د. جلال أمين

د. جلال أمين
أستاذ الإقتصاد بالجامعة الأمريكية والمفكر المصرى الكبير

الجمعة، 24 يونيو 2011

فى ذكرى نجيب محفوظ

الشروق - الجمعة 24 يونيو 2011

لا يجوز، ونحن مشغولون بالثورة ومشاكلها، أن ننسى أنه فى هذا العام تحل الذكرى المئوية لمولد نجيب محفوظ. الثورة مهمة طبعا، ولكن نجيب محفوظ مهم أيضا، والتفكير فى نجيب محفوظ مفيد حتى فى إلقاء مزيد من الضوء على المشاكل التى تصادفنا بعد مرور خمسة أشهر على الثورة.

أقول هذا لأن نجيب محفوظ لم يكن فقط أديبا عظيما، بل كان أيضا مفكرا كبيرا ووطنيا حتى العظام.

كانت مشاكل مصر السياسية، ومشاكل المصريين الاقتصادية والاجتماعية شاغله المستمر، ولكن وسيلته الأساسية (بل أكاد أقول الوحيدة) فى تعبيره عن رأيه فيما يجرى فى مصر، هى الرواية أو القصة. نعم كان نجيب محفوظ يكتب مربعا صغيرا فى كل أسبوع لجريدة الأهرام، وكان يدلى من حين لآخر بحديث صحفى، ولكن من السهل جدا أن نلاحظ أن لا هذا ولا ذاك كان من الأعمال المحببة له. بل إننى كثيرا ما كنت أشعر (وكذلك كثيرون غيرى)، بأن نجيب محفوظ كان يكتب مربعه فى الأهرام بالرغم منه. فهو مربع صغير للغاية، وفى موضوعات ليست كلها مهمة، ونادرا ما تظهر فيه حماسة لما يكتب.

مثل هذا نلاحظه على أحاديثه الصحفية. مختصرة، ولا يقوم بها إلا عند الضرورة، وكأنه يعتبرها شرا لابد منه. فهو شخصية عامة ومهمة، ولا يستطيع أن يقاطع وسائل الإعلام مقاطعة تامة.

فهذا - فيما يبدو - أمر يكاد يخرج عن حدود اللياقة فى معاملة أهل وطنه. ولكنه يستطيع أن يقول كلاما مختصرا، وهو ليس ملزما دائما بأن يقول كل ما يشعر به. لهذا كانت أحاديث نجيب محفوظ لوسائل الإعلام قليلة للغاية، ولا تتناسب أبدا مع أهميته وإقبال الصحفيين عليه.

أما التليفزيون، فما أقل ظهوره فيه، وهو شىء مفهوم جدا أيضا، من رجل بمثل مزاج نجيب محفوظ وشخصيته.

●●●

قابلت نجيب محفوظ ثلاث مرات، أحمل لها ذكريات عزيزة، على الرغم من أنها لم تكن مقابلات طويلة، وكنت فى اثنتين منها واحدا من عدد كبير من الناس.

كانت المرة الأولى بعد شهور قليلة من مقتل الرئيس السادات. وكنت سائرا على كورنيش الإسكندرية، ومررت بمقهى الشانزليزيه المطل على الكورنيش، ورأيت حول إحدى الموائد نجيب محفوظ وبجواره توفيق الحكيم واثنان أو ثلاثة آخرون لا أذكر منهم إلا إبراهيم فرج، الوفدى العتيد. تشجعت ودخلت المقهى وقدمت لهم نفسى.

وتذرعت فى تبرير جرأتى فى اقتحام جلستهم، بأننى ابن الأستاذ أحمد أمين، الذى كنت واثقا من أنهم جميعا يعرفونه ويقدرونه. كنت أعرف أن نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم لا يمانعان فى مثل هذه الجلسات أن ينضم شخص غريب إليهم، فالكلام فيها يتناول عادة موضوعات عامة تهم الجميع. وقد اعتادا تجرؤ الناس على الانضمام إليهما بسبب ما يحظيان به من شهرة وتقدير عام.

أوسع لى نجيب محفوظ مكانا بجواره، وإن كان قد طلب منى أن أجلس على يساره بدلا من يمينه بسبب ضعف سمعه. كان نجيب محفوظ مستمعا جيدا جدا، نلاحظ ذلك على تعبيرات وجهه وهو ينصت للمتكلم، وقلة ميله للاستطراد فى الكلام. كنت أنا فى ذلك الوقت (والحق يقال) سعيدا باختفاء أنور السادات من السياسة المصرية، لما كنت أحمله من كراهية شديدة لسياساته الداخلية والخارجية، وسرعان إذن ما عبرت عن هذا الشعور فى هذه الجلسة، وكنت أتوق لمعرفة ما إذا كان محفوظ أو الحكيم يشاركانى فى شعورى نحو السادات.

كنت أعرف مما سمعته عن محفوظ من قبل، وبعض ماقرأت له، أنه لا يحمل مودة كبيرة لجمال عبدالناصر، لأسباب لا داعى للخوض فيها الآن، كما كنت أعرف أنه لم يكن يعارض معاهدة السلام مع إسرائيل. وكنت أنا أختلف معه فى الأمرين، ومع ذلك فإن حبى لنجيب محفوظ كان يجعلنى على استعداد دائم لأن أتحمل منه مثل هذا. بل كنت أيضا، بسبب يقينى التام بوطنيته واهتمامه البالغ بأمور وطنه، أميل دائما للبحث عن مبررات لاتخاذه هذا الموقف أو ذاك، مما لا يحول الموقف الخاطئ فى نظرى إلى موقف صحيح، ولكنه يبرئ نجيب محفوظ تماما من أى نقد يتعلق بالنزاهة أو الحكمة.

كم سرنى إذن أن أسمع تعليق نجيب محفوظ على نقدى الشديد لما فعله السادات بمصر. فبعد أن فرغت من تقديم حججى، قال لى مبتسما: «ولكن لا تنس أنه أيضا فعل بعض الأشياء الجيدة!» تساءلت مندهشا: «مثل ماذا؟» قال ضاحكا: «أنه مات!».

من الممكن أن نفسر هذا القول من جانبه بعدة تفسيرات، ولكن لا شك فى ظرفه. وظرف نجيب محفوظ وحبه للقفشات ذات المغزى، أمر مشهور، يظهر فى قصصه وأحاديثه وكذلك على وجهه فيما ينشر له من صور. إننى لم أظفر فى هذه الجلسة بما كنت أبغيه من معرفة رأى نجيب محفوظ الحقيقى فى السادات، باستثناء عبارة واحدة مهمة، إذ قال بجدية تامة: «فى الحروب، أنت تنتصر أو تنهزم. وإذا انهزمت ليس أمامك سبيل آخر إلا الصلح». وأعتقد أنه أضاف أيضا ما معناه «ريثما تبنى قوتك من جديد وتصلح من أحوالك».

●●●

كانت المرة الثالثة التى قابلت فيها نجيب محفوظ فى جلسة بالقاهرة فى كازينو قصرالنيل المطل على النيل، بالقرب من تمثال سعد زغلول. كان المحيطون به فى هذه المرة أكبر عددا بكثير، ولكنه فى هذه المرة أيضا كان مستمعا أكثر منه متكلما. وكان الكلام يدور بالطبع حول المشاكل المصرية الجارية. أذكر أننى عبرت أثناء كلامى عما أعلقه من أهمية على التليفزيون فى بث الوعى بين المصريين، وتغيير الأفكار إلى الأفضل، بل وفى محو الأمية، ما دام الناس فى مصر جالسين أمام التليفزيون طوال ساعات النهار والليل. لابد أننى ذكرت أيضا ما يمكن أن يلعبه التليفزيون من دور فى حل بعض المشاكل الاقتصادية، فإذا بنجيب محفوظ يعلق على ذلك ضاحكا: «وكيف يكون ذلك؟ هل يمكن للتليفزيون أن يبث سندوتشات للناس، بدلا من المسلسلات؟».

●●●

حدث بعد هذا أن حصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل فى الأدب (أكتوبر 1988)، وقد أحدث هذا دويا كبيرا وفرحا غامرا بين المصريين. واستقبلها الرجل بأدبه الجم المعهود، والتعبير عن شكره العميق وامتنانه، ولكننى لم أشعر مما قرأت أو سمعت عما صدر منه بمناسبة حصوله على الجائزة، بأنه يعلق عليها ذلك القدر الكبير من الأهمية الذى يبديه المحيطون به. كان هذا الموقف الهادئ منه هو بالضبط ما يتفق مع الصورة التى ارتسمت له فى ذهنى، وكأنى بنجيب محفوظ لا يسمح لمثل هذه الأخبار (ولو كان من نوع الحصول على جائزة نوبل) بأن تحدث أى تغيير فى نمط حياته أو تمنعه من الاستمرار فى كتابة ما كان يكتبه. قرأت بسرور ما نشر عن رد فعله عندما جاءت زوجته لتوقظه من نوم بعد الظهر، بسبب مكالمة من السفير السويدى أخبرها فيها بقرار منح زوجها جائزة نوبل. ذهبت لإيقاظه بانفعال شديد وسرور بالغ وأخبرته بالخبر، فإذا به يوبخها على إيقاظه، ويعتبر الخبر شائعة سخيفة ثم ينقلب من جنب إلى جنب لمواصلة نومه.

تصورت أيضا مالابد أنه شعر به عندما أخذت الصحف المصرية تكرر وصفه بالأديب العالمى، بعد حصوله على الجائزة (والأسخف من ذلك وصفه «بأديب نوبل»)، ولابد أنه استغرب مثلما استغربت أن ينتظر قراؤه اعتراف العالم الغربى به حتى يمنحوه التكريم الذى كان واجبا له منذ زمن طويل.

فوجئ الرجل بكمية الطلبات التى انهالت عليه بعد انتشار الخبر، من الصحف والإذاعات المحلية والأجنبية، لإجراء حديث معه أو سماع تعليقه على هذا الحدث أو ذاك، مما اضطره إلى تغيير نظامه اليومى والامتناع آسفا عن بعض ما كان يقوم به فى حياته اليومية، فإذا به يقول ضاحكا، معلقا على ما جلبته له جائزة نوبل من متاعب: «لقد أصبحت موظفا عند نوبل!»، فقد وجد نفسه مقيدا بقيود لا يستطيع الفرار منها، مثلما كان وهو موظف فى وزارة الأوقاف، ولم يسترد حريته من الوظيفة الحكومية إلا بشق الأنفس، فإذا بهذه الجائزة تعيده موظفا من جديد!
عندما قرأت وصف نجيب محفوظ لشعوره إزاء تغير معاملة الناس له بعد حصوله على الجائزة، والضجة الكبيرة التى أحدثها ذلك، تذكرت تعليقا شديد الطرافة، صدر عن الشاعر الهندى العظيم رابندرانات طاغور، عندما منح جائزة نوبل فى 1913، وكان أول من يحصل عليها خارج العالم الغربى. كان طاغور رجلا حكيما مثلما كان نجيب محفوظ، ولابد أنه استغرب بشدة بدوره، تغير موقف الناس منه بسبب حصوله على جائزة دولية.

كتب طاغور خطابا إلى أديب إنجليزى كان صديقا له، معلقا على حصوله على الجائزة، فشبه الأمر تشبيها رائعا. قال معناه «إن حصولى على جائزة نوبل كان له من الأثر ما يحدثه ربط ذيل كلب بخيط معلقة به من الناحية الأخرى علبة خاوية من الصفيح. فكلما تحرك الكلب أو جرى هنا أو هناك، أحدثت العلبة صوتا مدويا يجذب اهتمام الناس، فيلتف حوله الجمهور مهللين مصفقين!».

كل من طاغور ونجيب محفوظ رأى فيما حدث له (الحصول على جائزة نوبل) شيئا ذا علاقة واهية أو غير طبيعية بما يؤديانه من عمل (أو بما أنتجاه من أدب)، تماما كالعلاقة بين النشاط الطبيعى للكلب وعلبة خاوية من الصفيح، تم ربطها، بلا مبرر واضح، بذيله!

●●●

كانت المرة الثالثة والأخيرة التى رأيت فيها نجيب محفوظ وجها لوجه، فى بيت الدكتور يحيى الرخاوى. كان الأستاذ نجيب قد مر بتلك التجربة القاسية، بعد حصوله على جائزة نوبل بست سنوات، عندما اعتدى عليه شخص مجنون (أو على الأرجح مستأجر) فطعنه فى رقبته، مما أصابه باكتئاب شديد. كان من بين أطبائه فى تلك الفترة الدكتور الرخاوى الذى رتب له جلسة أسبوعية فى بيته بالمقطم، ليلتقى فيها بأصدقائه ومحبيه، أملا فى أن يرفع هذا من معنوياته ويخرجه من حالة الاكتئاب. ودعانى الدكتور الرخاوى مرة إلى هذه الجلسة، فرأيت منظرا محزنا للغاية.

رأيته وسط عدد كبير من الناس، رجالا ونساء، كلهم يتطلعون إلى سماع جملة واحدة منه، وبعضهم يحاول إسماع صوتهم له بالاقتراب الشديد منه والصياح فى أذنه، إذ إن سمعه كان قد تدهور بشدة، فضلا عن ضعف بصره. جلس الرجل صامتا لا يجيب إلا لماما، وباختصار شديد، وبدا باعثا على الاحترام الشديد والحب، وهو جالس بجسمه البالغ النحافة، وقد مد يديه كالعادة على ركبتيه، يحاول أحيانا أن يسمع ما يقال له، دون أن تبدو على وجهه ما إذا كان قد سمع بالفعل أو لم يسمع، ولكن لابد أنه كان يشعر ببعض الرضا أن يلتف حوله هذا العدد الكبير من الأصدقاء.

لم أجد فائدة كبيرة من أن أكرر حضور مثل هذا اللقاء، ولكننى تابعت أخبار هذا الرجل العظيم فيما يكتب عنه. سمعت بإعجاب شديد عن إصراره على معاودة الكتابة، رغم الصعوبة التى أصبح يجدها فى الإمساك بالقلم، بعد الطعنة التى تلقاها. فقبل الخضوع لتمرينات طويلة لتحريك أصابعه حتى استطاع بالفعل أن يحرك القلم من جديد، وإن كانت السطور التى دونها بعد ذلك مكتوبة بخط مرتعش تصعب جدا قراءته. لم يفقد الرجل قط رغبته فى الحياة، فعاش حتى بلغ الخامسة والتسعين، وكأن رغبته فى التعبير بالكتابة عما يدور فى ذهنه، كانت قوية لدرجة قادرة على ضخ الدماء فى عروقه، وعلى مقاومة أى شعور بالضعف.

●●●

عندما توفى نجيب محفوظ فى 30 أغسطس 2006، حدثت مجموعة من المهازل السياسية التى لم يكن يقدر على مثلها إلا نظام كنظام حسنى مبارك. فها هو رجل من أعظم الرجال الذين أنتجتهم مصر، لا ينظر إلى حادث وفاته إلا من منظور أمنى بحت، بصرف النظر عما فعله الرجل العظيم وعن شعور الناس إزاء فقده. هكذا تحكمت اعتبارات الأمن فى تحديد المكان الذى يخرج منه الجثمان، والمكان الذى تبدأ منه الجنازة، وعدد المسموح لهم بالاشتراك فيها، وطول المسيرة، وتفتيش كل من سار فيها، بل (هل أجرؤ على قول هذا أيضا؟) تفتيش النعش نفسه للتأكد من أن أحدا لم يضع قنبلة فيه، يمكن أن تودى بحياة بعض المسئولين الكبار السائرين وراء النعش.

هكذا كانت تعامل مصر كلها، والمصريون جميعا، فلماذا لا يعامل نفس المعاملة رجل من أعظم رجالها حرا، ومن أكثرهم حبا لها؟

السبت، 11 يونيو 2011

هل تحتاج مصر إلى اقتصاديين؟

الشروق - الجمعة 17 يونيو 2011

قد يبدو هذا السؤال مدهشا، ولكن أرجو ألا يعتبره القارئ كذلك بعد الانتهاء من القراءة.

ولنبدأ قصة الاقتصاد المصرى من بداية الاحتلال الإنجليزى فى 1882. فطوال فترة الاحتلال التى لم تنته فى الواقع إلا فى 1956، كانت السياسة الاقتصادية المطبقة فى مصر توضع فى لندن وليس فى القاهرة. قد نستثنى السنوات الأربع الأولى التالية لثورة 1952 (52 ــ 1956)، على اعتبار أن النفوذ البريطانى قد ضعف بشدة بقيام الثورة، ولكن تبقى الحقيقة الصارخة وهى أنه طوال سبعين عاما استمرت مصر محرومة من ممارسة إرادتها الحرة فى رسم سياستها الاقتصادية.

كانت أهداف بريطانيا الاقتصادية بسيطة للغاية: فبعد اتخاذ الإجراءات اللازمة، فى العقود الأولى من الاحتلال، لتمكين مصر من سداد ديونها التى كانت قد اقترضتها من بريطانيا فى عهود سابقة، كان الهدفان الأساسيان لبريطانيا هما الحصول على القطن المصرى الرخيص والاحتفاظ بمصر سوقا مفتوحة لصادراتها (على الأخص المنسوجات)، وكان هذا يتطلب بالضرورة تعطيل التصنيع فى مصر، وضمان توافر العمالة الرخيصة، ومنع مصر من اتباع سياسة حمائية.

لم يكن تطبيق هذه السياسة يحتاج إلى اقتصاديين مصريين، (إذ يقوم الاقتصاديون والسياسيون الإنجليز بالواجب)، وإنما كانت هناك حاجة فقط إلى موظفين مصريين يستطيعون فهم التوجيهات الاقتصادية الآتية من لندن، ويعرفون كيف يطبقونها.

لا عجب إذن أن ظل عدد الاقتصاديين المصريين طوال النصف الأول من القرن العشرين محدودا للغاية، وقد اشتغلوا أساسا بالتدريس، فإذا عملوا فى الحكومة أو البنوك كانت مهمتهم، لا رسم الخطط أو وضع استراتيجيات للتنمية، بل كانت كما وصفتها حالا: تنفيذ السياسات والتوجيهات الواردة من لندن.

بانتهاء الاحتلال الإنجليزى فى 1956 مرت مصر بفترة نادرة المثال من حيث استقلال الإرادة فى رسم السياسة الاقتصادية (ربما لا نجد سابقة لها إلا فى عهد محمد على، أى قبل ذلك بأكثر من مائة عام). ومن ثم سرعان ما وضعت مصر برنامجا للتصنيع فى 1958، ثم خطة خمسية رائعة للتنمية (60 ــ 1965)، وحققت مصر بفضل هذا البرنامج وهذه الخطة نتائج باهرة مازلنا نجنى ثمارها حتى الآن (بعكس كل ما يقال للتقليل من شأنها) ليس هذا فحسب، بل اقترنت التنمية الناجحة بتحقيق درجة عالية من إعادة توزيع الدخل وتقليل الفوارق بين الطبقات.

نعم، كانت مصر فى تلك الفترة القصيرة (56 ــ 1967) فى حاجة لا شك فيها لاقتصاديين، وليس لمجرد موظفين يفهمون لغة الاقتصاد، بل لاقتصاديين ذوى رؤية وقادرين ومتحمسين لوضع استراتيجية للنهوض بالاقتصاد. لا عجب إذن أن انشئت فى هذه الفترة أول كلية للاقتصاد فى مصر (1961)، وأول وزارة للتخطيط ومعهد للتخطيط، ساهمت فيما تحقق من إنجازات اقتصادية فى هذه الفترة.

ثم حدثت الهزيمة المشئومة فى 1967، وبدا وكأن الاقتصاديين المصريين لم تعد ثمة حاجة إليهم، صحيح أن كلاما كثيرا قيل بعد الهزيمة عن (اقتصاديات الحرب)، وضرورة تعبئة الموارد من أجل معركة جديدة، ولكن الحقيقة أن هذا كان أقرب إلى محاولة ذرّ الرماد فى الأعين، وإيهام الناس بأن جهدا حقيقيا يبذل من أجل استرداد سيناء، بينما كانت الحقيقة أن الحكومة كانت تسعى فى السنوات التالية للهزيمة إلى إرضاء الناس بتمكينهم من استهلاك أكبر، وإلى تدليل الطبقة المتوسطة فى محاولة يائسة لتخفيف الغضب الناشئ عن الهزيمة.

كانت السنوات الثمانى التى انقضت بين هزيمة 1967 ومنتصف السبعينيات، سنوات ركود اقتصادى رهيب، اعتمدت مصر خلالها على المعونات الآتية من دول عربية، وضحّت خلالها بأى جهد حقيقى للتنمية، إذ كان أقصى ما يمكن الطموح إليه فى تلك الفترة هو تقليل الخسائر إلى أقل قدر ممكن، والمحافظة على الأمن ومنع انفجار شعبى.

●●●

عندما دشّن أنور السادات سياسة الانفتاح الاقتصادى فى منتصف السبعينيات، كان فى الواقع يعود بمصر إلى شىء شبيه جدا بما كانت عليه الحال أثناء الاحتلال الإنجليزى، من حيث فقدان الإرادة الوطنية فى رسم السياسة الاقتصادية، استعان السادات لفترة قصيرة ببعض الاقتصاديين من ذوى الرؤية الاقتصادية الشاملة والوازع الوطنى القوى، تحت رئاسة رجال من نوع عزيز صدقى وعبدالعزيز حجازى، ولكنه سرعان ما استغنى عنهم بمجرد أن استتب الأمر للنفوذ الأمريكى، ولم تعد هناك حاجة للاستمرار فى التمويه على الناس.

تولى أمر الاقتصاد المصرى إذن، ابتداء من منتصف السبعينيات عدد ممن يمكن وصفه بـ«الموظفين الاقتصاديين»، الذين تنحصر مهمتهم فى تفسير التوجيهات القادمة من الخارج وتنفيذها (أى من الإدارة الأمريكية والمؤسستين الماليتين الدوليتين).

كانت النتيجة أن الاقتصاد المصرى عند مقتل السادات فى 1981 كان فى حال يرثى لها: حجم مذهل من المديونية الخارجية، وتضخم جامح، وانخفاض كبير فى نصيب الصناعة من الناتج القومى، ومعدل بطىء للغاية لنمو الزراعة، مع اعتماد كبير على استيراد المواد الغذائية، ولم ينقذ مصر من معدل مرتفع للبطالة إلا انفتاح باب الهجرة إلى الخليج.

عاد الأمل لفترة قصيرة للغاية فى أن يقوم الاقتصاد المصرى من عثرته بعقد المؤتمر الاقتصادى الشهير فى فبراير 1982 فى بداية عهد مبارك، إذ ضمّ هذا المؤتمر صفوة الاقتصاديين المصريين من ذوى الرؤية الثاقبة والوازع الوطنى الذى لا شك فيه، فقدموا اقتراحات مهمة للإصلاح الاقتصادى وظننا وقتها أن مصر على وشك الدخول فى مرحلة جديدة يتولى أمر الاقتصاد فيها اقتصاديون حقيقيون، ولكننا فوجئنا برئيس الوزراء (فؤاد محيى الدين) ينهى المؤتمر بتوجيه الشكر للاقتصاديين على مسعاهم، ويصرفهم إلى بيوتهم على وعد منه بتشكيل لجان تتولى تنفيذ توصياتهم، وهو ما لم يحدث قط. واستمر الحال كما بدأ فى منتصف عهد السادات: استقبال بعثة بعد أخرى من صندوق النقد ومن البنك الدولى، وتنفيذ توجيهاتهما وتوجيهات الإدارة الأمريكية، وكأننا لم نفعل فى عصر الاستقلال الرائع إلا أن نستبدل بالقرارات الصادرة من لندن، قرارات صادرة من واشنطن.

لم تكن المسألة مسألة خلاف بين يمين ويسار، بل كانت أبسط من ذلك بكثير. وقد قالها المفكر الأمريكى الشهير ناعوم تشومسكى بوضوح تام. لم تكن واشنطن تحارب الشيوعيين فى العالم الثالث، بل تحارب الوطنيين. وقد قدم تشومسكى أدلة عديدة على ذلك من أمريكا اللاتينية وآسيا، ولكن الأمر كان كذلك فى مصر أيضا. فالمستبعدون من تولى أمور الاقتصاد فى مصر، منذ منتصف السبعينيات لم يكونوا فقط اليساريين الوطنيين بل أيضا اليمينيين الوطنيين.

وقد كنت دائما أعتقد (ولا أزال) أن من الممكن لمصر أن تحقق نهضة اقتصادية حقيقية تحت قيادة أى من هذين النوعين من الاقتصاديين، ماداموا يتحلون بالنزاهة والوطنية، ويحاربون الفساد ويؤمنون بسيادة القانون.

هكذا كان رجال من نوع سعيد النجار، الذى استبعده النظام الناصرى بسبب إيمانه بنظام حرية السوق ومعاداته للتدخل الشديد من جانب الدولة، واستبعده نظام السادات بسبب نزاهته ووطنيته ومناداته بسيادة القانون. وهكذا أيضا كان إبراهيم شحاتة، ذلك القانونى والاقتصادى النابه، الذى كان كلما ذكر اسمه، أو اسم سعيد النجار، أمام كبار المسئولين فى مصر، هزوا رءوسهم اعترافا بفضل كل منهما ثم أشاحوا بوجوههم عن أى احتمال للاستعانة بأى منهما لنفس الأسباب. ما أكثر ما كتبه سعيد النجار وإبراهيم شحاتة (وكلاهما يمكن أن يعتبرا منتميين فى آرائهما الاقتصادية إلى اليمين)، من كتب ومقالات رائعة عن المطلوب عمله لتحقيق نهضة اقتصادية فى مصر، ولكن ما أقل الاهتمام الذى أولاه المسئولون لهذه الكتابات.

أما أسماء وكتابات الاقتصاديين الوطنيين المنتمية إلى اليسار فحدث عنها ولا حرج، إذ ما كان أكثرهم فى وزارة التخطيط ومعهد التخطيط وكلية الاقتصاد، بل أيضا فى الهيئات الدولية بالخارج، ولكن لم يستدعهم أحد من المسئولين للاسترشاد برأيهم أو التحاور معهم.

ظلوا قابعين فى أماكنهم فى داخل مصر، يتلقون رواتبهم دون أن يفيد منهم أحد إلا من كان لهم من طلاب، فقد اعتبرت الحكومة وزارة التخطيط ومعهد التخطيط عبئا عليها ابتداء من منتصف السبعينيات، ولم يصدر قرار بإلغائهما واغلاقهما لمجرد تجنب الفضيحة. نعم، كان هناك من الاقتصاديين المصريين الوطنيين من احتلوا مناصب رفيعة فى المؤسسات الدولية، فاستفاد العالم كله من مواهبهم وكفاءتهم إلا مصر.

إذ الطريف أن الهيئات المالية الدولية لا تمانع فى توظيف هؤلاء فى مناصب مهمة فى داخلها، ماداموا لن يقوموا بإصلاح حقيقى للسياسة الاقتصادية فى بلادهم ذلك أن البيروقراطية المطبقة داخل هذه المؤسسات تسمح لها بأن تستخلص من هؤلاد الاقتصاديين العظام، كل ما فى طاقتهم تقديمه، ثم توجهه، من خلال آلتها الجبارة، لخدمة مصالح رأس المال الدولى والقوى المسيطرة فى العالم.

●●●

استمر الأمر على هذا المنوال طوال عصر مبارك، فتولى أمر الاقتصاد المصرى، وزير بعد آخر، بل رئيس وزراء بعد آخر، من ذلك النوع الذى وصفته من قبل بأنه أقرب إلى الموظف الذى يفهم معنى المصطلحات الاقتصادية، والقادر على تنفيذ التوجيهات الآتية من واشنطن، منه إلى الاقتصادى صاحب الرؤية، والقادر على الاشتراك فى وضع استراتيجية وطنية للنهوض بالاقتصاد. الأسماء كثيرة ومعروفة، وكم كان من السهل على من يقوم بتعيين الوزراء ورؤساء الوزارات أن يستبدل واحدا منهم بالآخر، مهما كان هذا أو ذاك مجهولا أو مفتقدا لتقدير زملائه من الاقتصاديين.

●●●

استمر هذا حتى قامت ثورة 25 يناير 2011، فاستبشرنا خيرا، وقلنا إن الفرج جاء، وتطلعنا إلى اليوم الذى يتولى فيه شئون الاقتصاد، اقتصاديون من النوع الآخر الذى طال استبعاده. وأعود فأكرر أنه لا يهم كثيرا فى الحقيقة ما إذا كانوا من اليمين أو اليسار، فالنهضة ممكنة على يد أى منهما مادامت قد توافرت النزاهة والوطنية. ومتى توافرت النزاهة والوطنية فإن الخلافات يسهل تسويتها، وسرعان ما نجد المواقف المتباينة تتقارب وتلتقى عند النقطة التى تحقق مصلحة الوطن. فالذى يمنع التقارب ويديم الخلاف ليس تضارب الآراء بل تضارب المصالح الشخصية.

فماذا حدث؟
أمور الاقتصاد تعهد من جديد لرجال من نفس النوع القديم، خدموا كمستشارين لوزراء أو لرؤساء وزارات فى العهد الذى تم إسقاطه. وكأن البلد قد خلا إلا من هذا النوع من الموظفين. لا بأس من أن يتولى اقتصادى مشهور بالوطنية والنزاهة وزارة صغيرة بشرط أن يظل بلا حول ولا قوة، فيزيّن به مجلس الوزراء وتتحلى بصورته صفحات الجرائد، بشرط أن يظل بعيدا عن اتخاذ القرارات الأساسية، أو بالأحرى بعيدا عن استطلاع القرارات الأساسية الواردة من الخارج وتنفيذها.

الحوارات مستمرة بالطبع، والاجتماعات تعقد على قدم وساق ثم تنفض، وأصحاب الآراء المختلفة يدعون للإدلاء بآرائهم، ولكن الجميع يفاجأون بسفر أبرز الموظفين الاقتصاديين إلى واشنطن لطلب المساعدات، ولا نعرف بالضبط ما إذا كان قرار السفر نفسه قد اتخذ فى القاهرة أو فى واشنطن. ويعود من زملائه ظافرين بمساعدة اقتصادية قيمة، لابد أنها اقترنت بنصائح وتوجيهات غالية أيضا.

والخلاصة أنه، إذا كانت مصر تحظى بهذا النوع من الموظفين الأكفاء وبالغى النشاط، فما حاجتها إلى اقتصاديين؟

الجمعة، 10 يونيو 2011

الفاجومى

الشروق - الجمعة 10 يونيو 2011

من أحب أنواع الكتب إلىّ كتب التراجم (أى كتابة سيرة شخص ما عاش بالفعل)، ومن بينها كتب السيرة الذاتية (أى السيرة التى يكتبها شخص ما عن نفسه)، فهى إذا أحسنت كتابتها يمكن أن تكون كتابا قيما فى التاريخ، وفى التحليل النفسى والاجتماعى، وقد تبلغ فى درجة تشويقها للقارئ وامتاعه ما تبلغه الرواية والقصة الناجحة.

ليس هذا شعورى نحو ما تنتجه السينما أو التليفزيون من أعمال التراجم. إنى قد أقبل بشغف على مشاهدة فيلم سينمائى أو تليفزيونى عن حياة شخص شهير، خاصة إذا كنت أحمل لهذا الشخص تقديرا كبيرا، ولكنى أفعل هذا متوجسا وخائفا من النتيجة، قد يخيب الأمل فى الفيلم، كما قد يخيب الأمل فى الكتاب، ولكن النتيجة، فى حالة الفيلم، كثيرا ما تكون أسوأ بكثير من مجرد خيبة الأمل.

فالخطأ هنا قد يُحدث ضررا يستحيل إصلاحه، بسبب ما تتركه الصورة والصوت من أثر عميق فى نفس المشاهدين، فتبقى الصورة المشوهة لشخصية عظيمة، لاصقة بالذهن ولا يفلح شىء فى محوها أو تصحيحها. إن كتاب السيرة قد يخطئ بالطبع مثلما يخطئ الفيلم، وقد يضخم أمرا تافها ويغفل الصفات أو الأعمال المهمة للشخصية التى يحكى سيرتها، ولكن الفيلم يعيد خلق الشخصية بلحمهعا ودمها، ويعهد بهذه المهمة إلى ممثل قدير أو غير قدير، فيتقمص هذا الممثل الشخصية العظيمة ويفسرها على هواه، ويقرأ عنها أو لا يقرأ، يبذل جهدا فى فهمها أو لا يبذل، بل يعتمد فقط على مهارته وجاذبيته كممثل، بل والأغلب أن يفرض الممثل شخصيته هو الخاصة على الشخصية التى يقوم بتمثيلها، فتختفى الحقيقة ولا يبقى إلا التمثيل. وقد تكون النتيجة كارثية، إذ مهما كان الفيلم ناجحا من الناحية الفنية (بل قد يزداد الأمر سوءا، كلما زاد نجاح الفيلم من الناحية الفنية) إذ قد يسىء الفيلم إساءة بالغة للحقيقة، ولفهم الناس ومعرفتهم بالتاريخ.

●●●

مررت بتجربة كهذه عدة مرات، وكانت النتيجة أنى شعرت بالأسف الشديد، وتمنيت لو لم أر الفيلم، لكى تبقى صورة الشخصية العظيمة فى ذهنى كما تخيلتها من قبل. رأيت مثلا مسلسلا تليفزيونيا عن حياة ونستون تشرشل، ذلك السياسى البريطانى الشهير، والذى كثيرا ما يشار إليه على أنه من أعظم من أنتجته بريطانيا من الرجال، فهو سياسى فذ، وكاتب ومثقف كبير، وشخصية قوية ومؤثرة، وجلب لبريطانيا، نصرا مبينا فى الحرب العالمية الثانية.

فإذا بمُشاهد الفيلم، يخرج منه بصورة كريهة للرجل، إذ اختار خطأ أو خطئين لتشرشل، أو سمة غير محببة من سماته الشخصية، فضخمها وأعطاها أكثر بكثير مما تستحقه من اهتمام، طمعا فيما أظن، فى جلب نوع من الإثارة لجمهور المشاهدين، أو استغلال لنقطة ضعف لدى كثيرين هى حب «تصغير الكبراء»، أى إبراز نقاط الضعف التى قد توجد فى العظماء، إذ كثيرا ما يحب صغار الناس أن يروا الكبار صغارا مثلهم.

شعرت بشىء مماثل، ولكن بسبب خطأ هو العكس بالضبط من خطأ فيلم تشرشل، وهو، فى هذه المرة، المبالغة فى تعظيم الشخصية التى يروى الفيلم سيرتها، وإسباغ صفات عليها مما يستحيل أن تجتمع فى شخص واحد، فتبدو الشخصية مصطنعة جدا ومضادة تماما للمنطق والمألوف. فأى نقيصة، مهما كانت صغيرة ومشهورة، يمتنع الفيلم عن ذكرها أو ينفيها نفيا قاطعا، وأى خطأ قد يرتكبه الشخص العظيم تقدم له تبريرات غير مقبولة، أو تنسب المسئولية عنه إلى غيره.

وهكذا يتحول الشخص العظيم إلى أسطورة يستحيل تكرارها أو الاقتداء بها، إذ كيف يكون بمقدورنا، نحن الناس العاديين، أن نطمح إلى الجمع بين كل هذه الفضائل؟ كان هذا مثلا شعورى عندما رأيت بعض حلقات المسلسل التليفزيونى الشهير عن حياة أم كلثوم، التى أحبها مثل ملايين غيرى حبا جما ولكنى لا أقدسها مثلما قدّسها الفيلم، وفضلت أن تبقى صورة أم كلثوم فى ذهنى كما كانت: صورة فنانة عظيمة ذات موهبة جبارة، وشخصية قوية، ومنحتنا بهذه الموهبة ساعات كثيرة من السرور الخالص، ولكنها يمكن أن تخطئ أحيانا، دون أن يؤثر هذا فى حبنا وتقديرنا لها.

●●●

أحمد فؤاد نجم من هؤلاء الرجال العظام الذين أحمل لهم حبا وتقديرا عظيمين، لأسباب عامة وخاصة، نحن جميعا نعرف فضل أحمد فؤاد نجم على الحياة الأدبية والسياسية فى مصر، ونعرف ثباته على مبدئه وقدرته المدهشة على تحمل ما جلبه له هذا الثبات على الرأى من معاناة، عبر مختلف عصور السياسة المصرية.

ولكنى كنت حسن الحظ أيضا بمعرفته معرفة شخصية، فبهرنى كما بهر كل من عرفه بقوة شخصيته، وظرفه، وترفعه عن الصغائر، ومواقفه البالغة الجاذبية من الحياة والناس، وترتيبه الصحيح للأولويات، وتميزه القاطع بين الحق والباطل، وبين الشخص الصادق والمزيف. لا أبالغ إذا قلت أيضا إنى وجدت كتابة فى السيرة الذاتية (الفاجومى) من أجمل ما قرأت من سير ذاتية على الإطلاق. إنى لا أتعاطف عادة مع الكتابة باللغة العامية، ولكن عندما يكون الأدب على هذه الدرجة من الجمال، لابد أن تتغاضى عما إذا كان قد كتب باللغة الفصحى أو العامية.

هكذا شعرت مثلا عندما قرأت السيرة الذاتية للدكتور لويس عوض (يوميات طالب بعثة)، إذ كتب كله بالعامية، ومع ذلك فهو كتاب جميل جدا ومؤثر. وكذلك أشعر بالطبع إزاء شعر صلاح جاهين، إذ إن الصدق، فيما يبدو لى، يغفر لقائله كل شىء، بينما يفسد الكذب كل شىء، سواء قيل بالعامية أو الفصحى.

هكذا أجد كل ما يكتبه أحمد فؤاد نجم، شعرا كان أو نثرا. فاستخدامه للعامية يسمح له بالوصول إلى مناطق من الشعور لا يستطيع الوصول إليها عادة كاتب الفصحى، كما يسمح له بالتعبير عن مشاعره دون مواربة. هكذا أرى نجم دائما: رجلا ضحوكا جادا، حادا كالسيف، جريئا فى تعبيره عن محبته إذا أحب، وسريع السأم من أى شخص أو شىء يوحى بثقل الظل أو النفاق أو الغباء. لا أذكر أنى رأيته قط مرتديا شيئا غير الجلباب الأبيض الجميل، وهو ما يتفق تماما مع شخصيته وشجاعته، فهو لا يغير ملبسه مع تغيير المجالس.

كما وجدته دائما نحيفا جدا، رغم حبه الشديد للطعام الجيد، إذ يبدو أنه فى الطعام أيضا، لا يتناول إلا ما يستطيع تذوقه وهضمه.
إذ كان هذا هو رأيى فى أحمد فؤاد نجم، فكيف لا أسرع لمشاهدة فيلم «الفاجومى» الذى يروى سيرته، ويستوحى كتاب نجم نفسه فى سيرته الذاتية؟

●●●

تمتعت فى الفيلم بأشياء كثيرة، ولم أشعر خلاله بأى ملل ولو لدقيقة واحدة، وبعد انتهائه قلت لنفسى إنه كان لابد بالطبع من مشاهدته، ومع ذلك فقد أسفت أيضا لأشياء كثيرة، وعاد إلىّ شعورى القديم بخطورة تناول السينما لحياة العظماء.

الممثلون كلهم تقريبا، أدّوا أدوارهم بكفاءة عالية، فكلهم تقريبا زوو مواهب لا تنكر. خالد الصاوى (الذى قام بدور نجم) رائع كما هو دائما، وكذلك كان صلاح عبدالله فى دور الشيخ إمام، وكذلك الفنانات الأربع التى قمن بأدوار النساء فى حياة نجم، وعلى الأخص جيهان فاضل، التى أدت أداء رائعا. كما وجدت التصوير خلابا بما قدمه من مناظر الغرف البسيطة التى عاش فيها نجم، ومؤثرا للغاية فى استخدامه الصور الحقيقية للحشود الغفيرة التى اجتمعت لتوديع جمال عبدالناصر فى جنازته الشهيرة، أو للقيام بثورة 25 يناير. كان الفيلم ناجحا أيضا فى معظم استخداماته لأغانى الشيخ إمام.

كل هذا جيد، ولكن أسباب الأسف كثيرة أيضا، يمكن إيجازها فى عبارة قصيرة: الفيلم سطحى جدا، وحاول كسب الجمهور بأسهل الطرق، ولو على حساب إبراز جوانب الثورة الحقيقية فى حياة وشخصية أحمد فؤاد نجم.

لم يحاول كاتب سيناريو الفيلم (وهل أقول مؤلفه أيضا؟) أن يستخلص المغزى الحقيقى لظاهرة أحمد فؤاد نجم. فمشكلة أحمد فؤاد نجم (وعبقريته فى نفس الوقت) تكمن فى أنه رجل شريف وموهوب ويرفض السكوت عن قول الحق، مهما كانت الدعاية المكرسة لترويج الباطل، بل ومهما كان حجم الجماهير الغفيرة التى خُدعت بهذه الدعاية.

لهذا السبب يُسجن نجم (ورفيقه الشيخ إمام) فى كل العصور، الاشتراكية منها والرأسمالية، الديكتاتورية والمسماة بالديمقراطية، المعادية لإسرائيل والمهادنة لها. وهو رغم احتفال المثقفين به، وعلى الأخص اليساريين منهم، يستطيع أن يرى حجم الزيف الذى يحيط بسلوكهم، ويسخر من كلامهم المنمق الذى لا يتمشى بتاتا مع نمط حياتهم، ومن تهربهم من دفع ثمن هذا الكلام المنمق. الفيلم حاول (ولكنه فشل فى رأيى) أن يوضح هذا التناقض الذى رفض نجم الوقوع فيه، ومن ثم ظل يدفع ثمنا باهظا لهذا الرفض. كذلك فشل الفيلم، فى رأيى، فى إبراز المشكلة الحقيقية فى نظام عبدالناصر، والتى تمثلت فى التفاف الجماهير الغفيرة حوله مع حبهم الشديد له، وعجزه مع ذلك عن تلبية بعض مطالبهم الأساسية وأهمها الدفاع عن أرض الوطن. ظن صانعو الفيلم أن مثل هذه التناقضات يمكن أن تبرز بحوار سياسى قصير بين بعض شخصيات الفيلم فى غرفة مغلقة، بينما يتطلب الفيلم السينمائى أن تبرز هذه التناقضات بالصور والمواقف الدرامية.

ظن صانعو الفيلم أيضا أن من الضرورى استخدام الجنس والحب فى تسلية الجمهور، وإلاّ فشل الفيلم تجاريا. لم يكن هناك أى موجب فى رأىى لهذه المساحة الكبيرة التى خصصها الفيلم لعلاقات نجم العاطفية. لا موجب لها لا من الناحية الفنية ولا حتى من ناحية كسب الجمهور. الجمهور العاقل (فى أى مكان) كبير جدا، وأكبر مما تظن، وهو قادر على أن يميز بسهولة الغث من السمين، وقد كان من الممكن فى رأيى أن يحظى الفيلم بإعجاب أوسع بكثير، لو خفضت المساحة المخصصة للحب، من أجل إبراز المعانى الأخرى التى تزخر بها حياة أحمد فؤاد نجم.

ثم نأتى إلى ما فعله الفيلم بفكرتنا عن عظماء الرجال والنساء التى مثلت شخصياتهم فى الفيلم. إنى لا أستطيع أن أطالب خالد الصاوى بأن يخفض من وزنه حتى يصل إلى نحافة نجم، بل وأتردد حتى فى رفض أن يقوم ممثل قدير مثل خالد الصاوى بتمثيل شخصية نجم رغم اختلاف مظهرهما. ولكنى لا أستطيع أن أزعم أن الشخصية التى نقلها خالد الصاوى لمشاهدى الفيلم قريبة بدرجة كافية من شخصية نجم. وأظن أن الخطأ هنا ليس خطأ الممثل بقدر ما هو خطأ المخرج وكاتب السيناريو. وأظن أن مثل هذا حدث أيضا فى تصوير شخصية الشيخ إمام، إذ بدا الرجل خفيفا أكثر من اللازم، بل وبدا أحيانا وكأنه مهرج أكثر منه صاحب التزام سياسى.

إن قرار تصوير حياة أحمد فؤاد نجم فى فيلم سينمائى قد يكون قرارا مصيبا ولكنه مفعم بالمخاطر. فحياة نجم حياة ثرية ومليئة بالمواقف الدرامية والمثيرة للعديد من الأسئلة، التى تحتمل نقاشا مهما وواسعا، كما أن حياته غطّت عصورا شديدة التنوع وشهدت أحداثا بالغة الخطورة. ولكن هذا هو بالضبط ما يحمّل منتجى فيلم من هذا النوع مسئولية كبيرة.

الجمعة، 3 يونيو 2011

فى ذكـرى شاعر عظيـم

الشروق - الجمعة 3 يونيو 2011

طوال عام كامل (ابتداء من 7 مايو 2011) تحتفل دولتان هما الهند وبنجلاديش بذكرى شاعر البنغال العظيم رابندرانات طاغور، إذ تكتمل فى ذلك اليوم 150 عاما على مولده.

وطاغور ليس فقط أكبر شعراء الهند على الإطلاق، ولكنه أيضا مفكر عظيم، وكاتب للرواية والمسرحية والقصة القصيرة، وله مدرسته الخاصة فى التعليم. وهو أيضا مؤلف موسيقى ورسام مرموق.

وأنا لست شاعرا ولا ناقدا للأدب أو الفن، ولكنى أسمح لنفسى بالكتابة عن طاغور لمجرد أنى أحب أشعاره ورواياته حبا جمًّا. وقد بدأ حبى له منذ قرأت له لأول مرة منذ ستين عاما. ولدىّ ذكريات عزيرة عنه أحب أن أرويها للقارئ بمناسبة الاحتفال بذكراه.

كنت فى الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من عمرى، طالبا فى المدرسة الثانوية، حينما أعطانى زميل لى كتيبا صغيرا، لا يزيد حجمه عن حجم كفّ يد صغير، ونصحنى بقراءته. كان الكتاب مجموعة من المقطوعات الشعرية، باللغة الإنجليزية، تحمل عنوان «البستانى» (The Gardner). قرأت الكتاب فوجدته سهل الفهم، جميلا، ومثيرا للعواطف والتفكير فى نفس الوقت.

خطر لى أن أترجم بعض هذه المقطوعات فترجمت نحو عشر منها. كان أبى (الأستاذ أحمد أمين) فى ذلك الوقت، يصدر مجلة ثقافية أسبوعية راقية (الثقافة)، فتجرأت وعرضت عليه ما ترجمته، وكان من الكرم (والجرأة أيضا؟) فقام بنشرها فى مجلته. مازلت أحتفظ بهذا العدد من مجلة الثقافة الذى نشرت فيه هذه الترجمة ويعود إلى سنة 1951.

عندما أعيد قراءة هذه الترجمة الآن، وأقارنها بالنص الإنجليزى، لا أجد الترجمة سيئة على الإطلاق (باستثناء كلمة هنا أو هناك)، وأجد الأصل الإنجليزى جميلا كما كنت أجده دائما.

سأنقل للقارئ هنا قطعة كاملة من هذه القطع الشعرية، هى فى الواقع آخر مقطوعة فى الكتاب، وقد اخترتها لأنها، فضلا عن جمالها، ملائمة بوجه خاص لمناسبة مرور 150 عاما على وفاة طاغور، إذ يقول طاغور فيها:
«مَن أنت أيها القارئ؟ تقرأ شعرى بعد مائة عام؟ لا أملك أن أبعث إليك بزهرة واحدة من زهور الربيع، أو بشعاع ذهبى ضئيل، من خلف السحاب.. افتح أبواب بيتك وتأمل ما وراءها.. واجمع من حديقتك المليئة بالزهور، ذكريات عطرة لزهور اختفت منذ مائة عام.. وفى بهجة قلبك وفرحته، ربما شعرت بالبهجة التى خفق بها قلب، فى صباح يوم من أيام الربيع، تبعث لك صوتها الفرح، عبر مائة عام..».

كتب طاغور هذه المقطوعة فى 1913، مخاطبا فيها شخصا يقرأ له بعد مائة عام. فهل كان يوجه لنا نحن هذا الكلام، ونحن نقرؤه فى سنة 2011؟

●●●

فى أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، كان اسم طاغور مألوفا فى مصر، وكثيرا ما يتردد فى مجلاتنا الأدبية وفى الصفحات الثقافية فى جرائدنا الأخرى، وكذلك كان اسم المهاتما غاندى وجواهر لال نهرو. فما الذى حدث ليجعل هذه الأسماء غير مألوفة لنا اليوم؟

يقال لنا يوميا إننا نعيش فى عصر العولمة، والمفترض فى عصر العولمة أنه يقرّب البلاد بعضها من بعض، وأن يصبح ما كان بعيدا وغير مألوف، حاضرا فى الذهن وفى متناول اليد. فلماذا يبدو وكأنه حدث العكس فى حالة طاغور؟

قد يقال إنه فى أواخر الأربعينيات لم يكن قد مضى على وفاة طاغور إلا سنوات قليلة (توفى فى 1941)، فكان لايزال حاضرا فى الذهن أكثر منه الآن، بعد أن مضت على وفاته سبعون عاما. ولكننى أظن أن هناك سببا آخر أهم.

إذ يبدو أن العولمة التى لا نكف عن الكلام عنها، لم تشمل كل شىء. إننا لم نصبح أكثر «عولمة» فى كل شىء، بل ربما أصبحنا أقل عولمة فى أشياء مهمة. لاشك أننا أصبحنا أكثر عولمة فى الاستهلاك، ولكنى أشك فى أننا أصبحنا أكثر عولمة فى الشعر. المعلومات أصبحت قطعا أقرب إلى متناول اليد، ولكن هل حدث مثل هذا للفكر أيضا؟ كان جيل أبى أكثر دراية بما يحدث فى الهند، فى الفكر والأدب، وبما فعله طاغور أو غاندى أو نهرو، أكثر من جيل أولادى وأحفادى. إذ ما الذى يقال لأولادى وأحفادى الآن عن الهند أكثر من تفوقها فى معدل نمو الناتج القومى، وفى ارتفاع معدل الاستهلاك، وهى أمور كان لطاغور وغاندى ونهرو، على أى حال، تحفظات مهمة عليها؟

●●●

لا أزعم أننى من المغرمين بالشعر بصفة عامة، فأنا أجد من الصعب أن أذكر شاعرا آخر قرأت له بالإنجليزية، وأغرمت به، عدا طاغور. كما أنى نادرا ما أتحمس لشعر شاعر عربى غير المتنبى. فلما سألت نفسى عما يمكن أن يكون سبب تفضيلى لهذين الشاعرين، خطر لى أنه من الممكن أن يكون السبب ما لدى كل منهما من نزعة فلسفية. إن لدى كل منهما بالطبع الصور الفنية البالغة القوة، واللغة البالغة الجمال، ولكن لديهما أيضا هذا المنحى الفلسفى. إذ لا أكد أصادف قطعة شعرية لطاغور لا تعبر فى طياتها عن نظرة معينة للعالم، للحياة والموت، أو لعلاقة الإنسان بالله، أو بالطبيعة، أو بعلاقة الناس بعضهم ببعض...الخ. والمتنبى لا يكاد يبدأ بيتا من أبياته، بوصف موقف معين، حتى ينهيه فى النصف الثانى بالمغزى العام الذى يستخلصه من هذا الموقف، من نوع «ما لجرحٍ بميّتٍ إيلام» أو «تجرى الرياح بما لا تشتهى السفن» ...الخ.

ولكن لابد أن نعترف بأن المتنبى لم تكن له تلك الروح العظيمة التى كانت لطاغور، أى ذلك الميل القوى إلى الغوص فيما وراء المادة، وفى العلاقات غير المرئية. أعتقد أن وراء هذا الفارق بين طاغور والمتبنى، يكمن الفارق الكبير بين طبيعة الثقافة الهندية والثقافة العربية.

فأظن أنى محق فى القول بأن الثقافة الهندية لديها ميل أكبر إلى الروحانية مما لدى ثقافة العرب، وأن العرب لديهم بصفة عامة ميل أقوى إلى التعامل مع الحياة والعالم تعاملا أكثر واقعية.

(على الرغم مما يبدو لنا الآن من نجاح مادى للهند بالمقارنة بالفشل الاقتصادى العربى).

ربما كان للفارق بين طاغور والمتنبى علاقة أيضا بالفارق الزمنى، أى بالألف سنة التى تفصل بين الاثنين (فى 1935 احتفل العالم العربى بالذكرى الألفية لوفاة المتنبى، وتوفى طاغور بعد ذلك بست سنوات) خلال تلك الألف سنة، أصاب كلا من الحضارة الهندية والحضارة العربية، ما نعرفه جيدا من تدهور وانحطاط، بينما صعد نجم الحضارة الأوروبية حتى اكتسحت العالم، بما فيه بالطبع الهند والعالم العربى.

كان من حسن حظ المتنبى أنه نجا مما أصاب الحضارة العربية من تدهور، بينما عاش طاغور حياته كلها، وهو يشعر بملء حواسه بما أصاب الحضارة والثقافة الهندية من جراح على يد الغرب. لم يكن طاغور يحمل نفس الشعور العدائى للحضارة الغربية مثلما كان يحمل غاندى، ولكن كلا منهما كان يحمل كراهية شديدة للنزعة النفعية وذلك الميل إلى تقييم كل شىء وبحساب الكسب والخسائر الذى تتسم به الحضارة الغربية.

للشاعر الأمريكى إزارا باوند (Ezra Pound) وصف جميل للأثر الذى تركه طاغور فى أهل البنغال، فقال: «لقد جعلت أغانى طاغور من أهل البنغال أمة واحدة» وكان باوند يقصد بذلك أن شعر طاغور وأغانيه أثارت من العواطف المشتركة لدى مواطنيه، وأيقظت فيهم من الوعى بما يجمع بينهم، ما جعل منهم أمة واحدة.

وأظن أن شيئا مماثلا يمكن أن يقال عن مكانة المتنبى بين العرب، وإن كان بالضرورة أقل قوة بسبب الألف عام التى تفصل بين المتنبى وطاغور. إنى أستطيع مثلا أن أقدم تعريفا للأمة العربية (من بين تعريفات عديدة) لا يبعد كثيرا الحقيقة، هو أنها مجموعة من الناس الذين يشتركون فى الاستعداد التلقائى للتأثر بشعر المتنبى لدى قراءته أو سماعه. ولا أكتم عن القارئ ما يخطر لى أحيانا عندما يشتد شعورى بالخطر المحدق بالأمة العربية من جراء الزحف المستمر للحضارة الغربية على مقومات وجودنا، إذ أقول لنفسى «إننا سنظل بخير لو استطعنا فقط أن نضمن بقاء شعر المتنبى حيا بيننا، وأن نحافظ على تجاوبنا معه».

●●●

فى سنة 1925 زار طاغور مصر، والتقى بأمير الشعراء أحمد شوقى. وليس لدىّ للأسف معلومات عما دار بين الرجلين العظيمين من حوار. كان يجمعهما، عدا الموهبة العظيمة، انتسابهما للارستقراطية، وأن هذا الانتساب لم يمنع أيّا منهما من اتخاذ موقف وطنى قوى تجاه المحتل الأجنبى (بريطانيا فى الحالين)، وهو موقف أدى بطاغور إلى التخلى عما أسبغته الحكومة البريطانية من لقب الفروسية، احتجاجا على اعتدائها بالقتل على هنود عُزّل، وأدى بالحكومة البريطانية إلى نفى أحمد شوقى إلى خارج بلاده. ولكنى أظن أن موقف الرجلين من الحضارة الغربية كان متباينا جدا.

فبينما ظل طاغور طوال حياته يحمل شكوكا قوية فى هذه الحضارة، لايبدو أن أحمد شوقى كان يحمل مثل هذه الشكوك، مما أظنه يرجع أيضا إلى اختلاف عميق بين طبيعة الثقافتين، الهندية والعربية.

●●●

مرّت سنوات كثيرة بعد أن تعرفت على شعر طاغور لأول مرة، سافرت خلالها للدراسة فى إنجلترا، وتعرفت هناك على رجل عبقرى آخر من البنغال هو المخرج السينمائى العظيم ساتياجيت راى (Satyjit Ray)، الذى كتب وأخرج ووضع موسيقى لعدة أفلام أعتبرها من أجمل ما رأيت من الإنتاج السينمائى فى العالم، والذى قال عنه مخرج سينمائى يابانى شهير: «إن من لم ير أفلام ساتياجيت راى، كمن عاش فى هذا العالم دون أن يرى الشمس أو القمر».

عرفت أن ساتياجيت راى نشأ فى بلدة لا تبعد كثيرا عن بلدة طاغور فى البنغال، وأن أمه أخذته مرة، وهو طفل فى الثامنة أو التاسعة لزيارة طاغور ولكى يتلقى مباركة الرجل العظيم فاستقبلهما طاغور فى بيته، وعندما قاما للرحيل جاء طاغور بورقة وكتب عليها مقطوعة شعرية صغيرة، وأعطاها للأم قائلا لها: «احتفظى لابنك بهذه القطعة.. إنه لن يفهمها الآن، ولكنه سيفهمها عندما يكبر». نشر ساتياجيت راى هذه القصيدة فى حديث له إلى جريدة إنجليزية، وها هى ترجمتها:

«لقد أنفقت ثروة طائلة فى السفر إلى شواطئ بعيدة، فرأيت جبالا شاهقة ومحيطات لا يحدّها حدّ، ولكنى لم أجد متّسعا من الوقت، لكى أخطو بضع خطوات قليلة خارج منزلى، لأنظر إلى قطرة واحدة من الندى، على ورقة واحدة من أوراق العشب».

تعاطفت بشدة مع هذه القطعة عندما قرأتها، إذ أعتبر أنى أيضا سافرت إلى شواطئ بعيدة، وأنى رأيت جبالا شاهقة ومحيطات واسعة، ولكنى لم أعبأ بالنظر إلى قطرة واحدة من الندى بالقرب من بيتى. ولكن قراءتى لهذه القطعة أعادت إلى ذهنى ذكرى قديمة تتعلق بأمى وبى، عندما كنت فى التاسعة أو العاشرة من عمرى، وبأخى حسين الذى يكبرنى بسنتين. فقد كنا نحن الثلاثة، نذهب أحيانا إلى شاطئ البحر فى الإسكندرية، فنقفز أنا وحسين إلى البحر بينما تجلس أمى على الشاطئ تراقبنا. كان لدى أمى خوف دائم لا تستطيع التخلص منه، من أن يغرق أحد أولادها فى البحر. فإذا سمعت عن أى حادث غرق، عاد إليها الخوف من أن يحدث هذا لواحد منا.

كانت لهذا السبب، كلما رأتنا نتوغل بضعة أمتار إلى داخل البحر، تصيح بنا أن نعود مقتربين من الشاطئ. كانت كثيرا ما تعبّر عن تعجبّها من إصرارنا على الابتعاد عن الشاطئ، بينما المياه هى هى، وتكرر لنا قولها بأنه «جوّه زىّ برّه!».

تذكرت تكرار أمى لهذه العبارة، عندما قرأت مقطوعة طاغور، التى تقول فى الواقع شيئا قريبا من هذا المعنى. كنا فى صبانا عاجزين بالطبع عن فهم المعنى الحقيقى لعبارة أمى، ولهذا كانت تصيبنا بالضيق، وتقابلها باللامبالاة. كنا أصغر من أن ندرك معناها، كما كنا أيضا أكثر حيوية وأكثر حبا للمغامرة من أن نطيع أمى.

كان طاغور على صواب إذن، كما كان دائما، عندما قال إننا لن نفهمها إلا بعد أن نكبر.