د. جلال أمين

د. جلال أمين
أستاذ الإقتصاد بالجامعة الأمريكية والمفكر المصرى الكبير

الجمعة، 27 مايو 2011

عن ظاهرة نبيل العربى

الشروق - الجمعة 27 مايو 20

عندما شاهدت ما فعله الدكتور نبيل العربى، وزير الخارجية، لإصلاح السياسة الخارجية المصرية، فى فترة لا تزيد على شهرين، خطرت لى خواطر كثيرة أحب أن أشرك القارئ معى فيها:

هل هذا الرجل ساحر؟ زارنا فجأة فلمس بعصاه السحرية قضايانا الخارجية، الواحدة بعد الأخرى، فإذا بها تهب معتدلة ومستقيمة، بعد أن كانت تعانى من الانهيار التام الناتج عن الإهمال أو سوء المعاملة.

هل كان كل ما نحتاج إليه حقا، لإصلاح علاقتنا بإيران، أن يأتى رجل واحد رشيد فيقول ثلاث كلمات فقط «إيران ليست عدوا»، بدلا من كل ذلك الكلام الفارغ عن اشتراك إيران فى مؤامرات تهدد الأمن القومى، أو اتهامها بقتل السفير المصرى فى العراق، والاشتباك معها فى مشاجرة سخيفة لأنها أطلقت اسم قاتل السادات على أحد شوارعها، وكأننا كنا فقط نفتعل أسباب العراك لإرضاء أطراف هم فى الحقيقة أعداؤنا الحقيقيون.

هل كان كل ما نحتاجه لبث ثقة الفلسطينيين فينا وإعادة احترامهم لمصر أن نعين كوزير للخارجية رجلا قادرا على وصف ما قمنا به من حصار لغزة وحرمان سكانها من بعض المواد الغذائية والطبية الضرورية، بوصفه الصحيح، ولو لم يزد على كلمة واحدة، إذ قال إن هذا الحصار من جانب مصر عمل «مشين» (Shameful)؟ هل كان يحتاج الأمر حقا إلى ساحر لكى يدرك الجانب اللاأخلاقى فى معاملتنا لأهل غزة، بينما قام العالم كله لنصرتهم، وجاء الرجال والنساء من كل مكان للتعبير عن رفضهم للسياسة الإسرائيلية، إلى حد أن ضحت شابة أمريكية بنفسها وهى تتصدى لدبابة إسرائيلية؟
هل كان الأمر يحتاج إلى ساحر لجمع الطرفين الفلسطينيين المتشاجرين، للاجتماع والتصالح تمهيدا لمواجهة عدوهما المشترك فى جبهة واحدة؟ فعل نبيل العربى هذا أيضا، دون أن تصدر منه عبارة واحدة ينسب بها الفضل فى ذلك لنفسه ــ ودون أن يملأ وسائل الإعلام زهوا وخيلاء وجعجعة.

هل يمكن هنا أن يكون لمصر وزير خارجية لا يهمه شكل صورته أمام الناس مثلما تهمه المصلحة المصرية والعربية والقضية الأخلاقية؟

فى الوقت نفسه، الذى كان نبيل العربى يقوم فيه بهذا وذاك، سافر إلى وسط أفريقيا فى محاولة لحل مشكلة نصيب مصر من مياه النيل، وقدم دعم وزارة الخارجية للوفد الشعبى المصرى لنفس الغرض، وهى خطوة غير مألوفة، فيما أعلم، فى تاريخ الدبلوماسية المصرية. كما لا أذكر أننى رأيت صورة لوزير خارجية مصر وهو جالس مع بابا الأقباط كما رأيت صورة نبيل العربى، فى محاولة منه لاستخدام نفوذ الكنيسة القبطية لدى دولة الحبشة فى حل مشكلة المياه لصالح مصر، بعد رجوعه من زيارة روما واجتماعه ببابا الفاتيكان لنفس الهدف.

ليس فى الأمر أى سحر بطبيعة الحال، فالمسألة أبسط من هذا بكثير، وأوضح لكل ذى عينين. ولأن المسألة أبسط وأوضح، كسب نبيل العربى تقدير وحب الشعب فى مصر وفى العالم العربى فى لمح البصر، كما يظهر من تعليقات الناس اليومية فى مصر على تصرفاته، وما نشرته الصحف فى مصر والعالم العربى من مقالات، وكما يظهر مما سمعت من أصدقائى العرب، وكما بدا من طريقة استقباله حتى من الوفود الرسمية فى اجتماعات الجامعة العربية، كان الإجماع على تقدير نبيل العربى ساحقا مثلما كان الإجماع على رفض ما كان يفعله سلفه وما لم يفعله، وهذا يؤكد مرة أخرى أن الحق بيّن والباطل بيّن، وأن الذى يمنع التزام الحق وتجنب الباطل ليس الغموض أو عدم الفهم، بل شىء مختلف تماما.

●●●

ذكَّرتنى تصرفات نبيل العربى برجل آخر كان فى حكم أستاذى، وإن لم يدرِّس لى أى مقرر من مقررات كلية الحقوق عندما كنت طالبا بها، وهو الدكتور حلمى مراد. كان أستاذا للمالية العامة ويتمتع باحترام عام لكفاءته ونزاهته ووطنيته، كما كان أيضا ناشطا سياسيا فى الحزب الاشتراكى الذى كونه أحمد حسين فى الأربعينيات. كنت ألتقى بالدكتور حلمى مراد بين الحين والآخر فى الندوات والمؤتمرات الاقتصادية، وكنا جميعا نقرأ بإعجاب شديد مقالاته الرائعة فى جريدة «الشعب» فى السبعينيات والثمانينيات.

التقيت به مرة فى منتصف الثمانينيات وكان الإعداد يجرى على قدم وساق لمؤتمر كبير، صحبته حملة دعاية واسعة تحت شعار «إصلاح التعليم فى مصر». كان رئيس المؤتمر الدكتور فتحى سرور، الذى كان وقتها وزيرا للتعليم، وقبل أن يصبح (أو يُعيّن) رئيسا لمجلس الشعب، بعد أن أثبت كفاءة عالية فى إفساد التعليم فى مصر.

قال لى الدكتور حلمى مراد معلقا على عقد هذا المؤتمر وسط ضجة إعلامية كبيرة، مع ابتسامة صغيرة، «إنهم لم يكونوا بحاجة إلى عقد أى مؤتمر لإصلاح التعليم، إذ إنهم لو فتحوا أى درج فى أى مكتب من مكاتب وزارة التعليم سيجدون مذكرات ومقترحات يكفى تنفيذها لإصلاح كل مفاسد التعليم فى مصر».

لم يكن الأمر إذن بحاجة إلى مؤتمرات، فالحق بيّن هنا أيضا، والباطل بيّن، فى إصلاح التعليم كما فى السياسة الخارجية. بل كنا فى حاجة إلى شىء آخر. فما هو يا ترى هذا الشىء الآخر الذى يؤدى افتقارنا إليه إلى ندرة متبعى الحق فى حياتنا السياسية، وقلة حظنا من وزراء من نوع نبيل العربى أو حلمى مراد، على مر تاريخنا الطويل؟

لا شك أن الإجابة لها علاقة قوية بالديمقراطية والديكتاتورية. فالوزراء الوطنيون يختارهم الشعب الذى تهمه بالضرورة مصلحة الوطن. والديكتاتور قد تهمه مصلحة الوطن أحيانا، فيأتى بوزراء وطنيين، وقد لا تهمه فيأتى بمن يحققون له أغراضه هو أو بمن ينهمكون فى تحقيق مصالحهم الشخصية. هكذا كان حظ مصر ضئيلا من الوزراء الوطنيين لأن حظها كان ضئيلا من الحكم الديمقراطى. فطوال القرنين الماضيين منذ بداية عصر محمد على وحتى نهاية عصر مبارك، كان عدد الوزراء (والمستشارين) الوطنيين ضئيلا ومقصورا على فترات قصيرة للغاية. ولكن يجب أن نلاحظ أن حصول مصر على وزراء وطنيين لم يتطابق بالضبط مع تمتعها بحكم ديمقراطى، فقد عرفت مصر كثيرين من الوزراء (والمستشارين) الوطنيين فى عهد محمد على وعهد عبدالناصر (وقد كان كل منهما ديكتاتورا بلا جدال)، كما عرفت كثيرين أيضا من الوزراء والمستشارين غير الوطنيين حتى فى ظل عهود أكثر ديمقراطية بكثير، كالفترة التى امتدت بين صدور دستور 1923 وقيام ثورة 1952. لابد إذن أن نضيف إلى وجود الديمقراطية أو غيابها، عاملا آخر هو مدى تمتع مصر باستقلال حقيقى فى الإرادة أو خضوعها التام لإرادة الأجنبى.

فالأجنبى قد يهمه الإصلاح أحيانا ولكنه يعمل على الإفساد فى معظم الأحوال، ومن ثم يختار من الوزراء فى معظم الأحوال (أو يشجع على اختيار) من يتصرف ضد المصلحة الوطنية أو من يمتنع عن فعل ما يحقق هذه المصلحة.

والأمران متلازمان ولكنهما ليسا متطابقين تمام التطابق. فالأجنبى لا يجد له مصلحة (فى معظم الأحوال) فى أن نتمتع بنظام ديمقراطى، ويجد الديكتاتور عادة أكثر فائدة له وأسهل قيادا.

فإذا سمح الأجنبى لنا بالديمقراطية، فهى ديمقراطية من نوع خاص ومقيدة بشروط، كالذى كان يخضع له ملك مصر مثلا، فى أعقاب صدور دستور 1923 من ضرورة موافقة السفارة البريطانية فى القاهرة (ومن ثم وزارة الخارجية فى لندن) على من يختار رئيسا للوزراء لمصر.

من الشيق أن نلاحظ، مع ذلك، أنه تمر بمصر من حين لآخر، فترات يشعر فيها الديكتاتور (أو حتى الأجنبى) بأنه فى مأزق، ويصعب عليه فيه أن يتجاهل تماما ما فيه المصلحة الوطنية، وألا ينصاع، ولو مؤقتا، لرغبات الناس، فيلجأ مؤقتا إلى تعيين بعض الوزراء (وربما أيضا رئيس للوزراء) ممن يتمتعون بشعبية مؤكدة لنزاهتهم ووطنيتهم، ريثما تمر الأزمة وتهدأ الأمور.

حدث شىء مثل هذا فى 4 فبراير 1942، فى ذلك الحادث الشهير، حين أصرت الحكومة البريطانية على أن يأتى الملك فاروق بمصطفى النحاس رئيسا للوزراء، وهو أكثر الزعماء شعبية فى ذلك الوقت، رغم العداوة الشديدة بين الملك والنحاس، إذ كان النحاس يصر على الوقوف ضد الملك كلما أراد الملك أن يخرق القانون تحقيقا لمآربه الشخصية، كانت الحكومة البريطانية مدفوعة لذلك (رغم كراهيتها بدورها للنحاس)، وتفضيلها لأحزاب (الأقلية) بما كانت تمر به من أزمة حرجة للغاية فى حربها ضد الألمان، وكانت تريد أن تؤمن الشارع المصرى تماما وتمنع أى اضطرابات أو مظاهرات فى مصر يمكن أن تعرقل خططها العسكرية فى منع الألمان من دخول مصر.

كانت تهدئة الشارع المصرى غير ممكنة إلا إذا تولى مصطفى النحاس الحكم، وهكذا جاء الإنجليز بالدبابات أمام قصر عابدين لإجبار الملك على قبول النحاس، فرضخ الملك، إلى آخر ما نعرفه من أحداث ذلك اليوم الشهير. ولكن سرعان ما فقد النحاس منصبه وتم عزله بمجرد أن استتب الأمر للإنجليز وزال عنهم الخطر.

اضطر الملك إلى قبول النحاس رئيسا للوزراء مرة أخرى فى 1950، عندما مرّ بوقت عصيب (هو فى هذه المرة وليس الإنجليز) نتيجة التهاب الحركة الوطنية فى أعقاب حرب فلسطين فى 1948، واتهامه بالضلوع فى شراء أسلحة فاسدة للجيش المصرى، فجاء النحاس ومعه وزراء رائعون منهم وزير خارجية فذ هو محمد صلاح الدين، ووزير فذ آخر للتعليم، هو طه حسين، فإذا بالحكومة بين يوم وليلة تلغى المعاهدة التى كانت قد وقعتها مع الإنجليز فى 1936، والتى كرهها الناس كراهية شديدة، ويستقبل الناس خبر إلغاء مصر للمعاهدة بإرادتها المنفردة، استقبالا رائعا، ويقف أعضاء البرلمان مشدوهين لسماعهم الخبر وهم يهتفون بحياة مصر والنحاس.

ثم لم تلبث حكومة النحاس أن سمحت للمتطوعين المصريين بالذهاب لمقاتلة الإنجليز الرابضين على قناة السويس، وأقامت لهم معسكرات للتدريب وأمدتهم بالسلاح. ثم أصدرت الحكومة قانونا بمجانية التعليم فى جميع المراحل السابقة على المرحلة الجامعية، وقانونا آخر لحماية العمال من استغلال أرباب الأعمال (قانون العمل الفردى)..الخ.

لا عجب أن الأمر لم يستمر أكثر من سنة ونصف السنة، إذ رُتبت مؤامر للإطاحة بحكومة النحاس، لصالح الملك والإنجليز، فوقع حريق القاهرة الشهير فى يناير 1952، وأقال الملك النحاس بحجة فشله فى تحقيق الأمن.

●●●

بعد ستة عشر عاما من حريق القاهرة، حدث حادث مماثل، إذ اضطر نظام عبدالناصر إلى محاولة استرضاء الشعب فأتى بوزراء محبوبين ومشهورين بالنزاهة والوطنية، ريثما تتجلى الأزمة فيطاح بهم ويستغنى عن خدماتهم. ففى 1968، بلغ السخط الشعبى أقصاه بسبب الهزيمة العسكرية فى 1967، وخرج الشباب إلى الشوارع يطالبون بالعقاب الرادع للمسئولين عن الهزيمة، وشعر جمال عبدالناصر بضرورة التهدئة فأتى بحكومة جديدة كان من بين أعضائها وزيران أو ثلاثة من نوع جديد لم يعتد الناس أن يروا مثلهم منذ فترة طويلة. كان من بين هؤلاء ذلك الرجل الرائع الذى ذكرته حالا، وهو الدكتور حلمى مراد، إذ عُيّن وزيرا للتعليم، ولم يكن إصلاح التعليم يحتاج من حلمى مراد إلا لفترة وجيزة، ولكن للأسف غضب عليه عبدالناصر لأمر لا علاقة له بالتعليم ولكن له علاقة بشجاعته.

وتمسّكه برأيه، إذ عبّر فى مجلس الوزراء عن تمسّكه باستقلال القضاء، ضد إجراء كان يؤيده عبدالناصر ويؤدى إلى استبعاد بعض القضاة، وانتهى الأمر بعزل حلمى مراد، بمجرد أن هدأ الشارع المصرى واطمأن عبدالناصر إلى سيطرته على الأمور.

فعل أنور السادات شيئا مماثلا فى السنوات الأولى من حكمه فى أوائل السبعينيات، فى أعقاب وفاة حاكم قوى ومحبوب، وانتفاضة الشباب المصرى فى 1972 احتجاجا على تلكع الحكومة فى بذل الجهود اللازمة لاسترداد سيناء المحتلة، وقبل وقوع نظام السادات تماما فى براثن السيطرة الأمريكية، فإذا بالسادات يأتى برجل عظيم كرئيس للوزراء، هو الدكتور عزيز صدقى، وبعض الوزراء المعروفين بالنزاهة والوطنية والكفاءة، كإسماعيل صبرى عبدالله للتخطيط، وفؤاد مرسى للتموين، ومصطفى الجبلى للزراعة. وسرعان ما نشط الثلاثة فى إصلاح الأمور التى تولوها، فوضع إسماعيل صبرى عبدالله خطة طموحا للتصنيع، ووضع فؤاد مرسى حدا لجشع التجار، ووضع مصطفى الجبلى خطة رائعة تهدف لتحقيق الاكتفاء الذاتى من القمح والمحاصيل الزراعية الرئيسية قبل نهاية القرن. ولكن لم يستمر الأمر طويلا كالعادة، إذ سرعان ما استغنى السادات عن هؤلاء وأمثالهم بمجرد أن استتب له الأمر، واستعاض عنهم بمن يقبل الانصياع لإرادة المضاربين والمحتكرين والمقاولين وتجار العملة، فضلا عن الانصياع للإرادة الأمريكية.

●●●

أرجو ألا يظهر أن نقل نبيل العربى من وزارة الخارجية إلى أمانة الجامعة العربية، هو من نوع الأحداث السابقة التى ذكرتها، وللمرء الحق فى أن يتساءل بحزن: «ألا يستحق المصريون وزيرا رائعا للخارجية لأكثر من ثلاثة أو أربعة أشهر؟».

الجمعة، 20 مايو 2011

أكذوبة (بن لادن)

الشروق - الجمعة 20 مايو 2011

منذ نحو أسبوعين نشرت صحف العالم كله، (ومنها الصحف المصرية) صورة تتعلق بخبر مقتل أسامة بن لادن كانت صورة مدهشة وتثير الكثير من المعانى الجديرة بالتأمل.

11 شخصا من أكبر الشخصيات الأمريكية، جالسون وهم ينظرون جميعا فى اتجاه واحد، وقد ارتسمت على وجوههم سمة الاهتمام البالغ بما يشاهدون، وكأنهم لا يريدون أن تفوتهم لحظة واحدة أو أى من التفاصيل الصغيرة للمشهد.

جلس بينهم الرئيس أوباما خاشعا مثل الآخرين، بينما وضعت وزيرة الخارجية هيلارى كلينتون يدها على فمها مستغرقة تماما فيما تراه، وظهر وزير الدفاع فى الوسط فى حلة عسكرية بكامل نياشينها، وهو يضغط على أزرار أمامه مما يدل على أنه يتحكم فيما يراه الآخرون.

أمام كل من الجالسين جهاز كمبيوتر مفتوح، كالذى نشاهده كثيرا هذه الأيام، وأصبح يعتبر ــ خاصة للشباب ــ ضروريا للحياة مثل كوب الماء.

كان أول ما خطر لى لدى رؤية هذه الصورة أن هذا مثال جديد للدور الذى أصبحت تلعبه «الشاشة» فى حياتنا.

أنا أنتمى إلى جيل قديم لم يعرف شاشة التليفزيون إلا بعد أن تجاوز العشرين من عمره. ولكن أنظر إلى جيل أحفادى فأجدهم لا يستغنون عن شاشة الكمبيوتر سواء للاتصال بالعالم، أو بأصدقائهم، أو لممارسة مختلف الألعاب الإلكترونية. فإذا لم يكونوا أمام الكمبيوتر فهم يحملقون فى جهاز صغير له أسماء مختلفة تتغير كل بضعة أشهر، ولكن له دائما شاشة صغيرة أصبحت هى نافذتهم التى يطلون منها على العالم، وإن كانت تسد أبصارهم عن الأشخاص الحقيقيين المحيطين بهم.

ها هى الشاشة الشيطانية تبدو قادرة على إخضاع حتى أهم الرجال والنساء، فى أقوى بلاد العالم، بمن فيهم رئيس الجمهورية نفسه، فهم جالسون أمامها كما يجلس التلميذ الصغير أمام أستاذ عظيم، يتلقى منه المعلومات والتوجيهات، ولا يتجرأ على توجيه سؤال له أو مناقشته.

أما وزير الدفاع فسبب ما يتمتع به فى هذه الجلسة من مقام متميز، ليس إلا قدرته على اللعب ببعض الأزرار، ومن ثم قدرته على التحكم فيما يشاهده أو لا يشاهده الآخرون.

الأكثر مدعاة للدهشة هو ما جلس هؤلاء جميعا لمشاهدته. إنهم يتفرجون على جريمة قتل. ليس فيلما بوليسيا خياليا جرى إنتاجه للتسلية، بل جريمة قتل حقيقية يجرى تنفيذها لحظة بلحظة فى أثناء جلوس هؤلاء أمام الشاشة.

والقتل فى هذه الحالة ليس تنفيذا لحكم صدر من محكمة معترف بها بعد تقديم الحجج على إدانة المتهم وسماع أقواله دفاعا عن نفسه. ليس هذا بالمرة، بل قرار القتل صادر من حكومة دولة لا تكف عن الكلام عن حقوق الإنسان، ووقعه رئيس الجمهورية نفسه، وأمر رجاله بتنفيذه فى دولة أجنبية لم تستأذن فيما إذا كانت توافق على هذا العمل؟

وأعطى لهم سلطة قتل من يعترض طريقهم، من حراس المتهم أو أقاربه، ولو كان من بينهم زوجة المتهم وبعض أولاده.

ها هو هذا الرجل الذى جاء إلى منصب رئيس الجمهورية منذ عامين، محاطا بمختلف أنواع التهليل والإعجاب (حتى فى بلادنا نفسها)، وقال عبارات كثيرة عن تقديره للإسلام والمسلمين، يجلس كما يجلس الآخرون لمشاهدة تنفيذ عملية القتل، بعد أن وقع عليها بالموافقة، بدم بارد تماما، مع أنه كان بإمكانه القبض عليه وتقديمه للمحاكمة، خاصة أن هذا المتهم سبق أن اتهم اتهامات متعددة بقصد تبربر الهجوم الأمريكى على العراق، ثم تبين أنه برىء من هذه الاتهامات، الخطأ إذن جائز، ولا يجوز فى إثبات جرائم فظيعة كهذه الاعتماد على تسجيلات لأشرطة سبق إذاعتها بالصوت والصورة، من قناة الجزيرة فى قطر، وظهر فيها هذا الرجل، أسامة بن لادن، وهو يعترف فيها بتخطيط هذه الجريمة أو تلك، مثل تفجير البرجين الشهيرين فى نيويورك فى 11/9/2001. إذ إنه، فى العصر الذى نعيش فيه، يسهل جدا تزييف مثل هذه التسجيلات، وإضافة أى صوت لأى صورة، وإذاعته من قنوات تليفزيونية، خاصة إذا كانت من دولة صديقة للولايات المتحدة، وقد يكون لها مصلحة فى تأكيد التهم الموجهة لأسامة بن لادن.

هذا التناقض بين الادعاء بمراعاة حقوق الإنسان، ومثل هذا الاعتداء بالقتل دون محاكمة، ليس جديدا بالطبع، ولا حتى على الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة فى السنوات الأخيرة. فما أكثر ما يقوله السياسيون من أشياء لا يصدقونها، بل هى النقيض التام لما يعرفون أنه الحقيقة، وأظن أن هذا الاعتياد على الكذب المستمر هو الذى يفسر ما لاحظته مما يعترى السياسيين الكبار من مظاهر الشيخوخة المبكرة، بعد وقت قصير جدا من اعتلائهم الحكم، وربما كان هو أيضا ما يفسر ما لاحظته من تغيير على ملامح السيدة هيلارى كلينتون وتعبيرات وجهها، منذ اعتلائها منصب وزيرة الخارجية، إذ كثيرا ما تبدو الآن فى الصور بوجه جامد كالشمع لا يفصح عن أى خلجة من المشاعر.

●●●

ليس هذا بالضبط هو موضوعنا على أى حال، فالأكثر أهمية من الصور، وأكثر مدعاة للدهشة، هو ما تضمنته التقارير الواردة عن حادثة القتل، من أخبار متناقضة وغير قابلة للتصديق. واعترف للقارئ من البداية، بأن هذه ليست أول مرة أرفض فيها تصديق ما يقال عن أسامة بن لادن، بل إنى منذ سمعت عن تفجيرات نيويورك، ونسبتها إلى «بن لادن»، وإلى تنظيمه المسمى بـ«القاعدة»، توقفت تماما عن أخذ ما ينشر عن «بن لادن» مأخذ الجد، بل نظرت إلى ما ينشر ويقال عنه وكأنه أقرب إلى الروايات الخيالية منه إلى الحقائق الواقعية، بما فى ذلك ما قيل عن مقتله منذ أسبوعين.
ففى ساعة مبكرة جدا من صباح الثلاثاء 3 مايو الماضى، دق جرس التليفون فى بيتى على غير المعتاد فى مثل هذه الساعة، وكان المتكلم حفيدى الذى اعتقد أن لديه خبرا مهما يبرر الاتصال بى فى هذا الوقت. قال لى إن أسامة بن لادن قُتل. شكرته على تبليغى الخبر، وإن كنت لم أجد من المناسب أن أعبر له عما يدور بذهنى بصدد هذا الخبر، إذ لم أتوقع أن يكون فى تجاربه ما يسمح له بالتعاطف مع وجهة نظرى.
كان كل ما ورد إلىّ من أخبار عن أسامة بن لادن، منذ وقعت أحداث سبتمبر، قبل نحو عشرة أعوام، غير قابل للتصديق، أو على الأقل يناقض بعضه البعض بدرجة تدفع إلى تقليل الاهتمام بالأمر برمته. كنت قد قرأت مثلا، مقالا مطولا، بعد أحداث 11 سبتمبر مباشرة، فى مجلة إنجليزية محترمة، عن تاريخ حياة «بن لادن»، ورد فيه أنه كان فى شبابه يقضى أيامه فى العبث والعربدة، يتنقل من بيروت من ملهى ليلى إلى ملهى ليلى آخر، ثم حدث بعد فترة غامضة من حياته أن انضم فى أوائل الثمانينيات إلى صفوف المجاهدين الإسلاميين ضد الاحتلال السوفييتى لأفغانستان. ما أكبر هذا التحول! ولكن ما أغربه أيضا! شاب ثرى ينتقل فجأة من حياة العبث واللا مبالاة بأى شىء، إلى حياة الورع والتقوى والتضحية بالنفس من أجل المبدأ؟ ممكن، ولكنه ليس من الأمور المتوقعة من الطبيعة البشرية. تصادف أن هذا الكفاح ضد السوفييت فى أفغانستان فى الثمانينيات كان ملائما تماما لأهداف السياسة الأمريكية فى المنطقة، فهل يجوز أن يكون ما حدث من تحول لابن لادن قد جاء نتيجة اتفاق أو صفقة؟ ليس من المستبعد. ولكن حدث أيضا بعد انتهاء الاحتلال السوفييتى لأفغانستان أن أُعلن أن «بن لادن» قد أصبح زعيما لتنظيم إرهابى اسمه «القاعدة»، ثم تكرر المرة بعد الأخرى، أو نسبت إلى هذا التنظيم أعمال قتل وتفجير بالغة العنف والقسوة فى أماكن مختلفة من العالم، تصادف أيضا أنها من الممكن أن تتفق مع الأهداف الأمريكية فى هذه الأماكن المختلفة، أو على الأقل أن تستخدمها الإدارة الأمريكية والإعلام الخاضع لتأثير قوى من الولايات المتحدة، لخدمة هذه الأهداف، ولكنها تتعارض تماما مع روح الإسلام ومبادئه وتعاليمه. الجهاد من أجل تحرير دولة من نفوذ أجنبى ممكن ومشروع، ولكن ارتكاب مختلف أنواع العنف بما فى ذلك قتل الأبرياء فى كل مكان؟ هل يسمح الإسلام بهذا؟ فهل حدث يا ترى تحول آخر فى تفكير «بن لادن»، من شاب عابث، إلى مجاهد فى حرب تحريرية، ثم إلى مفجر للقنابل، مع نسبة هذا التفجير إلى الإسلام؟ هل هذه التحولات المذهلة مما يتفق أيضا مع الطبيعة البشرية، أم هى أقرب إلى تنفيذ أهداف غير معلن عنها لأنها ذميمة أخلاقيا، مع تحقيقها فى نفس الوقت لهدف تشويه سمعة الإسلام والمسلمين؟ أى التفسيرين أقرب إلى العقل؟ وهل نقتنع بتصديق كل ما يقال لنا مهما خالف مقتضيات العقل، لمجرد ظهور شريط مسجل على شاشة تليفزيون دولة صغيرة معروفة بعلاقتها الطيبة بالولايات المتحدة، يقول لنا إن بن لادن رجل ورع يعمل لصالح الإسلام، أو يظن أنه يعمل لصالحه، فيفجر هو وأنصاره المتفجرات فى كل مكان فى العالم؟

●●●

الآن يخبروننا بأنه تم قتله. وفى عقر داره، ودون مقاومة، وفى قصر منيف على بعد أمتار قليلة من مقر المخابرات الباكستانية (الصديقة أيضا للمخابرات الأمريكية)، بعد أن دوّخ «بن لادن» الولايات المتحدة كلها، ورؤساءها المتعاقبين، وأجهزة مخابراتها لمدة تقرب من عشرين عاما، دون جدوى. هل هذا أيضا قابل للتصديق؟ ولكن القصة تزداد درجة عبثيتها (بل وجنونها) عندما يضيفون إليها أن الأمريكيين قاموا، بعد قتله، بتغسيله طبقا للقواعد الإسلامية (هل كان هذا يا ترى إمعانا منهم فى استخدام الرأفة؟ أم هو إمعان فى احترام الإسلام وتقديره على نفس النحو الذى عبّر عنه الرئيس الأمريكى أوباما فى جامعة القاهرة قبل سنتين؟). ولكن للأسف لم تلتقط صور له بعد مقتله. لماذا يا ترى؟ مع أن التقاط الصور هى مهنة العصر؟ وألقيت جثته للأسف فى مياه المحيط. لماذا يا ترى، مع أن تعاليم الإسلام تقضى بدفنه؟

●●●

هناك فيما يبدو من اكتشف فى لحظة عبقرية، ولكنها أيضا شريرة جدا، أن الإنسان كائن ذو عقل هش جدا، بحيث يمكن التلاعب به والتمويه عليه بسهولة بشرط اتباع مجموعة من القواعد. منها التكرار. لا تكف عن تكرار الأكذوبة فتجد أنها تحولت إلى حقيقة. العقل الإنسانى يبدو ضعيفا جدا أمام الإلحاح، أيا كان مضمون الرسالة التى يجرى الإلحاح عليها. ومن قبل الالحاح أيضا استخدام الوسائل الجماهيرية فى الإعلام، إذ سوف يساعدك العدد الكبير من الناس الذين يتعرضون للأكذوبة، المرة بعد الأخرى، فى تكرارها ونشرها، فيقومون هم، بالنيابة عن مختلق الأكذوبة، بالالحاح عليها وترويجها حتى يتم تصديقها. ومن الوسائل الفعّالة أيضا فى خداع العقل الإنسانى، استخدام الصورة، ويا حبذا لو كانت صورة متحركة، وكانت أيضا تقترن بالصوت. فالعقل الإنسانى ضعيف أيضا أمام الصور المتحركة خاصة إذا اقترنت بموسيقى مثيرة وإيقاع عال. من هذه الوسائل الفعّالة أيضا فى التمويه، اقتران الكذب بالتخويف إذ بالتخويف يمكن أن يفقد العقل الإنسانى قدرته على المقاومة، فيصدق ما لا يجب تصديقه.

لاشك فى أن هذه الوسائل وغيرها قد نجحت نجاحا تاما فى تثبيت أكذوبة «بن لادن»، إذ فلتنظر إلى خروج المظاهرات فى أماكن كثيرة من العالم للتنديد بالولايات المتحدة، ليس بسبب اختلاق الأكذوبة والترويج لها، بل بسبب قيامها بقتل رجل ورع ومخلص للإسلام. بل لقد وصل هذا النجاح فى الترويج للأكذوبة أن قرأنا المقالات والتعليقات من كثير من الكتاب، بعضهم يبدون عقلاء تماما عندما يكتبون فى موضوعات أخرى، فيعبرون عن تقديرهم البالغ لابن لادن، وما كان يقوم به ويرمز له، إلى حد أن وصفه كاتب كبير بأنه مزيج من رجلين عظيمين: المهاتما غاندى وتشى جيفارا!

●●●

لم أحاول بالطبع أن أشرح كل هذا لحفيدى الذى لم يبلغ بعد السابعة عشرة من عمره، ولكن كيف لا أصارح القارئ اللبيب الذى تجاوز هذه السن، بما أعتقد أنه الحقيقة؟

الجمعة، 13 مايو 2011

مطلوب: خطة إنقاذ عاجلة

الشروق - الجمعة 13 مايو 2011

 ما حدث فى إمبابة منذ أيام، وما تلاه وسبقه من تقاتل وتبادل الضرب وتوجيه الاتهامات والإهانات بين المسلمين والأقباط، لا يدعو فقط إلى الأسى الشديد والجزع، بل يدعو أيضا إلى قدر لا يستهان به من الاحباط والغيظ.

أما اليأس والجزع فأسبابهما معروفة وواضحة لكل ذى عينين، وأما الاحباط والغيظ فمن أسبابهما أن المرء رغم أنه يدرك أن الأمر خطير، وربما يعرف أيضا أسبابه، فإنه يشعر بالحيرة الشديدة فيمن يوجه إليه الكلام.

فالأطراف المعنية إما أنها تدرك ما تدركه، وتعرف ما يمكن أن يترتب على هذه الأحداث من نتائج بائسة، ومن ثم فلا فائدة كبيرة ترجى من توجيه الكلام إليها، ما دامت تعرف ما نعرف، وإما أنهم أشخاص فقدوا وعيهم، أو فى حكم من فقد الوعى، ومن ثم فلا أمل فى أن ينصتوا إليك، هذا بفرض أنهم من فرط ما يحدثون من ضوضاء، يمكن أن يسمعوا صوتك أصلا.

ليس من دواعى الحيرة أن أسباب هذه الفتنة مجهولة، بل إنى أزعم أن أسباب الفتنة لا تقل وضوحا عن النتائج التى يمكن أن تترتب عليها. هناك بالطبع المستفيدون من هذه الأحداث، وأصحاب المصلحة المؤكدة فى إشعال النار بين المسلمين والأقباط. والمستفيد ليسوا فقط أعداء خارجين، بل أشخاص يكاد يستطيع المرء تحديدهم بالاسم، وتسميتهم بـ«الثورة المضادة»، لا يفيد كثيرا لأن ما يهمهم ليس بالضبط إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل 25 يناير، فهذا فى رأيى مستحيل وهؤلاء يعرفون أنه مستحيل. بل يهمهم قبل كل شىء حماية أنفسهم من خطر داهم يقترب منهم يوما بعد يوم، وكأنهم يرون النار تقترب منهم بسرعة (الاتهامات، التحقيقات، الاعتقالات، المحاكمات) فلابد أن يفعلوا ما فى وسعهم لكى يمنعوا النار من الامساك بهم. فليحاولوا إذن تحويل النار إلى اتجاه آخر.

وليس من المستغرب أبدا، أن يكون من بين هؤلاء من تم القبض عليهم بالفعل، ولكن مازال لديهم من الوسائل (للأسف) ما يمكنهم من الاتصال بأعوانهم ومستخدميهم فى خارج السجن وتوجيههم (مع توزيع الأموال عليهم) للقيام بأعمال الحرق والقتل والتدمير، مما يشبه ما سبق أن فعلوه فيما سمى بـ«موقعة الجمل». أم هل نتوقع من هؤلاء الكبار المحبوسين على ذمة التحقيق، أن ينتظروا مصيرهم بمنتهى الهدوء، ويكتفوا بمشاهدة التليفزيون حتى تصدر عليهم أحكام بالسجن المشدد أو المؤبد أو حتى بالإعدام؟

من المؤكد أن هناك محرضين، قد لا يزيد عددهم على عدد أصابع اليد أو اليدين، ولكن من المؤكد أيضا أن هناك آلافا مؤلفة من القابلين للتحريض، بل المستعدين نفسيا للاستجابة لأدنى حركة تهييج أو إثارة، لكى يبدأوا فورا فى التدمير والإحراق والصراخ.

هؤلاء الذين قد يعدّون بالملايين، والمنتشرون فى المدن الكبيرة والصغيرة، ليس فقط فى العشوائيات، بل وأيضا فى الشوارع والحارات المزدحمة التى يكثر فيها المتبطلون، الباحثون عن عمل بلا جدوى، ومن يئسوا بالفعل فى العثور على عمل، ويمشون فى طرقات ضيقة تحفها أكوام القمامة، وتجرى بينها الفئران الصغيرة والكبيرة، ويعلو فيها الضجيج المنبعث من الميكروفونات، أو من أحداث الشجار المتكرر بين من فقدوا صبرهم من جراء الوقوف فى طوابير الخبز أو أسطوانات البوتاجاز، أو لاستلام مقررات التموين..الخ.

هؤلاء وأمثالهم لديهم استعداد تام، فى أوقات فراغهم الطويلة والبائسة، للاشتراك فى أى مظاهرة يدعون إليها، للانتصار لكاميليا أو عبير، أو للانتقام ممن تزوج من عبير أو كاميليا، والهتاف بأعلى صوت، وبمنتهى التشنج، ضد المنتمين لدين غير دينهم، يظنون أنهم بذلك ينتصرون لدينهم الذى يفدونه بأرواحهم، وهم فى الواقع يعبرون عن غضبهم وحنقهم لعجزهم عن تلبية أبسط حاجاتهم ومطالب أولادهم.

كل هذا مفهوم تماما، كما أن من السهل تحديد المسئولين عن ذلك، إن من الممكن أن نعتبر أن أكبر الجرائم التى ارتكبها عهد مبارك، هو عمل كل شىء من شأنه خلق هذه البيئة الاجتماعية التى يترعرع فيها ملايين من المصريين المستعدين فى أى لحظة للاستجابة للتحريض ضد المنتسبين لغير دينهم: أحوال معيشية سيئة للغاية، مع رؤيتهم فى نفس الوقت مناظر مستفزة لنمط حياة مختلف تماما عن نمط حياتهم يعيشه علية القوم، وتعليم منحط يكرس كراهية أصحاب كل دين لأصحاب الأديان الأخرى، وإعلام ليس أقل انحطاطا يبث سموم الكراهية وسط ادعاءات مزيفة بالسمو الروحى والعمل بما يرضى الرب.

هذه هى الجرائم الحقيقية لنظام مبارك (وإن كنت لا أعرف نوع العقوبة المفروضة على مثل هذه الجرائم). ولكن ما جدوى معرفة الجريمة والعقوبة فى محاولتنا القضاء على آثارها؟ لقد تراكمت أعمال هذا النظام المدمرة، عبر ثلاثين عاما، وهى مدة تزيد على عمر جيل كامل من المصريين، فهل يمكن أن نتوقع أن يعود الوئام والسلام الاجتماعى فى سنة أو سنتين، مهما بذلنا لإصلاح السياسات الاقتصادية والتعليمية والإعلامية، وحتى لو بدأنا هذا الإصلاح من اليوم؟

التخريب عميق، والتسوس وصل إلى الجذور، فما الذى يمكن أن تصنعه بعض المقالات، مهما كانت مخلصة، وبعض اللقاءات والندوات مهما كانت نبيلة المقصد؟

هذا هو أحد دواعى الشعور بالاحباط والغيظ، وهو ما يتعلق بالأحوال التى تردت إليها ملايين من المصريين المستعدين للاستجابة للتحريض. ولكن هناك سببا آخر يتعلق بطائفة من المثقفين المصريين. ذلك أن بعض المثقفين المصريين وقعوا للأسف ضحية ذلك الإغراء القوى بتملق الجماهير الغفيرة، ومجاراة رغباتهم طمعا فى الحصول على نوع من أنواع الزعامة، أو على الأقل إرضاء لغرور شديد، يزداد تضخما كلما علت أصوات التأييد والهتاف.

هؤلاء المثقفون فضلوا للأسف أن يتبنوا موقف العامة الكارهين لكل من ينتسب لغير دينهم، لأسباب بعيدة كل البعد عن تعاليم هذا الدين أو ذاك. هؤلاء المثقفون، رغم أنهم لا يعانون قط مما يعانى منه العامة من شظف العيش الذى أدى بهم إلى هذا التعصب المقيت، فضلوا أن يتصرفوا وكأن القضية دينية وليست اجتماعية، وأن يتظاهروا (أو يقنعوا أنفسهم) بأن الغاضبين لأسباب اجتماعية واقتصادية، غاضبون لأسباب دينية بحتة، وأن هؤلاء الغاضبين غيورون حقيقيون على الدين، بينما الواقع الحقيقى هو غضب على ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية.

فإذا بهؤلاء المثقفين يلقون بمزيد من الزيت على النار فتزداد اشتعالا، أو على الأقل يلتزمون الصمت إزاء ما يرونه من نار مشتعلة خوفا من فقدان تأييد الجماهير الغفيرة لهم.

كل هذا يثير الاحباط والغيظ: الحل الكامل يحتاج إلى سنوات طويلة، ومحاولة التهدئة الفورية تصطدم بمصالح شريرة تعمل باجتهاد على زيادة الحال سوءا، أو تصطدم بجنون فى الشارع لا يمكن أن يستمع إلى صوت العقل، أو بموقف من المثقفين المغرورين الذين فضلوا تملق الجماهير على محاولة كبح جماحهم.

ومع هذا فالأمر ليس ميئوسا منه. لدينا على أى حال أربعة أساليب مهمة يمكن استخدامها فورا وفى المدى القصير، حتى يأتى إصلاح السياسة الاقتصادية والتعليمية والإعلامية بثمراته فى المدى الطويل.

هذه الأساليب الأربعة تتلخص فى سد كل الطرق أمام المحرضين لمنع وصول رسائلهم وتعليماتهم وأموالهم إلى الجماهير فى الشارع المصرى، واستتباب الأمن فى الشارع لبث الرهبة وفرض احترام القانون فى نفوس من يمكن أن يستجيب لهذا التحريض، وإعادة تسيير عجلة الاقتصاد للتخفيف من معاناة الناس اليومية، ووضع وتطبيق سياسة عاجلة لمنع وسائل الإعلام، وعلى الأخص التليفزيون، من أى عمل يزيد من تهييج الناس وإثارة بعضهم على بعض.

الجمعة، 6 مايو 2011

ثورة 25 يناير.. قصة قصيرة

الشروق - الجمعة 6 مايو 2011

قبل تنحى حسنى مبارك كرئيس جمهورية ببضع سنوات، بدأت الحملة التى شنها أنصاره للتمهيد لتوريث الحكم لابنه جمال، وقلق الناس قلقا شديدا من أن يتحول هذا المخطط الشيطانى إلى حقيقة: أن يأتى بعد هذا الحكم الفاسد الطويل الذى استمر أكثر من ربع قرن، حكم آخر يشبهه قد يستمر مدة مماثلة أو أطول بسبب صغر سن الابن. سُئل حسنى مبارك حينئذ أكثر من مرة، عما إذا كانت فكرة التوريث حقيقية، وكان يجيب دائما إجابات تثير الغيظ، منها قوله إن ابنه لم يحادثه فى الأمر، أو أن هذا الكلام سابق لأوانه.. إلخ.

مثل هذه الإجابات جاءت فى حوارات منشورة بالصحف وتداولتها وسائل الإعلام، ولكن كانت هناك إجابة أخرى، أكثر إثارة للحنق والغيظ، سمعها بعض المقربين منه، وتداولها الناس أيضا وإن لم تنشر فى وسائل الإعلام وأنا شخصيا أصدق صدورها عنه لأنها تتفق مع طريقته فى الكلام والتفكير، التى ظهرت فى عشرات الأحاديث والتعليقات المنقولة عنه، سواء ما نشر منها وما لم ينشر.

رُوى عنه أنه قال عندما سئل عن حقيقة مشروع التوريث: «وما الذى تظنون أنى أرغب فى توريثه له؟ إنها خرابة!».

كانت هذه الجملة تشبه مثلا تعليقه على عزم بعض فئات المعارضة إنشاء برلمان مواز، بعد انتخابات 2010 الأخيرة التى زورت تزويرا كاملا، إذ اكتفى بقوله: «خليهم يتسلوا!» كما يتفق هذا التعليق وذاك مع موقفه من حادث غرق العبارة الذى أودى بحياة أكثر من ألف مصرى أثناء عودتهم من السعودية، إذ لم يجد ضرورة للذهاب إلى مكان الحادث ولا صدرت عنه كلمة لتعزية أهالى الضحايا، بل ذهب بعد الحادث مباشرة للتفرج على مباراة لكرة القدم.

ويتفق مع موقفه من أحداث العنف بين المصريين والجزائريين فى أعقاب مباراة أخرى لكرة القدم، إذ لم يبد منه ما يدل على أى قلق لما يمكن أن يحدث من تدهور فى علاقة مصر بالجزائر.. إلخ.

كان رجلا مدهشا من أكثر من ناحية. ضعيف القدرة على الإحساس بما يشعر به المصريون، وعاجزا عن التمييز بين حادث عابر ومصيبة قومية، ولا يفهم أنه إذا كانت مصر قد أصبحت «خرابة» بالفعل، فلابد أن يكون هو المسئول الأول عن ذلك، سواء قام بتوريثها لابنه أو لم يقم.

ولكن لابد من الاعتراف، بعد كل هذا، بأنه لو كان مخطط التوريث قد تم بالفعل، لكانت حالة مصر، عندما يتسلمها الوريث، قريبة فعلا من حالة الأرض الخراب.

ذلك أنه منذ أن تم التنحى بالفعل فى 11 فبراير الماضى، لم تنقطع الاكتشافات عن أشياء غاية فى السوء، لم نكن ندرى بها قبل التنحى، أو لم نكن نتصور أنها على هذه الدرجة من السوء.

فلم يمض يوم أو يومان على شعورنا بأن الثورة قد حققت غرضها الأساسى، حتى تفجرت مظاهرات من عمال وموظفين ومهنيين يطالبون بتحسين أحوالهم. وفى كل مظاهرة أعلن المتظاهرون عن وقائع فساد يعرفونها، ويستطيعون إثباتها بسهولة، ويطالبون بسببها بعزل رئيسهم.

ثم تفجرت مطالبات فى الدور الصحفية والتليفزيونية بعزل رؤسائها وكشفت عن تجاوزات خطيرة فى استعمال السلطة فى هذه المؤسسات، وعن فروق خيالية يصعب أن يتصورها العقل بين ما يتقاضاه بعض المحظوظين من المقربين لرئيس الصحيفة أو التليفزيون، وبين سائر الموظفين.

ثم اشتعلت حرائق فى مراكز أمن الدولة فى أماكن متفرقة من مصر، قيل إن الغرض منها التخلص من وثائق خطيرة، تتضمن وقائع تعذيب وتلصص غير مشروع على الناس. ثم قامت مظاهرات واعتصامات فى إحدى الكليات الجامعية تطالب بعزل العميد فورا بسبب انتمائه لبعض مراكز الفساد فى العهد البائد، وعدم جواز استمراره عميدا بعد أن سقط ذلك العهد.

وما إن سمع الطلبة والموظفون فى كليات جامعة أخرى عما فعله الطلبة فى الكلية الأولى حتى تظاهروا بدورهم لأسباب مماثلة، ثم تصاعدت المطالبات إلى طلب عزل مديرى الجامعات لنفس الأسباب.

شعر بعض من أصابتهم أضرار شديدة من مسئول أو آخر من المسئولين فى العهد القديم فأن هذه هى فرصتهم للمطالبة بحقوقهم الضائعة، إذ مادام الجميع يتظاهرون ويطالبون، فلماذا يسكتون هم ولا يطرقون الحديد وهو ساخن؟ هكذا تجمع فى كل يوم أمام رئاسة مجلس الوزراء ومجلس الشعب مجموعات مختلفة من الرجال أو النساء، يطالبون إما بالتعيين أو التثبيت بعد طول الإصرار على إعطائهم عقودا مؤقتة، لا تعطيهم حقا فى المعاش أو التأمين الصحى، أو يطالبون بالالتفاف إلى حقوق المعاقين، أو بإنشاء طريق طال الوعد به دون أن ينشأ.. إلخ.

أثناء ذلك وقع حريق فى كنيسة بقرية أطفيح فاحتج الأقباط بشدة، وطالبوا جهات الأمن بالقبض على الجناة، وبإعادة بناء الكنيسة ثم توالت حوادث الشجار بين مسلمين وأقباط قتل فيها البعض، وقطعت أذن لأحد الأقباط.. إلخ ثم تعدد تبادل الإهانات بين المسلمين والأقباط، فخطب أحد السلفيين واصفا التصويت على تعديل الدستور، بأنه يشبه الغزوات الإسلامية الأولى، ودعا من لا يعجبه انتصار الموافقين على التعديلات الدستورية على المعترضين، إلى ترك الأرض المصرية والهجرة إلى بلاد أخرى إذا شاءوا.

ثم صدرت تعيينات المحافظين الجدد فاعترض أهل قنا على محافظهم الجديد بسبب ما اعتبروه تاريخا غير مشرف ومعاديا لأهداف الثورة، وامتد غضبهم إلى حد قطع خط السكك الحديدية بين قنا والأقصر، وعجز قنا عن الحصول على بعض الضروريات التى تأتيها من محافظات أخرى وأثناء ذلك تصارع أحد المتظاهرين فقال إن سبب عدم الرضا على المحافظ الجديد أنه قبطى، وأنهم يريدون محافظا مسلما بدلا منه.

لم يعد إذن يحل يوم جديد حتى تقرأ فى الصحف وتسمع وترى فى التليفزيون عن مظاهرة جديدة، أو شجار جديد، أو عن حادث جديد للفتنة الطائفية، أو عن بلاغ عن واقعة فساد جديدة لم تكن معروفة من قبل، أو إضافة اسم جديد للتحفظ عليهم أو الممنوعين من السفر، أو إلى من جرى اعتقاله بالفعل بسبب نوع آخر من الفساد والتبديد... إلخ.

●●●

طرأت بذهنى الصورة المفزعة الآتية: رجل كان يملك قصرا بديعا ورثه عن أجداده الأثرياء، واسع الأرجاء، وتحيطه حديقة غناء، ومؤثث تأثيثا رائعا، ويعيش فيه مع زوجته وأولاده، ولكن اضطرته ظروف غير متوقعة إلى تأجيره لبضع سنوات لمستأجر لم يكن معروفا له من قبل، ثم ظهر أن له مشروعا شيطانيا ينطوى على تحويل القصر إلى مصدر ربح وفير له، ولو اقتضى الأمر تحويل القصر إلى خرابة. فبمجرد أن وضع المستأجر يده على القصر حتى بدأ يتخذ من الإجراءات ما من شأنه أن يمنع المالك إلى الأبد من العودة إلى بيته.

واستعان فى ذلك بمجموعة من المحامين قليلى الذمة، قادرين على تزوير أى عقد، كما استورد عددا من كلاب الحراسة شبه المتوحشة للقفز على أى شخص يحاول الاقتراب من البيت.

ثم بدأ تنفيذ المشروع الشيطانى، إذ بينما احتفظ المستأجر لنفسه بالدور العلوى، قسم القصر إلى غرف وأجنحة لكل منها دورة مياه خاصة، وقام بتأجير كل منها لعائلة مستقلة ثم قام ببناء عدد من المحال فى حديقة القصر وأجرها لمن يريد استغلالها كمحل تجارى أو مقهى أو مطعم. أما شرفات القصر، فقد طرحها فى مزاد علنى لكل من يرغب فى استغلال موقع القصر المتميز للإعلان عن بضاعته، فظهرت على الشرفات إعلانات عن سلع مثل فودافون، أو عن ألبوم جديد لنانسى عجرم.. إلخ.

ثم خطر للمستأجر مخطط جهنمى آخر هو تقسيم الدور الأرضى إلى جناحين، أجر أحدهما لجمعية دينية إسلامية، والآخر لجمعية قبطية، وسمح لكل منهما بتركيب ميكروفون مثبت فى اتجاه الجناح الآخر، ليذيع ما يشاء من خطب وشعائر دينية، أشعلت نيران الكراهية لدى كل منهما تجاه الآخر، وأدت إلى مشاحنات مستمرة بينهما، فيتدخل المستأجر فى الوقت المناسب لتقاضى الإتاوات من كل منهما بدعوى حمايته من مخطط شرير يزمع جاره تنفيذه واستمر الجاران فى دفع الإتاوة صاغرين، رغم عدم اقتناعهم الكامل بحسن نية الرجل.

أما بقية الحجرات والأجنحة فقد جرى تأجيرها لأشخاص سيئى السمعة، كانوا على استعداد لدفع إيجارات عالية لرفض أصحاب البيوت الأخرى تأجيرها لهم، بسبب سوء سمعتهم. كان هؤلاء يستقبلون فى أجنحتهم رجالا ونساء من كل نوع، ينام معظمهم بالنهار ويسهرون بالليل. وكان سكان البيوت المجاورة يستيقظون أحيانا فزعين، فى وسط الليل، على أصوات ضحكات ماجنة تأتى من سكان هذا القصر وزوارهم، ويرون زجاجات الخمر تلقى من الشرفات، وبقايا الأطعمة ملقاة فى الحديقة، فضلا عما كانوا يشاهدون من مناظر منافية للحياء من خلال النوافذ المفتوحة.

شيئا فشيئا تحولت الحديقة التى كانت تحيط بالقصر إلى خرابة، وبدأت روائح كريهة تفوح منه إلى البيوت المجاورة دون أن يعرف بالضبط سببها، وإن لم يكن هناك أى شك فى أنها تنبعث كلها من هذا البيت الذى كان فى يوم من الأيام قصرا فتحول إلى مجموعة من المطاعم والمقاهى والمحال التجارية، وبيوت الدعارة وإن كانت تسمع بين الحين والآخر فى ساعات مختلفة من النهار والليل، أصوات تأتى من الميكروفونات تدعو إلى التعبد وإقامة شعائر الدين الإسلامى مرة والمسيحى مرة أخرى.

قرر السكان المحيطون بهذا البيت أنه لابد أن يكون لكل هذا نهاية، فشكلوا وفدا منهم ذهب إلى المالك الذى كان قد عاد هو وأسرته من الخارج وسكن فى مكان قريب، دون أن يجرؤ على الاقتراب من منزله بسبب الكلاب المتوحشة.

قال لهم إنه فعل المستحيل لاسترداد قصره دون جدوى.. فالمحامون الذين لجأ إليهم أخبروه بأن المستأجر قد فعل كل شىء، من أول يوم وضع فيه قدمه بالبيت، لضمان استمرار بقائه فيه طوال حياته ثم نقل الحق فيه إلى ابنه ثم إلى حفيده من بعده.

لقد حرر له محاموه الخصوصيون عقودا مزورة تضمن كل هذا، كما تسمح باستغلال البيت على النحو الذى وصفناه، فلما طعن المالك فى ذلك وجد أن القاضى الذى عرض عليه الأمر كان هو نفسه واحدا من المستأجرين.

لم يكن هناك من وسيلة إلا تهديد سكان القصر كلهم، بمن فيهم المستأجر وإشعال حريق سوف يلتهمهم جميعا إذا لم يغادروا القصر فى الحال.

وبدأ تنفيذ التهديد فاستهان المستأجر وسكانه بالأمر فى البداية، واعتبروه من قبيل أضغاث أحلام مجموعة من الشباب صغار السن. ولكن تغير الحال تماما عندما هاجمت الكلاب المتوحشة مجموعة من الشباب المهاجمين عند اقترابهم من القصر وقتلتهم، فإذا بباقى المتجمهرين يستمرون فى التحرك نحو البيت حاملين مشاعل يريدون بها إحراق القصر بمن فيه.

لا داعى للخوض فى تفاصيل ما حدث بعد ذلك، فقد انتهت القصة نهاية سعيدة «أو هذا على الأقل هو ما بدا فى البداية» فقد فر السكان والمستأجر عن بكرة أبيهم، واقتحم المالك قصره ودخله هو وزوجته وأولاده لأول مرة بعد سنوات طويلة.

من الممكن أن نتصور الفرح الذى شعر به المالك وأسرته، بل أهل الحى كله، ولكن جاءت الصدمة الأولى بمجرد أن وضعت الأسرة أقدامها فى الصالة الرئيسية. فبدلا من الأثاث الفاخر الذى كانوا قد تركوه فيها لم يجدوا إلا قاعة خالية تماما، بل حتى خشب الأرضية البديع، الذى وضع تصميمه فنان شهير، اكتشفوا أنه قد نزع من مكانه فلم يظهر إلا أرضية من الأسمنت القبيح. واللوحات الفنية المبهرة التى كانت تزدان بها حوائط الصالة، لم يجدوا منها إلا لوحة واحدة بهتت ألوانها، وظهرت عليها بقع كبيرة سوداء، كما استبدل ببراوزها الثمين بروازا من الصفيح.

عندما وضع مالك القصر يده المرتعشة على مقبض إحدى الحجرات وهو متوجس مما يمكن أن يجده فيها، كان أول ما قبله رأس ثعبان طويل كان رابضا وراء الباب ينتظر فتحه، أغلق الباب بسرعة، وجرّب غرفة أخرى فإذا به يواجه بهجوم عدد من القطط التى بدا أنها كانت محبوسة فى الغرفة لمدة طويلة وأصابها التوحش بسبب الجوع. عاد فأغلق الباب بسرعة، إذ لم يعد لديه الآن أى شك فى أن القصر قد تحول بالفعل إلى خرابة، وأن عليه أن يجلس هو وأسرته على الرصيف ريثما يتدبروا الأمر ويقرروا ما هم صانعون.

كان من المتوقع أن يكون لكل من الأولاد والبنات رأى مختلف عن آراء الآخرين فى طريقة إعادة القصر إلى رونقه القديم وإعادة تأثيثه، بحكم اختلاف السن والأمزجة، كما كان من الطبيعى أن يتعجل كل من الأولاد والبنات العودة إلى غرفته، بعد غياب طويل. ولكن عندما ظهر للأب مدى اختلاف الآراء، حتى كاد يصل إلى حد الشجار، وجد من الضرورى أن ينهر الجميع ويوقفهم عند حدهم.

إذ يجب الامتناع عن عمل أى شىء قبل أن يتم القضاء على الثعابين والتخلص من القطط المتوحشة.

صحيح أنه ليس من الحكمة فتح جميع الحجرات فى نفس الوقت، إذ من المستحيل السيطرة على كل ما يخرج منها من ثعابين وحشرات سامة، ولكن من الخطأ التام تصور أن الوقت وقت الاستماع لجميع الآراء وأخذ الأصوات.