د. جلال أمين

د. جلال أمين
أستاذ الإقتصاد بالجامعة الأمريكية والمفكر المصرى الكبير

الجمعة، 26 نوفمبر 2010

ظاهرة مصرية جدًا

الشروق - الجمعة 26 نوفمبر 2010

 أذكر أننى، منذ عشرين عاما أو أكثر، كنت أحضر مؤتمرا فى عمّان، وأقيمت بمناسبته حفلة عشاء، وقيل لنا إنه من بين الثمانية أو العشرة أشخاص الذين سيجلسون حول كل مائدة من موائد العشاء، سيجلس وزير أردنى. دخلت القاعة متأخرا بعض الشىء، بعد أن جلس معظم المدعوين فى أماكنهم، ورحت أبحث عن المائدة التى يوجد بها اسمى. لم أكن أعرف شكل الوزراء الأردنيين، ولكننى توقعت أننى بمجرد النظر إلى الجالسين حول كل مائدة سوف أكتشف الوزير على الفور، وأميزه عن الآخرين ولكن لدهشتى الشديدة لم أتمكن من ذلك.

كان الجالسون حول كل مائدة يتحادثون وكأنهم متساوون فى المقام، فلم أستطع أن أميز الوزير من بينهم. سألت نفسى: لماذا كنت أتوقع أن أكون قادرا على تمييز الوزير عن غيره بسهولة؟ لابد أن لهذا علاقة بأننى آت من مصر، حيث يسهل فعلا إذا ظهر الوزير مع غيره من الناس أن تعرف بمجرد النظر من هو الوزير. من المؤكد أن الأمر لا يتعلق بملامح الوزير أو نوع ملابسه، بل لابد أنه يتعلق بنظرات المحيطين به وسلوكهم نحوه، حيث يبتسمون له، بمناسبة وبغير مناسبة، وقد يضحكون لأى نكتة أو ملاحظة تصدر عنه، وقد يضاف إلى ذلك بعض الانحناءات.

الظاهرة مصرية جدا للأسف، ويمكن تقديم العديد من الأمثلة على صحتها، فالإشارة إلى أن شخصا ما يحتل منصب وزير أو أنه كان وزيرا فى يوم من الأيام، مهمة جدا سواء فى تعريف الشخص للآخرين، أو فى نشر أخبار الوفاة، أو فى الحرص على تأكيد أن رجلا ما، وإن لم يكن وزيرا بالفعل، يحمل درجة وزير ويتقاضى راتب وزير.

أعرف وزيرا سابقا، مضى على تركه الوزارة أكثر من ثلاثين عاما، ومع ذلك يصر سكرتيره الخاص، إذا اتصل بى تليفونيا ليخبرنى بأن الرجل العظيم يريد التحدث إلىّ على أن يضيف إلى اسمه «معالى الوزير». ووزير سابق آخر أسرّ إلىّ مرة بأن زوجته أصبحت أكثر لطفا معه عندما أصبح وزيرا، كما روى لى صديق أثق بما يقول إن وزيرا آخر عندما عرف أن اسمه قد استبعد من التعديل الوزارى، اتصل تليفونيا بمسئول كبير، وصوته يتهدج وكأنه يبكى، راجيا ألا يسحبوا جندى الحراسة والكشك الخشبى الذى يقام أمام بيت الوزير، ولو لبضعة أسابيع، حتى لا تصاب زوجته بصدمة نفسية. كما وصف لى وزير سابق آخر وظيفة «النطّاط» الذى تقتصر وظيفته على الجلوس بجوار سائق الوزير، ثم القفز قبيل وقوف السيارة تماما، ليفتح للوزير الباب فلا يضطر إلى فتحه بنفسه.. الخ.

لابد أن الظاهرة قديمة جدا، بل أرجح أنها تعود إلى عصر الفراعنة. وحيث إننى لم أشاهد مثيلا لها فى أى بلد عربى آخر، أو غير عربى، فالأرجح أيضا أن لها علاقة وثيقة بظروف مصر الطبيعية، وبالذات بالدور الذى يلعبه نهر النيل فى حياة المصريين، ودور الدولة المهم فى تنظيم الانتفاع بمياه النيل. نعم، هناك دول أخرى لديها أنهار مهمة، ولكننى لا أعرف بلدا آخر يعتمد هذا الاعتماد شبه الكامل على مياه النهر، بسبب ندرة الأمطار ندرة شديدة، مثلما تعتمد مصر. لا عجب إذن فى العبارة التى ذكرها نابليون فى مذكراته عن مصر، التى نقلها عنه جمال حمدان، إذ قال إنه لا يعرف بلدا فى العالم يتوقف ازدهاره أو تدهوره على ما تفعله الدولة، مثلما هى الحال فى مصر.

إذا كان الأمر كذلك، فلا عجب أيضا من ذلك الحرص الشديد الذى يظهره غالبية المصريين على أن يصبحوا قريبين من السلطة أو على الأقل على التقرب إليها. إنك تشاهد هذا فى موقف الفلاح المصرى من الرجل القادم من المدينة، وما يعلقه من أهمية على قدرة هذا الرجل على تقديم بعض الخدمات له، بسبب ما يتوافر له من قرب من السلطة.

فسلطة الدولة منتشرة فى كل مكان، وللدولة أصبع فى كل كبيرة وصغيرة وتتحكم بشكل أو بآخر فى كثير من مصادر الرزق. ومن ثم يمكن للقريب من السلطة «ناهيك عن صاحب السلطة نفسه» أن يحل الكثير من المشكلات «بل وقد يتصور كثيرون أنه يستطيع أن يحل كل المشاكل».

ولكن مما ضاعف هذه الأهمية التى يعلقها المصريون على القرب من السلطة، ما يسود المجتمع المصرى من قديم الزمن من درجة عالية جدا من الطبقية، أى الانقسام الحاد بين طبقتين. فقد كانت فى مصر دائما «ولاتزال بالطبع» شريحة صغيرة جدا من الناس تجلس على قمة الهرم الاجتماعى، تضم أصحاب السلطة والقريبين جدا منها وفى أسفل الهرم قاعدة كبيرة جدا تضم معظم المصريين، غالبيتهم يجدون صعوبة فى الحصول على ضروريات الحياة، والباقون يجدون صعوبة فى تمييز أنفسهم عمن هم أدنى منزلة منهم. هذه القاعدة الكبيرة جدا من المصريين لابد أن تنظر إلى القرب من السلطة تلك النظرة التى وصفتها حالا، ولابد أن يكون «للوزير» فى نظرها، بما يمثله من منتهى السلطة، هذه الأهمية القصوى.

كنت فى صباى، قبل أن تقوم ثورة 1952، كثيرا ما أسمع كلمتى «المحسوبية» و«المحاسيب»، وتعبيرات من نوع «كلمة واحدة من سعادة الباشا»، أو أن هذا الشخص أو ذاك «قد وصى عليه فلان باشا أو فلان بك». ثم حلت طبقة الضباط محل الباشوات والبكوات بقيام الثورة، إذ انتشر الضباط فى كل مكان مهم، فى مقاعد الوزراء، والوظائف الكبرى، ورئاسة الشركات، وسفاراتنا فى الخارج.. الخ، فأصبح من المفيد جدا، إن لم تكن أنت نفسك ضابطا، أن يكون لك قريب ضابط. ولكن مع مرور الوقت على الثورة، واضطرار النظام إلى الاعتماد أكثر فأكثر على غير الضباط، وزيادة الثروة فى أيدى شريحة جديدة من المصريين بسبب سياسة الانفتاح زيادة كبيرة سمحت لهم بالنفاذ إلى أعلى مستويات السلطة، تغيرت من جديد طبيعة تلك الطبقة الصغيرة الجالسة على قمة الهرم، وإن لم يتغير لا حجم السلطة التى يتمتعون بها، ولا درجة الأهمية التى يعلقها الناس على التقرب إليهم.

عندما يكون الأمر كذلك، ليس من الغريب أن تنخفض درجة الأهمية التى يعلقها معظم المصريين عما إذا كان النظام الحاكم يرفع شعارات الاشتراكية أو الرأسمالية، العدالة الاجتماعية أو مجرد «البعد الاجتماعى»، الانغلاق أو الانفتاح، معاداة الغرب أو مصادقته.. الخ. طبعا كل هذا لابد أن يكون له بعض الأثر على أحوال الفقراء ومستوى معيشة الناس، ولكن خبرة المصريين الطويلة أدت بهم إلى الاعتقاد بأن الأهم من كل ذلك فى تحسين أحوالهم هو ما يتيحه القرب من السلطة من مزايا. نعم، الاشتراكية أفضل للفقير من الرأسمالية، ولكن أليس أفضل من هذا وذاك أن تكون علاقتك قوية ببعض الممسكين بالسلطة، أو بأشخاص قريبين منها، سواء كان هؤلاء اشتراكيين أو رأسماليين، منفلتين أو منفتحين؟

لقد اعتاد المصرى على أن الدولة خالدة خلود نهر النيل والأهرامات وكذلك تدخلها فى كل كبيرة وصغيرة، بل لقد اعتاد أيضا أن أصحاب السلطة فى مصر يفضلون فى نهاية الأمر التعامل مع ذلك النوع من الناس، المستعد دائما لتنفيذ الأوامر، على التعامل مع المؤمنين بمبدأ من المبادئ ولا يحيدون عنه، حتى لو كان هو نفس المبدأ الذى يؤمنون هم به ويرفعون شعاراته.

ومن ثم فقد استقر فى نفس المصرى، بخبرته التاريخية الطويلة، الاعتقاد بأن قربه من أصحاب السلطة «أيا كان ما يرفعونه من شعارات» سوف يقربه من تحقيق طلباته، أكثر من أى تغير فى الشعارات أو حتى فى القوانين.

خطر لى ذلك عندما طالعت فى الصحف منذ أيام ما نشر بمناسبة وفاة النائب البرلمانى الراحل كمال الشاذلى، عن تاريخه السياسى والشخصى، وخروج الآلاف المؤلفة من أهل بلدته «الباجور» بمحافظة المنوفية، لتشييع جنازته فى منظر فريد من نوعه، على الرغم من أنه كان قد استبعد من السلطة قبل خمس سنوات. امتلأت الصحف بعبارات العزاء المؤثرة، من مختلف الشرائح الاجتماعية فى مصر، كما أن التعليقات التى نشرتها الصحف لكثير من الأفراد العاديين من أهل بلدته، كانت تشيد به وتثنى عليه بعبارات يندر أن تستخدم فى وصف شخص بعد مفارقته الحياة.

من مطالعة تاريخ الرجل نعرف أنه قبل أن يعتلى مناصب مهمة مثل منصب أمين التنظيم فى الحزب الحاكم، ومنصب وزير شئون مجلسى الشعب والشورى، ظل ينتخب نائبا عن بلدة الباجور فى كل مجلس للشعب طوال 46 عاما، أى منذ 1964، وهى مدة أطول من مدة أى نائب برلمانى فى مصر، وربما فى العالم كله. وعلى هذا استمر الرجل عضوا فى البرلمان فى كل العهود فى مصر، من الاشتراكية المتشددة إلى الرأسمالية المتوحشة، ومن الانغلاق إلى الانفتاح البسيط إلى الانفتاح التام، ومن المعاداة الشديدة للولايات المتحدة وإسرائيل إلى المصادقة الشديدة لهذه وتلك.. الخ.

كان الرجل عضوا مهما فى مختلف الأحزاب الحاكمة فى مصر مع تغير اسمها من الاتحاد الاشتراكى، إلى الاتحاد القومى، إلى حزب مصر، إلى الحزب الوطنى الديمقراطى. حدثت كل هذه التغيرات ولكن ظل الرجل قريبا جدا من أصحاب السلطة، لا يستغنون عنه ولا يستغنى عنهم. لم يسمح الرجل إذن لأى شعارات بأن تخدعه عن «حقيقة اللعبة فى مصر» (وهى العبارة التى استخدمتها مرة سيدة مصرية وصفت بالمرأة الحديدية، إذ كونت ثروة هائلة بسبب اتقانها هذه اللعبة، ثم قدمت للقضاء بتهم مختلفة منها بناء عمارة بدون تصريح فوقعت على رءوس سكانها، ولكنها استطاعت الهرب من مصر ومازالت خارجها).
كان كمال الشاذلى يعرف جيدا ما هو مفتاح النجاح المادى فى مصر، وكيف يستخدمه بمهارة، ولكنه بالإضافة إلى ذلك، وبعكس الكثيرين ممن تتوافر لديهم نفس المعرفة ويستخدمها بمهارة، كان يدرك أيضا الطريق إلى قلوب غالبية المقهورين فى مصر، وهو تلبية حاجاتهم الأساسية العاجلة، من توظيف ابن رجل بسيط لا يجد وظيفة رغم حصوله على الشهادة الجامعية، إلى الحصول على موافقة بالنقل من بلد بعيد إلى بلد قريب، إلى الحصول على فرصة للسفر إلى بلد عربى لتكوين مدخرات تسمح له بالزواج، إلى وضع اسمه فى قائمة المستحقين للسكن فى شقة من الشقق التى بنتها الحكومة.. الخ.

كان كمال الشاذلى ظاهرة مصرية بكل معنى الكلمة، وإن كان سلوكه اليومى وحجمه المادى وصوته وحركاته، أكبر كثيرا من الحجم الطبيعى ومن الحجم المتوسط للمصريين. ظل ملء السمع والبصر حتى غضبت عليه السلطة «لسبب لا يعرفه إلا الراسخون فى العلم» فعين فى تلك الوظيفة المدهشة والمخصصة لمن تغضب عليه السلطة ولا تريد من ذلك إغضابه أكثر من اللازم، وهى وظيفة المشرف العام على «المجالس القومية المتخصصة»، (وهى فيما يبدو متخصصة فى ذلك بالضبط، وأحيانا أسأل نفسى عما إذا كان لدى الفراعنة فى عصور مصر القديمة وظيفة مماثلة تستخدم هذا الاستخدام؟).

على الرغم من إبعاده عن السلطة طوال السنوات الخمس الأخيرة من حياته، ظهر هذا الحشد العظيم من كبراء مصر وهم يشيعون جنازته، وعلى وجوههم أشد مظاهر الحزن والعبس.

حاولت أن أتصور ما الذى يمكن أن يدور بأذهانهم من أفكار عن هذه الشخصية المدهشة. لقد اشترك كثير منهم فى نفس اللعبة، وحققوا من ورائها درجات مختلفة من النجاح، ولكن لابد أنهم فوجئوا، مثلما فوجئت أنا، بتلك الدرجة الهائلة من الشعبية التى حققها الرجل بين أهل بلده، ولابد أن طاف بأذهانهم أنه لاشك فى أنه كان يجيد هذه اللعبة أكثر بكثير مما يجيدونها. بل ولا أستبعد أن يكون هذا هو بالضبط سبب استبعاده من السلطة منذ خمس سنوات.

الجمعة، 19 نوفمبر 2010

الدولة التى لا تريد أن تشب عن الطوق

الشروق - الجمعة 19 نوفمبر 2010

فى يونيه الماضى (أى منذ حوالى خمسة أشهر) اكتشفت اكتشافا مهما (أو هكذا يبدو لى) وإن كنت شعرت ببعض الذنب لأنى لم أكتشفه من قبل.

كانت بداية هذا الاكتشاف قراءتى، بمحض الصدفة، لعرض قصير لأحد الكتب الصادرة حديثا، فى باب نقد الكتب فى مجلة أمريكية هى (هاربرز Harpers). عندما قرأت ما كتب عن الكتاب تحمست لاقتنائه، فلما طلبته وقرأته استولى على إعجابى التام، واستغربت أنى لم أسمع عن مؤلفه من قبل.

الكتاب يحمل عنوانا جميلا (TII Fares the Land) وهو ما يمكن ترجمته إلى العربية بعبارة أقل جمالا (الأحوال ليست على ما يرام) ووجدت فيه نقدا بالغ القوة لنكوص العالم الغربى (وأجزاء أخرى كثيرة من العالم) خلال الثلاثين عاما الماضية، عن مبادئ دولة الرفاهية، إذ أخذت الدولة تتخلى عن مسئولية بعد أخرى من مسئولياتها الاجتماعية، من حماية الفقراء، إلى منع التدهور فى نوعية الحياة، إلى دعم الثقافة الرفيعة..الخ.

وجدت دفاعه عن دور الدولة فى النهوض بالحياة الاجتماعية ومنع تفاقم الفجوة بين الطبقات، أقوى ضجة بكثير مما اعتدت قراءته، وأكثر فصاحة، وأشد تمسكا بالمبادئ الأخلاقية التى نادرا ما تثار الآن، كما وجدته قاطعا كالسيف، يسمى الأشياء بأسمائها، ولا يقبل أنصاف الحلول.

لم استغرب، بعد أن قرأت الكتاب، ان أعرف انه حصل فى العام الماضى، على جائزة ثقافية رفيعة اسمها «جائزة جورج أورويل»، على مجمل أعماله، وذكر فى حيثيات الجائزة أنها منحت له «لما تتحلى به كتابته به من ذكاء ونفاذ البصيرة وشجاعة مبهرة». قلت لنفسى إن كتابات جورج أورويل، فى الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضى، كانت كذلك بالضبط: تشع بالذكاء ونفاذ البصيرة والشجاعة، قاطعة كالسيف ولا تقبل أنصاف الحلول، ويظهر فيها ما يظهر فى هذا الكتاب من حس أخلاقى رفيع، وتناول القضايا السياسية من منظور أخلاقى.

دفعت هذا وذاك إلى أن أسعى لمعرفة المزيد عن هذا الكاتب الذى لم أصادف كاتبا له مثل هذه الأوصاف منذ تعرفت على جورج أورويل، فاكتشفت ما يلى. هو كاتب بريطانى، وان قد قضى العشرين عاما الأخيرة فى الولايات المتحدة. ولد فى حى فقير من أحياء لندن فى سنة 1948، من أسرة يهودية يرجع أصلها إلى دولة صغيرة من دول البلطيق (ليتوانيا)، ومن هنا اسمه غير المألوف، والذى يصعب علينا نطقه: تونى جُدت، بضم الجيم وتسكين الدال (Tony Judt).

حصل على الدكتوراه من جامعة كامبردج فى التاريخ، ثم كتب ما يعتبر الآن أفضل كتاب على الإطلاق فى تاريخ أوروبا فى الخمسين عاما التالية لانتهاء الحرب العالمية الثانية (اسم الكتاب: «ما بعد الحرب»، Postwar) ولكنه كتب أيضا فى موضوعات أخرى كثيرة غير التاريخ الأوروبى، ونشرت مقالاته فى بعض من أكثر المجالات الأمريكية رصانة وجدية، جمع عدد كبير منها فى كتاب اسمه («إعادة تقييم تأملات فى جوانب منسية من القرن العشرين» Reappraisal) ونشر فى العام الماضى.

لفت نظرى فى ذلك العرض القصير لكتاب «الأحوال ليست على ما يرام»، إشارة إلى أنه كتب هذا الكتاب وهو يعانى من مرض خطير هو مرض (الشلل العصبى)، وهو مرض يؤدى تدريجيا إلى تدمير القدرة على استخدام عضلات الجسم، ووصف هو حاله مع هذا المرض بأنها تشبه حالة شخص مسجون فى زنزانة يتضاءل حجمها بمقدار 6 بوصات كل يوم»، وأشارت المجلة إلى أنه لا ينتظر أن يعيش طويلا.

لم أتوان عن اقتناء كتابيه الآخرين، وبدأت اقرأ كتاب (إعادة تقييم) فإذا بظنى يتحقق فى أتم صورة: هذا الرجل هو بلا شك خليفة جورج أورويل، فى صدقه ونبله وصرامته. ووجدت كثيرا من فصول الكتاب يتناول موضوعات أعتبرها مهمة، كفصل عن إدوارد سعيد كتبه بمناسبة وفاته ويعبر فيه عن اعجابه الذى لا حد له بهذا الرجل العظيم، الذى كان صديقا حميما له.

فى مقاله البديع عن إداورد سعيد، يدافع جُدت عن رأى سعيد فى رفض حل الدولتين لمشكلة الفلسطينيين، ويصر مثله على قيام دولة واحدة يعامل فيها الفلسطينيون على قدم المساواة مع اليهود، ويختم رثاء لإدوارد سعيد بقوله «لقد استمر إدوارد سعيد طول ثلاثة عقود، فى إثارة النقاش فى الولايات المتحدة حول إسرائيل وفلسطين والفلسطينيين، ويكاد أن يقوم بذلك بمفرده، فقدم بذلك خدمة إنسانية لا تقدر بثمن، ومعرضا بذلك حياته لخطر لا يستهان به. لقد خلف إدوارد سعيد بوفاته فراغا سوف يزداد حجمه مع الزمن، فى الحياة العامة بالولايات المتحدة، فهو رجل لا يمكن أن يوجد من يملأ مكانه».

•••
ولكن الدافع الأساسى لى لكتابة هذا المقال هو أن أعرِّف القراء العرب الذين لم يقرأوا بعد شيئا لهذا الرجل، برأى هذا الكاتب العظيم فى دولة إسرائيل.

لقد قضى (تونى جدت) بضعة شهور فى إسرائيل وهو فى التاسعة عشرة من عمره مدفوعا بالحماس، مثل كثيرين من الشباب اليهود فى ذلك الوقت، لفكرة الكيبوتز، التى كانت ترمى إلى بناء مجتمع اشتراكى فى الدولة الجديدة. كان ذلك قبيل حرب 1967، ولكنه كتب يصف ما حدث من تغيير فى تفكيره بعد هذه الحرب، فقال: «إنه اكتشف خلال هذه التجربة أن اليساريين من الصهاينة لا يختلفون عن اليمينيين منهم فى فقدان أى شعور بالتعاطف إزاء محنة ذلك الشعب الذى قاموا بطرده من أرضه».

ثم قوى هذا الشعور لديه ضد الصهيونية ما لمسه من تعصب الجناح الصهيونى فى حزب العمال البريطانى، فبدأ يكتب وينشر مقالا بعد آخر فى هذا الاتجاه، فى مجلات أمريكية كبرى، مما جلب عليه لعنة الصهيونية الذين أثاروا عاصفة من الهجوم عليه والتشهير به واتهموه بـ(الطبع) بتلك التهمة الشهيرة (العداء للسامية)، مما أدى إلى إلغاء محاضرات له كان قد سبق الاتفاق على القائها فى الولايات المتحدة، وتلقيه هو والمؤسسات الداعية له لمختلف التهديدات من المنظمات الصهيوينة، واستبعاد بعض المجلات الأمريكية له من مجلس إدارتها ....الخ.

ولكن كل هذا لم يفت فى عضده. فلم يتوقف عن نقد الصهوينية وتفنيد حجمها. من ذلك مقال نشره فى عام 2003 فى مجلة «نيويورك لنقد الكتب» (New York Review of Books)، ما أجدر أن يعاد نشره الآن، قال فيه إن فكرة أن تصبح إسرائيل دولة يهودية لا يمكن قبولها فالدولة الدينية قد عفا عليها الزمن، ويجب أن تحل محلها فكرة الدولة مزدوجة القومية (binateial srate).

ومن ذلك أيضا مقال رائع نشر فى سنة 2006، وهو المقال الذى استخدمت عنوانه كعنوان لمقالى الحالى: «الدولة التى لا تريد أن تشب عن الطوق»، والتى أعتبرها من أفضل ما قرأت عن إسرائيل. قال فى هذا المقال إن إسرائيل تشبه الصبى المراهق الذى: «يسيطر عليه اعتقاد هشّ للغاية، بأنه شخص لا مثيل له فى الوجود، وأنه لا أحد «يفهمه»، وأن الجميع «ضده»، ويتصرف تصرف الشخص المغرم بنفسه إلى أقصى حد، و«المجروح» باستمرار من الآخرين.

ما أسرع أن يشعر بأنه «أهين»، وما أسرع أن يوجه هو الإهانة للآخرين». إن إسرائيل، شأنها فى ذلك شأن كثير من المراهقين مقتنعة تمام الاقتناع (ولا تكف عن التعبير عن هذا الاقتناع بدرجة عالية من العدوانية) بأنها قادرة على أن تفعل ما تشاء وتتصرف وكأن تصرفاتها لا يمكن أن يترتب عليها أى ضرر بها.

تناول «جدت» أيضا فى هذا المقال ما يسمى «بالعداء للسامية»، وحذر من أن التمادى فى استخدام هذه التهمة ضد أى شخص ينتقد دولة إسرائيل، دون تمييز بين المعادى لليهود والكاره لإسرائيل، لابد أن يؤدى مع مرور الوقت إلى تعويد الناس على تجاهل الحالات التى تكون فيها هذه التهمة فى محلها، أى الحالات التى يكون فيها العداء والكراهية لليهود باعتبارهم يهودا وليست بسبب العداء لإسرائيل.

•••
استمر «جدت» يكتب ويلقى المحاضرات، والمرض يزحف على جزء بعد آخر من جسمه فيشل حركته، حتى وصف نفسه فى محاضرة كان يلقيها فى نيويورك فى خريف سنة 2009، وهو جالس على كرسى متحرك، قائلا «إنى مشلول من أسفل الصدر وحتى القدمين، فالذين ترونه أمامكم الآن ليس أكثر من رأس إنسان ينطق ببعض الكلمات». ومع هذا كانت هذه المحاضرة التى ألقاها وهو فى هذه الحالة أساسا لكتابه البديع «الأحوال ليست على ما يرام»، الذى أشرت إليه فى بداية هذا المقال ونشر فى سنة 2010، والذى وصفته صحيفة الجارديان البريطانية بأنه «يقدم دفاعا عن دولة الرفاهية مبنيا على القيم الأخلاقية، وأقوى من أى شىء سمعناه من أى سياسيى الأحزاب العمالية فى السنوات الأخيرة». وقد اقتطف «جدت» جملة للكاتب الفرنسى الذى كان شديد الإعجاب به (ألبير كامى)، ووضعها فى صدر الكتاب، وهى:

«إن كل فكرة خاطئة تنتهى بإسالة الدماء، ولكنها دائما دماء أشخاص آخرين».
فى أوائل أغسطس الماضى قرأت خبر وفاته، نشرته جريدة الإندبندت البريطانية بعناوين كبيرة تقول:
«توفى جدت، المؤلف والمؤرخ، وواحد من أشجع الرجال فى بريطانيا، توفى عن 62 عاما».

الجمعة، 12 نوفمبر 2010

موهبة علاء الأسوانى.. وأعداؤها الثلاثة

الشروق - الجمعة 12 نوفمبر 2010

شعر كثيرون من محبى الدكتور علاء الأسوانى، والمعجبين بأدبه ومواقفه السياسية، بأن من المناسب جدا إقامة حفل لتكريمه وإعلان التضامن معه لسببين أساسيين: الأول ما لاحظوه من أنه فى الوقت الذى يجرى فيه تكريم علاء الأسوانى فى دولة بعد أخرى خارج مصر، تتخذ منه الدولة المصرية موقفا مدهشا من التجاهل المتعمد، والتعتيم المستمر على ما يحصل عليه من تكريم من خارج مصر، كما ترفض منحه أى جائزة من جوائز الدولة، بينما تمنح الجوائز أحيانا للأقل منه موهبة.

والسبب الثانى أن الصهيونية العالمية غاظها أن يحصل أديب مصرى على كل هذا النجاح فى أنحاء العالم، فتترجم أعماله إلى أكثر من ثلاثين لغة، وتتجاوز مبيعات بعض رواياته المليون نسخة، وهو فى نفس الوقت معارض للتطبيع مع إسرائيل، كاره للصهيونية، ومناصر للفلسطينيين، فراحت تشن عليه حملة شعواء فى الصحف ووسائل الإعلام الموالية لها، متهمة إياه بتلك التهمة السخيفة، وهى أنه «معادٍ للسامية».

وقد دعيت للاشتراك فى هذا الاحتفال الذى أقيم يوم الاثنين الماضى بنقابة الصحفيين فذهبت مسرورا لأكثر من سبب، فبالإضافة إلى إعجابى الشديد بروايتى علاء الأسوانى الشهيرتين «عمارة يعقوبيان، وشيكاغو»، وبقصصه القصيرة الجميلة، اكتشفت بعد ذلك أن علاء الأسوانى مصنوع من معدن خلقى نفيس، حتى إنى أسأل نفسى أحيانا: «هل هذا المعدن أسوانى؟».

اكتشفت هذا «المعدن الأسوانى النفيس»، من مواقفه السياسية المتتالية التى يعبر عنها بصراحة تامة وبقوة، كموقفه من الهجوم الأمريكى على العراق فى سنة 2003، ثم من قضية التوريث، ومن قضية الحريات فى مصر، ومواقفه من بعض التصرفات المدهشة لوزير الثقافة المصرى ورجاله، وكذلك مواقفه من التطبيع مع إسرائيل. وكان آخر هذه المواقف رفضه أن يقوم مركز إسرائيلى بترجمة وطباعة (عمارة يعقوبيان) لأنه يرفض أى تعامل مع الإسرائيليين.

لم يكن غريبا أن يخلق علاء الأسوانى لنفسه أعداء فى جبهات مختلفة.
هناك أولا العداء الطبيعى الناشئ من الغيرة من جانب بعض الكتاب الأقل موهبة، وهناك العداء من الدولة التى لا يكف الأسوانى عن نقدها، وهناك العداء من وزير الثقافة بالذات ورجاله الذين لا يكف علاء الأسوانى عن الكشف عن أخطائهم وها هو ذا الآن العداء السافر من جانب إسرائيل وأنصارها.

كان الكتاب الغيورون من علاء الأسوانى يعتمدون فى تحقيق الشهرة على ثلاث وسائل أساسية، جاء علاء الأسوانى فأثبت قلة جدواها.
الوسيلة الأولى لتحقيق الشهرة: أن يكتبوا كلاما غير مفهوم، اعتمادا على أنه فى مجتمع نصفه من الأميين وربعه من أنصاف المتعلمين، يمكن بسهولة أن يفقد القارئ ثقته بنفسه إذا رأى أمامه شخصا يكتب كلاما لا يفهمه بالمرة، فيظن أن العيب فيه هو، أى فى القارئ، وأن هذا الكاتب الذى يكتب كلاما بهذه الدرجة من الصعوبة والإبهام لابد أن يكون عبقريا.

والوسيلة الثانية للشهرة، أن ينشئ الكاتب غير الموهوب علاقات مع بعض الأشخاص المهمين فى وسائل الإعلام، خاصة التليفزيون، فيضمن أن يدعى للاشتراك فى كل ندوة تليفزيونية، وأن يتكرر ظهور صوره فى الجرائد والمجلات، خاصة صورته وهو يتخذ سمة المفكر المشغول بالتفكير العميق، فلا يمضى وقت طويل حتى يشار إليه بوصف الأديب الكبير، ثم مع تكرار هذا الوصف يصبح «أديبا كبيرا» بالفعل، خصوصا فى بلد يعتبر فيه الظهور على شاشة التليفزيون دليلا أكيدا على الأهمية والنبوغ.

والوسيلة الثالثة والأكثر فعالية لتحقيق الشهرة، وإن كان لا ينجح فيها إلا المثابرون، هى أن يحصل الكاتب غير الموهوب على مركز المسئول عن صفحة ثقافية خاصة به فى إحدى الصحف، يفعل فيها ما يشاء. ففى هذه الحالة سوف يخطب الجميع ودّه، ويتحول الأمر إلى تبادل المنافع بين مجموعة من الكتاب الخالية من الموهبة، فيشتهر الجميع، ويصبحون جميعا «أدباء كبارا».

نعم كل هذا كان ممكنا، ولكن ماذا يفعل هؤلاء الآن وقد أثبتت ظاهرة علاء الأسوانى أن من الممكن للكاتب أن يحقق نجاحا جماهيريا رغم أنه يقول كلاما مفهوما (فالناس فى نهاية الأمر يفضلون أن يسمعوا ويقرأوا كلاما يستطيعون فهمه ويتأثرون به)، ورغم أنه ليس ضيفا دائما على الندوات التليفزيونية (فهو ممنوع أصلا من دخول التليفزيون)، وليس له صفحة ثقافية خاصة به فى إحدى الصحف؟

لجأ هؤلاء الغيورون (وانضم إليهم بعض رجال وزير الثقافة) إلى استخدام حجتين سخيفتين:
الأولى: أن علاء الأسوانى كاتب تقليدى، لم يفعل أكثر مما فعله نجيب محفوظ فى الأربعينيات والخمسينيات، أى قبل أن يكتب قصصا رمزية أو فلسفية.

والثانية: أن النجاح الجماهيرى الذى يحققه الكاتب ليس دليلا على الجودة، بل ذهب بعضهم إلى حد الزعم بأن النجاح الجماهيرى دليل على عدم الجودة.

أما الحجة الأولى فردى عليها أن للأدب والفن عموما ألف شكل ولون، ولا تستطيع أن تفاضل بين لون من الأدب وآخر إلا بدرجة تأثيره فى النفس (ثم فلتبحث بعد هذا فى سبب نجاح كاتب دون آخر فى إحداث هذا التأثير).
فإذا كان الناس فى أوائل القرن الحادى والعشرين مستعدين للتفاعل والتعاطف مع عمل أدبى جميل كان له شبيه فى الأربعينيات والخمسينيات، فما الضرر فى ذلك؟

وأما الحجة الثانية فمعناها فى الواقع أنك كلما نجحت فى أن تظل فكرة لا يعبأ بك أحد، كان معنى هذا ارتفاع قدرك وعظمة موهبتك.

أما الدولة المصرية، فقد وجدت هى أيضا نفسها فى ورطة لا تحسد عليها. فهذا الرجل الذى يندد بفسادها ويرفض التوريث ولا يكف عن فضح أى اعتداء على الحريات، أصبح فجأة مشهورا ومحترما، فى داخل مصر وخارجها، ومن ثم فما يوجهه إليها من نقد لابد أن يصغى إليه الناس فى الداخل والخارج.

فما العمل؟
ليس من السهل الآن القبض على علاء الأسوانى أو تلفيق تهمة له بعد ما حققه من شهرة. أى أنه لم يعد يجدى معه «سيف المعز» فلابد إذن من أن نمنع عنه «ذهبه»، كحرمانه من أى جائزة من جوائز الدولة، لا جائزة مبارك، ولا جائزة تقديرية، ولا حتى جائزة تشجيعية. ربما أعطوه الجائزة فى حالة واحدة فقط، كما فعلوا مع يوسف إدريس من قبل (الذى كان أيضا صريحا فى التعبير عن رأيه ونقده لما تفعله الدولة).

إذا انتظرت الدولة حتى أصبح يوسف إدريس على فراش الموت فى لندن، بعد أن أصبح عدم حصوله على جائزة من الدولة مثار سخرية الجميع، فأعطوه جائزة الدولة التقديرية عندما اطمأنوا تماما إلى أنه لن يتكلم أو يكتب بعد الآن. ولا يستطيع أحد أن يجزم بما إذا كان يوسف إدريس قد علم بحصوله على الجائزة أو لم يعلم.

أمام الدولة أيضا وسيلة أخرى ضد علاء الأسوانى وهى التعتيم التام على أخباره. فإذا حصل الأسوانى على جائزة دولية، مهما كانت رفيعة، يتم تجاهل الخبر تماما من جانب وسائل الإعلام الحكومية، وكأن الذى حصل على الجائزة عدو لدود لمصر. ولكن حتى هذا التعتيم التام لم يعد ممكنا فى العصر الذى نعيش فيه، مع وجود شبكات الإنترنت والفيس بوك... إلخ.

ثم جاء الدور على إسرائيل للانتقام من علاء الأسوانى. كان نجاح علاء الجماهيرى فى الداخل والخارج، فى حد ذاته، مفاجأة غير سارة للإسرائيليين. فهو يُدعى للكلام فى المعارض والندوات الدولية، ويظهر على شاشات التليفزيون وفى الإذاعة فى كثير من الدول الكبرى، وتترجم رواياته إلى عدد كبير من لغات العالم، ولكنه أيضا معارض للتطبيع وكاره لإسرائيل ومناصر للفلسطينيين، فلابد أن يُحدث هذا ضررا محققا بالمشروع الإسرائيلى. فما العمل؟

قالوا لأنفسهم: «فلنترجم إحدى رواياته للعبرية. فإذا كان ممن يغريهم المال أجزلنا له العطاء فى المكافأة وإيرادات الكتاب، وإذا كان ممن لا يشبعون من الشهرة، رفعنا ذكره وأشدنا بموهبته فى كل وسيلة إعلامية تخضع لنفوذنا. ولكن علاء الأسوانى لا ينفع معه هذا ولا ذاك، بسبب المعدن الأخلاقى النفيس الذى أشرت إليه. وأعلن أنه يرفض الدخول فى أى علاقة مع الإسرائيليين، ثقافية أو غير ثقافية، بل ورفع على الناشر الإسرائيلى قضية أمام المحاكم لقيامه بترجمة ونشر روايته دون إذن منه.

لم يبق أمام الإسرائيليين إلا الوسيلة الأخرى التى استخدموها كثيرا من قبل مع كل من يرفض الانصياع للمشروع الصهيونى، وهى اتهامه بتلك التهمة المدهشة «العداء للسامية» وهى تهمة غريبة ومدهشة حقا، وأعتقد أنه فى وقت ما فى المستقبل (أرجو أن يكون قريبا) لن يضحك المؤرخون من تهمته أكثر مما سيضحكون من تهمة «العداء للسامية»، إذ إن معنى أن أتهمك بهذه التهمة ليس أكثر من أن «أقول لك» إنك مجرم لأنك لا تحبنى!. فهل وصل الأمر إلى أن تعتبر كراهة شخص فاسد، جريمة؟

لقد كرر علاء الأسوانى أكثر من مرة (دون أن يكون فى الحقيقة بحاجة إلى ذلك) أن رفضه للتطبيع ليس رفضا لليهودى وأن كراهيته ليس لليهودى بل للصهيونى، ولكن لا فائدة.

فكراهية إسرائيل جريمة منكرة إذا كنت رجلا مشهورا ومهما. يمكنك أن تكره إسرائيل ولا يعبأ بك أحد إذا لم يكن لك أثر يذكر، ولكن أن تكون بشهرة وأهمية علاء الأسوانى وتكره إسرائيل، فهذه هى الجريمة النكراء.

لهذا السبب اجتمعنا يوم الاثنين الماضى فى نقابة الصحفيين لضم صوتنا لعلاء الأسوانى، ولنقول له:
«نحن معك فى رفض التطبيع، وفى الانتصار للفلسطينيين، وفى كراهية إسرائيل، ونحيى فيك معدنك الأخلاقى النفيس، على أمل أن يجىء اليوم الذى يصبح فيه الانتصار للحق فضيلة، ولا تكون فيه كراهية الظلم جريمة».

الجمعة، 5 نوفمبر 2010

كم تدهورنا منذ الشيخ محمد عبده؟

الشروق - الجمعة 5 نوفمبر 2010

كلنا يعرف مقام الشيخ محمد عبده، ولكن كم هو مفيد أن نعيد قراءته، والقراءة عنه، حتى ندرك كم تدهورنا منذ أن كان هذا الرجل العظيم يتزعم الخطاب الدينى فى بلادنا، أى منذ أكثر من قرن من الزمان.

كنت قد قرأت عنه وأنا فى مطلع الشباب، مثلما فعل كثيرون غيرى، ولكن محنة الخطاب الدينى التى تمر بها مصر اليوم، ومنذ زمن ليس بالقصير، جعلتنى أرغب فى قراءته والقراءة عنه من جديد، عسى أن أجد فيه السلوى عما نحن فيه، وكى أذكر نفسى بأننا لم نكن دائما على هذه الحال من الانحطاط.

وقد أتيحت لى فى الأسبوع الماضى فرصة قراءة كتابين صغيرين، أحدهما للشيخ محمد عبده واسمه «الإسلام بين العلم والمدينة»، والثانى كتاب كتبه الأستاذ عباس العقاد عن محمد عبده، كما أعدت قراءة فصل طويل كتبه الأستاذ أحمد أمين عن محمد عبده فى كتاب: «زعماء الإصلاح فى العصر الحديث».

وأعترف للقارئ بأنه راعنى ما قرأت. نعم، كنت أعرف روعة هذا الرجل، ولكن أإلى هذه الدرجة؟ نعم كنت أشعر بدرجة تدهورنا منذ كان لدينا مثل هذا الرجل ولكن هل تدهورنا كان حقا بهذه الدرجة؟ بل والأكثر من ذلك: هل ترك الرجل شيئا مما يقلقنا فى هذه الأيام، ومما يعود إلى إقلاق راحتنا كل بضعة أيام، دون أن يتعرض له ويشرحه ويدلى فيه بالرأى القاطع والصحيح، كل هذا منذ أكثر من مائة عام؟

قرأت فى هذه الصفحات رأيه القاطع فى العلاقة الصحيحة بين المسلمين والأقباط، وفى موقف المسلم الحصيف من العلم والحضارة الغربية، وفى الموقف الإسلامى الصحيح من الموازنة بين التدين والتمتع بالحياة، وموقف الإسلام من الفنون، ووجدت فيها ردودا بليغة وحاسمة على من لا يكفون عن الهجوم على الإسلام وعن اتهام المسلمين بالإرهاب، كما وجدت فيها اهتماما بالغا بصيانة اللغة العربية وإدراكا لدورها فى إحداث النهضة المطلوبة... الخ.

قرأت كل هذا فى تلك الصفحات القليلة. ليس هذا فحسب بل ووجدته مشروحا بلغة رائعة بديعة، تستحق القراءة لذاتها بصرف النظر عن الموضوع الذى تعبر عنه، وبقوة وحماسة المؤمن تمام الإيمان بصحة ما يقول، الأمر الذى جعلنى أتساءل: هل تحتاج وزارة التربية والتعليم، وهى تبحث عن كتب جديدة تضعها فى أيدى الطلاب، إلى إطالة البحث ولديها وأمام عينيها كتابات الشيخ محمد عبده، البسيطة والواضحة، والتى يمكن أن يتعلم منها التلاميذ، ليس فقط كراهية التعصب وحب المختلفين عنهم فى الدين، وأهيمة البحث العلمى والابتكار، بل وتغرس فيهم أيضا حب اللغة العربية الجميلة؟، ومادام الأمر على هذا النحو، وبهذه البساطة، فهل معنى قعود وزارة التعليم عن هذا الأمر، أو عدم مرور مثل هذا الخاطر بأذهان المسئولين فيها أصلا، ان هؤلاء المسئولين عن التعليم عندنا لا يهمهم أن تحقق مصر أى نهضة على الإطلاق؟ وهل يريدون حقا مكافحة التعصب والقضاء على الفتنة الطائفية، أم أن الأمر كله تمثيل فى تمثيل؟

اقرأ ما كتبه الشيخ محمد عبده عن موقف الإسلام من أصحاب الديانات الأخرى غير الإسلام فى كتاب «الإسلام بين العلم والمدنية» (طبعة دار المصرى للثقافة والنشر بدمشق، ص84 ــ 85) «أباح الإسلام للمسلم أن يتزوج الكتابية، نصرانية كانت أو يهودية، وجعل من حقوق الزوجة الكتابية على زوجها المسلم أن تتمتع بالبقاء على عقيدتها والقيام بفروض عبادتها، والذهاب إلى كنيستها، وهى منه بمنزلة البعض من الكل، وألزم له من الظل، وصاحبته فى العز والذل، والترحال والحل، بهجة قلبه وريحانة نفسه، وأميرة بيته، وأم بناته وبنيه، تتصرف فيهم كما تتصرف فيه.. أين أنت من صلة المصاهرة بين أقارب الزوج وأقارب الزوجة، وما يكون بين الفريقين من الموالاة والمصاهرة على ما عهد فى طبيعة البشر؟ وما أجلى ما يظهر من ذلك بين الأولاد وأخوالهم وذوى القربى لوالدتهم. أيغيب عنك ما يستحكم من ربط الألفة بين المسلم وغير المسلم بأمثال هذا التسامح، الذى لم يعهد عند من سبق ولا فيمن لحق من أهل الدينيين السابقين عليه؟».

أو اقرأ ما كتبه عن استسهال تكفير الناس، مما يثير الشجن عندما يتذكر المرء ما حدث فى عصر الانحلال الحالى لأستاذ مصرى جليل هو الدكتور نصر حامد أبوزيد، إذ حكم بتكفيره والتفريق بينه وبين زوجته لأنه دعا إلى تفسير النصوص الدينية تفسيرا يتفق مع العقل والعلم. فقد كتب الشيخ محمد عبده أنه مما اشتهر بين المسلمين وعرف من قواعد أحكام دينهم أنه «إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه ويحتمل الإيمان من وجه واحد حمل على الإيمان، ولا يجوز حمله على الكفر. فهل رأيت تسامحا على أقوال الفلاسفة والحكماء أوسع من هذا؟ وهل يليق بالحكيم أن يكون من الحجة بحيث يقول قولا لا يحمل الإيمان من وجه واحد من مائة وجه؟« (نفس المرجع ص76 ــ 77).

أما تحكيم العقل فى تفسير النصوص، فقد اعتبره الشيخ محمد عبده أصلا من أصول الإسلام، فقال «اتفق أهل الملة الإسلامية إلا قليلا مما لا ينظر إليه على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل، وبقى فى النقل طريقان: طريق التسليم بصحة المنقول مع الاعتراف بالعجز عن فهمه، وتفويض الأمر إلى الله فى علمه، وطريق تأويل النقل مع المحافظة على قوانين اللغة حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل.. فماذا عساه أن يبلغ نظر الفيلسوف حتى يذهب إلى ما هو أبعد من هذا؟». (نفس المرجع ص76).

وللشيخ محمد عبده كلام جميل جدا ينفى اعتبار الدين كل الحياة، بل قال ان «أوامر الحنيفية السمحة ان كانت تختطف العبد إلى ربه، وتملأ قلبه من رهبته، وتفعم أمله من رغبته، فهى مع ذلك لا تأخذه عن كسبه، ولا تحرمه من التمتع به، ولا توجب عليه تقشف الزهادة، ولا تجشمه فى ترك اللذات ما فوق العادة. صاحب هذا الدين (صلى الله عليه وسلم) لم يقل (بع ما تملك واتبعنى) ولكن قال لمن استشاره فيما يتصدق به من مال (الثلث، والثلث كثير، انك ان تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس).

سمعت مؤخرا من أستاذ من أساتذة كلية الفنون الجميلة فى مصر أن قسم النحت من أقل أقسام الكلية جذبا للطلاب بسبب تفسير أخذ يشيع بينهم بأنه حرام. فليقرأ هؤلاء ما اقتطفه الأستاذ العقاد من رأى الشيخ محمد عبده فى الفنون الجميلة أيام كان مفتيا للديار المصرية، وكتبه فى سنة 1903: «إن الرسم ضرب من الشعر الذى يرى ولا يسمع، والشعر ضرب من الرسم الذى يسمع ولا يرى.. إن هذه الرسوم والتماثيل قد حفظت من أحوال الأشخاص فى الشئون المختلفة، ومن أحوال الجماعات فى المواقع المتنوعة، ما يستحق به أن يسمى ديوان الهيئات والأحوال البشرية، يصورون الإنسان أو الحيوان فى حال الفرح والرضا، والطمأنينة والتسليم وهذه المعانى المدرجة فى هذه الألفاظ متقاربة لا يسهل عليك تمييز بعضها من بعض، ولكنك تنظر فى رسوم مختلفة فتجد الفرق ظاهرا، باهرا.. فحفظ هذه الآثار حفظ للعلم فى الحقيقة، وشكر لصاحب الصنعة على الإبداع فيها».

فإذا اعترض أحد بالقول إن «فى الصورة مظنة العبادة» (أى أن الرسم والتمثال قد يوقع المرء فى الوثنية التى نهى عنها الدين) أجابه الشيخ محمد عبده: «إن لسانك أيضا مظنة الكذب، فهل يجب ربطه مع أنه يجوز أن يصدق كما يجوز أن تكذب؟». ويضيف إلى ذلك: «وبالجملة يغلب على ظنى أن الشريعة الإسلامية أبعد من أن تحرم وسيلة من أفضل وسائل العلم، بعد تحقيق أنه لا خطر فيها على الدين، لا من وجهة العقيدة ولا من وجهة العمل». (عباس العقاد: محمد عبده، ص264 ــ 266).

قد تظن أن رجلا كهذا، لا يمكن أن يكون له أتباع فى أوائل القرن العشرين إلا من الصفوة، أو صفوة الصفوة إذ كيف يتأتى لعامة الناس فهم وتقدير رجل بهذا العمل والتسامح واتساع الأفق؟ ولكن الحقيقة أن الرجل عندما مات فى سنة 1905، كانت جنازته جنازة شعبية بمعنى الكلمة، يصفها الأستاذ العقاد (المصدر السابق، ص254 ــ 255) بقوله: «لم يكن للمفتى الفقيد حزب ذو أداة منتظمة تسخر أعوانه لجمع الجموع وتسيير المواكب، بل كان صاحب السلطة الرسمية (أى الخديو) يعاديه ويغضب على مشيعيه.. وكان الصيف قائظا، والغائبون عن المدن من معتادى الاصطياف خارج القطر وفى قرى الريف أكثر من الحاضرين، فغلبت الصبغة القومية على كل صبغة رسمية أو تقليدية فى تشييع رفات المفتى إلى مقره الأخير من الإسكندرية إلى القاهرة فكانت موجة الحزن التى غشيت ألوف المشيعيين على طول الطريق دفته من أعماق القلوب والضمائر، عرفت بها الأمة مبلغ شعورها بعظمة الفقيد الراحل وعظم الخسارة بفقده.

وجاوز الزحام كل ما قدرته الشرطة واتخذت له حيطتها فى المدينتين من الصباح الباكر، قبل خروج النعش من داره، فتعطلت حركة الأسواق وأغلقت الدكاكين أبوابها للمشاركة فى موكب الجنازة، واكتظت الأرصفة بالواقفين والسائرين، ولم يبق أحد فى العاصمتين من ذوى الفكر والمنزلة لم يشترك فى ذلك الموقف الحافل..»، وذكرت صحيفة ليجيبت الصادرة بالفرنسية «يخيل إلى الرائى أن جميع سكان القاهرة الوطنيين قد حضروا آخر فريضة من الإجلال والإعظام لذلك الشيخ الجليل، وبينهم عدد عظيم من الأوروبيين».