم، فإنها لم تسر بوتيرة واحدة طوال هذه الفترة (أى طوال الـ44 عاما الماضية).

كانت هذه الأعراض فى بعض السنوات أسوأ منها فى غيرها، بل حدث أن مرت هذه الأعراض فى بعض السنوات بتحسن ملحوظ. وإنما يرجع قولى أنها استمرت منذ 1967 وحتى الآن، إن التحسن فيها، عندما كان يحدث، كان يحدث دائما نتيجة أسباب عارضة لا يمكن الاطمئنان إلى استمرارها، ومن ثم فبمجرد زوال هذه الأسباب العارضة كانت أعراض المرض تعود من جديد، بل وربما أشد مما كانت. والحال هنا يشبه انخفاض حرارة الجسم بنتيجة استخدام الاسبرين أو أى مخفض عارض للحرارة، إذ لابد أن تعود الحرارة إلى الارتفاع بعد انتهاء أثر هذا المخفض، طالما كانت الأسباب الرئيسية للمرض قائمة ولم يتم القضاء عليها.

خذ على سبيل المثال ما حدث لمعدل نمو الناتج القومى لقد تدهور بشدة فى السنوات الثمانى التالية لهزيمة 1967 (67 ــ 1975)، ولكنه تحسن بشدة فى السنوات العشر التالية (75 ــ 1985). ثم تدهور معدل النمو بعد ذلك وظل منخفضا لمدة عشرين عاما (1985 ــ 2005)، ثم تحسن مر أخرى فى السنوات الثلاث (2005 ــ 2008) ثم انخفض مرة أخرى ولايزال منخفضا.

لقد كان التحسن لأسباب عارضة غير مضمونة الاستمرار. ففى الفترة (75 ــ 1985) كان التحسن فى معدل النمو ناتجا عن ارتفاع أسعار البترول وإعادة فتح قناة السويس وتدفق تحويلات العاملين بالخارج، وكلها نتيجة لظروف خارجية غير عادية، وواهية الصلة بمدى قوة أو ضعف بنيان الاقتصاد المصرى. فلا عجب أن عاد معدل نمو الناتج القومى إلى الانخفاض بمجرد انخفاض أسعار البترول فى منتصف الثمانينيات وتراخى معدل الهجرة ثم شهد معدل نمو الناتج القومى ارتفاعا ملحوظا فى السنوات الثلاث (2005 ــ 2008) بسبب قفزة الاستثمارات الأجنبية الخاصة، ولكن هذا أيضا لم يكن نتيجة لاسترداد الاقتصاد المصرى لقوته، بل لأسباب تعود فى رأيى لظروف خارجية لا يطمأن إلى استمرارها، وقد انخفضت هذه الاستثمارات الأجنبية بشدة، على أى حال، بمجرد حدوث الأزمة العالمية فى 2008.

يمكن أن نقول شيئا مماثلا عن مشكلة البطالة. فالتحسن فى حالة البطالة الذى حدث فى السنوات العشر (75 ــ 1985) لم يحدث بسبب تحسن حالة الاقتصاد المصرى أو ترشيد السياسة الاقتصادية بل لمجرد ظهور فرص هائلة للهجرة إلى بلاد البترول عقب ارتفاع أسعاره فى 73/ 1974 ثم فى 1979، وحتى انكمشت هذه الفرص فى منتصف الثمانينيات (بسبب انخفاض أسعار البترول) عادت حالة البطالة إلى التدهور، واستمرت فى التدهور حتى اليوم، رغم كل ما يقدم من أرقام للتدليل على تحسن مزعوم فى بعض السنوات.

بل أستطيع أن أقول الشىء نفسه عن كل ما أعتبره أعراضا للمشكلة الأساسية، أو نتائج لها (كالعجز فى الميزان التجارى وزيادة المديونية الخارجية والداخلية، وارتفاع معدل التضخم وتدهور سعر الصرف.. إلخ). فالتحسن الذى كان يحدث فى أى منها فى بعض السنوات كان تحسنا لظروف طارئة ليست ناتجة عن تحسن فى حالة الاقتصاد أو السياسة الاقتصادية. هل كان الانخفاض الكبير فى المديونية الخارجية مثلا، عقب الغزو العراقى للكويت، نتيجة تحسن فى أداء الاقتصاد المصرى، أم بسبب قرار أمريكى بإعفاء مصر من بعض ديونها لتسهيل مهمة الأمريكيين فى الخليج؟ وهل كان التحسن فى حالة التضخم فى التسعينيات بسبب أداء اقتصادى أفضل أم بسبب سياسة انكماشية فرضها علينا صندوق النقد الدولى ابتداء من 1991، فخففت من حدة التضخم ولكنها أضرت بمعدل نمو الناتج القومى وزادت من معدل البطالة؟

الملاحظة الثانية: أنى لا أنكر بالمرة أن بعض المشكلات التى وصفتها بالثانوية أو بأنها أعراض لمشكلة أعمق، لها أهمية قصوى، فوصفها بأنها «أعراض» لا يعنى قلة أهميتها بل مجرد أنها ناتجة عما اعتبره المشكلة الأساسية، ومن ثم لا يمكن علاجها إلا بعلاج المشكلة الأساسية.

هل ينكر أحد مثلا أهمية تدهور نظام التعليم فى مصر، وأثره فى تدهور مستوى الإنتاجية، بل وحتى فى ارتفاع معدل البطالة؟ كذلك هل يمكن لأحد أن ينكر الأضرار الناتجة عن ارتفاع معدل نمو السكان، وكم كان يمكن لمستوى المعيشة أن يكون أفضل منه الآن لو كان معدل نمو السكان أقل مما هو؟ كلا لا يمكن لأحد أن ينكر هذا. كذلك ذهب أحد اقتصاديينا الكبار فى مقال حديث إلى أن مشكلتنا الأساسية هى استمرار العجز فى الميزان التجارى، أى عجز الصادرات عن أن تلحق بالواردات. فهل يمكن لأحد أيضا أن ينكر أن استمرار هذا العجز يمثل عقبة خطيرة فى سبيل رفع مستوى المعيشة؟ كلا لا يمكن أن ننكر هذا أيضا. ولكنى أعود فأقول إن هذا العجز فى الميزان التجارى، وكذلك استمرار معدل النمو المرتفع فى السكان (وتدهور نظام التعليم) تعود إلى شىء آخر أعتبره العلة الأساسية.

هذه العلة الأساسية هى فى رأيى، ما أصاب الدولة المصرية من ضعف شديد عقب هزيمة 1967 (وإلى حد كبير بسببها)، فأصاب إرادتها الشلل، واستشرى الفساد، وسيطر المال على السلطة، وتحكم الدافع إلى تحقيق المزيد من الثراء، فى القرارات السياسية، واستسلمت الدولة بالتدريج لإرادة قوى خارجية لها أغراض مختلفة تماما عما فيه صالح المصريين، وتتعارض مع اتخاذ الحلول الحاسمة لمشاكل الاقتصاد المصرى.

هذا هو فى رأيى التشخيص الصحيح لمشاكل مصر الاقتصادية. فإذا كان هذا هو التشخيص الصحيح حقا، فلا علاج إلا باستعادة الدولة المصرية قوتها، ونفض غبار هذه الرخاوة الفظيعة التى أصابتها منذ أكثر من أربعة عقود، واستمرت طوال عهدى السادات وحسنى مبارك. ولهذا فإنى أعتبر أن أهم أمل يمكن تعليقه على ثورة 25 يناير، وإسقاط نظام مبارك، من حيث تحقيق الإصلاح الاقتصادى، هو استعادة الدولة المصرية لقوتها.

من نافلة القول أنى لا أقصد عودة الدولة البوليسية التى تخلصنا منها بإزاحة نظام مبارك، لا أعادها الله إلى مصر. فالدولة البوليسية ليست فى الحقيقة دولة قوية، بل دولة فاسدة، تحاول حماية فسادها بقهر مواطنيها. وهى دولة فاشلة فى كل شىء إلا فى تسهيل جمع المال للممسكين بالسلطة، ولا تطبق من القوانين إلا ما يسمح لهؤلاء بمزيد من الثروة، وهى فى نفس الوقت دولة ضعيفة إزاء الجميع، فى الخارج والداخل، إلا فى قهر المعارضين وإذلال المواطنين.
كذلك فإنى لا أقصد بالدولة القوية المطلوبة الآن لمصر، نسخة طبق الأصل من دولة الخمسينيات والستينيات. فالعالم تغير تغيرا شديدا فى الخمسين أو الستين عاما الماضية. وكثيرا مما كان يصلح منذ خمسين عاما لم يعد يصلح الآن.

نعم، لا يمكن فى رأيى حل مشكلات مصر الاقتصادية إلا باستعادة الدولة القوية، ولكن بمواصفات تساير روح العصر وتستجيب لمتطلباته.

لماذا اعتبر أن غياب الدولة القوية هو المرض الحقيقى الذى تولدت عنه مختلف المشكلات الاقتصادية التى نشكو منها الآن فى مصر؟ وما هى بالضبط مواصفات «الدولة القوية» المطلوبة اليوم لعلاج هذه المشكلات؟ أرجو أن أجيب عن هذين السؤالين فى المقال التالى.