د. جلال أمين

د. جلال أمين
أستاذ الإقتصاد بالجامعة الأمريكية والمفكر المصرى الكبير

الجمعة، 29 أبريل 2011

عن ضرورة الدولة العصرية

الشروق - الجمعة 29 أبريل 2011

كثر الحديث فى الآونة الأخيرة عن المفاضلة بين الدولة المدنية والدولة الدينية، وكانت الأغلبية تفضل الدولة المدنية، وإن كان البعض قد فضل أن يؤكد أن الإسلام لا يعرف الدولة الدينية، ولا يدعو إليها، وأن المطلوب هو دولة مدنية ولكن بمرجعية إسلامية.

قلت لنفسى: هل نحن فى حاجة حقا إلى الانشغال بجدل من هذا النوع، خاصة ونحن لم نكد نخرج من ثورة عظيمة، ولم نكد نتخلص من عهد طويل سيئ مشرق، ونفتح صفحة جديدة تماما عسى أن نبدأ فيها بناء نهضة نعوض بها ما فاتنا، وما أضعناه من وقت ثمين؟

هذه أمة عظيمة مُنيت بحظ سيئ للغاية طوال الثلاثين أو الأربعين عاما الماضية (وقد يفضل البعض أن يقول «بل الخمسين أو الستين عاما الماضية»)، انقطعت خلالها عن مسايرة العالم، حتى كاد يصح عليها ما وصفه بها البعض بأنها «خرجت من التاريخ».

فتفوقت علينا أمم كانت أقل منا شأنا، وليس لها مثل تاريخنا وحضارتنا وتراثنا. تفوقت علينا فى الاقتصاد والقوة العسكرية والتعليم والإنتاج الثقافى، بينما خبنا نحن اقتصاديا وعسكريا وعلميا وثقافيا.

فنجحت تلك الدول فى أن تحقق لشعوبها مستوى معيشيا أفضل، وحظيت باحترام العالم من حولها، وتصدت بنجاح لمن أراد النيل من كرامتها وحقوقها، وساهمت فى تقدم العلم والتكنولوجيا.

بينما جلسنا نحن قانعين بما يلقيه إلينا العالم من فتات موائده، نستجدى الصدقات من هذا الجزء من العالم أو ذاك، ونستعطف دولا صغيرة، راجين ألا تحرمنا من مياه الشرب والرى، ولم يعد لنا حولا ولا قوة نقدم بها النجدة لأصدقائنا وأشقائنا، وننفق ما بقى لنا من مال أو ما نحصل عليه من صدقة على استيراد سلع الاستهلاك الترفى لكى تنعم قلة صغيرة جدا بالرفاهية التى هى أقرب إلى الانحلال الخلقى منها إلى الاستمتاع بالحياة.

يحدث لنا كل هذا ومازلنا نفاضل بين الدولة المدنية والدولة الدينية، دون أن يتطرق الحوار إلى قضية واقعية مهمة، بل يتطرق إلى قضايا من نوع ما إذا كان الاحتفال بشم النسيم حلالا أم حراما.

●●●

إننى أكتب هذا الكلام الآن لأننى ألاحظ تطورا فى حياتنا السياسية والاجتماعية ينحو هذا المنحى الخطير والضار جدا فى رأيى، وهو رفض التعامل مع العالم الحديث، بحجة أفضليتنا الثقافية والأخلاقية.

إننى لا أريد ولا أدعو للتنكر لثقافتنا أو خيانة هويتنا، وقد كتبت كثيرا من قبل فى الدفاع عن هذه الثقافة وهذه الهوية، وفى رفض ترتيب الثقافات بعضها فوق بعضها، ورفض اعتبار الثقافة الغربية أفضل من ثقافتنا العربية والإسلامية أو أى ثقافة أخرى لمجرد تفوقها التكنولوجى.

فالتكنولوجيا الحديثة هى جانب واحد من جوانب الحياة، مهمة حقا ولكنها لا تلغى أهمية نوع العلاقات الاجتماعية والقيم الإنسانية.

ومع ذلك فإننى أعترض بشدة على أن تقتصر مهمتنا على الصراخ بأن ثقافتنا أفضل، دون أن نحاول أن ننتج شيئا يستوحى هذه الثقافة، وأن نكتفى بإعلان أن قيمنا أفضل من قيمهم ثم نستمر فى استيراد واستهلاك السلع والخدمات التى ينتجونها هم، والمشحونة بهذه القيم التى نعلن رفضنا لها.

كذلك علينا أن نكف عن التصرف والكلام وكأن من الممكن أن نعيش بمعزل عنهم.

إن علاج مشاكلنا لا يكون بإغلاق الأبواب والانعزال عن العالم، وإنما بالأخذ بكل أساليب القوة والتكنولوجيا الحديثة، رغم كل عيوبها، هى من أهم أساليب اكتساب القوة. وتعلم العلم الحديث هو أيضا من الشروط الأساسية لاكتساب هذه القوة.

والتظاهر بأننا نستطيع أن نفرض إرادتنا عليهم ونحن بهذه الدرجة من الضعف اقتصاديا وسياسيا، هذا التظاهر ليس إلا نوعا من الانتحار.

وأنا لا أجد موجبا بعد للاقدام على الانتحار،
بل مازال لدينا أمل رغم كل ما أصابنا من تدهور.

نحن لا نريد أن نكون مقلدين أغبياء «للحداثة»، ولكننا نريد أن نشب عن الطوق، ولا نعيد ونزيد فى الجدل عما يصح وما لا يصح فى أمور عفى عليها الزمن. نحن لا نريد أن نكون مثل الشاب الأهوج الذى ينفق أمواله فى تقليد أقرانه فى كل ما يبددون أموالهم فيه مهما كان غبيا وسخيفا، ولكننا لا يمكن أيضا أن نظل خائفين من مخاطر التقدم فى العمر فنظل متشبثين بما تعودنا عليه فى الطفولة والصبا.

لا مفر لنا من ولوج العصر الذى نعيش فيه بكل مخاطره، لأنه أيضا حافل بكل ما تعد به الحياة من طيبات ومسرات. ولا أمل فى الحصول على طيبات الحياة إلا ببعض المخاطر. بل إن الظن بأن التشبث بالماضى هو أفضل طريق للحفاظ على الهوية وتميز الشخصية، هو ظن خاطئ فى رأيى، لأن الإثبات الحقيقى للهوية وتميز الشخصية ليس باجترار الماضى وإعادة تكراره بلا نهاية، بل بالقدرة على مواجهة الجديد وعلى الإبداع فى مواجهة التحديات.

نعم، فى العالم الحديث أشياء كثيرة كريهة: النهم الاستهلاكى، المادية المفرطة، الإباحية الجنسية، استغلال الجنس فى الدعاية التجارية، تفكك العائلة والافراط فى الفردية، الخداع المستمر فى الدعاية التجارية السياسية.. إلخ. كل هذا سيئ، ولكن لا مفر لنا مع ذلك من التعامل مع هذا العالم الحديث. وإذا لم يكن لنا مفر من التعامل مع هذا العالم فلا جدوى من التظاهر بعكس ذلك.

لا يمكن لأحد أن ينكر أن فى ثقافتنا أشياء كثيرة أفضل من ثقافتهم، ولدينا من القيم الكثير مما هو أفضل أخلاقيا من قيمهم، ولكن يجب أن نعترف أيضا أن العكس كذلك صحيح، أى أن فى ثقافتهم أشياء أفضل مما يقابلها عندنا، وبعض قيمهم أفضل مما يقابلها فى قيمنا، وعلى أى حال فالمجال ليس مجال التفاخر والتباهى، بل الموضوع هو كيف تستطيع المحافظة على ما هو أفضل لديك، واقتباس ما هو أفضل عندهم، مع استمرار تعاملك معهم، إذ ليس أمامك فى الحقيقة أى اختيار آخر.

لابد أن ينصرف جهدنا إذن إلى كيفية بناء «المجتمع العصرى» أى مجتمع يعرف كيف يتعامل مع العالم الحديث، ويبنى خلال ذلك قوته حتى يصبح ندا للمجتمعات الأخرى التى سبقتنا، وتصبح له القدرة على أن يفعل ما يتفق مع قيمه وتقاليده، وليس فقط القدرة على التغنى بهذه القيم والتقاليد.

●●●

عندما وقعت الهزيمة العسكرية المشئومة فى 1967، تعددت ردود الفعل من المفكرين العرب فى محاولة تفسير ما حدث، والنصح بما يجب عمله للخروج من المأزق الذى وضعتنا فيه الهزيمة.

وكان من أفضل ما كتب فى هذا الصدد، سلسلة مقالات كتبها الأستاذ أحمد بهاء الدين، لخص فيها الأمر كله بفشلنا فى إقامة «الدولة العصرية». وكان يقصد بذلك بناء دولة تستطيع التعامل ندا بند مع العالم الحديث، بدلا من أن تظل فى موقف التابع الذليل، وما يتطلبه ذلك من بناء المؤسسات الديمقراطية الحديثة، والاعتراف بحرية التعبير وسائر حقوق الإنسان، وإرساء الأسس فى مؤسساتنا التعليمية والثقافية اللازمة لتقدم العلم وممارسة التفكير العلمى، وتحقيق التقدم الاقتصادى اللازم لكل ذلك، ولبناء قوة عسكرية قادرة على التصدى لمخططات المعادين لنا.

ولكن ها قد مر أكثر من أربعين عاما على هذه الهزيمة وهذا التنبيه، فإذا بحالنا الآن، فى كل هذه الأمور، أسوأ مما كان، واسوأ مما كنا عليه منذ مائة عام، عندما كتب الشيخ محمد عبده كلاما له نفس المعنى، ومنبها إلى أن العقيدة الإسلامية الصحيحة لا تتعارض مع كل هذا بل تتطلبه وتدعو إليه.

أخذت بعض الدول الإسلامية بعد طول تردد، مثل ماليزيا وتركيا، بنصيحة محمد عبده وأحمد بهاء الدين، ولم نأخذ بها نحن، بل فضلنا أن نصرف جهدنا إلى فرض النقاب على النساء، ظنا منا أن مراعاة الفضيلة تتطلب الاختفاء من الوجود، وإلى تركيب ميكروفونات على المساجد، ظنا منا أن الإسلام يزداد رفعة كلما زاد ارتفاع صوت المؤذن، وإلى الترويج لتفسيرات تنسب نفسها إلى الدين، وتزعم أن نظريات نيوتن وأينشتاين مذكورة فى الكتب المقدسة، واعتدينا على الأقباط وهم خارجون من كنائسهم فى أيام عيدهم، وكأن السماح لهم بالاحتفال بأعيادهم ينطوى على اعتداء على حقوقنا كمسلمين، ثم هتف البعض ضد محافظ جديد ملخصا اعتراضه عليه بأنه غير مسلم، وتفتقت أذهان آخرين عن القول بأن من بين أسباب ضعفنا الاحتفال بشم النسيم..إلخ

إننى أظن أننى أعرف السبب فى هذا التقهقر وهذا الفشل، فقد سلمنا مقاليدنا لرؤساء فعلوا كل شىء ومن شأنه إحداث هذا التقهقر، بعضهم عن وعى تام بما يفعلونه، وبعضهم عن غباء تام، وكلهم مدفوعون بقوى خارجية من ناحية وبنهم لا يمكن إشباعه لتكديس الأموال.

الآن تخلصنا من هؤلاء الرؤساء، فماذا نحن فاعلون؟ هل نعود إلى ما كنا عليه، فنسلم أمورنا إلى نفس النوع من الرؤساء الذين يعملون، بوعى أو بغير وعى، لتكريس نفس الفشل والتقهقر؟

الجمعة، 22 أبريل 2011

عن النقاب الفرنسى .. والبنطلون السودانى

الشروق - الجمعة 22 أبريل 2011

أصارح القارئ بأننى عندما سمعت بقرار البرلمان الفرنسى الذى صدر فى أكتوبر الماضى، بحظر ارتداء النقاب فى الأماكن العامة فى فرنسا وفرض غرامة على ارتدائه قدرها 150 يورو أو إخضاع المخالفة لدورة تأهيل عن المواطنة، تعاطفت مع هذا القرار، وقلت لنفسى إنى لو كنت عضوا فى البرلمان الفرنسى لأيدت هذا القرار وأعطيت صوتى لصالحه.

أصارح القارئ أيضا بأننى، على العكس من ذلك، عندما أصدرت محكمة سودانية منذ نحو عام ونصف العام، حكما على صحفية سودانية بالجلد ثم بالغرامة أو بالسجن، إذا تخلفت عن دفع الغرامة، بسبب ارتدائها البنطلون، لم أتعاطف بالمرة مع هذا الحكم، وضممت صوتى لمن اعترضوا عليه وكتبوا ضده.

قد يبدو الموقفان متناقضين وكأنى أكيل بكيلين، ومع ذلك فإنى أشعر بالارتياح التام لموقفى فى الحالتين، حالة النقاب الفرنسى وحالة البنطلون السودانى، وسأحاول أن أعرض أمام القارئ حججى لصالح الموقفين اللذين قد يبدوان متعارضين.

●●●

لقد عبَّر الأستاذ فهمى هويدى عن معارضته بشدة للقرار الفرنسى بمنع النقاب (جريدة الشروق 18/4/2011) ولكنه قدم تبريرا لرأيه لا أوافقه عليه. قال الأستاذ فهمى: «ليس عندى أى دفاع عن النقاب، وأزعم أنه عادة بأكثر منه عبادة، وأقرب إلى التقاليد منه إلى التعاليم.

مع ذلك فاننى أحترم من ترتديه أيا كان دافعها إلى ذلك». هذا الدفاع عن حق ارتداء النقاب فى الأماكن العامة أساسه إذن الاعتراف بحق المرء فى أن يختار الزى الذى يروق له، ومن ثم من حق المرأة أن تنتقب إذا شاءت، كما أن من حقها أن تخلعه.

وأنا أتساءل: من أين جاء الظن بأن هناك حرية مطلقة للناس فى أن يرتدوا ما يحلو لهم من ثياب؟ إن من الواضح أن هذا ليس صحيحا، فالمرأة ليست من حقها أن تسير فى الشارع شبه عارية، وكذلك الرجل، ومن واجب الشرطة أن تمنع هذا وذاك. وهناك شروط متفق عليها ضمنا لما يمكن للطالبة أن ترتديه وهى فى مدرستها أو جامعتها، وكذلك الطالب، ولا شك فى أن هناك أنواعا من الملابس التى يحق لمدير المدرسة أو الجامعة أن يمنع الطلبة ذكورا أو إناثا من ارتدائها، إما لأنها تنطوى على خلاعة زائدة، أو تنم عن استهزاء بالمجتمع المحيط بهم، كما ينطبق نفس الشىء بالطبع على رئيس مصلحة حكومية أو مدير شركة أو أى رب عمل.

لماذا إذن لا نطبق نفس المنطق على النقاب؟ لماذا تخيفنا المرأة المنتقبة باحتجاجها بأن أى اعتراض على النقاب هو خروج على الدين، فى حين أن كبار علماء الدين، فى مختلف العصور، لم يعتبروا النقاب من فرائض الدين، بل منهم من انتقده بشدة، من الشيخ محمد عبده إلى الشيخ محمود شلتوت إلى شيوخ الأزهر المتتالين؟

هناك إذن حدود لحرية اختيار الزى الذى يرتديه المرء، كما أن هناك حدودا لأى حرية، المعيار دائما يجب أن يكون تحقيق المصلحة العامة، وعدم الخروج على النظام العام بما فى ذلك احترام الذوق العام. وقد كتبت من قبل مقالا أحاول أن أشرح فيه لماذا أعتبر أن ارتداء النقاب يذهب إلى أبعد بكثير من مجرد احتشام، «إنه يكاد يصل إلى حد الانسحاب من الحياة الاجتماعية بأسرها، وانكفاء الشخص على نفسه متى خرج من بيته، ويصل إلى درجة منع الناس من معرفة ما إذا كان الشخص المنتقب رجلا أو امرأة، فتاة صغيرة أو عجوزا. فإذا سمحت المنتقبة لشخص من غير أقاربها أن يسمع صوتها، أو أن يتبادل معها الكلام، فهى لا تسمح له بأن يعرف وقع كلامه فى نفسها، إذ لا تسمح له بأن يرى ما يطرأ على أسارير وجهها من تغيرات، مع أن هذا، فيما أظن، من حقه، ومن ضرورات التواصل الإنسانى الطبيعى.

كيف يؤدى الأستاذ مثلا وظيفته فى تدريس مجموعة من المنتقبات دون أن يعرف وقع كلامه فى نفوسهن؟ وكيف تتعامل المنتقبة، إذا كانت موظفة فى الحكومة، مع من يتردد عليها لأداء شأن من شئونه؟ وكيف تمارس المنتقبة عملها كطبيبة فى تعاملها مع المرضى.. إلخ؟ أم إن المنتقبة يجب فى الواقع أن تقضى معظم حياتها فى داخل بيتها، ولا تخرج منه إلا للضرورة القصوى؟.. فلماذا كل هذه القسوة فى معاملة المرأة؟

●●●

منذ أربعين عاما وقع لى الحادث التالى الذى يلقى بعض الضوء، فى رأيى، على موضوع النقاب، وإن كان يتعلق بزى مختلف تماما، وكان الذى يرتديه رجلا لا امرأه.

كان النظام السائد فى مصر فى ذلك الوقت بوليسيا إلى حد كبير، بمعنى أن الناس كانوا يشعرون بالخوف من أن تسجل عليهم السلطة قولا مهما كان بسيطا، فيه شبهة العداء للنظام الحاكم. وكانت نتيجة ذلك أن كان وجود ضابط شرطة وسط مجموعة من الناس كفيلا بإثارة درجة ليست هينة من التوجس والحذر.

كنت وقتها أعطى محاضرات فى الدراسات العليا بكلية الحقوق، بجامعة عين شمس، وكان من المسموح به لخريجى كلية الشرطة التقدم للحصول على شهادة عليا فى كلية الحقوق باعتبارهم حاصلين أيضا على ليسانس الحقوق. ذهبت يوما لإلقاء المحاضرة فى مدرج صغير يضم نحو عشرين طالبا وطالبة (لم تكن بينهم بالطبع منتقبة واحدة)، ولكن كان من بينهم ضابط شرطة شاب جاء إلى المحاضرة بكامل زيه الرسمى.

كتمت غيظى أثناء المحاضرة إذ شعرت بأن وجوده بيننا على هذه الهيئة من شأنه أن يشيع نوعا من الإرهاب للطلبة وللأستاذ على السواء.

ثم تحدثت إليه بعد المحاضرة وأخبرته أننى لا أقبل أن يحضر محاضراتى بعد الآن مرتديا زى الشرطة الرسمى. وشرحت له السبب فلم يعجبه. وذهب يشكونى إلى عميد الكلية (وكان رجلا فاضلا رائعا هو المرحوم الدكتور إسماعيل غانم). قال له العميد (كما أخبرنى العميد نفسه بعد ذلك) إن رأى العميد فى هذا الأمر لا يهم، إذ إن الأستاذ له الحق فى وضع قواعد السلوك التى يرى اتباعها خلال محاضراته. وكانت النتيجة أن حول الضابط أوراقه إلى كلية أخرى.

●●●

إذا اتفقنا على هذا، يثور سؤال آخر: «ما هو بالضبط الضرر الذى يمكن أن يعتبر أنه سيعود على فرنسا من ارتداء بعض النساء للنقاب فى الأماكن العامة فى فرنسا؟ يقول الأستاذ فهمى هويدى إن الفرنسيين يبررون ذلك بقولهم إن «ظهور بعض السيدات المسلمات بالنقاب فى الشوارع الفرنسية يهدد الجمهورية والعلمانية». ولكنى أظن أنى استطيع أن أدافع عن القرار الفرنسى بأفضل من ذلك، وأظن أن ما سأقوله الآن هو السبب الحقيقى للمنع.

إذ دعنا نتفق على أن النقاب يعتبر فى فرنسا ليس فقط زيا غير مألوف بل وأيضا زيا ينافى الذوق العام السائد لدى الشعب الفرنسى.

إن من حق أى شخص أن يمارس سلوكا «منافيا للذوق العام» طالما كان بمفرده أو بعيدا عن الأنظار، ولكنى أظن أن هذا ليس من حقه فى الأماكن العامة، أى بين جمهور من الناس فى الشوارع أو المدارس أو الجامعات أو على الشواطئ أو النوادى...إلخ.

أعرف أن عبارة «منافاة الذوق العام» عبارة غامضة وقد يختلف الناس فى تفسيرها، ولكن صعوبة تحديدها لا تعنى أنها لا تعبر عن شىء مهم فكرة «النظام العام» مثلا، التى تعبَّر عن فكرة أساسية فى أى قانون، والتى يعتبر من أهم مهام أى دولة صيانته وفرض احترامه هى أيضا فكرة غامضة يصعب معرفتها ولابد أن يتغير مضمونها من بلد لآخر ومن عصر لعصر. كذلك «منافاة الذوق العام»، الأمثلة عليها تكون أحيانا واضحة كالشمس، وأحيانا يختلف حولها الرأى، ولكنها دائما مهمة، ولا حل للمشكلة إلا بالتصويت الحر لأصحاب الشأن، وقد جرى التصويت الحر فى فرنسا على هذا الأمر وانتهى بمنع النقاب فى الأماكن العامة.

مما يجعلنى أيضا أتعاطف مع هذا القرار وأتفهمه، ان ارتداء النقاب يصل فى رأيى إلى ما يشبه «المظاهرة»، أى أن السيدة أو الفتاة التى ترتدى النقاب فى دولة تنتسب لثقافة غير ثقافتها، لا تقوم فقط بتغطية جسدها، بل تسير بين الناس شاهرة سيف ثقافتها وهويتها، وكأنها تقول للناس (السائرين فى الطرقات أو لزملائها فى المدرسة أو الجامعة) إنى أتحداكم جميعا بارتدائى ما خطر ببالى وما تفرضه علىّ الثقافة التى أنتسب إليها».

بل وقد يحمل ارتداء النقاب فى رأيى معنى انتقاد كل امرأة أو فتاة لا تصل فى تغطية جسدها إلى هذا الحد، أو إشعارها بأنها ترتكب خطأ أو إثما. فإذا صح هذا الفهم فإن فى ارتداء النقاب فى الأماكن العامة فى دولة ذات ثقافة مغايرة، يحمل فى طياته نوعا من «إيذاء» الآخرين، بدرجة أو بأخرى، ومن واجب الدولة حمايتهم من هذا الإيذاء.

لابد من الاعتراف بأن ظهور النقاب فى الأماكن العامة فى فرنسا، أو فى أى بلد ينتمى للثقافة الغربية هو من الآثار الحتمية لظاهرة «العولمة»، التى لا نكف عن الكلام عنها. فهذه «العولمة» هى التى دفعت أعدادا متزايدة من المهاجرين من ذوى الثقافات المغايرة إلى الإقامة بالدول الأوروبية بحثا عن عمل، وهى التى دفعت هذه الدول الأوروبية إلى فتح أبوابها لأعداد متزايدة ممن ينتسب لثقافات أخرى، فما الذى نتوقعه إذن؟ لابد أن يزيد عدد مرتديات الحجاب والنقاب فى الأماكن العامة، ولكن هل تفرض العولمة أيضا الاعتراف بحق كل صاحب ثقافة مغايرة لثقافة الدولة التى يوجد بها، فى أن يمارس عاداته الخاصة وذوقه الخاص حتى لو تضمن بعض «الإيذاء» بالآخرين؟

●●●

نأتى الآن لمشكلة البنطلون السودانى، أى قيام سيدة سودانية مثقفة، تشتغل بالصحافة، بارتداء بنطلون، مع الاحتشام الكامل، والحكم عليها بالجلد ثم بالغرامة أو السجن لهذا السبب. لقد رفضت السيدة السودانية الرضوخ لعقوبة الجلد لما فيها من مهانة، ورفضت دفع الغرامة لأن معناه الاعتراف بأنها أخطأت، وفضلت دخول السجن، لولا تدخل نقابة الصحفيين السودانيين فدفعت الغرامة نيابة عنها فانقذت الحكومة السودانية من الورطة.

إنى اختلف مع الذين انتقدوا تصرف الحكومة السودانية قائلين إن للمرء الحرية الكاملة فى اختيار ما يرتديه أو لا يرتديه من ملابس، وأنه ليس من حق أى حكومة أن تقيد هذه الحرية، بل المعيار فى رأيى، فى هذه الحالة أيضا، هو ما يعتبره «الذوق العام» فى بلد معين وفى وقت معين مقبولا أو غير مقبول، مبتذلا أو غير مبتذل، يخدش الحياء العام أو لا يخدشه، يتحدى الشعور العام أو لا يتحداه. ووظيفة الحكومة، أى حكومة، هى بالضبط مراعاة «الذوق العام» بهذا المعنى، إذ إن من واجباتها رعاية مشاعر الناس واحترامها، وليست وظيفتها تطبيق رأى الممسكين بالسلطة فيما يعتبر لائقا أو غير لائق.

فإن فعل الممسكون بالسلطة ذلك، أى طبقوا ذوقهم الخاص فيما يعتبر لائقا أو غير لائق، فهذه هى الديكتاتورية بعينها.

هذا هو فى رأيى أساس رفض ذلك التصرف من جانب الحكومة السودانية، دون حاجة إلى الخوض فيما إذا كان الدين يسمح أو لا يسمح بارتداء البنطلون، لأن الدين، فيما أعتقد، لا يقضى بوجوب زى معين، بل بوجوب الاحتشام.

السؤال الصحيح إذن هو: هل يخدش الحياء ارتداء سيدة سودانية للبنطلون، مع الاحتشام التام، فى ظل الظروف الاجتماعية السائدة فى السودان اليوم، وبعد خروج المرأة السودانية للعمل، وتوليها مختلف الوظائف التى يقوم بها الرجل؟ والإجابة الصحيحة، فيما أظن، هى بالنفى.

لا أخفى على القارئ أيضا أنى كنت أفضل أن يتمسك السودانيون، رجالا ونساء، بزيهم التقليدى الجميل (كما فعل السودانى العظيم الطيب صالح، فى سنواته الأخيرة، إذ كثيرا ما كان يظهر بالجلباب الأبيض الجميل وعمامة بيضاء رائعة) ولكن الذى دفع كثيرين من السودانيين إلى استبدال الزى الأوروبى، أكثر فأكثر، بزيّهم التقليدى، هو مجرد تغير الظروف، أو بعبارة أخرى، مزيد من «العولمة»، أى مزيد من امتزاج الأمم ومن التقاء الثقافات المختلفة، فإذا بدا موقفى من بعض آثار العولمة فى حالة مختلفا عن موقفى من آثارها فى حالة أخرى، فالسبب هو اعتقادى بأن ارتداء زىّ معين يترتب عليه ايذاء لآخرين فى حالة، ولا يتضمن ذلك الايذاء فى الحالة الأخرى. قد أكون قد أخطأت فى تقدير ما يمثل «الذوق العام» فى الحالين، ولكن الموضوع يستحق بلا شك المزيد من التفكير.

الجمعة، 15 أبريل 2011

أشكال وألوان من الجرائم والخطايا

الشروق - الجمعة 15 أبريل 2011

ما أكثر المشاعر والأفكار التى لابد أن تكون قد طرأت علينا جميعا، ونحن نشاهد صور رجال العهد السابقين فى الصحف أو على شاشة التليفزيون، تارة وهم يُقادون كالمجرمين العاديين إلى مكان التحقيق، وأيديهم مقيدة بالسلاسل، أو وهم جالسون فى السجن بملابسهم البيضاء المتشابهة، بعد أن كنا قبل أسابيع قليلة نراهم فى كامل هندامهم، وتحيطهم مظاهر الأبهة والتوقير.

من هذه المشاعر والأفكار، ما يجعلنا نضرب كفا بكف متعجبين من سرعة تبدل الأحوال، أو أن نعود إلى تذكر حماقة الإنسان واغتراره بمظاهر هذه الحياة الزائلة، أو أن نقول لأنفسنا إنه فى نهاية المطاف لابد أن ينال كل شخص ما يستحقه، وأن العدل فى النهاية لابد أن يتحقق بصورة أو بأخرى، حتى فى هذه الدنيا، وأن المظلوم لابد، مهما طال انتظاره، أن ينصفه الله من الظالم.. إلخ.

ولكن خطر لى أيضا أن هؤلاء المحبوسين والمقدمين للمحاكمة، رغم خضوعهم لنفس الإجراءات، وظهورهم فى الصور، جنبا إلى جنب، وبنفس الشكل المهين، وحتى لو صدرت ضدهم أحكام متقاربة فى الشدة، ليسوا فى الحقيقة فى مستوى واحد من الناحية الأخلاقية.

كان من أوائل الدروس التى تلقيناها فى كلية الحقوق أن حكم القانون ليس مساويا للحكم الأخلاقى، وأن دائرتى الأخلاق والقانون ليستا متطابقتين، فهناك ما ينافى الأخلاق ولا يعاقب عليه القانون، كمعظم أنواع الكذب أو النفاق، وهناك مما يعاقب عليه القانون ما لا يشين المرء أخلاقيا، كبعض حالات القتل الخطأ مثلا أو كقيادة سيارة بسرعة أعلى من السرعة المسموح بها، دون قصد، أو مخالفة أى قانون بسبب الجهل بوجوده، طبقا لقاعدة أن الجهل بالقانون ليس بعذر.. إلخ.

هذا الاختلاف بين حكم القانون والحكم الأخلاقى، يمكن أن نشعر ببعض الأسف له ولكن لا حيلة لنا معه. فالدولة ليست واعظا أخلاقيا، وليس من مهامها الأساسية تحويل الأشرار إلى فضلاء، بل مهمتها الأساسية المحافظة على الأمن والنظام العام والدولة «وكذلك القانون» لا تستطيع عادة أن تميز بين عدة أشخاص ارتكبوا نفس الجريمة ولكن لأسباب مختلفة، وبدوافع نفسية تخضع لأحكام أخلاقية متفاوتة. صحيح أن القانون يعترف بوجود ظروف مشددة للعقوبة وظروف مخففة، ولكن مجال التشديد والتخفيف فى الحقيقة ضيق للغاية، وهناك اختلافات كثيرة بين مرتكبى الجريمة الواحدة لا يمكن بل ولا يتصور أن يعترف بها القانون كظروف مشددة أو مخففة، لصعوبة أو استحالة إثباتها أو التحقق منها.

●●●

عندما أفكر فى الأسباب التى
أدت بهذا العدد الكبير من سياسيى العهد البائد إلى ارتكاب هذا العدد الكبير من الجرائم التى يعاقب عليها القانون، وفى الظروف التى ارتكبت فيها هذه الجرائم، أجد اختلافات شاسعة بين كل حالة وأخرى، بعضها معروف للكافة وبعضها من باب الترجيح أو التخمين، ولكنها تؤدى كلها إلى اختلافات كبيرة أيضا فى الحكم الأخلاقى الذى تستحقه كل منها. هناك مثلا من بين المتهمين أو المطلوبين للتحقيق أشخاص اقترفوا أخطاء جسيمة للغاية فى حق المجتمع المصرى، أدت إلى موت بعض المواطنين أحيانا، وإلى تشريد بعضهم فى أحيان أخرى، وإلى المزيد من البؤس فى معظم الأحيان، ومع ذلك فإنى كلما تذكرتهم أشعر نحوهم بالاحتقار أكثر مما أشعر بالغضب. ذلك أن الغضب يفترض أن الشخص الذى تصب عليه غضبك لديه حد أدنى من الذكاء، ومن الشجاعة ومن القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة وليست مجرد ردود أفعال لأفكار وتصرفات الآخرين. إن هذا لا يصلح بالطبع أن يكون سببا للصفح أو للإعفاء من المسئولية الجنائية أو حتى الأخلاقية، وإلا لوجدنا سببا لإعفاء أى مجرم من العقاب، ولكنه يصلح فى رأيى سببا من الأسباب المخففة للعقوبة.

رجل آخر لا يزيد ذكاؤه بدوره على المتوسط، ولكنه وجد نفسه منذ نعومة أظفاره محاطا بمن يعامله معاملة متميزة عما يعامل به كل أقرانه، فى المدرسة أو الجامعة، فى أماكن الجد واللهو، من المصريين والأجانب، بل ويستقبل أحيانا من علية القوم فى أكبر الدول بما يزيد كثيرا مما يستحق من احترام.

بدأت هذه المعاملة المتميزة قبل أن يتم سنتين من عمره، فاستقر فى ذهنه خطأ أنه شخص متميز بالفعل، ولم يسمح له ذكاؤه المحدود بأن يتشكك فى الأمر، بأن يتساءل عما إذا كان حقا يستحق هذه المعاملة المتميزة.

كان من الطبيعى أن يفاجأ هذا الرجل بثورة 25 يناير أكثر مما فوجئ بها أى شخص آخر فى مصر، فقد استقر فى وعيه أنه رجل محبوب من الشعب المصرى، بينما كان جميع أفراد الشعب (باستثناء عشرة أو عشرين من الملتفين حوله) قد ضاقوا به ذرعا ويتمنون أن يغور عن وجوههم، اليوم قبل الغد.

هذا الرجل لابد أيضا من محاكمته لما تسبب فيه بغبائه وعناده من مآسٍ لجموع غفيرة من المصريين، ولما بدد بسبب غروره وحماقته من أموال هذا الشعب المسكين. ولكنى لا أستطيع أن أضعه على نفس المستوى الأخلاقى (أو اللا أخلاقى) الذى أضع فيه هؤلاء العشرة أو العشرين من الملتفين حوله، والذين قاموا بخداعه مثلما حاولوا خداعنا.

هؤلاء العشرة أو العشرون هم فى نظرى المصدر الأساسى للبلاء كله. استولو على الأموال بغير وجه حق، وطبقوا سياسات ضارة بمجموع الشعب، وهم يعرفون تماما حجم الأضرار المترتبة عليها.. زينوا للرئيس وأسرته أسوأ القرارات، ونافقوه هو وأسرته طمعا فى تحقيق أهداف أنانية بحتة.

يتمتعون بدرجة كافية من الذكاء (ذلك النوع القاتل من الذكاء الذى يحظى به المجرمون الكبار)، سمحت لهم بفهم شخصيات الرؤساء على حقيقتهم، واستغلالهم بأقصى درجة ممكنة لتحقيق مصالحهم، وهم متوارون فى الظل يتظاهرون بأن القرارات تصدر من جهات عليا لا تأثير لهم عليها، فيجنون ثمارها وهم يرون مدى معاناة الناس من آثارها، فإذا أطلوا علينا بدوا وكأنهم تماثيل مصنوعة من الشمع، لا يرمش لهم جفن، ولا يبتسمون إلا ابتسامات صفراء يحيون بها الرئيس فى دخوله وخروجه.

بعض هؤلاء صدرت اتجاههم قرارات بالمنع من السفر والتحفظ على أموالهم، وحُقق معهم، وبعضهم أودع السجن بالفعل وقدموا للمحاكمة، إذ إن معظمهم قاموا بأعمال تخضع لطائلة القانون بلا شك، ويوجد من الأدلة ما يبرر بسهولة محاكمتهم ومعاقبتهم.

ولكن المدهش حقا أن أكبر جرائمهم لا يتناولها أى نص واضح فى القانون، وإن كانت تعتبر من الناحية الأخلاقية أسوأ أعمالهم طرا. إذ أين هى القاعدة القانونية التى تنص على عقاب هؤلاء الذين يساعدون رجلا غير صالح للحكم على الاستمرار رئيسا للجميع لمدة ثلاثين عاما، ويخلقون منه فرعونا متكبرا ومغرورا، ويمكنونه، بمختلف أساليب الخداع والنفاق، من إفساد الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إذ يزودونه بقرارات لتوقيعها يعرفون مقدما ما لابد أن يترتب عليها من أضرار للناس؟

إن من الممكن بسهولة أن نكتشف حجم الأموال التى استولوا عليها وهربوها، وعدد القصور التى شيدوها، ومساحات الأراضى التى وضعوا أيديهم عليها بغير حق، ولكن ليس من الممكـــن بنفس الســـــهولة إثبات اشـــتراكهم يوميا فى إفساد الحياة السياســـية، وهم على علم تام بحقيقة ما يصنعونه.
خذ مثلا ما فعلوه من أجل تمرير تلك الفكرة الشيطانية بتوريث الحكم من الأب للابن.

كان هذا الهدف فى نظرهم مسألة حياة أو موت، إذ إن اختفاء الأب، بعد كل ما فعلوه لتنصيبه فرعونا ورقيا، لابد أن يؤدى عاجلا أو آجلا إلى اختفائهم هم بكل ما جمعوه من سلطة أو أموال، وقد يهدد حياتهم نفسها لابد إذن من تنصيب شخص يختارونه بأنفسهم، ويشعر نحوهم، لهذا السبب، بالولاء. أسهل فريسة جديدة هى الابن. هكذا قضى الشعب السنوات الأخيرة من حكم مبارك مشغولا بقضية غاية فى السخف، ولم يكن لها أى لزوم، خاصة إزاء ما يواجه الناس من صعوبات الحياة اليومية، ومشكلات عويصة، اقتصادية وسياسية، فى الداخل والخارج، وهى كيف يمنع تنفيذ هذه الخطة الشيطانية: خطة نقل الحكم من الأب لابنه؟

لقد استخدم هؤلاء المتآمرون كل الأساليب الدعائية والقانونية التى قد تجعل تنفيذ هذه الفكرة ممكنا، حتى لم يبق أمام الناس من وسيلة لمنع تنفيذها إلا القيام بثورة.

ولكن أين هى القاعدة القانونية التى تمكننا الآن، وقد قامت الثورة بالفعل، من توقيع العقوبة الملائمة عليهم، لما مارسوه من خداع، وما ارتكبوه من تزييف، وما بدّدوه من أموال لوضع هذه الخطة موضع التنفيذ؟ نعم، من الممكن إلغاء المواد الدستورية التى وضعوها لكى يستبعدوا أى احتمال آخر غير التوريث، ولكن ما هى العقوبة القانونية على وضع هذه المواد؟ بل ما هو بالضبط التشخيص القانونى للجرائم المتعددة التى ارتكبوها من أجل التوريث؟ الخطأ الأخلاقى واضح كالشمس، وهو جسيم للغاية وبالغ الضرر، ولكن القانون لا يمكننا من الإمساك بهم ومعاقبتهم إلا على جرائم أهون بكثير.

●●●

بل ما القول فيما ارتكبه أشخاص من نوع مختلف، لم يجر أى تحقيق معهم، ولا جرى أى تحفظ على أموالهم، ولا منعوا من السفر أو فكر أحد فى منعهم من السفر أو التحقيق معهم، لأنهم لم يرتكبوا أى جريمة ظاهرة يعاقب عليها القانون، ومع ذلك فقد ارتكبوا عددا لا نهائيا من الأخطاء الأخلاقية التى ألحقت ضررا جسيما بالحياة السياسية والثقافية فى مصر، وساهموا فى إشاعة درجة لا يستهان بها من الإحباط، وجمعوا من وراء ذلك ثروات لا يستهان بها أيضا وإن لم يطالبهم أحد بملء استمارات «من أين لك هذا؟»، إذ لا يتبادر إلى الذهن عادة أن هذه الأموال ناتجة عن أعمال لا تقل فسادا عما يرتكبه السياسيون من أصحاب السلطة.

أقصد بهؤلاء بعض الكتاب فى الصحف والمجلات الذين لم ينقطعوا طوال الثلاثين عاما الماضية عن التودد للرئيس السابق أو ابنه أو قرينته، وخطب ودهم، واحتلوا بسبب ذلك مناصب إدارية رفيعة، وحصلوا على جميع جوائز الدولة الممكنة. كيف تسنى لهؤلاء أن يخرجوا من مأزق ثورة يناير كما تخرج الشعرة من العجين؟ لقد ظلوا يطلقون عبارات الثناء والتأييد للعهد السابق ورئيسه إلى ما قبل سقوطه بيوم واحد، ولكنهم بعد أن قامت الثورة، لم ينقطعوا أيضا يوما واحدا عن الكتابة عن الثورة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية..إلخ.

بأى قانون دنيوى يمكن أن يحاكم ويعاقب مثل هؤلاء الأشخاص؟ إن هذا الخلل فى قوانيننا الدنيوية لابد أن يصيبنا ببعض الأسف، ولكنه يجب ألا يصيبنا بالابتئاس الشديد. ذلك أن لدى شعورا دفينا بأن كل شخص لابد أن يحصل فى النهاية، بصورة أو بأخرى، وحتى فى هذه الحياة الدنيا، على ما يستحقه بالضبط عن عقاب أو ثواب.

الجمعة، 8 أبريل 2011

فى فضل الدولة المدنية

الشروق - الجمعة 8 أبريل 2011

فوجئنا بعد مرور أسابيع قليلة على قيام ثورة 25 يناير، بحدوث استقطاب حاد، وغير متوقع، وباعث على القلق، بين فريقين من المصريين. فريق يتكلم فى السياسة، بصورة أو بأخرى باسم الدين، وفريق آخر يؤكد على ضرورة الفصل بين الدين والسياسة، حدث هذا على الأخص بمناسبة الاستفتاء على التعديلات الدستورية، إذ زعم البعض أن التصويت بنعم أو لا، يعنى اتخاذ موقف معين من الدين، ورفض آخرون هذا الزعم واستهجنوه باعتباره إقحاما غير مبرر للدين فى السياسة.

سبق هذا وتلاه أحداث مؤسفة تنطوى على استخدام العنف بين المسلمين والأقباط، ونشاط غير مسبوق من جماعات سمت نفسها بالسلفية، وظهور بعض دعاتها على شاشات التليفزيون، مما أثار قلق الكثيرين من أن يكون هذا بداية لاتجاه ينتهى بسيطرة السلفيين على الحكم، مما يمكن أن يهدد بالتضييق من حرية الأقباط وغير المتطرفين من المسلمين.

كان من الطبيعى أن تؤدى هذه التطورات إلى فتح باب الحديث من جديد حول المفاضلة بين الدولة الدينية والدولة المدنية. فتذكرت مقالا قديما لى كنت قد كتبته فى هذا الموضوع ونشر منذ خمس سنوات (فى مجلة الهلال، عدد يناير 2006)، وعندما أعدت قراءته وجدت أن موقفى فى هذا الأمر لم يتغير قط، وأن ما جاء فيه من تفضيل الدولة المدنية على الدولة الدينية لايزال فى رأيى صحيحا وملائما تماما لنوع النقاش الذى يجرى فى مصر اليوم، ومن ثم سأسمح لنفسى بأن اختصر هنا الحجج التى ذكرتها فى ذلك المقال لصالح الدولة المدنية.

<<<

إنى أفهم وصف دولة ما بأنها «دولة دينية» بمعنى أنها دولة يمارس حكامها الحكم باسم الله، معلنين أنهم يطبقون شريعته ويستلهمون مقاصده، ويلتزمون أوامره ونواهيه.

أما وصف دولة بأنها دولة «مدنية» فأفهمه عندما يستخدم كمقابل للدولة الدينية، بمعنى أنها دولة لا يزعم حكامها هذا الزعم، بل يحكم حكامها باسم الشعب، أو باسم الديكتاتور، أو باسم مبادئ سياسية أو اجتماعية قال بها مصلح شهير، أو نادت بها ثورة، أو حازت قبولا عاما من الناس.

أمثلة الدولة الدينية كثيرة، فقد سادت أوروبا فى العصر الوسيط وحتى العصر المسمى بعصر النهضة، وخلال عصر النهضة حكم سافونارولا مدينة فلورنسا بإيطاليا حكما دينيا بالمعنى المتقدم، وحكم العرب الدول المفتوحة بعد الإسلام حكما دينيا، من المدينة أولا ثم من دمشق فبغداد. وكذلك كان حكم العرب فى الأندلس، والخلافة العثمانية فى استانبول، ومن أمثلته فى العصر الحديث الحكم الإسلامى فى إيران.

أما أمثلة الدولة المدنية فتشمل نظام الحكم فى أثينا وروما القديمتين، ودول أوروبا فى عصر النهضة المستقلة عن البابوية، كما تكاد تشمل كل دول العالم فى الوقت الحاضر.

وفى المقارنة بين الدولة الدينية والدولة المدنية، من المفيد فى رأيى تأكيد الحقائق الخمس الآتية والتى ترجح كفة الدولة المدنية على الدينية:
الحقيقة الأولى: هى أن الدولة الدينية يديرها بشر.

نعم إنهم بشر يحكمون باسم الله، ويحاولون بقدر ما تيسر لهم من جهد وفهم، أن يطبقوا شريعته، وأن يجعلوا إرادة الله هى العليا، ولكنهم قد يوفقون أو لا يوفقون، وقد يكون من بينهم المخلص وغير المخلص، العاقل والمتطرف، المتشدد والمتسامح، الكاره لمخالفيه فى الدين أو الرأى وغير الكاره، إذ ما داموا بشرا فلا بد أن يصيبوا ويخطئوا، ولابد أن يكون من بينهم من يصيب أكثر مما يخطئ وكذلك من يخطئ أكثر مما يصيب، وقد يكون المخطئ مخلصا ولكنه غير واع بخطئه، وقد يكون مخطئا ولكنه كاره للاعتراف بالخطأ والعدول عنه، وقد يظن مخلصا أن فهمه للدين هو الفهم الوحيد الصحيح، دون أن تكون الحقيقة كذلك ويستحيل مع ذلك إقناعه بخطئه.

نحن نواجه هنا إذن مشكلة عويصة. فالحاكم لا يستطيع فى ظل الدولة الدينية أن يطبق إلا فهمه هو لأحكام الدين، ولكنه باستمرار ينسب هذا الفهم إلى الإرادة الإلهية، فيسبغ على تطبيقه وفهمه الخاص للدين مكانة على أعلى درجة من السموّ، ويستخدم فى تأكيد هذه المكانة ألفاظا وعبارات يحمل لها الناس أعلى درجات التبجيل والاحترام، ومعظم الناس لا يستطيعون بسهولة أن يقبلوا أن كثيرا من النصوص الدينية يمكن أن يكون لها أكثر من تفسير، بل ومعظم الناس منفرون بطبعهم، لأسباب شتى، من قبول تعدد التفسيرات للنص الدينى الواحد، وكأن هذا التعدد يجرح حسّهم الدينى أو يسىء إلى الدين نفسه.

معظم الناس أقرب إذن إلى التغاضى عن هذه الحقيقة، وهى أن الدولة يديرها بشر مثلى ومثلك، قد يخطئون وقد يصيبون، ومن ثم فهم على استعداد لمنح ثقتهم للمنادين بالدولة الدينية، دون أن يعتريهم الخوف من أن يأتى التطبيق مخالفا لتوقعاتهم وطموحاتهم.

الحقيقة الثانية: أن الدولة الدينية تواجه بالضرورة ظروفا متغيرة. فالحياة لا تسير على نفس المنوال إلى الأبد، والناس يتغيرون بتغير ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية، وحتى إذا تصوّرنا بقاء المجتمع الإسلامى على حاله، فالمجتمعات التى تحيط به دائمة التغير، والعلاقات الدولية لاتبقى طويلا على نفس الحال، وهو أمر يتطلب تغيير السياسة والتحول من مسلك قديم إلى مسلك جديد، حتى لو بقى الالتزام بالمبادئ الدينية والأخلاقية ثابتا وصارما.

هذه الحاجة إلى «التغيير» تواجه الدولة الدينية بمشكلة أشد صعوبة مما تواجه به الدولة المدنية. إذ إن الثابت فى الدين أكثر قداسة من الثابت فى المبادئ القانونية أو الاجتماعية التى تراعيها الدولة المدنية. فإذا كانت الدولة المدنية تتبع إرادة الدكتاتور، فقد لا يكون هناك أى ثبات مزعوم من الأصل، وإذا كانت تستلهم إرادة الشعب، فما أسهل مواجهة الظروف الجديدة بإصدار البرلمان لقوانين جديدة، وإذا كانت الدولة تستلهم آراء مصلح شهير أو مفكر اجتماعى كبير، فإن إعادة تفسير هذه الآراء بما يلائم الظروف الجديدة أسهل على أى حال من تفسير المبادئ الدينية على نحو يخالف ما جرى عليه العمل من قبل.

الحقيقة الثالثة: إن معظم الدول، سواء كانت دينية أو مدنية، تقطنها أقليات تعتنق أديانا غير دين الأغلبية وحكومة الدولة الدينية، مهما بلغ تسامحها مع الأقليات الدينية، لابد أن تستند فى تبرير ما تصدره من قوانين وما تتخذه من إجراءات إلى مبادئ الدين الذى عتنقه الأغلبية.

والأرجح أن حكامها سوف يستخدمون أيضا فى تصريحاتهم وخطبهم ألفاظا وشعارات مستمدة من كتبهم المقدسة. كما تشرع الدولة الدينية فى وضع مناهج للتعليم وسياسة للإعلام تستهدف تقوية الشعور الدينى وتستلهم مبادئ الدين، وتبرر أعمال الحكومة باتفاقها مع هذه المبادئ.

ولكن هذه المبادئ والنصوص والشعارات المستخدمة فى مناهج التعليم ووسائل الإعلام لابد بالضرورة أن تكون مستمدة من دين الأغلبية، وأقصى ما يمكن أن تسمح به حكومة دينية، إذا اتسمت بأكبر قدر من التسامح واتساع الأفق، مراعاة النسبة بين السكان المنتمين لأديان مختلفة فى توزيع البرامج أو الصفحات أو الساعات المخصصة لهذه الأديان فى وسائل الإعلام ومناهج التعليم، وتوفير الفرص لأصحاب الأديان الأخرى لكى يتعلم أولادهم مبادئ دينهم وممارسة شعائره.

ولكن المناخ العام للحياة اليومية لابد أن يتأثر دون أدنى شك بما تفعله الحكومة الدينية لخدمة دينها، إذ إن مواطنى الدولة الواحدة يعيشون فى دولة واحدة، يذهبون إلى نفس المدارس والجامعات، ويقطنون نفس الشوارع، ويقضون ساعات الفراغ فى نفس النوادى ونفس أماكن الترفيه..الخ. وليس هناك من طريقة، حتى إذا توافرت رغبة الحكومة الدينية فى ذلك، يمكن بها مراعاة مشاعر أصحاب الأديان الأخرى وهم يتعرضون لنفس البرامج التليفزيونية، ونفس ما تذيعه ميكروفونات أماكن العبادة، ونفس مقررات اللغة والأدب والتاريخ التى تضعها حكومة دينية، أو وهم يجبرون على الخضوع لنفس القوانين والقواعد المنظمة لما هو حرام أو حلال فى النوادى والمطاعم والشواطئ ومختلف مجالات الترفيه عن النفس.

لابد أن يسبب ذلك مشكلات نفسية، قد تتحول إلى مشكلات اجتماعية، تتراوح حدتها باختلاف درجة التسامح وسعة الأفق التى يمكن أن تتحلى بها الحكومة الدينية، وهى مشكلات لا يمكن أن تثور بنفس الدرجة فى دولة مدنية.

قد يقال إن هذا ثمن زهيد أو طبيعى علينا قبوله فى سبيل تحقيق مصلحة مهمة للأغلبية، إذ لا يجوز أن يطلب من الأغلبية التضحية بمصلحة أساسية تتعلق بصيانة دينها وترسيخ عقيدتها، لمجرد تجنب المساس بمشاعر الأقلية التى عليها أن تتعلم التعايش مع ما تفرضه مصلحة الأغلبية.

هذا القول يبدو معقولا تماما مادامت تضحية الأقلية لا تتجاوز حدا معينا، ومادام حجم التضحية المطلوبة من الأقلية يتناسب مع حجم المصلحة التى تحققها الأغلبية.

ولا يمكن الفصل فى هذه القضية بوجه عام (أى لا يمكن القول بجواز مطالبة الأقلية بالتضحية بوجه عام مادامت مصلحة الأغلبية تستلزم ذلك)، بل لابد أن تبحث كل حالة على حدة طبقا لحجم التضحية بالنسبة لحجم المصلحة.

أى لابد هنا أن نطبق القاعدة القانونية الخاصة «بالتعنت فى استخدام الحق». فالاعتراف بحق الأغلبية شىء، والتغاضى عن التعنت فى استخدام هذا الحق شىء آخر.

وأظن أن حكومة الدولة المدنية أقرب إلى إدراك ضرورة هذا التمييز من حكومة الدولة الدينية. ومن ثم فالمشكلات التى يمكن أن تثور فى ظل دولة دينية بسبب المساس بمشاعر الأقليات الدينية، لابد أن تكون أكبر، وقد يتعدى الأمر مجرد «المساس بمشاعر» بعض الناس، إلى إثارة فتن واضطرابات وإشاعة مناخ اجتماعى سىئ يضر بمصلحة الأقلية والأغلبية على السواء.

الحقيقة الرابعة: الدولة المدنية ليست بالضرورة دولة معادية للدين، هذه الحقيقة هى ما نستخلصه من تعريفنا المتقدم للدولة المدنية. فقد عرفناها بأنها الدولة التى لا يزعم حكامها أنهم يحكمون باسم الله، وأنهم يطبقون شريعته، بل يزعم حكامها أنهم يحكمون باسم الشعب أو باسم الدكتاتور أو باسم مبادئ سياسية واجتماعية من صنع البشر. هذا التعريف لا يتطلب اتخاذ أى موقف عدائى من الدين، ولا يتعارض البتة مع اتخاذ مواقف إيجابية للغاية إزاء الدين والمتدينين. فالمهمة الأساسية للدولة المدنية هى حفظ الأمن وحماية النظام العام، والنظام العام فى دولة أغلبية سكانها من المتدينين يفرض على الدولة المدنية واجبات كثيرة تتعلق باحترام الدين وصيانته من أى اعتداء ومنع أى إيذاء لمشاعر المتدينين.

وهذه الواجبات تشمل احترام وصيانة أديان الأقليات أيضا ومنع أى إيذاء لمشاعر أصحابها، ولكن هذه الواجبات بالضرورة أكثر وأبعد مدى فيما يتعلق بدين الأغلبية.

بل إن القيام بهذا الواجب قد يمتد ليشمل دورا إيجابيا للدولة يتعلق ببذل جهود ترمى إلى تقوية الشعور الدينى وترسيخ العقيدة الدينية، على أساس أن هذه الجهود قد تكون عاملا مهما فى تحقيق نهضة الأمة، اجتماعيا وخلقيا، وتقوية أواصر الأسرة والعلاقات الاجتماعية.

قد تفهم الدولة المدنية واجبها نحو الدين هذا الفهم الواسع دون أن تتحول بذلك إلى «دولة دينية»، إذ إن هذا الفهم لواجبها نحو الدين قد يُستلهم من مبادئ اجتماعية وسياسية عامة، وقد يستقى من فهم لمتطلبات النهضة التى تنسجم مع أى دين ولكنها لا تستقى من أى دين بعينه.

وليس هذا الكلام عما يمكن أن يكون عليه موقف الدولة المدنية من الدين، كلاما نظريا لا مقابل له فى الواقع. فمعظم دول أوروبا الغربية لاتزال تتخذ هذا الموقف من الدين، فتعتبر من واجبها احترامه ومنع الإساءة إليه كجزء من وظيفتها فى المحافظة على النظام العام.

وفى مصر كانت الدولة مدنية منذ تولى محمد على الحكم على الأقل، أى منذ قرنين من الزمان، وزاد طابع الدولة المدنية وضوحا منذ الاحتلال الإنجليزى فى 1882، ثم انفصال مصر عن الخلافة العثمانية فى 1914. واستمر الأمر كذلك، أى استمر الطابع «المدنى» للدولة المصرية فسمحت الدولة لنفسها بأن تستلهم الدساتير الأوروبية فى تنظيم العلاقة بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وباستلهام القانون الفرنسى فى الأحكام المنظمة للالتزامات المدنية والتجارية وللعقوبات، إلى جانب تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية فى الأحوال الشخصية كالزواج والطلاق والميراث.

ولكن الدولة المصرية اعتبرت من واجباتها حماية الدين ومنع الاعتداء عليه أو الاساءة إلية كجزء من وظيفتها كدولة مدنية، واعتبرت من واجبها أيضا تعميق تعريف النشء بدينهم وتقوية الشعور باحترامه والالتزام بشعائره كجزء من المنهج التعليمى، دون أن يقتصر هذا على دين الأغلبية، بل راعت نفس الشىء مع النشء المنتمين لدين الأقلية، فكانوا يتلقون بدورهم من الدروس فى المدارس ما يعمق معرفتهم بدينهم ويغرس الشعور باحترامه.

لم يصدر عن الدولة المصرية أى إعلان عن تخليها عن أى من هذه الواجبات، فإذا بدا لنا أن الدولة المصرية قد بدأت تتهاون فى تطبيق هذه المبادئ، مثلما يظهر فى سلوك بعض القضاة وكأنهم تحوّلوا من قضاة إلى مشرعين، وتحول عدد متزايد من المدرسين إلى دعاة دينيين، حتى ولو وجود بين التلاميذ من يدين بغير دين الأغلبية، إذا بدا لنا ذلك فالسبب ليس تحول مصر إلى دولة دينية، وإنما سببه الضعف العام الذى أصاب الدولة المصرية.

الحقيقة الخامسة: إننا اليوم نعيش فى عالم يصعب فيه جدا إن لم يكن المستحيل، أن تعزل أى دولة نفسها عن بقية العالم. فالتكنولوجيا الحديثة فرضت الاعتماد المتبادل فى الاقتصاد، وعرّفت كل أمة بما يجرى فى الأمم الأخرى، فخلقت حاجات جديدة لدى كل أمة لا تستطيع إشباعها بمفردها، كما سهّلت تدخل الدول الأقوى فى شئون الدول الأضعف، إما بإجبارها على فتح أبوابها للسلع، أو بإجبارها على تبنى أنماط للحياة لم تخترها بإرادتها الحرة. فى عالم كهذا لابد أن تجد الدولة الدينية نفسها فى ورطة لا تواجهها الدولة المدنية بنفس الدرجة.

فإذ تجد الدولتان نفسيهما مضطرتين للتعامل مع أمم مختلفة الأديان والثقافات وأنماط الحياة، تحاول الدولتان باستمرار التوفيق بين متطلبات هذا التعامل مع أمم مختلفة عنها، وبين الالتزام بقواعد الدين وبالثقافة ونمط الحياة المرتبطين بهذا الدين. هذه المحاولة المستمرة للتوفيق، أيا كان نوع الدولة، دينية أو مدنية، لابد أن يصحبها مؤثرات نفسية واجتماعية قد تصل إلى درجة إحداث ازدواجية خطيرة فى الحياة الاجتماعية والثقافية، بين أنصار التمسك بالتراث وأنصار الحداثة.

ولكن يجب أن نتوقع أن يكون التوتر الذى يمكن أن ينشأ فى الدولة المدنية أقل حدة وخطورة مما يمكن أن ينشأ فى ظل الدولة الدينية، خاصة إذا اتسمت الدولة الدينية بتسامح أقل من المخالفين فى الرأى ومع أنصار الحداثة.

فإذا استطاعت الدولة المدنية أن تواجه العالم من حولها بتسامح مع أصحاب الأديان والثقافات وأنماط الحياة المغايرة (كما فى تعاملها مثلا مع السياح والأفلام المستوردة) دون أن تتنكر لدينها، أو تبدى تقاعسا فى حماية هذا الدين من أى إيذاء أو إساءة من أصحاب الديانات والثقافات وأنماط الحياة المغايرة، فإنه يصبح من المبرر القول بأن الدولة المدنية أقدر على مواجهة مشكلات «العولمة» من الدولة الدينية.

<<<

قد يقال ردا على كل ذلك، إن المفاضلة بين الدولة الدينية والدولة المدنية على هذا النحو لا فائدة منها مادام الأمر لابد أن تقرره فى النهاية إرادة الناس عن طريق انتخابات حرة. فإذا حدث واختار غالبية الناس، فى انتخابات تطبق قواعد الديمقراطية، وتتسم بأقصى قدر من الحرية والنزاهة، أن تكون حكومتهم دينية، فما جدوى المفاضلة فى هذه الحالة بين هذه الحكومة وغيرها؟ إذ فلتكن الدولة دينية إذن، ما دام هذا هو اختيار الناس. ولكن حتى لو افترضنا أن غالبية الناس فى مصر تفضل أن تقوم فيها حكومة دينية، فإن هذا فى رأيى لا يجب أن يستنتج منه بالضرورة أن الدولة الدينية أفضل من غيرها.

فهذا الاستنتاج يتطلب توافر شرطين من المشكوك فيه توافرهما. الأول: أن الناس تعرف بالضبط ما الذى يعنيه مجىء «الدولة الدينية» والثانى: أن الناس يعرفون دائما أين تكمن مصلحتهم الحقيقية.

الشرط الأول مشكوك فى توافره لأن أصحاب التيار الدينى، مثلهم مثل غيرهم، لا يفصحون عادة عما ينوون فعله بالضبط إذا حدث وأمسكوا بمقاليد الحكم. فشعار «الإسلام هو الحل» مثلا، شعار يحتمل العديد من التفسيرات التى قد لا يحظى بعضها بنفس الدرجة من التأييد التى يحظى بها غيره من التفسيرات.

والشرط الثانى مشكوك أيضا فى توافره، على عكس الاعتقاد الشائع. فالناس فى الحقيقية لا يعرفون دائما كنه حاجاتهم الحقيقة، ومن ثم كثيرون لا يعرفون مدى قدرة البدائل المطروحة على تلبية هذه الحاجات.

إن الإنسان وهو بصدد الاختيار بين البدائل السياسية المطروحة لا يختلف وضعه كثيرا عن وضعه وهو يحاول الاختيار بين السلع المطروحة عليه فى الأسواق.

إن معرفته بالخصائص الدقيقة لكل سلعة من السلع المعروضة عليه، كثيرا ما تكون معرفة ناقصة (ونحن نعرف ما تفعله الدعاية التجارية والإعلانات بقصد تضليل عن الصفات الحقيقية للسلع). كما أن معرفة المستهلك لما يحتاج إليه حقيقة من هذه السلع ومدى النفع الذى يمكن أن يحصل عليه من كل منها، وما إذا كان هذا النفع سيستمر طويلا أو سرعان ما يزول، هى أيضا معرفة ناقصة.

وكلا النوعين من نقص المعرفة كثيرا ما يؤديان بنا (كما نعرف جيدا) إلى شراء سلعة ثم نتبين بعد ذلك أنها لا تحقق ما علقنا عليه من آمال.

الانتخابات الحرة فى السياسة ليست إذن أفضل كثيرا من نظام السوق الحرة فى الاقتصاد، كلاهما يقوم على هذين الافتراضين: المعرفة الكاملة (أو الكافية) بخصائص المرشحين أو السلع، والمعرفة الكاملة (أو الكافية) بحاجاتنا الحقيقة، وكلا الافتراضين مشكوك فى صحتهما.

قد نقرر على الرغم من كل هذا أن الانتخابات الحرة هى أفضل الوسائل لتحديد نظام الحكم، وأن نظام السوق الحرة هو أفضل أنواع التنظيم الاقتصادى. ولكن حتى لو سلمنا بهذا وذاك فإن هذا لا يعنى بالضرورة أن النظام الذى ستسفر عنه الانتخابات الحرة هو أفضل النظم طُرًّا، وأن السلع التى سنقتنيها من السوق بمطلق الحرية، هى أكثر السلع تحقيقا لحاجاتنا الحقيقية، مع هذا قد نقرر الالتزام باحترام رأى الغالبية.

تماما كما كان الأب الرحيم قد يرى أحيانا أن من الأفضل أن يترك ابنه يختار ما يشاء من السلع رغم أنه يعرف أن ابنه لن يختار ما فيه مصلحته الحقيقية. ولكن حتى لو فعل الأب ذلك، فإن من واجبه أن ينتهز أى فرصة تتاح له لكى يشرح لابنه البدائل المطروحة وتقارن بين مزايا ومخاطر كل منها.

وهذا هو ما حاولت أن أفعله فى المفاضلة السابقة بين الدولة الدينية والدولة المدنية.

الجمعة، 1 أبريل 2011

أشكال وألوان من التدين

الشروق - الجمعة 1 أبريل 2011

فى الدين الواحد، توجد أشكال وألوان من التدين. الإسلام واحد، ولكن التدين الإسلامى يختلف من عصر إلى عصر، ومن شخص لآخر. ونفس القول ينطبق على كل الأديان الأخرى.
دين محمد عبده هو نفسه دين تلميذه رشيد رضا، ونفس دين حسن البنا وسيد قطب.. إلخ، ولكن تدين كل واحد من هؤلاء يختلف عن تدين الآخرين.

وينطبق نفس الشىء أيضا على المعانى التى يفهمها الناس من التعبير الواحد، فالتعبير الذى يعبر به المرء عن إيمانه وتقواه، قد يقترن فى ذهنه بمعان تختلف عما يقترن به فى أذهان الآخرين. الجميع يقولون مثلا «إن شاء الله»، والنطق بهذه العبارة يعبر على نحو أو آخر عن تدين قائلها، ولكن لاحظت أن المقصود بها قد يختلف من شخص لآخر، فقد يريد قائلها أن يعبر عن اعتقاده بأن الأمر ليس فى يده بل فى يد الله تعالى، ولكن شخصا آخر قد يقصد به مجرد التسويف، أو التهرب من إعطاء إجابة محددة.. إلخ.

لهذا أصارح القارئ بأنى لم أسترح قط لعبارة مثل «تجديد الإسلام» أو «الإسلام المستنير» فالإسلام لا يتجدد وإنما الذى يتجدد تفسير الناس له وما يفهمونه منه، ومن ثم فالمقصود هو تجديد التدين، أى طريقة فهم الدين. أما الاستنارة أو عدمها فهى وصف لشخص معين أو لتفسيره للدين وليس للدين نفسه.

ليس هناك أى شىء غريب فى هذا، فالدين إلهى والتدين نشاط بشرى. الصلاة فرض إلهى، ولكن استخدام الميكروفون لإذاعتها أو عدم استخدامه قرار بشرى. ومن المؤسف أننا كثيرا ما نعامل القرارات البشرية فيما يتعلق بالدين وكأنها أوامر إلهية، فنسىء إلى الدين والدنيا فى نفس الوقت.

تواردت علىَّ هذه الأفكار وأنا أتلقى الأخبار عما طرأ على العلاقة بين المسلمين والأقباط من توتر، منذ حدوث جريمة الإسكندرية ليلة رأس السنة الحالية عندما قام شخص أو أشخاص بتفجير قنبلة قتلت وجرحت عددا كبيرا من الأقباط الخارجين من الكنيسة بعد أداة الصلاة فيها، ثم ما لوحظ من استقطاب غير مبرر بين المسلمين والأقباط حول قول نعم أو لا فى الاستفتاء الأخير، ثم ما حدث بعد الاستفتاء من حرق كنيسة فى أطفيح، ثم الاعتداء البشع على مدرس قبطى فى قنا.. إلخ، حيث جرى كل هذا باسم الدين.

استدعت هذه الأحداث إلى ذهنى ما كان يعنيه «التدين» فى نظر رجل عظيم هو الزعيم الهندى المهاتما غاندى، فى النصف الأول من القرن الماضى، وقد راح هذا الرجل العظيم ضحية مفهومه الرائع للتدين، إذ قتله رجل يدين بنفس دينه، ولكنه كان «متدينا» بشكل مختلف تماما.

خلال الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، تفجر فى الهند صراع بين الغالبية التى تدين بالهندوسية، وبين الأقلية المسلمة، وكانت النسبة بينهما نحو ثلاثة إلى واحد، أى كان عدد المسلمين نحو ربع إجمالى الهنود. كانت القضية الأساسية للهند فى ذلك الوقت هى التحرر من الحكم البريطانى، ولكن المسلمين كانوا يطمحون أيضا إلى إنشاء دولة مستقلة لهم، عندما يتم جلاء الإنجليز عن الهند.

كانت مطالبة المسلمين بدولة مستقلة تقسم الحركة الوطنية الهندية قسمين، وتضعف جهود المناضلين ضد الإنجليز، وكان هناك ما يدل على أن الإنجليز كانوا يشجعون هذا الانقسام بين الهندوس والمسلمين طبقا للسياسة المعروفة «فرق تسد» ولكن المهاتما غاندى كانت لديه أسباب أخرى، أكثر أهمية فى نظره، لكراهية انفصال المسلمين عن الهندوس، ولمعارضة تقسيم الهند إلى دولتين.

كان غاندى ينظر إلى تقسيم الهند على أساس دينى، على أنه نوع من «الكفر»، وكانت الدعوة إلى هذا التقسيم تصيبه بالحيرة وكأنها شىء لا يمكن أن يقبله العقل.

كان يصف هذه الدعوة بأنها «قول باطل» (Untruth)، وقد كتب أحد الكتاب الهنود فى ترجمته لحياة غاندى أنك لا تجد فى قاموس غاندى اللغوى كلمة أقوى من هذه الكلمة: «باطل».

لقد ناقش غاندى ما تعنيه كلمة الوطنية أو الولاء للوطن، ولم يجد فى اختلاف الدين علاقة بهذا الولاء، كما أنه لم ير الاختلاف فى الدين متطابقا مع اختلاف الثقافة. كتب غاندى مرة:

«إن مسلما من البنغال يتكلم بنفس اللسان الذى يتكلم به بنغالى هندوسى، وهما يأكلان نفس الطعام، ويرتديان نفس الزى ويرفهان عن نفسيهما بنفس وسائل الترفيه.. إن اسم السيد جنه (Jennah) (زعيم الجامعة الإسلامية فى الهند) يمكن أن يكون اسم رجل هندوسى، وعندما قابلته لأول مرة، لم أكن أعلم أنه مسلم.. وحتى مع اختلاف الدين، وبفرض اختلاف الثقافة، أين هو التعارض فى المصالح فى أمور مثل الإنتاج والصناعة والصحة وإقامة العدل؟ إن الفوارق توجد فقط فى العادات الدينية وممارسة الشعائر، وهى أمور لا تتدخل فيها الدولة المدنية..».

فعل غاندى كل ما يستطيع لمنع الانقسام فى الحركة الوطنية على أساس دينى، فلما رأى استمرار هذا الانقسام، انحصر جهده فى منع استخدام العنف من أى جانب ضد الجانب الآخر. كان غاندى يتمتع باحترام غير معهود من كلا الجانبين، مما جعل مجرد تعبيره عن الاستياء من أن يتقاتل الهندوس والمسلمون، كافيا لتخفيف حدة التوتر.

فإذا اشتدت الفتنة أعلن أنه سوف يبدأ صياما حتى الموت ما لم تتوقف أعمال العنف من الجانبين. وكان هذا الإعلان عن صيام غاندى كافيا دائما لإيقاف هذه الأعمال. كان يحدث أثناء أعمال العنف أن يلقى المسلمون باللوم على الهندوس، ويلقى الهندوس باللوم على «البلطجية» (Hooligans) فإذا بغاندى يلقى بالسؤال: «ومن هم هؤلاء الذين تسمونهم بالبلطجية؟ إنكم أنتم أيها المتعلمون الذين تصنعونهم، بنشركم ثقافة الكراهية».

تفجرت الفتنة من جديد بين الهندوس والمسلمين، فى يوليو 1946، عندما قام الحاكم الإنجليزى بتكليف نهرو بتشكيل الحكومة. طلب نهرو من جنه (زعيم الجامعة الإسلامية) الاشتراك معه فى تأليف الحكومة فرفض، احتجاجا على ما سماه «محاولة الحزب الفاشى الهندوسى، بمعونة البريطانيين، إخضاع المسلمين والأقليات الهندية الأخرى».

فانفجرت أعمال العنف والقتل المتبادل، كان ضحيتها فى مدينة كالكتا وحدها، خلال أربعة أيام، خمسة آلاف من القتلى وأكثر من خمسة عشر ألف مصاب.

وتكررت المأساة فى مناطق أخرى من الهند، إذ أخذ المسلمون فى قرية بعد أخرى، ينتقمون من الهندوس لما فعلوه بالمسلمين فى قرى أخرى، أعلن غاندى أنه إذا لم يتوقف العنف فى الحال، وبدون تدخل الشرطة، بل باقتناع داخلى من كلا الطرفين بأن ما يفعلونه شر محض، سوف يبدأ صياما حتى الموت. قال غاندى إن على الأغلبية الهندوسية أن تشعر بالندم على ما فعلت وأن تكفر عن سيئاتها، وعلى الأقلية المسلمة أن تصفح وتبدى استعدادها لبدء صفحة جديدة. وكانت النتيجة المدهشة أنه بمجرد أن أعلن غاندى عن عزمه الصيام، توقفت أعمال العنف فى الحال.

عندما عاد العنف من جديد خلال السنة التالية، أصيب غاندى بحالة من الحزن الشديد والحيرة، استولى عليه الشعور بأنه فشل فى تحقيق أمله. لقد عمل طوال حياته من أجل أن تصبح الهند قدوة للعالم فى مناهضة العنف، فهل كان أسلوبه لتحقيق هذا الهدف أسلوبا خاطئا؟ هل كان الناس الذين يعلنون اقتناعهم بما يقول، يقولون شيئا مختلفا عما تجيش به صدورهم فى الحقيقة؟

عندما أعلنت الحكومة البريطانية استقلال الهند فى 15 أغسطس 1947، وكان المتوقع أن تعم الهند مظاهر الفرح والابتهاج، لم يخف غاندى أن شعوره أبعد ما يكون عن الفرح. ها هو اليوم الذى طالما اشتاق إليه وعمل من أجله، يحل دون أن يبعث فى نفسه أى بهجة، فالهند لم تكسب حريتها إلا بثمن باهظ هو فقدان وحدتها. وهو شعور يشبه بشدة شعورنا فى مصر عندما حل محل البهجة التى أثارها سقوط نظام مبارك، الوجوم والقلق الشديد لدى وقوع أحداث الفتنة الأخيرة.
سرعان ما عادت أعمال العنف والتقتيل فى الهند من جديد، إذ شرعت الأغلبية الدينية فى كل منطقة فى التنكيل بالأقلية المنتمية للدين الآخر، وأسرعت الأقليات الدينية بالهرب فى فزع شديد، من المنطقة التى تعرف أنها سوف تقع فى قبضة سلطة من دين آخر.

قرر غاندى أن يذهب إلى مدينة من أكثر مدن الهند تعرضا للعنف، واختار أن يقيم فى منزل عامل مسلم فى حى من المدينة كان يعتبر من أقل أحيائها أمانا لسكانه من المسلمين. وخطب غاندى فى سكان المدينة يدعوهم إلى نبذ الكراهية والعنف، فإذا بخطبته تحدث فى الناس ما يحدثه السحر، وإذا بالشباب الهندوسى والمسلم يتجمعون فى الشوارع فى وئام تام للاحتفال بالاستقلال، وكتبت جريدة التايمز البريطانية «إن الكلمات التى صدرت من غاندى كان لها من الأثر ما لا يمكن أن تحدثه عدة فرق من الشرطة أو الجيش».

ولكن هذه التطورات السعيدة كانت تخفى وراءها نهاية مأساوية. كان أول إنذار بهذه النهاية التعسة انفجار قنبلة فى مساء 20 يناير 1948 على بعد أمتار قليلة من المكان الذى كان يقف فيه غاندى لتأدية صلاة جماعية.

وبعد عشرة أيام (فى مساء 30 يناير 1948) خرج غاندى من بيته قاصدا مكان الصلاة وهو يستند بذراعيه على حفيدتى أخته واخترق غاندى جمعا من نحو خمسمائة شخص جاءوا للصلاة معه، فوسعوا له الطريق، وهبّ بعضهم واقفا وانحنى آخرون احتراما له، فاعتذر لهم عن تأخره بضع دقائق عن موعد الصلاة، وإذا برجل يتقدم من بين الصفوف، وينحنى لغاندى وكأنه يريد أن يلمس قدميه، ثم أخرج من جيبه مسدسا أطلق منه ثلاث رصاصات أودت بحياة غاندى فى الحال.

كان القاتل هندوسيا كارها لما كان يقوم به غاندى من حض الهندوس على حسن معاملة المسلمين.