د. جلال أمين

د. جلال أمين
أستاذ الإقتصاد بالجامعة الأمريكية والمفكر المصرى الكبير

الجمعة، 25 فبراير 2011

ثورة يناير.. ومشكلة البطالة

الشروق - الجمعة 25 فبراير 2011

لم يكن غريبا أن تصدر تصريحات من صندوق النقد الدولى، فى أعقاب الثورة فى تونس، تنفى نفيا باتا أن يكون هناك أى علاقة بين قيام هذه الثورة، وتطبيق تونس لتوجيهات الصندوق. فلا أحد يريد أن يُعتبر مسئولا عن غضب وسخط الشعب التونسى لهذه الدرجة، بل ومعظم العاملين فى الصندوق يعتقدون بإخلاص أنهم يعملون لصالح البلاد التى يعطونها النصائح والتوجيهات.

ولكن اعتقاد معظم العاملين فى الصندوق شىء، والحقيقة قد تكون شيئا مختلفا تماما. ولا أنسى أستاذى الإنجليزى (الرأسمالى النزعة)، عندما كنت أدرس فى لندن، إذ كان يبدو عليه الاستغراب الشديد إذا ذكرت أمامه مسئولية الإنجليز عن تعطيل التصنيع فى مصر، وإغلاق المصانع التى كان قد بناها محمد على ثم إسماعيل، وكان يقول لى إنه كان يعمل فى وزارة الخارجية البريطانية، فهو إذن يعرف ما كان يدور فى الدوائر السياسية ومراكز اتخاذ القرار، ويؤكد لى أن تعطيل التصنيع فى مصر لم يكن قط جزءا من هذه السياسة! كنت أقول لنفسى حينئذ: «إنى لا أشك فى إخلاصه، ولكنى لا أشك أيضا فى أنى على صواب فى اعتقادى أن الإنجليز عطلوا التصنيع فى مصر. فالموظفون فى المؤسسات الكبرى لا يعرفون دائما ما يدور فى داخل الغرف المغلقة.

ما ينطبق على ثورة تونس الأخيرة، ينطبق أيضا على ثورة يناير فى مصر. أسباب الثورة هنا وهناك كثيرة بالطبع، وهناك أسباب سياسية بالإضافة إلى الأسباب الاجتماعية والاقتصادية، ولكن من أهم الأسباب الاجتماعية والاقتصادية فى الحالتين، إن لم يكن أهمها على الإطلاق، ارتفاع معدل البطالة. وارتفاع معدل البطالة ناتج عن اتباع سياسة اقتصادية سيئة وظالمة، ومن أهم دوافع تطبيق هذه السياسة رضوخ النظام المصرى لتوجيهات صندوق النقد الدولى ومراكز صنع القرار فى العاصمة الأمريكية، وكلاهما يضغط على الدول التى تخضع لإرادتهما، لتطبيق سياسات لابد أن تؤدى إلى ارتفاع معدلات البطالة.

الحجة التى يستخدمها رجال الصندوق فى نفى مسئوليتهم عن ارتفاع معدل البطالة، أن العلاج الوحيد لمشكلة البطالة هو رفع معدل التنمية، وأن السياسات التى ينصحون بها، إذا أحسن تطبيقها، لابد أن تؤدى إلى رفع معدل التنمية، ومن ثم لابد أن تؤدى إلى تخفيض البطالة. قد يحتاج الأمر إلى وقت (هكذا يقولون دائما)، فقد لا تنخفض البطالة بين يوم وليلة، ولكنها لابد أن تنخفض فى النهاية إذا استمر تطبيق توجيهات الصندوق مدة كافية من الزمن.

ولكن ها هما تونس ومصر تطبقان سياسة الصندوق منذ أكثر من عشرين عاما، ومعدل البطالة آخذ فى الارتفاع، فإلى أى مدى تريدون منا أن ننتظر؟ لابد أن هناك خطأ ما بشأن العلاقة بين التنمية وتخفيض البطالة، فما هو بالضبط هذا الخطأ؟

<<<

بدأ رفع شعار «التنمية الاقتصادية» منذ نحو ستين عاما، واقترن ذلك ببداية استخدام تعبير «البلاد المتخلفة» الذى حل محله فيما بعد وصف «البلاد الأقل نموا أو النامية» (من باب الأدب فقط). بعد ذلك بقليل (أى منذ أكثر قليلا من خمسين عاما، أعلنت هيئة الأمم المتحدة شعار «العقد الأول للتنمية»، وكان المقصود أن دول العالم، المتقدمة منها والمتخلفة، عليها أن تعمل ما فى وسعها لكى يصبح عقد الستينيات هو بداية للتنمية السريعة فى الدول الأقل نموا: فتعمل الدولة الغنية على تقديم المعونات اللازمة لدفع عجلة النمو، وتعمل الدول الأقل نموا على تطبيق السياسات الملائمة.

وانتهى عقد الستينيات فإذا بالنتائج المعلنة تتضمن بالفعل ارتفاع معدل النمو (أى معدل الزيادة فى الناتج القومى الإجمالى) فى الدول المتخلفة، ولكنها تضمنت أيضا ارتفاع معدل البطالة. متوسط الدخل يزيد، ولكن الفقراء يظلون فقراء، بل قد يزيدون فقرا.

اتسمت السنوات الأولى من السبعينيات بمحاولات مخلصة للبحث عن أسباب هذا الفشل، والدعوة إلى تصحيح الأخطاء. وكان من أبرز الهيئات الدولية فى هذا الاتجاه النبيل منظمة العمل الدولية، التى رفعت شعارا جديدا ليحل محل شعار التنمية وهو شعار «إشباع الحاجات الأساسية»، فاعتبرت أن التنمية التى لا تحقق إشباع حاجات الناس الأساسية هى تنمية فاشلة، ولا تستحق هذا الاسم، وأن من أهم الحاجات الأساسية للناس، بالإضافة إلى الغذاء والكساء والمسكن والتعليم والصحة، القضاء على البطالة، على اعتبار أن البطالة لا تؤدى فقط إلى العجز عن توفير المستوى اللازم من الغذاء والكساء..الخ، بل وتؤدى فى نفس الوقت إلى امتهان الكرامة الإنسانية، وإلى شعور الإنسان بالذل والإحباط وفقدان الثقة بالنفس.

قامت منظمة العمل الدولية بإرسال البعثات إلى بلاد مختلفة فى قارات العالم الأكثر فقرا (أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية) للبحث عن أفضل السياسات الكفيلة بعلاج مشكلة البطالة، وكان من أشهر الرواد فى هذه المهمة أستاذ إنجليزى نبيل هو دادلى سيرز (Dudley Seers)، كرس جهده لنشر هذا الاتجاه الجديد: العمالة أهم من التنمية، النجاح فى التنمية لا قيمة له إن لم يؤد إلى القضاء على البطالة، تخفيض البطالة مع معدل نمو بسيط أفضل من معدل نمو مرتفع مع زيادة البطالة.

كان لهذه الدعوة الرائعة إلى إحلال «القضاء على البطالة» محل «رفع معدل النمو»، صدى قوى بين الاقتصاديين المصريين فى منتصف السبعينيات. فقد سيطرت فكرة «إشباع الحاجات الأساسية»، ومن بينها القضاء على البطالة، على المؤتمرات السنوية التى عقدها الاقتصاديون المصريون ابتداء من 1975 (وكان الفضل الأكبر فى تنظيمها يعود للدكتور إسماعيل صبرى عبدالله والدكتور إبراهيم العيسوى)، واقترنت هذه الدعوة بدعوة نبيلة أخرى تزعمها الدكتور مصطفى الجبلى (الذى تولى وزارة الزراعة فى مصر لفترة قصيرة) بالعمل على تحقيق الاكتفاء الذاتى فى السلع الغذائية (أو على الأقل فى السلع الغذائية الأساسية) قبل أن ينتهى القرن العشرون. ولكن سياسة الانفتاح الجديدة التى أدخلها أنور السادات فى نفس الوقت، أطاحت بالدعوتين:

الاكتفاء الذاتى فى الغذاء، وإشباع الحاجات الأساسية (كما أدت أيضا إلى فقد مصطفى الجبلى وظيفته) وسرعان ما أدت أيضا إلى توقف معهد التخطيط ووزارة التخطيط عن أى عمل جدى رغم استمرارهما فى الوجود.

لم يمر وقت طويل حتى هبت على العلم رياح ما يسمى بـ«الليبرالية الجديدة» التى تدعو إلى فتح أبواب الاقتصاد على مصاريعها بصرف النظر عن آثارها الاجتماعية المدمرة، ونُسى تماما شعار «إشباع الحاجات الأساسية»، وعاد للأسف هذا الترديد السقيم لشعار «رفع معدل التنمية» وازداد الأمر سوءا فى مصر، بحلول حكومة عاطف عبيد فى سنة 2000، التى أبدت رضوخا ذليلا جدا لرغبات صندوق الدولى، ثم حلول حكومة أحمد نظيف فى سنة 2004، ومعه مجموعة من الوزراء المسئولين عن الاقتصاد الذين يعتقدون اعتقادا جازما بأن حل المشكلة الاقتصادية فى مصر هو برفع معدل النمو بغض النظر عن أى شىء آخر، بما فى ذلك البطالة.

فكانت نتيجة السنوات الست الأخيرة معدلا أعلى للنمو، وبطالة وإحباطا وتدهورا أشد فى مستوى إشباع الحاجات الأساسية أدت كلها (بالإضافة إلى التزييف السياسى) إلى ثورة 25 يناير.

<<<

فى حديث أدلى به رئيس اللجنة الاقتصادية بمجلس الشعب، فى نفس الأسبوع التى قامت فيه ثورة يناير، والناس معتصمون فى ميدان التحرير، قال إنه لا يمكن علاج مشكلة البطالة فى مصر إلا إذا ارتفع معدل النمو إلى 8٪ سنويا (الأهرام، 29/1/2001) وكان منطقه هو نفس المنطق البسيط الذى سبق لى بيانه، ونفس المنطق الذى يردده صندوق النقد الدولى باستمرار، وهو أنه لا يمكن زيادة العمالة (وتخفيض البطالة) إلا بزيادة الاستثمار، والاستثمار هو المحرك الأساسى للتنمية وشروطها، إذن فلا حل لمشكلة البطالة إلا بالتنمية.

بعد أقل من أسبوع من إدلاء رئيس اللجنة الاقتصادية بمجلس الشعب بهذا الحديث، تشكلت حكومة جديدة برئاسة أحمد شفيق استبعد منها وزير المالية السابق، الدكتور يوسف بطرس غالى، وحل محله صاحب هذا الحديث، الدكتور سمير رضوان، الذى كرر فيه نفس المنطق الذى كان يقول به الوزير السابق.

وجه الخلل الأساسى فى هذا المنطق هو أنه، ولو أن من الصحيح أنه يصعب تصور زيادة العمال بدون زيادة الاستثمار (فهذا، وإن لم يكن مستحيلا فهو عادة غير مرغوب فيه كتحميل إدارات الحكومة والقطاع العام بعدد أكبر من الموظفين والعمال ذوى الإنتاجية المنخفضة للغاية) فإن الاستثمار أشكال وألوان، بعضها يزيد الطلب على العمالة بشدة، وبعضها يزيد الطلب على العمالة زيادة طفيفة، وبعضها يخفض الطلب على العمالة، كما لو أدى استثمار فى صناعة قليلة الاستخدام للعمالة إلى إغلاق مصانع كثيفة الاستخدام للعمالة (ناهيك عن الخصخصة التى قد تحسب ضمن الاستثمار بينما هى مجرد استبدال مالك بمالك، وكثيرا ما يترتب عليها تخفيض العمالة بدلا من زيادتها).

المطلوب إذن لعلاج مشكلة البطالة استثمارات من نوع معين، من حيث درجة استيعابها للعمالة المتطلبة، ومن حيث توزيعها الجغرافى على المناطق الأكثر معاناة من البطالة، ومن حيث قدرتها على حفز استثمارات جديدة فى صناعات أخرى كثيفة الاستخدام للعمالة. وفى حالة كالتى تمر بها مصر الآن، يفضل الاستثمار ذو القدرة العالية على استيعاب العمال، على الاستثمار ذى القوة العالية على زيادة الناتج القومى.

ومن ثم فمعدل التنمية لا يزيد على 5٪، أو حتى على 4٪، ولكنه يساهم فى حل مشكلة البطالة، أفضل من معدل للتنمية يزيد الدخل بنسبة 7٪ أو 8٪ ولكنه يزيد مشكلة البطالة تفاقما.

إذا كان الأمر بهذا الوضوح فلماذا يصر مسئولون عن السياسات الاقتصادية فى مصر وغيرها، ومسئولو صندوق النقد الدولى (وبعضهم اقتصاديون كبار) على تصوير مشكلة البطالة على أن حلها مرهون بمعدل التنمية وزيادة الاستثمار دون التمييز بين نوع وآخر من أنواع الاستثمار؟

تفسير ذلك واضح بدوره، وهو أنه فى السياسة الاقتصادية ليس هناك موقف محايد: أنت إما مع العمال أو مع أصحاب رءوس الأموال، إما مع الفقراء أو مع الأغنياء.

زيادة الدخل القومى، مجردة عن أى شىء آخر، لابد أن تزيد الأغنياء غنى، ولكنها قد تزيد أعباء الفقراء وتزيدهم فقرا. أما مكافحة البطالة فهى لا تهم إلا الفقراء وأنصارهم، وهؤلاء للأسف نادرا ما يجدون من يتكلم باسمهم فيمن يجلسون على مقاعد السلطة.

من المفيد أن نذكر أن وزير ماليتنا الحالى (الدكتور سمير رضوان) بعد أن حصل على الدكتوراة فى الاقتصاد من جامعة أكسفورد فى أواخر الستينيات، بدأ حياته العملية فى منظمة العمل الدولية بجنيف، عندما رفعت هذه المنظمة الدولية شعار «إشباع الحاجات الأساسية» كبديل لمجرد رفع معدل النمو.

فهو إذن محيط تمام الإحاطة بالفرق بين هذا وذاك. ولكن هذا كان منذ نحو أربعين عاما، حدثت خلالها أشياء كثيرة، لمنظمة العمل الدولية، ولمصر، وللوزير شخصيا.

ففى أى جانب يا ترى سوف يلقى الوزير الجديد بثقله؟ جانب إشباع الحاجات الأساسية، أم تشجيع أى نوع من الاستثمار أيا كانت آثاره على الفقراء؟!

الجمعة، 18 فبراير 2011

الأسباب القديمة والجديدة للتفاؤل

الشروق - الجمعة 18 فبراير 2011

قبل يوم 25 يناير ببضعة أسابيع، تلقيت مكالمة تليفونية من فتاة لا أعرفها، قالت إنها طالبة بالسنة النهائية بكلية الطب بإحدى الجامعات المصرية، وأن مجموعة من طلاب كليتها يريدون الالتقاء بى لمناقشة عدة أمور تتعلق بأحوال مصر الجارية، وعلى الأخص الظاهرة المنتشرة بين الشباب وهى عزمهم على الهجرة من مصر بمجرد تخرجهم، ليأسهم من الحصول على وظيفة ملائمة فى مصر، ومن نوع الحياة فى مصر بوجه عام.

قلت لها إنى موافق، وقالت إنها سترتب أن يأتى لى طالب من زملائها لاصطحابى بسيارته إلى الكلية. واتفقنا على اليوم، ولكنها قالت إنها ستعود للاتصال بى للتأكيد، بمجرد حصولها على موافقة مكتب الأمن بالكلية.

اتصلت بى قبل الموعد المحدد للندوة بيومين، وقالت بأسف إن مكتب الأمن أبلغها بأن تعليمات عليا اعترضت على مجيئى إلى ندوة بالكلية. أضافت أنها سترتب عقد الندوة فى مكان آخر، خارج الكلية، واختارت مكتبة «أ» بمصر الجديدة، وأنها ستضع إعلانات فى داخل الكلية عن مكان اللقاء. فوافقت وحددنا اليوم. ولكنها عادت فاتصلت بى وقالت إن مكتب الأمن رفض التصريح بوضع إعلانات فى الكلية مادام الشخص المعلن عن ندوته سبق أن رفض الأمن مجيئه إلى الكلية.

عادت إلى الاتصال بى بعد أيام وقالت إنها يمكن أن ترتب اللقاء مع الاستغناء عن وضع إعلانات فى الكلية، والاعتماد على الاتصال الشخصى بالطلبة عن طريق الإنترنت.
تم الاتفاق ومرّ علىّ زميل لهذه الطالبة فاصطحبنى إلى مكتبة «أ»، وكان الطريق طويلا فسمح لى بالدخول فى حديث طويل معه. فتننى الشاب بشخصيته وثقافته وحماسه وإخلاصه فى الكلام. كان أيضا طالبا فى السنة النهائية بكلية الطب، فهو زميل للطالبة التى رتبت الندوة، وعرفت أن كليهما من مواليد المنيا، وأن عمره 22 سنة، وأن أباه مدرس للغة العربية فى إحدى مدارس المنيا، وأنه قرأ معظم كتبى، وأن والده كان يشجعه هو وأخاه على القراءة فيعدهما بمكافأة إذا قاما بعمل معين، وكانت المكافأة بعض كتب نجيب محفوظ أو طه حسين. قال لى أيضا إنه يعتزم الهجرة بمجرد التخرج، وأنه تقدم بالفعل بطلب للهجرة فى السفارة الأمريكية.

عندما وصلت إلى مكتبة «أ» والتقيت بزميلته لأول مرة، وجدت فتاة رائعة أيضا، مصرية مائة بالمائة، محجبة وسمراء وجميلة الملامح، ولفتت نظرى شخصيتها القوية «التى كنت قد لاحظتها من قبل فى طريقتها الحاسمة فى الحديث فى التليفون»، مما يفرض على الفور، على من يلتقى بها أن يعاملها باحترام كامل.
(قلت لنفسى: أهذا إذن هو نوع الشباب الذى ينتجه صعيد مصر متى أتيحت له فرصة التعليم والتعرف على العالم؟ أهذه إذن هى الفتاة المصرية التى أُحسنت تربيتها، فجمعت بين تقاليد أسرتها وبين العمل العام، بما فى ذلك تنظيم الندوات وتحدى مكاتب الأمن؟).

جرت الندوة بنجاح، إذ كان الشباب الحاضرون «بعدد يكاد أن يكون متساويا من الذكور والإناث».

يحسنون التعبير عن أنفسهم ويحسنون أيضا الاستماع.

كان آخر سؤال وُجّه إلىّ عما إذا كنت متفائلا أم متشائما بمستقبل مصر؟ فأجبت دون تردد بأنى متفائل.

وكانت هذه إجابتى دائما فى كل الندوات المماثلة، ولكن قوّى من تفاؤلى هذه المرّة تعرفى على هذين الشابين الرائعين، وما شهدته من سلوك وكلام المشتركين فى الندوة. وشرحت أسباب تفاؤلى على النحو التالى:

أولا: الأحوال فى مصر وصلت إلى درجة من السوء والتردى، بحيث لا يمكن أن تتغير إلا إلى الأفضل، إذ ليس من الممكن تصور ما هو أسوأ من ذلك.
ثانيا: أن تاريخ مصر خلال المائتى عام الماضية على الأقل، هو تاريخ صعود وهبوط، فى دورات من التقدم والتدهور، وأن كل فترة من التقدم تبدأ من نقطة أفضل مما بدأت منها فترة التقدم السابقة. صحيح أن فترة الهبوط الحالية قد طالت بعض الشىء، إذ قاربت الثلاثين عاما، وقد يعتبر البعض أنها زادت عن الأربعين عاما، ولكنها لابد أن تنتهى عن قريب.
ثالثا: أن السنوات الأخيرة تذكرنى بشدة بالسنوات الأربع التى انقضت بين هزيمة الجيش المصرى «وبقية الجيوش العربية» فى حرب فلسطين سنة 1948، وبين قيام ثورة يوليو 1952. فى تلك الفترة شهدت مصر تخبطا مذهلا فى السياسة، وزيادة ملحوظة فى الفساد. وإمعانا من جانب الملك فى الانحلال، ومن ثم قوى شعور الناس بالإحباط، وظنوا وكأن كل هذا البؤس لن يكون له نهاية. وفجأة سمعنا بقيام الجيش بانقلاب عزل به الملك، فانقلب الشعور بالإحباط فرحا وتفاؤلا بالمستقبل.

رابعا: يجب ألا نستهين بحجم التغير فى النفوس الذى يمكن أن يحدث بين يوم وليلة، بمجرد أن يعود للناس الأمل فى الإصلاح، اليأس قاتل للهمة، ولكن الأمل يحييها ويمكّن الناس من أن يصنعوا الأعاجيب. هذا هو ما حدث فى الأيام والسنوات التالية لقيام الثورة فى 23 يوليو. ومن الممكن أن يحدث مرة أخرى بمجرد أن يحدث تغير إيجابى فى نظام الحكم فى مصر.
خامسا:: هناك وراء كل ما نراه من سيئات، وما نشكو منه من مصاعب، تغيرات طيبة جدا تحدث تحت السطح ولا ترى بسهولة، وتمهد لأشياء رائعة لابد أن تظهر فوق السطح فى يوم من الأيام، من هذه التغيرات الطيبة انتشار التعليم «مهما كانت درجة التدهور فى مستواه»، وخروج المرأة للعمل وزيادة مساهمتها فى الحياة الاجتماعية، وزيادة اتصال الشباب المصرى بالعالم.

<<<
كان هذا هو ما ذكرته فى تلك الندوة التى أتكلم عنها، كأسباب للشعور بالتفاؤل بمستقبل مصر. ثم حدث ذلك الحادث الرائع فى 25 يناير 2011، واستمر حتى تنحى حسنى مبارك عن الحكم فى 11 فبراير. وخلال ذلك علمنا بعزل بعض من أسوأ وجوه النظام وأكثرهم حظا من كراهية الناس، كما أعلن عن أن الابن جمال مبارك كرئيس للجمهورية بعد أن بذل النظام جهودا جبارة أشاعت الكثير من الالتباس فى نفوس الناس، من أجل الترويج لهذا الابن.

فجأة تبددت السحب من سماء مصر، وانفرجت أسارير الناس، وراحوا يغنون ويرقصون فى الشوارع، وفوجئنا بزوال حالة الإحباط وعودة الأمل فجأة، فرأينا لافتات تحمل عبارة «ارفع رأسك يا أخى فأنت مصرى»، ورأينا الشباب المصرى من مختلف الطبقات يقومون بتنظيف الشوارع، وغسل التماثيل، وكأن مصر قد سمعت فجأة ما جعلها تمسح دموعها، وتصلح هندامها، وتخرج للعالم بابتسامة مشرقة معلنة بداية صفحة جديدة من تاريخها.

قلت لنفسى: إنى كنت على حق فى تفاؤلى، ولكن الذى حدث فى هذه الثمانية عشر يوما (25 يناير ـ 11 فبراير) ضاعف من تفاؤلى، وأضاف إلى أسبابى القديمة للتفاؤل أسبابا جديدة.
كنت أشعر، حتى قبل 25 يناير، بأن الجيل الجديد من الشباب المصرى فيه صفات إيجابية جدا يتفوقون بها على جيلنا نحن عندما كنا فى مثل سنهم، ولكنى لم أكن أدرك أن هذه الصفات الإيجابية منتشرة إلى هذا الحد، وفى مختلف أنحاء مصر، ولا تقتصر على طبقة اجتماعية دون أخرى.

كنت أعرف أن المرأة المصرية قد حققت تحررا عقليا ونفسيا حقيقيا، سواء غطت شعرها بحجاب أو لم تغطه، ولكنى لم أكن أدرك أن هذا التحرر العقلى والنفسى قد انتشر بدوره إلى هذا الحد، جغرافيا وطبقيا، وأن امتزاج هذا التحرر النفسى الجديد بالحياء المحبب الذى كان دائما من سمات الفتاة المصرية، قد أسفر عن هذه الشخصية الجديدة الرائعة للفتاة والمرأة المصرية، بل وكان له أثر طيب حتى على سلوك الشبان الذكور فزاد من حبهم للحياة، ومن ثقتهم بأنفسهم، ومن احترامهم للجنس الآخر.

كنت أعرف أن حوادث التحرش الجنسى التى تكررت فى مصر فى السنوات الأخيرة فى أيام الأعياد، لها علاقة بانتشار الشعور بالإحباط، وبما أصاب أعدادا كبيرة من الشباب من فقدان الثقة بالنفس ومن احترامهم لأنفسهم. فتأكدت لى صحة هذا الاعتقاد عندما رأينا سلوكا مختلفا تماما فى أماكن اكتظت بالشبان والشابات، بادل فيها بعضهم البعض الاحترام والمحبة، وتصرف الذكور فيها تصرف الرجال الناضجين، فقدموا كل ما يستطيعون من مساعدة وحماية للفتيات المشتركات معهم فى المظاهرات.

<<<

مازلت أعتقد أن هذا التطور الرائع الذى طرأ على الشباب المصرى، ولم يكن واضحا تماما للعيان، فأصبح ملء السمع والبصر، يحتاج إلى تفسير واكتشاف أسبابه الحقيقية، إن لدى بعض التكهنات والتخمينات التى تحتاج إلى تمحيص وتدقيق. هل الانفتاح على العالم هو السبب؟ هل المصاعب الاقتصادية نفسها من بين الأسباب، إذ صهرت هذه المصاعب نفوس الشباب وحولت المعدن الرخيص إلى معدن نفيس؟ هل هو انتشار التعليم «حتى مع تدهور مستواه» الذى لابد أنه شمل الكثيرين ممن لديهم استعداد فطرى طيب، وذكاء طبيعى، فظهرت ثمار طيبة من أرض كانت جرداء بمجرد أن وصل إليها الماء، مهما كان هذا الماء شحيحا؟ بل أحيانا يخطر لى التساؤل عما إذا كان السبب، فى نهاية الأمر، يتعلق بعبقرية الشعب المصرى الكامنة فى الأساس، فى الريفيين من المصريين، باعتبارهم هم المخزون الأساسى الذى تترسب فيه خلاصة قرون متتالية من الحضارة المصرية، فإذا بهذا المخزون يظهر فجأة على السطح بمجرد أن رفعت عنه بعض الأثقال التى كانت جاثمة فوقه.

أيا كان التفسير، فالذى أظهرته هذه الأيام الثمانية عشر، كان رائعا ومدهشا، ولابد أن يعطينا أسبابا جديدة للمزيد من التفاؤل.اللواء محسن الفنجرى كتبت ــ منى أبوالنصر:
بعد أدائه التحية العسكرية لشهداء ثورة 25 يناير اكتسب اللواء محسن الفنجرى مساعد وزير الدفاع شعبية كاسحة فى الشارع المصرى انتقلت تباعا إلى موقع «فيس بوك».
استبدل عدد كبير من مستخدمى الموقع التفاعلى صورهم الشخصية بصورة الفنجرى وهو يؤدى التحية العسكرية، علاوة على تأسيس عدد من معجبيه لصفحة خاصة تحمل اسمه وجاء فيها «اللواء الفنجرى أصبح بمثابة فأل الخير، وكلما رآه الكثيرون على الشاشة استبشروا خيرا بما يحمله معه فى بيانات الجيش من أخبار مطمئنة ومريحة ومحققة لطموحاتهم وآمالهم وتوقعاتهم من مؤسستهم العسكرية. ولهذا قمنا بعمل هذه الصفحة إعزازا وتقديرا لهذه الشخصية العظيمة».

اللافت أن هذه الصفحة التى لم يمض على تأسيسها بضعة أيام تجاوز عدد زائريها الذين عبروا عن إعجابهم بالفنجرى أكثر من 33 ألف شخص، ويتم تحميل جميع بيانات الجيش التى يقرأها الفنجرى تباعا على هذه الصفحة.

الجمعة، 11 فبراير 2011

يخافون ولا يستحون

الشروق - الجمعة 11 فبراير 2011

هذا النظام الذى ثار الشباب ضده فى 25 يناير، لم يعد يثير الغضب فقط، ولكنه أصبح أيضا يثير الاحتقار الشديد. إذ ما الذى يمكن قوله عن نظام يخاف ولا يستحى؟

لقد بُحّ صوت الشباب والرجال والنساء سنوات وسنوات، يطالبون فيها بتطبيق أبسط مبادئ العدالة فى توزيع الدخل، وبأن تلاحق مستويات الدخول مستويات الأسعار، وانتخابات نظيفة وبرلمان غير مزور، وبإنهاء هذا الاحتكار الخانق للسلطة من جانب حزب واحد كسيح يسمى إمعانا فى التضليل بـ«الحزب الوطنى الديمقراطى»، وبأن يسمح لكل من يريد أن يكوّن حزبا أن يكوّنه دون المرور على لجنة كئيبة فى مجلس أكثر كآبة يسمى من باب التضليل أيضا «مجلس الشورى» لتقرر هذه اللجنة ما إذا كان هناك اختلاف حقيقى بين الحزب المراد تكوينه والأحزاب الأخرى، بينما المراد هو ألا يكون هناك أى اختلاف على الإطلاق، بين أى حزب والحزب الحاكم، أما الأحزاب القديمة التى كانت موجودة قبل تكوين هذه اللجنة فيجرى اللازم لشرائها أو تدجينها، حتى تصبح منتهية الصلاحية وعديمة الأثر.

بُحّت أيضا الأصوات، سنوات طوالا، مطالبة بالكف عن هذا المخطط الشيطانى لنقل الحكم من الأب لابنه، الذى لم يُعرف عنه قط اهتمام بالسياسة أصلا، ومطالبة بأن يمتنع وزير الثقافة عن معاملة البلد كعزبة خاصة له، يستخدم إيراداتها لتمويل حملة فاشلة لكى يصبح رئيسا لليونسكو، ويستخدم وزارته كلها لهذا الغرض، حتى لو تطلب الأمر أن تقوم الوزارة بأعمال قد تحصل بها على رضا إسرائيل عن هذا الترشيح، ومطالبة بأن يعاقب بالعزل وزير للشباب لأنه استخدم مواهبه فى التهريج لصالح النظام والبقاء جزءا من السلطة، فادّعى أن مصر مستعدة لاستضافة المونديال، فلم تحصل مصر من هذا التهريج إلا على صفر..الخ.

تكررت هذه المطالبات وأمثالها سنوات وسنوات، فكان الرد الوحيد هو مزيد من الصلف والغطرسة والإمعان فى الإثم. الفجوة فى الدخول تزداد، والبطالة تنتشر، والأسعار تمعن فى ارتفاعها، مع الزعم المستمر بأن النظام يضع مصالح الفقراء ومحدودى الدخل فى قمة أولوياته، بل يحاول النظام سحب الدعم من رغيف الخبز دون أى مواجهة لمشكلة التفاوت الصارخ فى الدخول، ويتكرر الزعم بأن أحوال الفقراء تتحسن بدليل زيادة عدد السيارات فى الشوارع، بينما الناس تتقاتل للحصول على رغيف الخبز مرة، وعلى أنبوبة الغاز مرة، ويسقط فى ذلك قتلى وجرحى.

أما الانتخابات فيزداد التزوير فيها فجاجة وغلظة، ويستمر الترويج لابن الرئيس فى لقاءات مسرحية سخيفة، يقوم فيها بقراءة كلام كتبه له غيره، وجرى تمرينه على القراءة والتمثيل فيها، فيتظاهر بأنه صاحب فكر جديد، وغير ذلك من الادعاءات المهلكة للأعصاب.

وأما وزير الثقافة فيحرص رئيس الجمهورية على مواساته بعد فشله فى الحصول على رئاسة اليونسكو، فيقول له العبارة الشهيرة «ارمى من ورا ظهرك»! فيثلج هذا القول صدر الوزير، ويتابع مسيرته فى خداع المثقفين. وأما وزير الشباب فقد أثبت بفشله فى مهزلة المونديال أنه قد أصبح فى حالة من الضياع الداعى للرثاء، يمكن استغلالها لصالح النظام إلى أبعد مدى، إذ ما أكثر الخدمات التى يمكن أن يقدمها للنظام رجل هانت عليه نفسه وفقد احترام الناس فسلّموه مسئوليته «أمين الدعوة والفكر» فى الحزب الحاكم، بأى مسئولية بث المزيد من الدعاية والفكر المزيف لصالح النظام.

وقل مثل ذلك عن «وزير التنمية» الذى أثار ابنه فضيحة مدوية بجمع أموال الناس الذين لم يدر بخلدهم أن ابن وزير التنمية يمكن أن يشترك فى خداعهم، فسلموه أموالهم عن طيب خاطر لاستثمارها لحسابهم، فأضافها لحسابه. ثبت بهذا أيضا أن وزير التنمية الاقتصادية، بعد هذه الفضيحة المدوية، التى جعلته بدوره فى حالة يُرثى لها من الضياع وفقدان احترام الناس، لقمة سائغة فى فم النظام، يفعل بها ما يشاء، يمضغها أو يلفظها، فإذا بالوزير يتفنن أكثر وأكثر فى ابتداع الأرقام التى تثبت أن أحوال الفقراء لا تسوء بل تتحسن.

الخلاصة أنه قد ثبت بما لا يحتمل الشك أن هذا النظام لا يستحى. ولكن حدث فى 25 يناير والأيام التالية ما أثبت أنه يخاف بشدة. إذ لم تنقض أيام قليلة على خروج الشباب للمطالبة بتغيير النظام وتنحى رئيس الجمهورية حتى أصيب رجال النظام بالهلع، وراحوا يجرون فى كل اتجاه أملا فى النجاة بأنفسهم. وظل رئيس الجمهورية صامتا عاجزا عن الكلام لعدة أيام ريثما يتدارس رجاله الأمر ويفسرون هذا الحادث الجلل الذى يكاد يودى بهم جميعا.

والمنظر لم يكن يخلو من طرافة، رغم خطورته وأهميته. إذ عندما قرر رئيس الجمهورية الكلام بعد صمت عدة أيام، أعلن تنحية الحكومة برئيس وزرائها وتشكيل حكومة جديدة. هكذا؟ بهذه البساطة؟ رئيس الوزراء الذى خدمك ولم يترك مناسبة للثناء عليك وتطييب خاطرك إلا انتهزها، تستغنى عنه بهذه البساطة؟ ووزير الداخلية الذى لم يدخر وسعا لحماية النظام، وصفّ الجنود صفوفا فى الشوارع لدى قيامك بأى رحلة من المطار أو إليه، أو لإلقاء خطبة فى أى مكان، وترك كل شىء فى البلد ليتفرغ لحمايتك وحماية أسرتك، تستغنى عنه أيضا بهذه البساطة؟ ناهيك عن وزير المالية، الرجل الذى تلقى تربية ممتازة على يد صندوق النقد والبنك الدولى، وأقدر الناس على تنفيذ توجيهاتهما وأكثرهم فهما لتصريحات واشنطن وإيماءاتها. هكذا تطرده بهذه السهولة؟ أما وزير الثقافة، قرة عينيك، فهل هان عليك إلى هذا الحد؟

قرارات العزل والتحفظ على الأموال والمنع من السفر تتخذ بسرعة، فالخطر شديد، حتى كاد يتحول إلى مسألة حياة أو موت، فلابد أن تلقى السفينة الغارقة إلى الماء ببعض من أعز ركّابها. من هو المكروه بوجه خاص فى نظر هؤلاء الشباب الغاضبين؟ المسئول عن التنظيم فى الحزب الحاكم؟ فليذهب هو الآخر. كل من له علاقة بالفقر والبطالة والإسكان. فليذهبوا أيضا.. كل من ثارت الشكوك حول ثرائهم الفاحش أو تورطهم فى فضيحة أو أخرى. نعم هم أيضا يجب التضحية بهم.

(ولكن لماذا يا ترى استبقيت وزير الإعلام بالذات، المسئول عن بث كل هذه الأكاذيب والترويج لها؟ هل تفسر ذلك، إنه أيا كان الأمر، ومهما تغيرت الحكومة، فلا بد أن تستمر الأكاذيب فى مسارها المعهود؟).

ولكن الشباب لم يرحل عن ميدان التحرير، فازداد الخوف واشتد الهلع. لابد الآن من التنازل عن أى نية فى الترشيح لرئاسة الجمهورية مرة أخرى، بل لا بد حتى من التخلى عن رغبة الابن فى الحلول محل أبيه. ولكن حتى هذا لم يكف، فلم يبق إذن إلا الخيول والجمال التى يقودها مجموعة من المأجورين الذين اعتادت وزارة الداخلية استخدامهم لضمان تزوير الانتخابات، وإرهاب القضاة الذين يحاولون مقاومة هذا التزوير.

ولكن حتى هذا العمل الممعن فى حقارته لم يسفر إلا عن عدد كبير من القتلى والجرحى، دون أن يجبر الشباب على ترك مواقعهم فى ميدان التحرير أو أى ميدان آخر. وزاد الأمر سوءا أنه لم يدر بخلد أحد أى شك فيمن دفع بهؤلاء المأجورين إلى هذا العمل. حتى رئيس الوزراء الجديد لم يستطع أن يقدم تفسيرا لما حدث، واكتفى بأن يتسم بأنه لا يعرف من دبر هذا العمل ولكنه آخذ فى التحرى عنه.

زاد خوف النظام فتخلى عن أهم شخصية فى الحزب الكريه فعزله من منصبه فى الحزب، وأعلن وزير المالية عن زيادة الرواتب والمعاشات بنسبة 15٪، دون أن يفكر فى طريقة تدبير الأموال، المهم هو التصرف على عجل، ولو تطلب الأمر طبع نقود جديدة، على أمل تهدئة الناس الآن، ولا مجال للتفكير فى المستقبل، إذ قد لا يكون لهذا النظام أى مستقبل.

مازال الشباب صامدا، ومازال النظام يرتعد خوفا. ولكن ما الذى يمكن أن ينتظره الشباب من نظام أثبت بما لا يدع مجالا للشك أنه نظام يخاف ولا يستحى؟ إن مثل هذا النظام لابد أن ينتهز أول فرصة لكى يستعيد مواقعه والعودة إلى الضرب من جديد. مازالت المعركة مستمرة إذن، ولا يجب أن ينخدع الشباب بمحاولات نظام خائف إلى حد الهلع، للإمعان فى الاحتيال والنصب.

الجمعة، 4 فبراير 2011

أسباب جديدة للغضب

 الشروق - الجمعة 4 فبراير 2011

لم يكن انفجار الشعب المصرى الذى بدأ يوم الثلاثاء 25 يناير، ولايزال مستمرا حتى الآن، أى لليوم التاسع على التوالى، ثورة جياع، كما توقع كثيرون، بل كان ثورة شعب غاضب.

كان الغضب واضحا كل الوضوح فى التعبيرات التى ارتسمت على وجوه المتظاهرين، وفى العبارات التى كتبوها على اللافتات، وفى صوت المرددين للهتافات، وفى طريقة كلام المعلقين الذين أدلوا بأقوالهم للإذاعات الأجنبية ومحطات التليفزيون.

نعم، كانت هناك أسباب قوية للغضب تتعلق أساسا بالأسعار ومستويات الدخول والبطالة، ولكن الأسباب السياسية والاجتماعية لم تكن أقل شأنا.

خرج المتظاهرون يطالبون بإسقاط نظام اتسم بالظلم والفساد والدكتاتورية، وكانت هذه عوامل مهمة فى إثارة الغضب، ولكن كان هناك بالإضافة إلى ذلك عامل آخر للغضب، هو ما اتسم به رجال هذا النظام من غطرسة وتعالٍ وتكبر، فى الوقت الذى لم يجد الناس فيهم أى مبرر للتعالى أو التكبر.

كانوا يعاملون الشعب وكأنه يتكون من قُصّر عديمى الأهلية، شديدى الغباوة، ومن ثم يستحقون ما هم فيه من فقر ومهانة.

رئيس الوزراء «د. نظيف» يصدر عنه مرة تصريح معناه أن الشعب المصرى ليس مؤهلا للديمقراطية، وهو كلام مضى وقت طويل على آخر مرة تجرأ فيها حاكم، فى أى بلد، على أن يصف به شعبه، أى منذ نهاية العهد الذى كان الملك فيه يعتبر «ظلا لله على الأرض»، أى من أكثر من قرنين من الزمان. ووزير التعليم يعامل المدرسين والتلاميذ وكأنهم حثالة بعثه الله لتأديبهم، ووزير الثقافة يتعامل مع المثقفين وكأنهم مستخدمين وظيفتهم فى الثناء عليه وتبرير أخطائه.

أما رئيس الجمهورية وأسرته فيعتبرون من حقهم أن تتقدم أخبارهم، مهما كانت قلة أهميتها، على أهم أخبار مصر والعالم، وأن توقف تحركاتهم، ولو كانت للسفر للتريض فى شرم الشيخ، حركة المرور لبقية أفراد الشعب. والصحف ووسائل الإعلام الحكومية تتكلم عن رجال المعارضة باستخفاف واحتقار فإما أن تهمل أخبارهم تماما، أو تسميهم بغير أسمائهم، كأن تسمى أكبرتنظيم سياسى فى مصر بـ«المحظورة».

كان تزوير الانتخابات الأخيرة، عملا فجَّا عديم النظير فى غلظته فى تاريخ الانتخابات المصرية، ومن ثم كان يعكس لا مبالاة واحتقارا بالغا للشعب ورغباته، وأتى ببرلمان خلا من أى صوت معارضة، فلما فكر بعض رجال المعارضة فى تكوين برلمان مواز، كان تعليق رئيس الجمهورية على ذلك «خليهم يتسلوا» فبيّن بذلك التعليم مدى لا مبالاته بما يشعر به الناس إزاء مهزلة الانتخابات.

ثم حدث الانفجار الذى لابد أن من بين أسبابه غضب الناس من هذه الدرجة من التعالى واللامبالاة فالناس لا يجدون من بين الرجال القائمين على هذا النظام من يتمتع بذكاء غير عادى أو حكمة نادرة أو كفاءة منقطعة النظير فى إدارة هذا البلد: التعليم يتدهور، والحصول على الخدمات الصحية بسعر معقول يصبح أكثر فأكثر صعوبة، والبطالة تزداد، والسياسة الخارجية لا تنبع من إرادة وطنية..الخ

فما مبرركل هذا التعالى والكبر؟ والمصريون يعرفون جيدا، أن بلادهم مملوءة بمن يستطيع أن يدير شئونها على نحو أكثر كفاءة وأقل فسادا، فكيف لا يشتد غضبهم حتى يؤدى بهم إلى انفجار من نوع ما حدث فى 25 يناير؟

ولكن لا شىء يمكن أن يرد رجال النظام عن تكبرهم وتعاليهم فعندما يقوم خمسة من المصريين بالانتحار أو محاولة الانتحار أمام مجلس الشعب أو فى شوارع الاسكندرية معلنين أنهم سئموا الحياة مع البطالة والفقر والذل، لا يجد رجال النظام فى هؤلاء المنتحرين إلا مجموعة من المرضى النفسيين، لم يتم علاجهم بمستشفى الأمراض العقلية بالعباسية. وعندما تقوم المظاهرات الغاضبة فى 25 يناير وتستمر يوما بعد يوم، لا يعتبر أمين لجنة السياسات «الذى تصادف أيضا أنه ابن رئيس الجمهورية» أن من مسئولياته إلقاء بيان أو خطبة ليدافع فيهما عن «السياسات» التى يرى الناس أنها فجرت كل هذا الغضب، أو ليشرح لنا «السياسات» التى يمكن اتخاذها لتهدئة نفوسهم. وكأن وظيفة أمين السياسات هى فقط العمل على الوصول إلى منصب رئيس الجمهورية اكتفى النظام فى الظروف الحالية، بالامتناع، مؤقتا، عن نشر صور أمين السياسات التى اعتادوا نشرها فى الأيام الأقل صخبا، التى يظهر فيها وقد ارتسمت على وجهه سمات التفكير العميق، دون أن تبدر منه كلمة واحدة طوال السنوات التى احتل فيها هذا المنصب الخطير، تدل على أى تفكير على الإطلاق.


بعد ثلاثة أيام من المظاهرات الهادرة، ظهر رئيس الجمهورية ليكلم الشعب من خلال التليفزيون، فإذا بنا نكتشف أن أقصى ما هو مستعد للتكرم به علينا هو تغيير وزارى من النوع الذى ألفناه وسئمناه المرة بعد المرة، فيستبدل وجها من وجوه النظام بوجه آخر، ويضع وزيرا فى الحكومة القديمة رئيسا للحكومة الجديدة، مع أن رئيس الوزراء الجديد بحكم كونه وزيرا طوال السنوات الست الماضية، مسئول أيضا، مع بقية الوزراء، عما يشكو الناس منه فإذا كان قادرا الآن على تلبية رغبات الجماهير، فلماذا لم يحاول أن يبذل جهده للتأثير فى الحكومة الماضية لتجنب إغضاب الجماهير؟ أما بقية الوزراء الجدد فهم ليسوا إلا أشباحا للوزراء القدامى، أحدهم كان مرءوسا مطيعا لوزير الثقافة المكروه، فأصبح هو الآن وزير الثقافة الجديد. كان الوزير القديم يصر على أن يسميه الناس «الوزير الفنان»، فماذا عسى الوزير الجديد أن يطلب من الناس أن يسموه؟ ووزيرة التجارة والصناعة كانت الساعد الأيمن لوزير التجارة والصناعة السابق، فأى تغيير يمكن أن ينتظر منها تحقيقه؟

ثم كرر الرئيس ما دأب على التصريح به من أن «الأولوية لديه هى لمكافحة الفقر»، فلماذا يا ترى لم يستطع التخفيف من الفقر طوال الثلاثين عاما التى استمر فيها فى الحكم؟ وما الذى ينوى يا ترى القيام به للتخفيف من الفقر فى الشهور القادمة، مما لم يخطر بباله من قبل؟

النظام إذن مصمم على التعامل مع الشعب بنفس التعالى واللامبالاة وكأن المتظاهرين، الذين ضحى منهم نحو مائتى شخص بحياتهم، قد قاموا بالمظاهرات لأنهم لم يجدوا شيئا آخر يسلّون أنفسهم به.

ازداد تأزم الموقف بعد انفجار المظاهرة المليونية فى ميدان التحرير وشوارع الاسكندرية يوم الجمعة 28 يناير. فاستمر النظام صامتا حتى تكرم علينا بعد أربعة أيام «مساء الثلاثاء 2 فبراير» بإعلان نية الرئيس فى ألا يرشح نفسه بعد انتهاء مدته الحالية. أهذا هو أقصى ما يمكن أن يتكرم به علينا رئيس فى الرابعة والثمانين من عمره، أمضى أكثر من ثلثها رئيسا للجمهورية، فلم ينتج عن ذلك إلا مظاهرات الغضب والاحتجاج؟ أن يعلن عزمه على عدم الاستمرار حتى سن التسعين؟ وماذا عن ابنه؟ هل لديه نفس النية فى عدم ترشيح نفسه؟ لا جواب.
أما الوعود الأخرى فلا تزيد على أنه طلب من مجلس الشعب «المزور بالكامل» الاستجابة إلى بعض الأحكام الصادرة فى الطعون فى نتائج الانتخابات، والنظر فى تعديل مادة من مواد الدستور تتعلق بعدد المدد التى يجوز فيها لنفس الشخص أن يستمر رئيسا للجمهورية، فيالسعادتنا البالغة بهذه الوعود!

إنه لم يبين لنا لماذا يمكن أن يبعث هذا الكلام فينا أى أمل فى أن يقوم مجلس مزور لم يأت استجابة لرغبات الناخبين الحقيقية، بالاستجابة الآن لإرادة المتظاهرين الحقيقية؟

نفس اللامبالاة المعهودة. فإذا كان كل هذا قد أدى منذ أسبوع إلى انفجار كل هذا الغضب، فما الذى يمكن أن نتوقعه فى الأسابيع القادمة؟