د. جلال أمين

د. جلال أمين
أستاذ الإقتصاد بالجامعة الأمريكية والمفكر المصرى الكبير

الجمعة، 25 مارس 2011

المفرح والمحزن فى الاستفتاء الأخير

الشروق - الجمعة 25 مارس 2011

طبيعى جدا أن توجد فى المجتمع أغلبية وأقلية، أى أن تختلف مجموعة من الناس تشكل أغلبية أفراد المجتمع، عن مجموعة أخرى أقل عددا فى الدين أو اللغة أو اللون أو الرأى.. إلخ. ومن الطبيعى أن يرتاح المرء إلى من يشترك معه فى صفة من هذه الصفات أكثر مما يرتاح إلى من يختلف عنه. ولكن من أبسط شروط التحضر أن يحسن المرء معاملة المختلفين عنه؛ أن يكون قادرا على تفهم أسباب الاختلاف، وأن يقبل بصدر رحب أن يقوم الآخر بالتعبير عن نفسه بأى شكل من الأشكال؛ بممارسة شعائر دينية أو أن يدافع عن رأيه الخاص أو أن يمارس عادات مختلفة فى الأكل أو الشرب، أو فى الزى الذى يرتديه.. إلخ، طالما أن هذا لا يمنعه هو من التعبير عن نفسه.
أى سلوك متعارض مع هذا لابد أن يرفضه الإنسان المتحضر وينفر منه، وأى تفسير عاقل لأى دين من الأديان لابد أن يدين أى سلوك يتعارض مع هذا الموقف، مهما استطاع أحد أن يقتطف من النصوص التى يمكن أن تفسر على عكس ذلك، فالواجب أن تفسر نصوص الدين التفسير الذى لا يتعارض مع ما يقضى به العقل والمنطق واحترام حقوق الإنسان الطبيعية. فنصوص الدين إلهية، ولكن التفسير دائما بشرى. وليس من حق أحد أن يفرض تفسيره للنص الإلهى وكأنه هو التفسير الوحيد، والتفسير الذى يتعارض مع ما يقضى به العقل والتحضر يجب رفضه لأنه مسىء إلى العقل والدين معا.

تعجبنى فى هذا الصدد قصة حكاها لى بنفسه ذلك الرجل ذو العقل النير والضمير الوطنى والإنسانى، أحمد بهاءالدين، إذ قال لى إنه كان يوما فى زيارة لصديق مريض فى مستشفى بالقاهرة، وعند خروجه من حجرة صديقه لفت نظره مرافق له إلى أن فى المستشفى نفسه مريضا آخر ذا مكانة عالية فى جماعة الإخوان المسلمين (ربما كان المرشد العام نفسه أو نائبه، لا أذكر) فخطر لأحمد بهاءالدين أن يزوره أيضا متمنيا له الشفاء. وفعل ذلك وبدأ الرجلان يتحاوران.. ولم يكن غريبا أن يتطرق الحديث إلى موضوع تطبيق الشريعة الإسلامية. قال لى الأستاذ بهاء إنه قال للإسلامى الكبير: «ليس لدى أى اعتراض بالمرة على أن تكون الشريعة الإسلامية مصدرا أساسيا أو المصدر الأساسى للتشريع، ولكن من المهم جدا أن أعرف من الذى سيقوم بتفسيرها».

●●●

من المؤسف جدا أن هذا الموقف المتحضر إزاء الأقلية الدينية فى مصر أصابه ضعف شديد خلال الأربعين عاما الماضية. وهذا هو أحد الأسباب المهمة لكراهيتى لنظام أنور السادات وحسنى مبارك، فقد ساهم العهدان فى إحداث هذا الضعف وزيادته على مر السنين، بمساهمتهما، إيجابا وسلبا، فى إيجاد الظروف التى تعمل على تدهور هذا الموقف المتحضر: إيجابا بأن قاما بأعمال تقوى التفسير اللا عقلانى للدين، وسلبا بالامتناع عن القيام بما من شأنه إضعاف هذا التفسير اللا عقلانى. شجع أنور السادات فى البداية المتطرفين الدينيين على الوجود فى الساحة السياسية أملا منه فى أن يقوموا بإضعاف خصومه السياسيين، وسمح هو وحسنى مبارك لوسائل الإعلام بالاستغراق فى تقديم تفسيرات متخلفة للغاية للدين، (بل وتشجع صراحة على إساءة معاملة الأقلية الدينية). وقيد الاثنان حركة السياسيين والمفكرين العقلاء، الذين يفهمون ويفسرون الدين تفسيرا متحضرا، بل ومنعوا الكثيرين منهم من أن يعبروا عتبة مبنى التليفزيون، وكأن الاثنين كانا يخشيان من أن يؤدى انتشار أى تفسير عقلانى للدين إلى الإطاحة بهما. كما طبق الاثنان سياسات اقتصادية كان من شأنها زيادة التوتر الاجتماعى بما أدت إليه من اتساع كبير للفجوة بين الدخول، وارتفاع كبير فى معدل التضخم، ثم (فى عهد حسنى مبارك) ارتفاع مذهل فى معدلات البطالة، وتدهور مذهل أيضا فى نوعية الحياة لشريحة كبيرة من أصحاب الدخول الدنيا (على الأخص فى المسكن) شجعت كلها، بدورها، على نمو تفسيرات لا عقلانية للدين، وتحويل ما لدى هذه الشرائح من غضب على المجتمع وعلى الأحوال الاقتصادية، إلى غضب وكراهية للأقليات الدينية.

●●●

كان هذا سببا واحدا من أسباب كثيرة لفرحنا بثورة 25 يناير 2011. واشتد فرحنا عندما رأينا فى الأيام الأولى للثورة مناظر مبهجة للغاية (تدل على أن المصرى فى الأساس إنسان متحضر). فرأينا شابين، أحدهما مسلم معمم والآخر قبطى يحمل الصليب، جنبا إلى جنب، يرددان نفس الشعارات، ورأينا سيدة قبطية تصب الماء لرجل مسلم لمساعدته فى الوضوء.

اشترك الأقباط مع المسلمين فى جميع المظاهرات فى مختلف أنحاء الجمهورية، ولم تقع خلال شهر ونصف الشهر من العمل المشترك حادثة واحدة مما يندرج تحت وصف «أحداث الفتنة الطائفية»، فلماذا نفاجأ بحدث خطير بعد شهر ونصف الشهر من قيام الثورة، يقوم فيه مسلمون بحرق كنيسة فى قرية من قرى الجيزة، ثم نفاجأ مرة أخرى باستقطاب حاد بين المسلمين والأقباط بمناسبة الاستفتاء على تعديلات دستورية لا تمس من قريب أو بعيد علاقة المسلمين بالأقباط؟ فتنتشر الدعوة إلى قول «نعم»، إذا كنت مسلما حقيقيا، وإلى قول «لا» إذا أردت حماية حقوق الأقباط؟

بدا هذا التطور المفاجئ محزنا، وأثار الكثير من التساؤلات، هل يعقل أن يتغير المصريون إلى هذا النحو، بين يوم وليلة؟ هل كان هذا الوئام الذى ساد خلال أسابيع الثورة، ظاهرة سطحية عارضة لم تلبث أن انكشفت عن المشاعر الحقيقية الدفينة والتى تنطوى على منتهى الشك والتوجس؟ هل وراء هذه الحوادث مصلحة أكثر فى إفساد الثورة وتعطيل مسيرتها مما يسمى أحيانا بـ«الثورة المضادة»؟ هل وراء ذلك أصابع إسرائيلية تحاول تفكيك الجسد المصرى إلى أجزاء، كما نجحت فى تقطيع الجسد السودانى، وعن قريب تنجح فى تفتيت الجسد اليمنى والبحرينى والسورى واللبنانى.. إلخ، بحيث يصبح الجو مهيئا لتحقيق المشروع الصهيونى فى السيطرة على المنطقة العربية كلها؟
لا أخفى على القارئ أن كل هذه التفسيرات المحتملة قد طافت بذهنى، كما سمعت مثلها من بعض أصدقائى المسلمين والأقباط على السواء. كلنا فى حيرة، والجميع فى أسى.

تساءلت أيضا عما إذا كان الممسكون بالسلطة الآن فى مصر قد قاموا بكل ما فى وسعهم لمنع هذه الأحداث ووأدها فى المهد؟ تساءلت مثلا عما إذا كان المشتركون فى إشعال حريق الكنيسة فى الجيزة قد أوقفوا عند حدهم بالسرعة الواجبة؟ وعما إذا كانت وسائل الإعلام قد قامت بواجبها لمنع تأجيج المشاعر العدوانية، بل عما إذا كان بعضها قد ساهم بلا مبرر فى زيادة التوتر والخوف، باستضافة رجل مخيف المنظر، ينتمى إلى تيار دينى متطرف، إلى درجة أن ساهم فى تخطيط وتنفيذ اغتيال رئيس الجمهورية فى 1981، فظهر على شاشة التليفزيون فى حوارات لمدد طويلة، برر فيها اشتراكه فى خطة الاغتيال، واصفا الاغتيال بأنه عمل جائز «طالما أنه لا توجد وسائل قانونية للوصول لنفس الهدف». كما نشرت وسائل الإعلام صوره وهو خارج من السجن محاطا بمظاهر الترحيب والتقدير. ألم يكن هناك حقًا أمام الممسكين بالسلطة والقائمين على أمر وسائل الإعلام، طريقة أخرى لإتاحة حرية التعبير تتجنب إشعال هذا التوتر واستحضار دواعى الفتنة الطائفية من جديد؟

ثم يجىء دور الكتاب والمثقفين، هل يمكن حقا الدفاع عمن يدور بين الناس مشيعا أن قول «لا» فى الاستفتاء على الدستور، معناه الموافقة أو العمل على إلغاء المادة الثانية فى الدستور التى تقول إن «الإسلام دين الدولة». وأن قول «نعم» هو العمل الإسلامى الصحيح؟ هل يعقل أن يوافق أى مثقف على هذا القول، بل وهل يجوز حتى أن يسكت عن هذا الخلط أى كاتب ومثقف مهما كانت عقيدته الدينية والسياسية؟

●●●

جاءت نتيجة الاستفتاء بالنتيجة المتوقعة، بالنظر إلى المناخ السياسى السائد فى مصر الآن، وإلى هذا الخلط المؤسف بين العقيدة الدينية والرأى السياسى، فى موضوع لا دخل له فى الدين أصلا، فقال 77٪ نعم، و23٪ قالوا لا. عبر كثيرون بحق عن سرورهم بهذا الارتفاع الملحوظ فى درجة مساهمة المصريين فى التصويت، وكأن المصريين قد عبروا بذلك عن شوقهم إلى ما حرموا منه لعشرات من السنين، وهو التعبير عن رأيهم السياسى بحرية، فلم يتقاعسوا عن الذهاب إلى الصناديق وتجشم كثيرون منهم الصعاب فى سبيل ذلك، بمجرد أن استعادوا ثقتهم بأن النتائج لن تزور. كان هذا تطورا جميلا ويبعث السرور فى النفس. فرح أيضا أنصار قول «نعم»، بما حصلوا عليه من أغلبية كبيرة وبهزيمة المعارضين، كما ابتأس المعارضون الذين كانوا يأملون فى نتيجة أفضل، وهذا أيضا طبيعى ومفهوم. ولكن بقى لدى كثيرين، وأنا منهم، شعور بالحزن لأن المصريين لم يستطيعوا على الرغم من الثورة، التخلص من الآثار النفسية لأربعة عقود من الحكم السيئ، أى من الآثار النفسية لسياسات اقتصادية حمقاء، وللاستخدام المتعمد للتوتر الطائفى لصالحها، بالزعم بأن أصحاب هذه السياسات الحمقاء هم البديل الوحيد للتطرف الدينى، والتخلص من الآثار النفسية لسياسة إعلامية شريرة ظلت لمدة أربعين عاما تروج للتطرف بمختلف الطرق، وبرامج تليفزيونية نصفها تفسيرات لا عقلانية للدين، والنصف الآخر رقص خليع يؤدى بدوره إلى تفسيرات لا عقلانية للدين.

شعر كثيرون منا بالأسى لأن الآثار النفسية لأربعين عاما من الدجل السياسى والاقتصادى والإعلامى مازالت قائمة. ولكن يعود المرء فيقول لنفسه إنه ليس محقا فى الاستسلام لهذا الشعور بالحزن.

فالأمور لا تتغير بين يوم وليلة، وما تراكم خلال أربعين عاما لا يمكن أن يزول ولا حتى بثورة رائعة استمرت بضعة أسابيع. لقد بدأت هذه الثورة الرائعة عملية تطهير لم تتم بالطبع بعد. وأملى فى أن يشرع الشباب (وأنصارهم من الشيوخ) فى تكوين أحزابهم فورا التى لابد أن تؤدى، بالعمل الدءوب والتثقيف المستمر للناس إلى استفتاءات وانتخابات كثيرة أخرى، نتائجها أفضل بكثير.

الجمعة، 18 مارس 2011

آخر كلام: د. جلال أمين - ماذا يحدث للمصريين


حتى لا تتحول الثورة...الى مجرد انقلاب

الشروق - الجمعة 18 مارس 2011

عندما قامت ثورة 23 يوليو 1952، لم يكن اسمها فى البداية ثورة، بل كان اسمها حركة. كان الناس ووسائل الإعلام، بل وحتى الضباط أنفسهم الذين قاموا بها، يصفونها بحركة الجيش، أو حركة الضباط الأحرار، أو الحركة المباركة ..إلخ وكانت وسائل الإعلام الأجنبية تسميها انقلابا عسكريا، أما وصف الثورة، فلم يستخدم إلا بعد قيامها بعدة أشهر، وبمجرد أن بدأ استخدام وصف الثورة شاع قبوله، ومع مرور بضع سنوات لم يعد هناك أى شك فى أن ما حدث كان فعلا ثورة.

فى الأيام الأولى كان الأمر يبدو وكأنه مجرد انقلاب عسكرى، قام بعزل الملك فاروق عن عرشه وجلس بدلا منه مجموعة من الضباط كونوا ما سمى بـ«مجلس قيادة الثورة»، الذى أصبح أعلى سلطة فى البلاد. بدا وصف «الثورة» فى البداية أكبر وأخطر بكثير مما قام به الضباط، على الرغم مما تمتع به عزل الملك من شعبية.

فالثورة تفترض خروج الجماهير الغفيرة إلى الشوارع، فتجبر الممسكين بالسلطة بطريقة أو بأخرى، على التخلى عنها لمن يتمتع بقبول الناس ورضاهم. والثورة تفترض أيضا المطالبة بتغييرات جوهرية تتعلق بحياة الناس السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وليس مجرد الاطاحة بملك أو رئيس.

وكلا الشرطين لم يتوافرا فى البداية لحركة الضباط فى 23 يوليو. فالحركة تم تدبيرها فى الخفاء، وفوجئ بها الناس كما فوجئ بها الملك نفسه هو وحاشيته. ومطالب الضباط التى لخصوها فى مبادئ الثورة الستة الشهيرة، وإن تضمنت المطالبة ببعض التغييرات الجوهرية، بدت بمثابة منشور سياسى قصير يذكر أهدافا غاية فى العمومية (كإقامة نظام ديمقراطى سليم أو تكوين جيش وطنى قوى..إلخ) دون أن يتضمن ما ينبئ بطبيعة الخطوات المزمع اتخاذها.

شيئا فشيئا استحقت الحركة أو الانقلاب وصف الثورة. فالتأييد الشعبى الساحق الذى قابلها الناس به عوّض عن غياب دور الجماهير فى أحداثها ابتداء. ثم توالت الإجراءات والقوانين ذات الطابع «الثورى» بمعنى الكلمة، والتى أحدثت تغييرات عميقة فى طبيعة النظام السياسى والاجتماعى والاقتصادى، من إصدار قانون الإصلاح الزراعى الذى قضى على الاقطاع فى لمح البصر، وحل الأحزاب السياسية، وإلغاء الألقاب، وتعميم مجانية التعليم، ثم تأميم قناة السويس، والبدء فى بناء السد العالى، ثم تأميم البنوك وشركات التأمين الأجنبية، ثم إنشاء مجلس للتخطيط ووضع خطة طموح للتصنيع، ثم خطة خمسية للتنمية، ثلثها عملية تأميم واسعة النطاق وتوسع الدولة توسعا هائلا فى تقديم الخدمات الاجتماعية الأساسية للجمهور الواسع، كالتعليم والصحة والإسكان، وإشراك العمال فى إدارة المنشآت التى يعملون بها، وفى الأرباح المحققة ..إلخ.

إن لم يستحق كل هذا وصف «ثورة» فما الذى يستحقه؟ إن لدىّ انتقادات كثيرة ومهمة لما فعله رجال ثورة 1952، ولكن هذا ليس موضوعنا الآن. موضوعنا الآن هو أن ما بدأ كحركة أو انقلاب من الضباط انتهى إلى ثورة حقيقية.

فى 25 يناير 2011 هبت انتفاضة شعبية جبارة فى كل أركان البلاد، لم يسبقها مثيل فى تاريخ مصر، لا فى حجمها، ولا فى شمولها الجغرافى والطبقى والدينى، ولمختلف أنواع الانتماء السياسى والمستوى التعليمى.

نعم كانت الشعارات عامة والمطالب غير محددة بوضوح، ولكنها شملت المطالبة بتغيير جوانب متعددة من الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل وبدر من المشاركين فيها من التصريفات ما حمل فى طياته بداية فعلية لهذه التغييرات، كالذى ظهر من تعاون بين المسلمين والأقباط، وبين الرجال والنساء، وبين المنتمين لطبقات اجتماعية مختلفة أشد الاختلاف. لم يكن غريبا إذن أن يعم إطلاق وصف الثورة على ما حدث، على ألسنة الناس وفى وسائل الإعلام المصرية والأجنبية، ولم يبد على أحد أنه يستغرب استخدام هذا الوصف.

قام الجيش بحماية ثوار يناير ودعمهم وتسهيل مهمتهم فى تنحية الرئيس السابق، كما قام الشعب منذ ستين عاما بتأييد حركة الجيش فى 23 يناير ودعمها وتسهيل مهمتها. فما الذى حدث بعد تنحى رئيس الجمهورية فى 11 فبراير، ولماذا يبدو التحرك مترددا، وكأنه يحتاج باستمرار إلى دفعة جديدة من ثوار يناير؟

كان المطلب الأساسى لثوار 25 يناير «تغيير النظام»، وكان هذا هو الشعار المتكرر الذى حمله وهتف به المتظاهرون. كما كان من مطالبهم الأولى الافراج عن المعتقلين السياسيين بلا محاكمة، ووضع حد للفساد. ثم أضيفت إلى هذه المطالب، بعد أحداث 28 و29 يناير، حين انسحبت الشرطة من مواقعها وفتحت أبواب بعض السجون وتركت الشوارع والمحال نهبا للبلطجية ولبعض رجال الشرطة أنفسهم ــ مطالب أخرى هى القبض على المسئولين عن هذا الانسحاب وتقديمهم للمحاكمة، ثم أضيف بعد أحداث 2 فبراير المأساوية (المعروفة باسم موقعة الجمل) المطالبة بالقبض على المسئولين عن هذه الأحداث ومحاكمتهم.

لاحظ الناس بطئا غير مبرر فى الاستجابة لهذه المطالب، وكانت الاستجابة لبعضها على نحو جزئى وغير كامل. كان من المفهوم أن تكون أول حكومة تشكل بعد الثورة، برئاسة رجل طويل العهد بالتعاون مع العهد القديم، وأن يبقى فيها وزراء ينتمون إلى نفس العهد. ولكن عندما شكلت حكومة أخرى، حتى بعد سقوط رئيس الجمهورية، كان رئيس هذه الحكومة هو نفس رئيس الحكومة السابقة، وبقى فيها أيضا بعض الوزراء المنتمين إلى العهد السابق. تغير الأمر تغيرا كبيرا إلى الأفضل بحلول حكومة جديدة برئاسة الدكتور عصام شرف، ولكن لاحظ الناس عدة أمور تثير التساؤل: لماذا بقى نائب رئيس الوزراء السابق فى موقعه؟ ولماذا بقى نفس وزير المالية الذى عيّن فى أول حكومة تكونت فى الأيام الأولى للثورة وفى ظل الرئيس المخلوع؟ بل لاحظ الناس أيضا أن عددا من الوزراء الذين جاءوا فى آخر حكومة كانوا قريبين جدا، بصورة أو أخرى، من حكومات العهد السابق،كما فوجئ الناس أيضا بأن بعض المسئولين الكبار فى رئاسة الجمهورية، وفى المؤسسات الصحفية ووسائل الإعلام، الذين خدموا وتعاونوا تعاونا تاما مع النظام القديم، بل وتفانوا فى تقديم خدماتهم له، مازالوا يمارسون مهامهم القديمة وكأنه شىء لم يحدث.

نعم، جرى اعتقال بعض المسئولين الكبار المتهمين بالفساد، والتحفظ على أموالهم ومنعهم من السفر، وجرى التحقيق معهم وقدم بعضهم للمحاكمة. ولكن الملاحظ أيضا أن هذه الإجراءات تتم على نحو يتسم بالانتقائية التى لا تستند إلى أساس واضح، وكأن هناك من الفاسدين والمفسدين من يتمتع بحظوة أكثر مما يتمتع به غيرهم، بل ويحدث أثناء ذلك أن يتعرض بعض شباب الثوار أنفسهم لمعاملة غليظة وقاسية وغير مبررة فى سياق ثورة ناضجة، تتمتع بمباركة المجلس الأعلى الذى يملك الآن سلطة اتخاذ القرار على أعلى مستوى.

فى كل هذا علامات مقلقة قد تحمل فى طياتهم معنى أن أصحاب السلطة الجديدة فى مصر أقل حماسا لإسقاط النظام القديم، ولإصلاح المناخ الاجتماعى السائد من الذين قاموا بالثورة ابتداء.


بعد انقضاء ما يقرب من سنتين على ثورة يوليو 1952، حدث انقسام خطير بين قادة الثورة. كان رئيس الجمهورية فى ذلك الوقت (محمد نجيب) أكثر ميلا إلى أن تعود الحياة السياسية إلى مجراها الطبيعى كما كانت قبل الثورة، بعد أن تخلصت مصر من العهد الملكى وفساده، وأن يعود الجيش إلى ثكناته ويترك السلطة لمجلس نيابى منتخب، بينما كان فريق آخر (يتزعمه جمال عبدالناصر) يرى أن الأمور لا تسمح بعد بترك الجيش للسلطة وإجراء انتخابات برلمانية. كنا وقتها نؤيد محمد نجيب ونطالب بعودة الجيش إلى ثكناته، ولكن جمال عبدالناصر انتصر على نجيب وتم عزل نجيب إلى الأبد واستمر الجيش فى الحكم على الرغم منا.

فوجئنا بعد ذلك بدخول النظام الجديد فى مصر مرحلة تاريخية باهرة، انضمت فيها مصر إلى مجموعة دول عدم الانحياز، وأصبحت مصر من قادة الحياد الإيجابى بين المعسكرين المتصارعين فى الحرب الباردة، وسرعان ما تلا ذلك تأميم قناة السويس واتحاد مصر وسوريا، ثم إعلان خطة التنمية الخمسية ثم تأميمات 1961 التى دشنت عهدا جديدا من التنمية الاقتصادية السريعة والتصنيع وتحقيق قدر وافر من العدالة الاجتماعية.


الآن، يبدو أن العكس هو الذى يحدث: الجيش يريد الاسراع بترك السلطة، وبإجراء انتخابات برلمانية رغم انه لم يمر إلا وقت قصير للغاية على انتهاء عهد طويل من حياة سياسية أكثر فسادا بكثير من الحياة السياسية السابقة على ثورة 1952، وأحزاب متهالكة أكثر زيفا من أحزاب ما قبل 1952، ومن الحرمان من حرية تكوين الأحزاب ومن احتكار وسائل الإعلام الرئيسية منع من نشوء أى زعامات حقيقية يمكن أن تقارن حتى بالزعامات التى كانت موجودة فى أواخر العصر الملكى.

فى تجربة ثورة 1952 ظهر أن الجيش أكثر ثورية من الناس، بينما يبدو فى ثورة 2011 أن الوضع هو العكس بالضبط. لقد بدأ الأمر بانقلاب عسكرى فى يوليو 1952، ثم تحول مع الوقت إلى ثورة لا شك فيها. فهل من المكن حقا أن يتحول ما بدأ بثورة فى يناير 2011، مع مرور الوقت، إلى انقلاب تقتصر مهمته على تغيير رأس النظام وبعض الأشخاص المحيطين به، دون أن تمتد يده إلى اقتلاع مفاسد النظام بأكملها؟ نرجو من كل قلوبنا أن يكون المستقبل أفضل من هذا. 

الجمعة، 11 مارس 2011

أسباب للفرح .. وأخرى للقلق

الشروق - الجمعة 11 مارس 2011

إذا أردت أن أعبر للقارئ عما أشعر به بالضبط إزاء ما جرى (ومازال يجرى) فى مصر منذ 25 يناير، أقول إنى لازالت فرحا جدا، ولكنى أيضا قلق.

أما الفرح فأسبابه واضحة ومعروفة: ما رأيناه فجأة من جيل جديد من الشباب المصرى، يجمع بين الولاء للوطن وبين الحيوية والذكاء، والاستعداد للتضحية، كما يجمع بين مهارات وأفكار جديدة اكتسبها من انفتاحه على العالم، وبين ثقته بتقاليده وميراثه الثقافى.

كذلك من المفرح جدا اشتراك المرأة والفتاة المصرية فى عمل وطنى يتسم بالجرأة، ويفصح عن ذكاء وحيوية واستعداد للتضحية لا يقل أى منها عما أبداه الشبان الذكور.

كل هذا كان بديعا، ولايزال يبعث السرور فى النفس كلما تذكرته. كذلك كانت التطورات السياسية مبهجة جدا، وكأن كابوسا ثقيلا قد انزاح فجأة عن صدورنا.

تنحية الجالسين على قمة النظام، وتخلصنا (إلى غير رجعة) من تلك الحملة الشيطانية لإحلال الابن محل أبيه، وخروج وزراء ومسئولين مكروهين إلى غير رجعة أيضا، ومجىء وزراء ومسئولين جدد مشهورين بالوطنية والنزاهة، وتوقعات بالمزيد من إحلال الوطنيين محل مسئولين فاسدين فى مختلف المجالات: فى الإعلام والتعليم والثقافة والاقتصاد.. الخ.

كيف لا يشعر المرء بالابتهاج لكل هذا، بعد عشرات السنين من الغم والإحباط؟ وكيف لا يبعث كل هذا فى نفوسنا التفاؤل بمستقبل مشرق لهذا الوطن الذى طال انتظاره لخبر واحد مفرح؟

ولكن القلق موجود أيضا..
فاجأتنى إحدى المذيعات فى أحد البرامج التليفزيونية بتعبير لم أكن صادفته من قبل فى وصف ما حدث فى ثورة يناير، وهو «انفصال الملكية عن الإدارة». نحن نتكلم فى الاقتصاد عن انفصال ملكية الشركة المساهمة (وهى لحملة الأسهم) عن إدارة الشركة التى يمارسها أشخاص قد لا يملكون سهما واحدا فى الشركة التى يقومون بإدارتها. كانت المذيعة تقصد بحق أن الذين قاموا بالثورة وأوجدوها من العدم (ومن ثم يستحقون أن يوصفوا بملاكها) ليسوا هم من يتخذ القرارات الحاسمة فى تسيير الأمور، فليسوا هم الذين يختارون رئيس الحكومة ولا الوزراء، ولا يتخذون القرارات الأساسية المتعلقة بمصير الوطن بعد الثورة.

العادة فى الثورات أن من يقومون بالثورة هم الذين يقومون باتخاذ القرارات الحاسمة وتسيير أمور البلاد بعد نجاحها. كان هذا هو حال الثورات العالمية الشهيرة، كالثورتين الفرنسية والروسية، وكذلك حال الثورتين المصريتين السابقتين، ثورة 1919 وثورة 1952. فما الذى يمكن أن يترتب على هذا الانفصال بين «الملكية» و«الإدارة» فى حالتنا الراهنة؟ هناك بهذا الصدد ما يطمئن من ناحية، وما يثير القلق من ناحية أخرى.

●●●

من المطمئن أن الجيش (الذى تقوم رئاسته الآن بمهمة الإدارة) استجاب لرغبات الثائرين، ليس فقط فى حمايتهم من بطش النظام، ومن ثم مكنهم من الاستمرار فى الضغط حتى سقط رئيس النظام وكبار معاونيه، ثم فى تغيير بعض الوزراء الذين بقوا فترة فى مواقعهم حتى بعد تنحية الرئيس المخلوع، ثم مرة أخرى فى تغيير رئيس الوزراء الذى كان قد حلف اليمين أمام ذلك الرئيس، وإحلال رئيس جديد للوزراء يتمتع برضا الثوار واحترامهم. بعد هذا أصبح من الممكن للثوار أن يهدأوا. ولكن لابد أن نلاحظ أن أصحاب الثورة مازالوا بعيدين عن مركز «الإدارة» أو مركز صنع القرار.

يثور التساؤل مثلا عن سبب التأخر فى حماية مراكز أمن الدولة من عملية اتلاف وحرق الملفات حتى تدخل الجمهور لحمايتها.

وعن سبب التأخر حتى الآن فى الاستغناء عن بعض الشخصيات التى مازالت تحتل مراكز مهمة ومؤثرة للغاية، بعضها فى داخل رئاسة الجمهورية نفسها، وبعضها فى داخل الجهاز الحكومى ووسائل الإعلام والمؤسسات الاقتصادية والتعليمية والثقافية..الخ

من الممكن الاعتذار عن ذلك بالقول بأن المدة التى انقضت على تنحى الرئىس السابق مازالت قصيرة، ولا يمكن عمل كل شىء فى يوم وليلة.

ولكن من بين هذه المراكز والمواقع التى ذكرتها ما يستوجب قرارات من النوع الذى يمكن (بل ولابد) أن يتخذ بين يوم وليلة، وليست من النوع الذى يحتاج إلى شهور أو أسابيع.

من ناحية أخرى، قد يمكن الاعتذار عن ذلك بأن من قاموا بالثورة ليس لهم زعماء يتكلمون باسمهم، ومن ثم فليس من السهل معرفة مطالبهم ورغباتهم بوضوح أو الجزم بها، وقد حاول المجلس الأعلى للقوات المسلحة، على أى حال، بعد أن تولى الحكم، أن يتعرف على هذه المطالب والرغبات، بالالتقاء ببعض ممثلى الشباب الثائر، أو بالجلوس مع بعض أصحاب الرأى القريبين منهم.

وقد يقال أيضا أن هذه الثورة قام بها أفراد أو تجمعات لا ينتسبون إلى أحزاب أو أيديولوجيات معروفة، ولم يتجمعوا إلا حول شعارات عامة غير محددة، كالمطالبة بالخبز والحرية والكرامة، وهذا يجعل من الصعب تخمين ما يرضيهم وما لا يرضيهم، وتحديد الشخصيات التى يقبلونها أو يرفضونها.

وكلا الاعتذارين مفهومان تماما، ولكن كان هناك من سبل التعامل من هاتين المشكلتين والتغلب على ما تخلقانه من صعوبات، مما لم يحدث بالفعل. لقد نادى الكثيرون بتكوين مجلس رئاسى يقوم باتخاذ القرارات الأساسية والعاجلة بالنيابة عن هؤلاء الثوار الذين لا يتكلم باسمهم زعيم معروف ولا ينضمون إلى حزب له برنامج سياسى واضح. هذا المجلس الرئاسى يمكن أن يضم مدنيين وعسكريين، ويمكن إجراء استفتاء على أسماء أعضائه، كما أنه ليس من الصعب اختيار أسماء تتمتع بقبول عام وشعبية واسعة، هى التى تعرض للاستفتاء.

إذا تم تكوين هذا المجلس الرئاسى لا أرى موجبا لاختصار مدته، بل لابد أن يترك لتأدية بعض المهام الحاسمة والعاجلة، منها إزاحة بعض المسئولين الذين لا يتمتعون بالقبول العام عن مراكزهم، ومازالوا مع ذلك يحتلون مراكز مهمة ومؤثرة، وتعيين آخرين يتمتعون بهذا القبول، فضلا عن تكوين مجالس أو لجان تبدأ فورا فى العمل على خطط عاجلة لإصلاح الاقتصاد والتعليم والإعلام وأسس السياسة الخارجية..الخ، وان احتاجت الخطط الكاملة إلى مدة أطول.

إنى لا أرى وجه الحاجة إلى التعجل فى إجراء انتخابات برلمانية أو رئاسية. إن أى انتخابات لا يمكن أن تسفر عن النتائج المرجوة إلا إذا توافرت بعض الشروط الأساسية التى لا تتوافر للأسف الآن، ولابد أن نعمل أولا على توافرها. ما أحوجنا الآن إلى فترة من التقاط الأنفاس بعد فترة طويلة من العذاب وانهاك القوى. ولابد فى رأيى من أن تؤجل الانتخابات إلى ما بعد إجراء بعض التصحيحات الجوهرية فى المناخ الاجتماعى العام.

لابد أولا من استعادة الأمن فى الشارع، وإقامة علاقة طبيعية بين الناس والشرطة، إذ لا يمكن أن تجرى انتخابات طبيعية فى ظل خوف يسيطر على الناس مما يمكن أن يفعله بهم رجال الشرطة، أو مما قد يحدث لهم فى غياب الشرطة. هذا الشرط بديهى، ونحن على أى حال فى حاجة عاجلة إليه سواء جرت انتخابات أو لم تجر.

لابد ثانيا من استعادة هيبة القضاء واطمئنان الناس إلى أن هناك من سوف ينصفهم (وبالسرعة المعقولة) إزاء أى ظلم يتعرضون له، سواء فى الانتخابات أو فى غيرها، ودون تكاليف باهظة.

لابد ثالثا من فترة كافية من اتاحة حرية التعبير وتبادل الأفكار وتكوين الأحزاب. لقد خضع المصريون لأكثر من ثلاثين عاما من القيود الفاشية على حرية التعبير وابداء الرأى، وعلى حرية تكوين الأحزاب، وتعرضوا خلالها لضوضاء مستمرة من الأكاذيب التى تروج لمن لا يستحق، وتسمح لمحترفى التضليل والكذب باحتكار وسائل الإعلام الأساسية وتمنع غيرهم من الوصول إليها. فى وسط هذه الضوضاء لم تتح الفرصة لظهور زعامات حقيقية، رغم امتلاء البلاد بمن يستحق الظهور والجدير بالزعامة.

●●●

كم كانت المهمة سهلة أمام ثوار يوليو 1952 بالمقارنة بمهمة ثوار يناير 2011. فى الحالتين كان من بين أهداف الثورة الأساسية تحقيق ديمقراطية سليمة.

ولكن عندما قام الضباط الأحرار بثورتهم فى 23 يوليو، لم تكن الفوضى تعم الشارع المصرى بسبب غياب الشرطة، بل انضم رجال الشرطة على الفور إلى الجيش، وبحماس شديد، لخدمة الثورة وحماية المواطنين. لم يكن القضاء المصرى قد بدأ ينخر فيه السوس، كما بدأ ينخر فيه خلال الثلاثين عاما الماضية، ولم يكن من المتاح للنظام الملكى مثلما كان متاحا لعهد مبارك من أساليب التضليل والكذب، لا من حيث حجم الأموال المستخدمة ولا من حيث وسائل الدعاية والإعلام.

كذلك كانت الحياة الحزبية فى ظل الملكية، مع كل فسادها، أقل فسادا بكثير مما كان قبل ثورة يناير. كان أكبر حزب فى مصر قبيل يوليو 1952 (حزب الوفد) قد بدأ يعتريه الضعف ويتعرض لهجوم مستمر من رجال القصر الملكى وصحفه، ولكن حزب الوفد لم يعقد أى هدنة مع الملك، ولا رضى رجاله أن يبيعوا ضمائرهم بثمن بخس للنظام الحاكم (بل ولا رضى بذلك رؤساء أى حزب آخر فى مصر) كما رضى كثير من رجال الأحزاب المسماة بأحزاب المعارضة فى السنوات المؤدية لثورة يناير 2011.

كان أهم عائق يواجه أصحاب ثورة 1952، فى سبيل إقامة نظام ديمقراطى سليم فى مصر هو النظام الاقطاعى (أو شبه الاقطاعى) ، إذ كانت قدرة ملاك الأراضى على تعبئة الناخبين وشراء الأصوات كفيلة بإنتاج برلمان لا يعبر عن مصالح الغالبية من المصريين الفقراء، بل يعبر عن مصالح ملاك الأراضى المتحالفين مع الإنجليز.

لم يعد الاقطاع هو المانع الأساسى الآن لاقامة نظام ديمقراطى، بل أصبح العائق الأساسى هو عموم الفساد فى الإدارة الحكومية والمحليات، واستغلال سلطة الدولة نفسها وأموالها فى شراء الذمم والأصوات، وهو ما سمح بتبعية النظام للولايات المتحدة وإسرائيل.

كان الضباط الأحرار يدركون بكل وضوح فى يوليو 1952، أن الخطوة الأولى نحو إقامة ديمقراطية حقيقية وكسر التبعية للإنجليز، هى ضرب الاقطاع، وكان هذا هو أول ما فعلوه، فأصدروا قانون الإصلاح الزراعى فى سبتمبر 1952، أى قبل أقل من شهرين من قيام الثورة. والآن يجب أن يكون واضحا لنا، بنفس الدرجة، أن أملنا فى تحقيق ديمقراطية حقيقية، والخروج من التبعية للولايات المتحدة وإسرائيل، مرهون بضرب الفساد المستشرى فى كل ركن من أركان البلاد: فى الحياة الحزبية والاقتصادية، فى الإعلام والثقافة، فى نظام التعليم.. الخ.

وكما تعقبت ثورة يوليو باشوات وباكوات العصر الملكى وقلمت أظافرهم، لابد أن تتعقب ثورة يناير باشوات عصر مبارك فتستأصل نفوذهم المستمد من تزاوج المال والسلطة.

وفى سبيل التخلص من الفساد، أى من تزاوج المال والسلطة، نحن مستعدون بطيب خاطر لقبول تأجيل الانتخابات، سواء كانت برلمانية أو رئاسية، لحين إشعار آخر.

الجمعة، 4 مارس 2011

المنافقون.. الصغار والكبار

الشروق - الجمعة 4 مارس 2011

للثورات مزايا كثيرة، من بينها فضح المنافقين. فالثورة، لأنها تهب كما تهب العاصفة القوية والمفاجئة، تفاجئ أصحاب السلطة وحاشيتهم ومنافقيهم كما تفاجئ العاصفة ركاب السفينة فى عرض البحر، بعضهم وهم نيام، وبعضهم وهم يمارسون الرذيلة بعيدا عن الأعين، فإذا بهم يحاولون دون جدوى تغطية أجسامهم العارية بسرعة، ويهرولون فى كل اتجاه بحثا عن أى منفذ للهرب.

لا وقت عندما تهب العاصفة القوية لإخفاء الأموال المسروقة، أو التظاهر بالوقار والورع، وهذا هو ما يحدث أيضا عندما تقوم الثورة المفاجئة. ينكشف المستور، ويظهر أن الذى كان يمثل دور الجاد الرصين هو فى الحقيقة مهرج كبير، وأن من كان يتقمص شخصية المسئول عن الدعوة والفكر، ليس إلا بوقا يردد ما يقال له، وأن صاحب الفكر الجديد خالى الوفاض تماما من أى فكر، وأن ذلك المسئول الكبير كان لصا مثل المسئول الصغير، وأن المسئول عن الإعلام كان مشغولا باستلام آلاف الجنيهات الذهبية، والمسئول عن الشرطة كان مشغولا عن توفير الأمن بترتيب قتل الأقباط لدى خروجهم من الكنيسة، ثم بتوريد الجمال والبغال لبعض البلطجية فى ميدان التحرير... إلخ.

لقد مكنتنا ثورة تونس العظيمة منذ أسابيع قليلة، من أن نشاهد على شاشة التليفزيون منظرا خلابا لدواليب سرية مخبأة وراء رفوف من الكتب، وتحتوى على صفوف فوق صفوف من الأوراق المالية من جميع العملات، وصناديق تحتوى على مجوهرات بمختلف الأشكال والألوان، مما جمعه الرئيس التونسى المخلوع وزوجته طوال 23 عاما من حكمهما للبلاد، طالما رددا خلالها الأكاذيب عن اهتمامهما بمصلحة الفقراء.

وفى مصر مكنتنا ثورة يناير الرائعة من أن نعرف ما لم يكن من الممكن معرفته لولاها.

هل كان بإمكاننا أن نتصور أن أسرة حسنى مبارك قد جمعت حقا كل هذه المبالغ الخيالية من الأموال، وأن يتملك أفراد حاشيته كل هذا العدد من القصور فى كل مكان، وأن الوزراء قد حصلوا حقا على كل هذه الملايين من الأمتار من أراضى الدولة.. إلخ؟ كشفت لنا الثورة كل هذا بين يوم وليلة، وما أكثر ما سوف نسمعه فى الأيام والشهور القادمة من قصص وحكايات سوف يتسامر بها بلا شك المتسامرون، وتمتلئ بها كتب التاريخ والفضائح.

ولكن الثورة تكشف أيضا أعدادا كبيرة من المنافقين الكبار والصغار، كما تلقى العاصفة الشديدة بالأجسام الميتة فيراها السائرون على الشاطئ فى الصباح، تتراوح بين الحشرات والأسماك الصغيرة الميتة، والحيوانات الضخمة النافقة.
نعم هناك كثيرون جدا من المنافقين الصغار، الذين اضطرتهم ظروفهم الصعبة إلى أن يتمسحوا بأهداب النظام، وأن يسكتوا عما يجرى أمام أعينهم من مظالم، وقد نغفر لهم ما لا نغفره للآخرين، ونصفح عما ارتكبوه من أعمال النفاق الصغيرة بسبب شدة الحاجة والفقر. ولكن ما أكثر أيضا فضائح وزراء ومسئولين وكتاب وفنانين كبار، لم يكونوا فى أدنى حاجة إلى المزيد من المال، وما كان أغناهم عن مناصب لا تجلب لهم إلا سلطة زائفة أو ثروة كان لديهم منها من قبل ما يكفيهم هم وأولادهم وأحفادهم لمئات السنين. بعض هؤلاء أذهلتهم الصدمة فلزموا الصمت ولم يجدوا ما يقولونه، ولكن من هؤلاء أيضا من لديهم القدرة على التحول بسرعة فائقة من صورة لأخرى، فإذا بهم يحاولون الظهور فجأة بمظهر المؤيدين للثورة ومناصريها.

كان من الممكن أن يثير هذا الفريق الأخير من المنافقين الدهشة الشديدة من سرعة تحولهم، لولا أن من خبرهم من قبل، ويعرف تاريخهم القديم، يعرف جيدا أنهم فعلوا نفس الشىء عدة مرات من قبل مع حكام سابقين. بعضهم عاصر منظمة الشباب التى أنشأها حاكم اشتراكى فتغنوا بالاشتراكية، ثم دافعوا بقوة عن سياسة الانفتاح التى دشنها حاكم رأسمالى، واشتهروا مرة بالمعاداة الشديدة لإسرائيل، عندما كان الحاكم يعاديها بشدة، وبالدعوة للتعقل وعدم التشنج عندما جاء حاكم يقبل التصالح والمهادنة، فتغنوا به بطلا للحرب والسلام. ثم عندما ذهب الحاكم الاشتراكى والحاكم الرأسمالى، وجاء حاكم لا يدين لا بالاشتراكية ولا بالرأسمالية ولا بأى شىء آخر على الإطلاق، إلا سياسة النهب والخطف، سايروه فى الخطف والنهب وتغنوا بهدوئه وتعقله وكراهيته لأسلوب الصدمات الكهربائية، وأطلقوا عليه صفات جديدة مثل «صاحب الضربة الجوية الأولى»، وغيروا كتب التاريخ ليجعلوه هو، بدلا من سلفه، بطل الحرب والسلام.

هؤلاء جميعا فوجئوا بثورة 25 يناير، ولكن بعضهم يتحلى بدرجة من هدوء الأعصاب ورباطة الجأش جعلتهم يغيرون من مواقفهم بمنتهى الهدوء والرزانة.

فقال بعضهم إنهم كانوا يدافعون عن النظام السابق عن اقتناع وعقيدة، ولكن الديمقراطية طبعا أفضل، وإرادة الشعب طبعا واجبة الاحترام.

وبعضهم قام ببعض الألعاب البهلوانية لتكون صداقات جديدة بسرعة مع بعض كبار الثائرين، أو لتذكير الناس بعلاقات أو صداقات قديمة ببعض كبار المعارضين، ولكن هناك أيضا من المنافقين من لم ير حاجة لتقديم أى دفاع أو إلى التظاهر بأنه مناضل قديم، بل انخراط فورا فى الخطاب الثورى الجديد معتمدا على أن معظم الناس لم يقرأوا ما كتبه قبل يومين فقط من سقوط الرئيس، أو معتمدا على ضعف ذاكرة الناس، أو على مجرد التكرار إذ إن ترديد الكذب كفيل بذاته بتحويل الباطل إلى حق، وبإظهار النصَّاب المحترف بمظهر الرجل المحترم.

لن أطيل الكلام عن هؤلاء أكثر من ذلك، فسوف نسمع على كل منهم بلا شك الكثير من القصص فى الأيام القادمة، ولكن أريد الآن أن أتكلم عن نوع آخر لا يصنف عادة بين المنافقين، رغم أنه يضم أشخاصا أشد نفاقا وأكثر ضررا بكثير، وأقصد بهم هؤلاء الحكام الكبار لدول كبيرة الذين لا يكفون عن الكذب تحقيقا لمصالح دولهم، واستمروا يكيلون الثناء على حكامنا الظالمين والذين ساموا شعوبهم العذاب لعشرات من السنين، وقدموا لهم الدعم بالمال والسلاح الذى يستخدمونه ضد شعوبهم، وعاملوهم بمنتهى المودة والاحترام، فإذا تغيرت مصالح تلك الدول، واحتاجوا إلى حكام آخرين، انقلبوا على أصدقائهم القدامى، واتهموهم بأبشع التهم، وبدوا وكأنهم تذكروا فجأة مزايا الديمقراطية وأضرار الاستبداد، فانضموا إلى المطالبين بالحرية، وكأنهم لم يساهموا قط فى حرمانهم منها.

لقد أيدت الولايات المتحدة نظام حسنى مبارك طوال الثلاثين عاما التى قضاها فى الحكم، فدعمته بالمساعدات العسكرية والاقتصادية التى تفوق ما قدمته من مساعدات لأى دولة أخرى فى العالم فيما عدا إسرائيل، ومدت نظامه البوليسى بالمعدات اللازمة لمواجهة شعبه، ودربت ضباطه على استخدامها، وسمحت بل وشجعت المؤسسات المالية الدولية على تقديم المساعدات المالية له دون أى اعتراض يتعلق بالديمقراطية أو حقوق الإنسان، مع أنها طالما تعللت بهذه الحجة لمنع تقديم المساعدة بل ولفرض الحصار الاقتصادى على دول أخرى لا تحبها، واستقبلت الرجل وابنه وحاشيته، المرة بعد الأخرى، فى واشنطن بالترحاب.

ثم انقلبت الولايات المتحدة على حسنى مبارك فجأة، وانقلب الثناء ذما، وتحول الدعم إلى تهديد بقطع المعونات أو تخفيضها.

سبق أن فعلت الولايات المتحدة ذلك مع حكام ظالمين ومستبدين، فلم تتوقف عن مساعدتهم إلا عندما خطر لها أن سقوطهم قد يكون أكثر فائدة لها. فعلته مع ماركوس فى الفلبين، والشاه فى إيران، وصدام حسين فى العراق.. إلخ، حيث تحولت الدكتاتورية فجأة من نعمة إلى نقمة. فأى نفاق أشد من هذا؟

أو فلننظر إلى موقف دول الغرب كلها من معمر القذافى، الذى صادقوه ونافقوه لأكثر من أربعين عاما، وأشبعه رئيس الوزراء الإيطالى ثناء، ومده بما يطلبه من فتيات إيطاليات جميلات، رأى القذافى أنه من المفيد للإسلام إغداق المال عليهم إذا أعلنوا أنهم اكتشفوا فجأة عظمة الإسلام.

فها هى إيطاليا والدول الغربية تعلن فجأة تملصها منه، وكأنها اكتشفت اليوم فقط كيف كان يحكم شعبه بالحديد والنار، ويبدد أموال أمته فى أغراض جنونية، مدفوعا بدرجة من جنون العظمة يندر أن تتكرر فى التاريخ. صبر العالم الغربى على هذا الرجل أربعين عاما واستمر خلالها فى نفاقه، مع أنه كان من أسهل الأمور التخلص منه بأى طريقة من مئات الطرق التى يستخدمونها للتخلص من حكام محبوبين من شعوبهم، ومشهود لهم بالنبل والوطنية.

خلاصة القول إنه وإن كان من المهم أن نكشف كل صور النفاق التى مارسها منافقونا الصغار، على مر الثلاثين عاما التى قضاها الرئيس المخلوع فى حكم مصر، فإنه من المهم أيضا ألا نقدم فروض الشكر والامتنان لمنافقين كبار لمجرد أنهم تصادف أن أيدونا فى خلعه.

فالأمر هو بالفعل محض مصادفة، أى: تلاقٍ مؤقت بين مصالحهم وآمالنا، دون حدوث أى تغير حقيقى فى القلوب والنوايا. مما يؤكد من جديد أننا لن نستطيع أن نحقق الحرية الحقيقية إلا بالتخلص من خضوعنا للمنافقين، الصغار والكبار على السواء.