د. جلال أمين

د. جلال أمين
أستاذ الإقتصاد بالجامعة الأمريكية والمفكر المصرى الكبير

الجمعة، 21 يناير 2011

كيف نفسـر الثورة التونسية؟

الشروق - الجمعة 21 يناير 2011

ظللنا فترة طويلة لا نسمع إلا أخبارا سيئة حتى وصلتنا أخبار الثورة فى تونس، فبعثت البهجة فى النفوس والأمل فى أنه من الممكن، رغم كل شىء، ان يجبر الشعب حكامه الظالمين على الفرار. لابد أن هذه الأخبار قد أثارت فى نفس الوقت الرعب فى نفوس الحكام المستبدين فى كل مكان، إذ فوجئوا بأنه مهما كان جبروت قوات الأمن، فهناك حدود لما يمكن عمله إذا بلغ الغضب الشعبى حدا معينا. أما استدعاء الجيش للمشاركة فى قمع الناس، فهو يفترض أن يرضى قادة الجيش بالتحول من حماية الشعب من عدوان خارجى، إلى حماية حفنة ضئيلة جدا من الناس من غضب الشعب، وهو ما لم يتصور الجيش التونسى أنه من الممكن أن يقوم به
كانت المفارقة مذهلة بين ما حدث فى تونس فى الأسبوع الماضى وما حدث فى البرازيل منذ شهرين، حيث تنازل رئيس محبوب للغاية (لولا دى سيلفا) عن ترشيح نفسه لفترة رئاسية جديدة، رفضا منه لفكرة احتكار شخص واحد للسلطة، فانتخب شعبه خليفة له سيدة تنتمى إلى نفس حزبه ومبادئه، وودع الشعب البرازيلى رئيسه العظيم بنفس الحب الذى استقبله به عند انتخابه، بينما اضطر الرئيس التونسى إلى الهروب هو وأسرته، واجدا صعوبة بالغة فى أن يجد دولة واحدة فى العالم تقبل أن تستضيفه

ولكن التونسيين لم يثوروا فقط ضد احتكار السلطة، ولكنهم ثاروا أيضا ضد سياسة اقتصادية ظالمة لم تجلب النفع إلا لنسبة ضئيلة للغاية من الشعب. إن الذى فجّر الثورة التونسية حادث مروع كان نتيجة مباشرة لهذه السياسة الاقتصادية شاب تونسى يحمل شهادة جامعية، فشل فى العثور على وظيفة يتكسب منها، ففكر فى أن يبيع الخضراوات على عربة فى الشارع، فمنعه رجال الشرطة بحجة أو أخرى من الحجج المألوفة لدينا فى مصر فى تحرش رجال الشرطة بالفقراء من البائعين فى الشوارع، فاستبد الغضب والحنق بالشاب، وسكب كمية من البنزين على جسمه وأشعل فيه النار، فمات محترقا أمام الناس فى الشارع.

بطالة شائعة، خاصة بين المتعلمين، مع تجبر وتعنت من السلطة، أدت إلى فقدان الناس صوابهم فخرجوا إلى الشارع مصممين على تغيير النظام.

هذا الاقتران بين سياسة اقتصادية ظالمة وديكتاتورية الحكم ليس مصادفة بالمرة، إذ يستحيل فى الحقيقة أن تسمح الديمقراطية بمثل هذه السياسة الاقتصادية، ولا يمكن استمرار هذه السياسة الاقتصادية فى دولة فقيرة إلا فى ظل الديكتاتورية. والمدهش أن المؤسسات الدولية التى تدعو الدول (المسماة بالنامية) إلى تطبيق هذه السياسة الاقتصادية الظالمة (دون التمييز الواجب بين ما يصلح لدولة وما يصلح لأخرى)، هى نفسها (والدول المسيطرة عليها) التى تدعو إلى الديمقراطية والشفافية واحترام حقوق الإنسان. هذا التناقض بين الدعويين مدهش حقا، ولكن غير المدهش هو أن هذه المؤسسات والدول الداعية لها، تبدى صبرا لا حد له على النظم الديكتاتورية التى تطبق هذه السياسة الاقتصادية، وتؤيدها وتدعمها سياسيا واقتصاديا، بحجة أن النظام السياسى أمر «داخلى» لا تستطيع التدخل فيه، بينما هى تعرف بالطبع أن هذا النظام السياسى وهذه السياسة الاقتصادية متلازمان، وأن أحدهما توءم الآخر.

هكذا تعودنا طوال العشرين سنة الماضية على أن نسمع الثناء العاطر على الأداء الاقتصادى التونسى من مختلف المؤسسات المالية الدولية: صندوق النقد والبنك الدولى والمنتدى الاقتصادى الدولى، وتصنيف أدائها الاقتصادى على أنه أفضل أداء فى القارة الأفريقية كلها... إلخ.

وسبب هذا الثناء العاطر، أن السياسة الاقتصادية التى طبقت فى تونس منذ أواخر الثمانينيات، أى منذ اعتلاء الرئيس المعزول للحكم، هى بحذافيرها توجيهات صندوق النقد الدولى لدول العالم الثالث، وهى نفس السياسة التى طبقتها معظم هذه الدول التى اضطرت لسبب أو آخر إلى تطبيق تعاليم الصندوق. وهكذا تنضم تونس إلى الدول التى شهدت ما يعرف الآن لدى المشتغلين بالتنمية بـ«أحداث الشغب الناتجة عن الصندوق» (IMF riots)، ولكنها فى هذه المرة، ولحسن حظ تونس، تجاوزت مجرد الشغب إلى الثورة الشعبية التى تهدف إلى تغيير النظام بأكمله.


من المفيد أن نتذكر هذا ونحن نتأمل السياسة الاقتصادية المصرية وتطورها وآثارها، فنقارنها بما حدث فى تونس لقد بدأ تطبيق هذه السياسة المسماة بسياسة «التكيف الهيكلى» (Structrual Adjustment) فى مصر بمجىء حكومة عاطف صدقى فى 1986، أى قبل عام من اعتلاء زين العابدين بن على حكم تونس. فهذه السياسة عمرها الآن فى البلدين ما يقرب من ربع قرن، ويوعد الناس بأنها سوف تحقق، إن عاجلا أو آجلا، الأهداف الاقتصادية المرجوة، ومن ثم كثيرا ما يشار إليها بإنها «سياسة الإصلاح الاقتصادى». وتتكون من العناصر الأربعة الآتية: تحرير التجارة الخارجية (استيرادا وتصديرا)، واتخاذ الإجراءات اللازمة لحفز الاستثمار الأجنبى على المجىء، وتحويل القطاع العام إلى خاص (الخصخصة)، وسحب يد الحكومة من التدخل فى حرية السوق، فتترك الأسعار حرة (بما فى ذلك سعر الصرف) ويخفض أو يلغى الدعم الممنوح للسلع والخدمات.

طبقت تونس هذه الطلبات بسرعة بينما طبقتها مصر ببطء، ومن ثم استحقت تونس ثناء الصندوق وغيره من المؤسسات الدولية، بينما حصلت مصر على ثناء مشوب بالتحفظ، وذلك حتى جاءت حكومة الدكتور نظيف فى مصر منذ ست سنوات، فتسارعت خطوات الحكومة المصرية فى تنفيذ طلبات الصندوق (بل وأظن أن هذا هو الغرض الأساسى من إحلال حكومة نظيف محل حكومة عاطف عبيد)، ومنذ ذلك التاريخ بدأت مصر تحظى من هذه المؤسسات بنفس عبارات الاعجاب التى حظيت بها تونس من قبل.

فى البلدين حدث تحسن فى المؤشرات التى يعلق عليها الصندوق أهمية ويقيس بها النجاح والفشل، بينما حدث تدهور فى المؤشرات التى يتجنب الصندوق الكلام عنها، ولا يعيرها اهتماما فى توزيع عبارات الثناء أو النقد: معدل نمو الناتج القومى يرتفع، ومعه متوسط الدخل، والاستثمارات الأجنبية تزيد. (حدث هذا فى تونس فى العشرين سنة الماضية وبدأ يحدث فى مصر منذ ست سنوات). ولكن حدث التدهور الشديد فى ثلاثة أمور لا يحب الصندوق أو المؤسسات المالية الدولية الحديث عنها إلا مضطرة وهى: زيادة البطالة، واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وزيادة انكشاف الاقتصاد أمام المتغيرات العالمية ومن ثم زيادة تأثره بما يحدث فى الخارج من تقلبات. كانت النتيجة أن تونس، بعد أكثر من عشرين عاما من تطبيق سياسة الصندوق، زاد الناتج القومى فيها بمعدل يفوق 5٪ سنويا (أى أكثر بنحو الخمس مما حدث فى مصر)، ولكن زاد أيضا معدل البطالة بشدة فأصبح أكبر من معدل البطالة فى مصر بنحو 50٪ (14٪ من إجمالى القوة العاملة بالمقارنة بـ9٪ فى مصر، طبقا للإحصاءات الرسمية التى يرجح أنها أقل بكثير من الحقيقة فى الدولتين). كذلك اتسعت بشدة الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فأصبحت أكبر بكثير منها فى مصر (أغنى 10٪ من السكان فى مصر يحصلون على 8 أضعاف ما يحصل عليه أفقر 10٪ من السكان، بالمقارنة بـ13 ضعفا فى تونس)، طبقا لإحصاءات الأمم المتحدة عن سنة ٢٠٠٧/٢٠٠٨، والأرجح أن الحقيقة أسوأ هنا أيضا بكثير، إذ إن كثيرا مما يحصل عليه الأغنياء لا يُرى ولا يُحسب.

كذلك كان أثر الأزمة العالمية الأخيرة التى بدأت فى 2008 أسوأ على تونس منه على مصر، فانخفض معدل نمو الناتج القومى فى البلدين من نحو 5٪ خلال العشر سنوات السابقة على الأزمة إلى 3٪ فى 2009 فى تونس وإلى نحو 4٪ فى مصر.


هناك إذن من الأرقام ما يمكن أن يفسر لماذا قامت ثورة شعبية فى تونس قبل أن تقوم فى مصر. ولكن هذه الأرقام لا تقول بالطبع كل شىء، خصوصا إذا تعلق الأمر بالسؤال: متى تقوم الثورة؟ فالبطالة وحجم الفجوة بين الفقراء والأغنياء ليسا إلا سببين من أسباب السخط والثورة. هناك إلى جانب ذلك، درجة الفساد، وهنا أيضا لم يصل الأمر، فيما يبدو، إلى ما بلغه فى تونس، فقد نشر بعد هروب بن على أنه جمع خلال سنوات حكمه ثروة تزيد قيمتها على 13 ألف مليون دولار، تتراوح بين ودائع نقدية فى البنوك الأجنبية، وملكية شركة طيران فى تونس، وملكية عمارات فخمة فى باريس، وفنادق فى البرازيل والأرجنتين... إلخ. فضلا عن أن زوجته تسلمت من البنك المركزى التونسى قبيل الهروب طنا ونصف الطن من الذهب قيمتها 63 مليون دولار.

الديكتاتورية وتقييد الحريات سبب آخر للثورة، وهنا نجد أيضا لدى التونسيين، فيما أظن سببا أقوى مما لدى المصريين، فنظام بن على فى تونس كان أشد قسوة وأكثر غلظة فى معاملة المعارضين وفى تقييد الحريات من النظام الحالى فى مصر.

ولكن هناك أيضا أسبابا أخرى للسخط تتفوق فيها مصر على تونس. فزين العابدين بن على لم يحاول توريث الحكم لابنه مثلما يحاول النظام المصرى منذ عدة سنوات، وهناك أيضا درجة الفقر نفسه. فالفقر إذا تجاوز حدا معينا يولد شعورا لدى الفقير بأنه ليس لديه ما يفقده، وأنه مهما كانت خطورة الاحتجاج وعقوبة التمرد، فلن تكون أسوأ كثيرا مما هو فيه. وهنا لدى المصريين أسباب أقوى للسخط مما لدى التونسيين، فمتوسط الدخل فى مصر أقل من نصف مستواه فى تونس، ونسبة الواقعين تحت خط الفقر فى مصر (أقل من دولارين فى اليوم) تبلغ سبعة أضعاف حجمها فى تونس (44.6٪ من السكان فى مصر مقابل 6.6٪ فى تونس).

أسباب السخط كثيرة إذن، والأرقام تشير فى اتجاهات متعددة والذى يحسم الأمر فى النهاية ليس هو حاصل جمع وطرح، ولكن أمورا نفسية يصعب قياسها، كقوة الشعور بالغضب، ودرجة عناد أصحاب السلطة، ناهيك عن مدى تأييد قوى خارجية للمتمردين فى الداخل.

الجمعة، 14 يناير 2011

ماذا بعد جريمة الإسكندرية؟

الشروق - الجمعة 14 يناير 2011

كانت ردود الفعل للجريمة التى ارتكبت ضد الأقباط فى ليلة رأس السنة، طيبة للغاية، وبعثت الأمل فى نفوس المصريين فى أن مصر ربما لا تزال بخير.

كانت ردود المثقفين متوقعة، ولكنها جاءت هذه المرة، أكثر من أى مرة سابقة، مفعمة بالإخلاص، وبالحزن الشديد لما حدث.

والأفضل منها كانت ردود الفعل لدى بسطاء المصريين، الأقل تعليما وثقافة ودخلا. حكت لى صديقة عائدة من أسيوط أن مظاهر الحزن والمشاركة الحقيقية من جانب المسلمين لأحزان الأقباط، وحرص كثيرين من أهل البلد البسطاء على الذهاب إلى الكنائس فى أسيوط لمشاركة الأقباط عيدهم، كانت كلها ملحوظة بشدة وباعثة على الأمل.

جاءت ردود الفعل من جانب الحكومة وصحفها، كالعادة، فى شكل الكليشيهات المألوفة والتى لا يستطيع المرء فيها التمييز بين الحقيقى والزائف.

بل وكذلك جاءت التصريحات المتعلقة بسير التحقيق، والصور المنشورة للشخص الذى يزعم أنه من المحتمل أن يكون قد قتل نفسه من أجل ارتكاب الجريمة...
إلخ، لا تبعث أيضا أى ثقة فيما إذا كان ما ينشر وصفا لما حدث بالفعل أو لما تريد الحكومة أن يظن الناس أنه حدث.

ولكن هذا لم يغير من الانطباع العام بأن شعور المسلمين المصريين بالتعاطف الحقيقى مع الأقباط فى هذه المأساة كان شعورا صادقا وقويا.

ومع هذا فلا شك أن المصريين على بكرة أبيهم يستولى عليهم أيضا قلق حقيقى من المستقبل، بما فى ذلك مستقبل العلاقة بين المسلمين والأقباط. فالجريمة كانت أبشع من سابقتها التى حدثت فى نجع حمادى منذ عام واحد، وكلتاهما نوع جديد من الاعتداء على الأقباط، إذ يحدث بتدبير سابق دون استفزاز لأى سبب. وفى نفس الأسبوع يجرى استفتاء فى السودان حول انفصال الجنوب عن الشمال. والأحداث فى العراق تجرى بما يزيد من الفرقة بين الشيعة والسنة.

والدول الأوروبية والولايات المتحدة تصدر تصريحات أشد من المعتاد تتحدث عن مغبة عجز النظام المصرى عن حماية الأقليات. وكأن الفكرة الشيطانية التى سمعنا عنها لأول مرة منذ سنوات كثيرة، عن وجود مخطط لتفتيت العالم العربى إلى دويلات على أساس دينى، إمعانا فى إضعاف العرب من ناحية، واستئصالا لفكرة القومية العربية إلى غير رجعة، ودعما لفكرة الدولة اليهودية على أنقاض فلسطين، قد بدأ تنفيذه الجوى، مما قد يكون له علاقة أيضا بإشعال الفتنة بين المصريين المسلمين والأقباط.

كل هذا لا بد أن يثور فى أذهان الكثيرين (وأنا منهم)، ومن ثم يضعف من أثر ردود الفعل الإيجابية للحادثة الأخيرة، ويجعل المرء أكثر ميلا للتشاؤم.

كان هذا أحد الأسباب التى جعلتنى أتردد فى الاستجابة لطلب إحدى الصحف التى خطر لها أن تجمع من بعض الكتاب اقتراحات لما يمكن عمله فى المستقبل لمواجهة الفتنة الطائفية فى مصر. إذ قلت لنفسى: «وهل نحن فى حاجة للمزيد من الاقتراحات؟ ألم يُقل فى الحقيقة كل شىء، وقدمت كل الاقتراحات الممكنة؟ هل يمكن أن أعيد الكلام عن ضرورة الإصلاح لما تبثه وسائل الإعلام، والامتناع عن التحريض وإشاعة الكراهية فى خطب أئمة المساجد، ومراجعة ما تحتويه الكتب الدراسية التى يقرأها ملايين التلاميذ، ومنع المدرسين من إفساد عقول تلاميذهم بشروح سيئة للغاية باسم الدين، مما يشيع البغضاء بين الأطفال المسلمين والأقباط؟ بل وهل أعيد الكلام عن اثر السياسات الاقتصادية وشيوع البطالة وانخفاض الدخول مع ارتفاع الأسعار، على مشاعر الناس نحو بعضهم البعض، وخاصة ضد الأقليات، حيث لا يجد الشخص المحبط لأسباب اقتصادية، متنفّسا لسخطه وإحباطه إلا صبّ غضبه وكرهه على أشخاص من غير دينه؟».

كل هذا صحيح بالطبع، ولا شك أنه يعتبر مساهمة فى حل المشكلة، ولكن هناك عدة أمور تجعل المرء يتردد فى قوله من جديد، عدا أنه قيل من قبل عشرات المرات.

فهناك أولا الاحتمال الذى ذكرته حالا من أن يكون الدافع الأساسى لإثارة الفتنة بين المسلمين والأقباط، مخططا خارجيا لن يقف فى طريقه لا تحسين برامج التليفزيون، ولا إصلاح المقررات المدرسية، ولا حتى إصلاح السياسة الاقتصادية.

فإذا كانت قوى خارجية هى المسئول الأساسى عن إفساد العلاقة بين المسلمين والأقباط فهى ستستمر فى عملها أيا كان ما نقوم به من إصلاحات.

بل قد تكون لنفس هذه القوى الخارجية يد فى استمرار التليفزيون والإعلام المصرى والمقررات الدراسية والسياسية والاقتصادية على ما هى عليه.
إذ أليس لهذه القوى الخارجية يد أيضا فى اختيار حكامنا، وبقاء من يبقى منهم وعزل من يُعزل؟

ولكن فلنفرض جدلا أنه ليست هناك أصابع خارجية على الإطلاق فى هذا الأمر، وأن الإصلاح والإفساد هما من صنعنا نحن تثور هنا صعوبة أخرى هى أن كل ما نرجوه من إصلاح فى هذه المجالات (الإعلام / التعليم / الاقتصاد) لا يمكن أن يؤتى بثمراته فى يوم وليلة. فالتدهور الذى حدث فى هذه الميادين بدأ منذ مدة طويلة، وآثاره النفسية ترسخت وتعمقت، مما يجعل استئصالها يحتاج إلى فترة ليست قصيرة من العمل الدءوب.

ولكن الأسوأ من هذا أنه حتى لو كانت المسئولية تقع على عاتقنا نحن دون أى تدخل خارجى، فلابد من الاعتراف بأن النظام الحالى فى مصر ليس راغبا أصلا فى القيام بهذه الإصلاحات الضرورية مهما صدر عنه من تصريحات بعكس ذلك. لا المسئولون عن التعليم، ولا عن الإعلام، ولا عن الاقتصاد يريدون اتخاذ الإجراءات اللازمة للتخفيف من التوتر بين المسلمين والأقباط، ومن ثم فإن تقديم النصح لهم يكاد يكون مضيعة للوقت.

«هل هذا معقول؟»، هكذا قد يكون رد فعل البعض لهذا الكلام. «أليس فى الوزارات والهيئات المسئولة عن هذه المجالات الثلاثة الرئيسية، من يهمه صلاح هذا البلد والقضاء على الفتنة؟».

إجابتى عن هذا السؤال أن هذه الوزارات والهيئات مليئة بالفعل بالوطنيين الذين يهمهم صلاح هذا الوطن، بل هم الغالبية فى كل هذه الوزارات والهيئات، ولكنهم ليسوا أصحاب القرارات الحاسمة والمؤثرة.

بل وحتى أصحاب القرارات الحاسمة والمؤثرة قد يحمل بعضهم مشاعر طيبة إذا خلوا لأنفسهم، ويعبرون عنها إذا جلسوا مع عيالهم وأصدقائهم ولكنهم عندما يجلسون لاتخاذ هذه القرارات يفعلون العكس بالضبط.

والسبب فى ذلك، بصراحة، أن القرارات المطلوب اتخاذها من أجل القضاء على الفتنة الطائفية تتعارض مع مصالح أخرى هى فى نظر هؤلاء أهم وأولى. هذه المصالح الأخرى تتلخص فى ثلاث كلمات «البقاء فى الحكم».

أما لماذا يتعارض هدف البقاء فى الحكم، مع العمل على القضاء على الفتنة الطائفية، فالإجابة هى أن القضاء على الفتنة الطائفية يتطلب القضاء على الفساد، ومزيدا من العدل، ومزيدا من الحرية، ومزيدا من الاستقلال عن القوى الخارجية.

بعبارة أخرى: القضاء على الفتنة الطائفية يحتاج إلى ديمقراطية، وهذه ليست فى صالح هذا النظام.

الجمعة، 7 يناير 2011

مرة أخرى.. من قتل الأقباط؟

الشروق - الجمعة 7 يناير 2011

الحادث المروع الذى حدث فى الإسكندرية فى ليلة رأس السنة، يتطلب منا بلا شك بذل جهد كبير فى محاولة فهم أسبابه، يزيد فى رأيى عما تعودنا بذله فى فهم أحداث مأساوية أخرى.

نعم، ليست هذه المرة الأولى التى يتعرض فيها الأقباط لاعتداء مروع، ولكن الذى حدث هذه المرة هو ثانى حدث من نوع جديد من الاعتداءات على الأقباط، والحدثان وقعا فى عام واحد، وبينهما أوجه شبه تميزهما عن الأحداث السابقة: ترتيب مبيت ومخطط بدقة، ليس نتيجة انفعال طارئ أو شجار حول موضوع بعينه اختلف حوله مسلمون وأقباط، فثارت المشاعر وتفجر غيظ مكبوت انتهى بقتلى أو جرحى، ليس هذا هو ما حدث فى الإسكندرية منذ أيام، أو فى نجع حمادى منذ عام. ليس الهدف فى الحالين تسوية حسابات قديمة أو جديدة، أو انتقام من اعتداء سابق، أو مناصرة شخص بعينه أو أشخاص معينين ضد شخص أو أشخاص من الديانة الأخرى. بل الاعتداء مصوب نحو الأقباط بصفة عامة ودون تمييز، ليس لخطأ ارتكبه بعضهم، حقيقى أو متوهم، بل لمجرد أنهم أقباط. ومرتكب الحادث أو مرتكبوه يتصرفون بهدوء تام ودون انفعال، وبناء على تفكير وتخطيط سابق، مما يرجح أن مخطط الحادث شخص هادئ الأعصاب له هدف محدد سلفا، ومن ثم فإنه قد لا يكون شخصا متعصبا بالمرة، بل ولا حتى بالضرورة مسلما (حتى لو كان منفذ الحادث مسلما).

الأمر مريب جدا إذن، فضلا عن كونه مأساويا، ومن ثم يتطلب منا بذل جهد مضاعف لسبر أغوار ومعرفة ما وراءه.

مما يضاعف من الجهد المطلوب إننا نحاوى حل لغز لا يتاح بشأنه الكثير من المعلومات، بل حتى المعلومات التى توصل إليها المحققون قد يحجب الكثير منها عنا بحجة «أغراض الأمن». المعلومات المنشورة من الضآلة بحيث لا تسمح لنا حتى بمعرفة ما إذا كان مرتكب الجريمة قد مات أثناء ارتكابه أو لم يمت، ومن ثم سمح لبعض المسئولين عن التحقيق بالقول بأن «العملية انتحارية» بعد ساعات قليلة من وقوعها، ودون أن يكون هناك أى دليل على أن مفجر السيارة كان بداخلها وقت التفجير أو بالقرب منها. كما سمح لبعض الناس أن يقولوا إن المجرم رجل طويل وأبيض البشرة ولآخرين أن يقولوا إنه أسمر وقصير القامة.. إلخ.

أضف إلى ذلك أن أجهزة الإعلام الحكومية لديها مصلحة واضحة فى تصوير بعض الأمور على غير حقيقتها، لمحاولة الإيحاء، بعد وقوع الحادث مباشرة، بأن عدد الضحايا من المسلمين لا يقل كثيرا عن عددهم بين الأقباط، ومحاولة تجنب الإيضاح عن عدد القتلى بالضبط، بضم عدد المصابين إلى عدد القتلى، والمبالغة فى حجم الإجراءات التى اتخذت قبل الحادث لمنع حدوثه.. إلخ.

يزيد من صعوبة أى محاولة للفهم ما أثاره الحادث، بطبيعة الحال، من عواطف متأججة وحزن وتأثر شديدين من الجانبين، وغضب وثورة عارمة فى نفوس الأقباط على الأخص، والحزن والغضب الشديدان من شأنهما إعاقة الفهم الصحيح لما حدث، فترفض تفسيرات معقولة جدا لمجرد أنها تلقى بالمسئولية على شخص أو أشخاص ليسوا هم أكثر الأشخاص محلا للكراهية، أو تلقيها على دولة أو قوة خارجية يصعب الوصول إليها أو تأديبها أو الانتقام منها، بينما المطلوب إجراء عاجل يريح القلوب الدامية ويضمد الجراح بسرعة.

المعلومات قليلة، والعواطف هائجة، والغضب شديد، فكيف لنا أن نفكر بهدوء لمحاولة تحديد شخصية الجانى أو الجناة، أو حتى مجرد ترجيح تفسير معين على غيره؟

لا عجب، والحال كذلك، أنه على الرغم من كثرة ما كتب من تعليقات على الحادث من النادر أن تجد من يتساءل عن الدوافع الممكنة لارتكابه، بل يكتفى عن طيب خاطر بوصف الجانى بأنه «إرهابى»، مع أن هذا الوصف لا يساعد قيد أنملة فى تحديد شخصية مرتكب الجريمة، إذا إنه لا يتضمن وصفا للجانى بل مجرد وصف لما فعله. العمل أثار الرعب بين الناس وأرهبهم، فلابد أن يكون الجانى «إرهابيا»، ولا شىء يقال لنا أكثر من ذلك.

كذلك نادرا ما يثار ذلك السؤال المهم، والذى يفترض أن يكون أول سؤال يطوف بذهن أى شخص يريد أن يعثر على الجانى: من المستفيد من هذا العمل الإجرامى؟ لا أحد يريد أن يثير هذا السؤال المهم، بل الجميع (أو تقريبا الجميع) يكتفون بترديد نفس المعنى بصورة أو بأخرى: «القاتل مسلم متعصب»، ثم يشبعون هذا المسلم المتعصب سباب وقذفا،، بل ويشرعون فورا فى البحث عن المسئول عن جعله متعصبا. هل هو غياب الديمقراطية، أم هو الإعلام اللاعقلانى، أم المقررات الدراسية الفاسدة، أم السياسة الاقتصادية الفاشلة... إلخ؟ وأنا لا أريد بالطبع أن أنفى أن ديمقراطيتنا مزيفة، أو أن وسائل الإعلان لدينا مليئة بالأمثلة على اللاعقلانية، وأوافق تماما القول بأن مقرراتنا المدرسية فيها الكثير مما يفسد عقول التلاميذ ويحتاج إلى مراجعة شاملة، وبأن سياستنا الاقتصادية تساعد على انتشار أمراض اجتماعية كثيرة منها التعصب الدينى، ولكن الإقرار بكل هذا شىء، والتسليم الجاهز بأنه المسئول عن جريمة الإسكندرية لابد أن يكون هو التعصب الدينى ــ شىء آخر تماما. بل إنى أصارح القارئ بأنى لم أستسغ قط إلقاء المسئولية على التعصب الدينى عن أن حادثا من حوادث الإجرام البشعة التى ارتكبت فى مصر ضد الأقباط أو غيرهم، دون أن تكون مرتبطة بعراك مباشر بين المسلمين والأقباط، أو بين مرتكبى الجريمة وضحاياها. لم أقبل مثلا (ولا أزال لا أقبل) تحميل التعصب الدينى مسئولية الاعتداء على نجيب محفوظ فى ١٩٩٢، أو الاعتداء على السياح فى الأقصر فى 1997، أو تفجير أتوبيسات السياح أمام فندق الهيلتون أو فى شارع الهرم منذ سنوات طويلة، أو تفجيرات شرم الشيخ منذ ثلاث سنوات، أو قتل الأقباط قبل عام فى نجع حمادى...إلخ. لم أقبل قط تفسيرات حادث من هذه الحوادث التى تبدو جنونية تماما، بالتعصب الدينى، وأضم إلى هذه الحوادث الآن، ما حدث فى الإسكندرية منذ أيام.

لدى أسباب قوية لرفض هذا التفسير الشائع، منها أن ما نشر عن شخصية الجناة وملابسات الجريمة لا يكفى للاقناع بهذا التفسير، ومنها أن ما نعرفه عن الشخصية المصرية لا يتفق بتاتا مع ارتكاب مثل هذه الجرائم وبالطريقة التى ارتكبت به. إنى لا أدعى بالطبع أن مصر خالية من المتعصبين والمتشنجين، وأعترف بأن اللاعقلانية زادت فى الخطاب الدينى بدرجة عالية جدا فى الثلاثين سنة الأخيرة ولكنى أعرف أيضا أن المصرى، حتى عندما تبلغ به اللاعقلانية أقصى مداها لا يتصرف على هذا النحو، وعلى أى حال، ما الذى فعله الأقباط بالضبط لكى يدفع أى مصرى إلى هذا النوع من السلوك؟ (ناهيك عن دفعه إلى عمل انتحارى كما زعمت وسائل الإعلام، أى التضحية بنفسه فى سبيل قتل بعض الأقباط؟!) وما الذى فعله أو كتبه نجيب محفوظ لكى يستثير مسلما متعصبا إلى محاولة قتله؟ وما الذى فعله السياح مما يثير غضب المسلم المتعصب على هذا النحو؟

ثم فلتخبرنى بالله ما الذى يمكن أن يستفيده الإسلام والمسلمون، المتعصبون منهم وغير المتعصبين، من مثل هذا العمل؟ إن الأضرار التى تصيب الإسلام والمسلمين من هذه الأعمال كثيرة ومخيفة، ولا يقابلها فائدة واحدة للإسلام يمكن أن تخطر بالبال.

ورجح البعض أن المسئول عن حادث الإسكندرية هو تنظيم القاعدة برئاسة أسامة بن لادن، استنادا إلى أن طريقة تفجير السيارة، وبعض ما أحاطه من ملابسات يشبه ما حدث من تفجيرات فى العراق فى الشهور الأخيرة. وأنا لا أنفى أن هناك بالفعل أوجه شبه بين التفجير هنا وهناك، ولكن على أى أساس قبلنا بهذه السهولة أن ما يسمى بتنظيم القاعدة يحركه ويخطط له مسلمون متعصبون؟ (بل ما هو الدليل على أن أسامة بن لادن ما زال حيا يرزق وأنه هو الذى يرسل التسجيلات إلى قناة الجزيرة ويعترف فيها، بالصوت والصورة، بمختلف الجرائم التى تنسيب إلى الإسلام والمسلمين: ألم يبلغك بعد أن من أسهل الأمور الآن تزييف أى شريط تسجيل، وإضافة أى صوت إلى أى صورة، ونسبتهما إلى أى شخص قد تكون أنت الذى اخترعته ابتداء؟).

الحقيقة أن ما حدث فى الإسكندرية فى سلسلة الحوادث التى تنسب إلى مسلمين متعصبين، هو أخطر بكثير من أن نسرع بتفسيره بهذه الطريقة، والمستفيدون من هذه الطريقة فى التفسير، هم فى رأيى المستفيدون الحقيقيون من هذه الجرائم وبالتالى فهم فى رأيى مخططوها، حتى ولو استأجروا أشخاصا مسلمين لتنفيذها. فهؤلاء الأشخاص المسلمون المستعدون لتنفيذ هذه الأعمال موجودون بالفعل، (كما أنهم موجودون فى كل البلاد وكل الأديان)، ولكن هذا النوع من الأشخاص ليس عادة من المتعصبين، بل هم فى العادة أشخاص ضائعون وبلا عقيدة من أى نوع، مستعدون لبيع أنفسهم مقابل الكمية المناسبة من المال (مثل الرجل الذى نفذ جريمة قتل المطربة سوزان تميم دون أن يكون له بها أى علاقة ولا أى شىء ضدها، بل ولا يهمه فى شىء ما إذا ماتت أو بقيت عل قيد الحياة، طالما قبض مكافأته).

نعود فنسأل: إذن من المستفيد؟

المستفيدون المحتملون ليسوا كثيرين: إسرائيل واحدة منهم، لأنه مما يساعدها على تحقيق أهدافها تشويه سمعة الإسلام والمسلمين، ثم المزيد من هذا التشويه، وأصدقاء إسرائيل فى مصر مستفيدون محتملون آخرون، إذ إن تحقيق الأهداف الإسرائيلية يضمن لهم الاحتفاظ بنفوذهم، فضلا عن أن مثل هذه الجريمة وتكرارها يساعد على إظهارهم بمظهر المدافعين الوحيدين عن الأقباط. والإدارة الأمريكية مستفيد آخر محتمل لأنها تعمل على تحقيق الأهداف الإسرائيلية وأهداف أصدقاء إسرائيل فى مصر.

إن ما ذهبت إليه فى هذا المقال لا يعنى بالطبع أن نتكاسل فى أى عمل من شأنه مقاومة التعصب الدينى ومقاومة التفسير اللاعقلانى للدين، ولكنى لا أجد الحادث الإجرامى الذى وقع بالإسكندرية منذ أيام، أى علاقة بهذا المطلب.

بل الذى نخرج به من هذا الحادث وأمثاله، هو التأكيد على الحقيقة الآتية: إن قضية الأقباط فى هذا البلد هى فى الحقيقة نفس قضية المسلمين، إذ إن أعداء المسلمين هم نفس أعداء الأقباط، فى الخارج والداخل. ومن ثم فالرد على تفجير كنيسة بتفجير مسجد، سلوك خائب تماما مثلما هو منحط، بالضبط كما أن تفجير كنيسة لأنها مكان عبادة لأشخاص من غير دين، هو أيضا سلوك خائب تماما ومنحط. والمستفيد من كلا التفجيرين أشخاص وجهات لا تحمل أى مشاعر ودية لا للمسلمين ولا للأقباط.