د. جلال أمين

د. جلال أمين
أستاذ الإقتصاد بالجامعة الأمريكية والمفكر المصرى الكبير

الجمعة، 29 أكتوبر 2010

هل لدى المعارضة المصرية.. فكر سياسى؟

الشروق - الجمعة 29 أكتوبر 2010

يحار المرء بماذا يجيب إذا سئل عن حالة الفكر السياسى فى مصر الآن. إذ هل هناك فكر سياسى أصلا فى مصر، يمكن أن يوصف ويحلل؟
إنى لا أقصد فكرا سياسيا مبتكرا، يضيف به المصريون إلى حصيلة الفكر السياسى فى العالم، (فالمصريون متوقفون عن هذا الابتكار والتجديد منذ وقت طويل)، ولكنى أقصد شيئا أكثر تواضعا بكثير: مجرد الجدل حول الأفكار السياسية المطروحة فى العالم.

أين نبحث عن الفكر السياسى فى مصر؟ فى الأحزاب وصحفها؟ أم فى المنشور من كتب المحللين السياسيين وأساتذة الجامعات؟ سواء نظرنا إلى هذه أو تلك نجد الحصيلة قليلة للغاية ومن الصعب وصفها ب«الفكر السياسى».

الأحزاب فى مصر كثيرة، بل أكثر من اللازم بكثير. ولكن قليلا منها ما يمكن أن يزعم بأنه «صاحب فكر سياسى» على الرغم من أن قانون الأحزاب فى مصر يشترط للموافقة على طلب تكوين حزب، أن تكون للحزب أفكار متميزة عن أفكار غيره.

قلنا خذ مثلا ثلاثة من أحزاب (أو تكتلات) المعارضة المصرية، يمكن اعتبارها أقرب الأحزاب أو التكتلات فى مصر إلى احتمال امتلاك أو تقديم فكر سياسى متميز عن غيرها، حزب التجمع، والحزب الناصرى، وجماعة الإخوان المسلمين، لنرى إلى أى حد يقدم أى منها للناس فكرا سياسيا متميزا حقا، ويساير ما يجرى فى العالم من تطورات.

حزب التجمع ارتبط فى الأذهان، منذ انشائه قبل ثلث قرن، بالماركسية، على أساس المذهب الذى يدين به (أو كان يدين به) مؤسسيه، وتأكيده على فكرة الصراع الطبقى. ولكن حزب التجمع قرر منذ انشائه أن يفتح أبوابه لبعض الوطنيين من غير الماركسيين، من المؤمنين بالاستقلال الوطنى والعلمانية، والمتعاطفين مع الدعوة إلى العدالة الاجتماعية. تمتع الحزب طوال الخمسة عشر عاما الأولى من عمره، أى حتى نهاية الثمانينيات، بدرجة لا يستهان بها من الشعبية، وتمتعت خلالها جريدته (الأهالى) باحترام وتقدير واسعى النطاق بسبب مواقفها الوطنية، وتعبيرها عن مصالح الطبقات الأقل حظا من المجتمع، فضلا عن مستواها المهنى العالى، وتمتع كثير من كتابها بدرجة عالية من الموهبة، فضلا عن حساسيتهم الفائقة بما يفكر فيه الناس ويشعرون به. (هل تذكرون عواميد فيليب جلاب وصلاح عيسى؟ وكاريكاتير بهجت عثمان؟ ومقالات عبدالعظيم أنيس... إلخ؟).

عندما اضطر الحزب إلى تخفيف لهجة جريدة الأسبوعية، انصياعا لضغوط من الحكومة، وأنشأ إلى جانب الجريدة الأسبوعية مجلة شهرية (اليسار)، لعبت هذه المجلة دورا مشرفا للغاية فى تحريك الفكر السياسى فى مصر، بقيادة مثقف وطنى هو حسين عبدالرازق، وتألقت المجلة برغم ما كانت تواجهه من صعوبات مالية، وطبيعة المجلة الشهرية، بكتابها من الماركسيين وغيرهم، وبكاريكاتير حجازى البديع، مما يجعل أعدادها القديمة الآن تثير الدهشة بمقارنة ما كانت تنشره من مواد ومناقشات دسمة بما يجرى نشره الآن فى أى صحيفة أو مجلة مصرية، شهرية أو أسبوعية أو يومية.

أصاب الحزب ضعف شديد فى العشرين سنة التالية، لابد أن كان من أسبابه سقوط الاتحاد السوفييتى فى مطلع التسعينيات، وما أصاب الاشتراكية فى العالم من تصدع، ولكن لا شك أيضا أن من أسباب تصدع حزب التجمع، والتدهور الشديد الذى أصاب جريدته الأسبوعية (ناهيك عن إغلاق مجلة اليسار) الضغوط الشديدة التى تعرض لها من نظام الحكم إلى أن انتهت بمهادنة تامة بين الحزب والحكومة.

لم يكن للناصريين فكر سياسى واضح المعالم مثلما كان للماركسيين المصريين. فعبدالناصر لم يكن على أى حال مفكرا بمقدار ما كان سياسيا عمليا. لاشك أن عبدالناصر قد أحدث انقلابا فى الواقع السياسى والاجتماعى المصرى، طوال عقدين كاملين (الخمسينيات والستينيات)، واكتسب جماهير غفيرة من الأنصار فى مصر والعالم العربى كله، ولايزال كثير منهم يعتقدون أن ما فعله عبدالناصر وما دعا إليه مازال هو أصلح منهج للعمل السياسى، سواء تعلق الأمر بالسياسة الاقتصادية أو الاجتماعية أو العلاقات العربية أو السياسة الخارجية.

ليس من الممكن إنكار مازالت تتمتع به «الناصرية» من شعبية كبيرة، فى داخل مصر وبقية الدول العربية، ولكنى أزعم أن الناصرية الآن، فى مصر كما فى العالم العربى ككل، أقرب إلى أن تكون حنينا لماض جميل منها إلى الموقف الفكرى. فى كل عام تحتفل الجريدة الناصرية فى مصر (العربى) بذكرى ميلاد عبدالناصر وذكرى وفاته (وكذلك تفعل جريدة الكرامة التى تصدر عن حزب ناصرى آخر تحت التأسيس)، ومازال اسم عبدالناصر تحيط به هالة من التبجيل والاحترام لا يكاد يحظى بها أى زعيم عربى آخر قديم أو حديث.

ولكن الحقيقة التى يبدو أن الناصريين مصرون على تجاهلها، هى أنه قد مضى أكثر من أربعين عاما على وفاة عبدالناصر، وهى فترة ليست قصيرة بالمرة فى عمر العالم أو أى بلد من البلاد، خاصة أن معدل التغيير فى أحوال العالم يزداد بسرعة كلما مرّ الزمن، إنه من المهم أن نتذكر أنه خلال ال43 عاما التى انقضت على هزيمة عبدالناصر العسكرية فى 1967، شهد العالم نمو سياسة الوفاق بين المعسكرين الرأسمالى والاشتراكى (بل لعل هذا الوفاق هو نفسه الذى أدى إلى هزيمة عبدالناصر أصلا)، ثم عودة الحرب الباردة من جديد، ثم سقوط المعسكر الاشتراكى كله وانهيار الاتحاد السوفييتى، وانفتاح روسيا على العالم، وتحول الصين إلى نظام السوق، ونمو ظاهرة العولمة، ونمو ظاهرة المجتمع الاستهلاكى، وظهور ثورة المعلومات والاتصالات، وإعلان الحرب على ما يسمى ب«الإرهاب» بعد وقوع حادثة 11 سبتمبر 2001، واتضاح تدهور المركز النسبى للاقتصاد الأمريكى فى العالم، والإعلان ثم التراجع عما يسمى بنظام «الشرق الأوسطى الجديد»، والتدهور الشديد الذى أصاب القومية العربية، واشتداد الصف الإسرائيلى فى معاملة الفلسطينيين، وبزوغ قوى اقتصادية جديدة فى آسيا... الخ.

هل يجوز فى ظل كل هذه التطورات البالغة الأهمية ان نتحدث عن الناصرية وكأننا مازلنا فى سنة 1970، عندما توفى جمال عبدالناصر، أو فى 1966 أى قبيل هزيمته العسكرية؟ نعم كان عبدالناصر وطنيا عظيما، ومجددا لاشك فيه فى السياسة المصرية والعربية، ولكن هل يجوز أن نستمر فى ترديد كلامه وشعاراته، وكأن شيئا لم يحدث منذ ذلك الوقت؟

نعم، التبعية السياسية والاقتصادية شىء كريه ومرفوض دائما، ولكن هل التبعية فى سنة 2010 تعنى نفس ما كانت تعنيه فى 1970؟ وهل طريقة مواجهتها هى نفس طريقة مواجهة عبدالناصر لها؟ ألا يحتاج الأمر إلى مزيد من الفكر والتحليل السياسى والاقتصادى لما جرى ويجرى فى العالم؟

أما الإخوان المسلمون فهم ليسوا أقل اعتمادا على إثارة عواطف الناس من الناصريين، بل العكس هو الصحيح. ان رفع شعار «الإسلام هو الحل» ينجح دائما فى إثارة عواطف المصريين أكثر من أى شعار آخر، ولكن هل يصلح هذا لشعار حقا كبديل للفكر السياسى؟ بل ألا يحتاج هذا الشعار نفسه إلى تجديد مستمر وإعادة تفسيره مع تغير الظروف والأحوال؟ نعم، الإسلام ثابت وسيظل ثابتا على مرّ العصور، ولكن هل يجوز أن تكون الحلول المستمدة منه ثابتة أيضا مهما تغيرت العصور؟ أليس من الواجب كلما رفع شعار «الإسلام هو الحل»، أن يقدم تفسيرا لهذا الشعار ينطوى على تطبيقات ملائمة للظروف والأحوال التى يرفع فيها الشعار، ويواجه بوضوح ما جرى فى العالم من تطورات وما يجرى فيه من أحداث؟

نغم هناك فقر لاشك فيه فى الفكر السياسى للمعارضة المصرية فى الوقت الحاضر، ولكنى أعود فأقول: هل هناك أى شىء غريب فى هذا الأمر؟ هل يمكن أن تطالب أى شخص بشحذ فكره وابتكار أى فكرة جديدة وهو فاقد لحرية الكلام؟ هل يمكن حقا أن يفكر المرء وهو مكمم الفم؟ ألا يحتاج الابداع، بل ومجرد التفكير إلى وجود القدرة على التعبير ابتداء؟ أليس حالنا، طوال الثلاثين عاما الماضية على الأقل، كحال التلميذ الخائف الذى كلما فتح فمه بالكلام انهال عليه المدرس بالسب والضرب؟

هل ينتظر من هذا التلميذ أن يفعل فى النهاية أكثر من أن يردد ما سمعه من قبل؟ وهل يمكن أن نتوقع منه أى ممارسة لملكة التفكير المستقل؟
إنى أزعم أن حالة الفكر السياسى للمعارضة المصرية لم تكن دائما بهذه الدرجة من السوء.

الجمعة، 22 أكتوبر 2010

محنة المعارضة فى مصر

الشروق - الجمعة 22 أكتوبر 2010

 آن الأوان أن نعترف بأن المعارضة فى مصر فى محنة شديدة. نعم، إنها كبيرة الحجم وواسعة النطاق، حتى لأكاد أقول إنها تضم الغالبية الساحقة من الشعب المصرى: فغالبية الشعب المصرى تتكون اليوم من رجال ونساء ساخطين، مرهقين، ويتساءلون عن اليوم الذى يمكن أن يزيل الله فيه كربهم ويكشف غمتهم، ويعرفون جيدا أن المسئولية عن هذا الكرب وهذه الغمة تقع على النظام الحالى.

بالإضافة إلى كبر الحجم واتساع النطاق، يمكن أن نصف المعارضة المصرية أيضا بأنها غالبية الصوت. يسمع صوتها الجميع، باستثناء حفنة صغيرة جدا من أصحاب الامتيازات الجالسين على قمة النظام، والذين يتمتعون بخيرات البلد. هذه الحفنة الصغيرة لا تسمع ولا تريد أن تسمع صوت المعارضة العالى. ولكن هذا الصوت العالى، كثيرا ما يبدو وكأنه أقرب إلى الصراخ الهستيرى منه إلى النقد أو المطالبة بالإصلاح. وهذا الصراخ الهستيرى هو نفسه من الأدلة على شدة المحنة التى تعانى منها المعارضة المصرية. لقد مر على المعارضة المصرية زمن كانت فيه تنادى فعلا بالإصلاح وبمطالب محددة، وتتكلم بلهجة أكثر هدوءا وأقل حدة (هكذا أتذكر المعارضة فى السبعينيات والثمانينيات، أى منذ ثلاثين أو أربعين عاما)، ولكن المعارضة المصرية تغيرت، وطريقتها فى الكلام لم تعد كما كانت.

هذه المحنة الشديدة التى تمر بها المعارضة فى مصر ليس من الصعب تفسيرها.

1ــ هناك أولا اختفاء أى بارقة أمل لدى المعارضين فى أن يتمكنوا من الوصول إلى الحكم، أو حتى الاشتراك فيه، لتنفيذ ما يعتقدون أنه إصلاحات ضرورية. الدولة الديمقراطية تعرف ما يسمى بـ«تداول السلطة»، فلا يحتكر فيها السلطة شخص أو حزب واحد إلى الأبد. ولكن كل الأمور فى مصر تسير على مبدأ أن السلطة أبدية، وأن الذى يصل إلى الحكم يعمل كل ما فى وسعه للبقاء فيه إلى الأبد، وهذا هو ما يحدث بالفعل.

فى ظل تداول السلطة، يمكن مقارعة الحجة بالحجة، ويسعى أصحاب الرأى، والرأى المعارض، إلى تعبئة الناس فى صفهم. ولكن فى ظل احتكار السلطة يصاب المعارضون باليأس، ويفقد الناس بالتدريج ثقتهم بجدوى المعارضة أصلا. وإذ أصاب اليأس المعارضين وأنصارهم، ما أسهل أن يتحول النقد إلى سباب، وأن تتحول المطالبة بالإصلاح إلى صراخ هستيرى.

2ــ وإصرار الحكام على احتكار السلطة يصيبهم بالغلظة والقسوة فى معاملة معارضيهم، وكل من يشتبه فيه الوقوف إلى جانب المعارضة. والقسوة والغلظة تزدادان فى الحكام مع مرور الزمن بسبب اعتيادهم الجلوس على مقاعد الحكم، وطول عهدهم بما تمنحه لهم السلطة من امتيازات وبحبوحة العيش، فلا يتصورون كيف يمكن أن يأتى غيرهم ليحل محلهم، أو أن ينتقلوا هم إلى مقاعد المعارضة.

ومع طول عهدهم فى الحكم يزداد عدد المستعدين لخدمتهم، ولو لمجرد الحصول على مكافآت مادية سخية، بل ويصبح لديهم عدد كبير من الأشخاص المستعدين للقيام بمهمة ضرب المعارضين بل وتعذيبهم إذا لزم الأمر. وهذا يصيب المعارضين وأنصارهم بالخوف، فيزدادون ضعفا على ضعف.

3ــ والقانون غائب غيابا يكاد يكون تاما. بل لقد كف النظام عن التظاهر بوجوده. رجال الشرطة لا يحمون إلا الممسكين بالسلطة، ولا يقبضون إلا على من يغضب الحكام والقضاء يأتمر بأمرهم (أو هكذا يتحول الأمر بالتدريج)، فإذا حدث ووقف القضاء ضد أصحاب السلطة، تم تجاهل الحكم وكأنه لم يكن.

نعم، هناك جميعات لحقوق الإنسان، وهناك مراسلو الصحف والإذاعات الأجنبية، ولكن هذه الجمعيات محدودة القدرة وقليلة الموارد، ومن ثم اعتادت الحكومة تجاهل احتجاجاتها، والمراسلون الأجانب لهم تفضيلاتهم الخاصة وفقا لدرجة الأهمية التى يحتلها المعارض لدى الحكومات الأجنبية ووسائل إعلامها. فأهمية المعارض فى نظرهم لا تتوقف على صدق تعبيره عن مشاعر قومه، بقدر ما تتوقف على رضا الدوائر الأجنبية عنه. فإذا كان المعارض مثلا قد احتج على موقف الحكومة المصرية من معاملة الإسرائيليين لأهل غزة، فعاملته الحكومة المصرية بقسوة زائدة، لم يرد ذكر هذه المعاملات فى الجرائد والإذاعات الأجنبية مراعاة لمشاعر الإسرائيليين، وهكذا. سعيد الحظ إذن ذلك المعارض الذى يرضى عنه شعبه ووسائل الإعلام الأجنبية فى نفس الوقت، وهو شىء نادر الحدوث.

4ــ والنظام الحاكم يتلقى، فى معاملته القاسية للمعارضة المصرية، دعما قويا من بعض الحكومات الأجنبية، بالمال والسلاح ووسائل التدريب على طرق التعامل مع المعارضة، بما فى ذلك وسائل التعذيب. فالذى يخشاه النظام فى الحقيقة، ليس غضب شعبه، بل غضب القوة الأجنبية الراعية له، والتى هى سبب وجود هذا النظام أصلا. قد تتظاهر هذه القوة الأجنبية بأنها تناصر الديمقراطية وحرية الرأى، فتصدر عنها من حين لآخر تصريحات تحتوى على احتجاج مؤدب على ما تتعرض له المعارضة من قهر، والانتخابات والاستفتاءات من تزوير، وتطالب النظام بأن يصبح أكثر ديمقراطية فى المستقبل. ولكن النظام الحاكم يعرف جيدا قيمة هذه التصريحات، وأن أصحابها لا يعنون فى الحقيقة ما يقولون. وهم يبدون للنظام فى الخفاء من التأييد والدعم ما يخفونه فى تصريحاتهم العلنية ومن ثم اعتاد رجال النظام أن يتعاملوا مع هذه التصريحات بما تستحقه من لا مبالاة. انهم يعرفون وظيفتهم الحقيقية فى خدمة هذه القوة الخارجية، ويعرفون ما الذى يعجبها فى الحقيقة وما لا يعجبها، وما الذى يمكن أن يكافأوا عليه وما الذى يعرضهم فعلا للغضب.

5ـ كل هذا يزيد المعارضة المصرية ضعفا على ضعف فالخصم قوى وقاسٍ، وهو مدعوم من الخارج بقوة لا تقل قسوة، واختصامه غير مجدٍ، سواء أمام القضاء الداخلى أو أمام الرأى العام الخارجى. ولكن مما يزيد محنة المعارضة المصرية شدة، ما طرأ على جمهور المصريين أنفسهم من تغير. فالمصريون منذ زمن ليس بالقصير يعانون أزمات اقتصادية شديدة: الدخل قليل، ولا يزيد إلا ببطء، بينما الأسعار ترتفع بمعدلات كبيرة، والبطالة تزداد وتنتشر بين المتعلمين، والعثور على وظيفة تلائم ما حصله الشاب أو الشابة من تعليم أصبح من أشق الأمور. وخدمات التعليم والصحة والمواصلات التى كانت تقدمها الحكومة، يتدهور مستواها باستمرار، وهذا يستوجب اقتطاع جزء متزايد من الدخل، الذى لا يزيد أصلا إلا ببطء شديد، لتعويض هذا التدهور فى التعليم، بالانفاق على الدروس الخصوصية، وفى الصحة، باللجوء إلى العيادات الخاصة، وفى المواصلات يضطر الناس إلى تعريض أنفسهم وأولادهم وبناتهم لحوادث سيارات وقطارات يقودها رجال (وأحيانا صبية) ليسوا أقل معاناة منهم... الخ. كل هذه الهموم لا تترك للناس، متعلمين كانوا أو غير متعلمين، طاقة يمكن أن يوجهوها للاهتمام بالقضايا الوطنية أو السياسية القائمة، إذ لم يعد لدى معظم المصريين لا الوقت ولا الاستعداد النفسى للتفكير فيما يتجاوز مشاكل الحياة اليومية المتجددة باستمرار، والتى تتطلب مواجهتها جهود جبارة بل وأحيانا أعمال بطولية. هكذا يجد رجل المعارضة نفسه يوجه الكلام لأشخاص، قد يتعاطفون حقا مع ما يقول، ولكنهم لا يجدون فى أنفسهم القوة الكافية لمناصرته والوقوف بجانبه. المعارض إذن، بالإضافة إلى كل ما يواجهه من قسوة النظام، لا يجد من شعبه إلا أفرادا منهكى القوى، استبد بهم عذاب المعيشة اليومية، وأنفقوا كل قواهم فى توفير الضروريات لأولادهم وبناتهم، فلم يبق لديهم شىء يقدمونه للوطن.

6ــ ولكن دعنا نعترف أيضا بأن المعارضة المصرية، بالإضافة إلى كل ذلك، قد أصابها ضعف وهزال من نوع آخر، لا تريد الاعتراف به، وهو الضعف الفكرى. فالكلام الذى تقوله المعارضة قديم، ولا يتغير مع تغير الظروف والأحوال. ورغم أن المعارضة تبدو وكأنها تتكون من أحزاب كثيرة، ذات مواقف فكرية مختلفة، فالحقيقة أنه ليس من بينها حزب واحد يقول كلاما لم يكن يقوله بحذافيره منذ أكثر من أربعين عاما. ولكن هذا الضعف الفكرى الذى تعانى منه المعارضة المصرية، من الأهمية والخطورة بحيث يحتاج وحده إلى مقال مستقل.

الجمعة، 15 أكتوبر 2010

الخلفية التاريخية لمحنة جريدة الدستور

الشروق - الجمعة 15 أكتوبر 2010

منذ نحو أربعين عاما، كان المصريون يمرون بمحنة قاسية، ويسيطر عليهم غم عظيم نتج عن الهزيمة العسكرية المنكرة فى 1967، لم تكن الهزيمة شيئا متوقعا بالمرة، إذ كان المصريون قد خضعوا طوال الخمسة عشر عاما السابقة على الهزيمة، لحملة إعلامية عاتية تعدهم بالنصر المؤكد، وتصور قوة مصر العسكرية بأكثر كثيرا من الحقيقة. ثم استمرت الحملة الإعلامية، حتى بعد وقوع الهزيمة، تردد كلاما كثيرا لم يعد من الممكن أن يخدع المصريين بعد أن حدث ما حدث، مثل شعار «ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة»، أو شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»... إلخ. ولم يكن من الصعب على المصريين أن يفهموا أن هذا الشعار الأخير لم يكن يقصد به إلا منع الناس من الكلام.

تعرض النظام فى ذلك الوقت لنقد شديد وسخرية مريرة، فى أحاديث الناس اليومية، وفيما أطلقوه من نكات كان فيها من المرارة أكثر مما فيها من سخرية. ولكن نادرا ما كان يتجاوز النقد ما كان يقوله الناس بعضهم لبعض فى السر، بل وفى خوف شديد بسبب انتشار المخبرين وكتيبة تقارير المباحث فى كل مكان. واستمر ذلك حتى ظهر من بين المصريين رجل موهوب استطاع أن يعبر عما فى نفوسهم من حزن ومرارة، فأصبح بين يوم وليلة لسان حالهم، فى وقت لم يكن من الممكن للصحف أو الإذاعة أو التليفزيون أن تعبر من قريب أو بعيد عما كانوا يشعرون به. كان هذا الرجل هو الشاعر أحمد فؤاد نجم. كان رجلا مدهشا فى مظهره ومخبره وكلامه وسلوكه. لم يكن يرتدى إلا الجلباب البلدى، أيا كان المكان الذى يظهر فيه، طويل القامة وشديد الهزال، وذو بشرة شديدة السمرة وملامح مصرية صميمة. ولكن الأهم من كل ذلك أن لديه قدرة فائقة على نظم الشعر العامى. كان شعرا جميلا للغاية، وبالغ الظرف، استخدم فيه حصيلة غير عادية من التعبيرات العامية، ورثها عن أمه، التى اشتهرت فى حيّها بالفصاحة وحفظ القصص الشعبية، والأمثال والمأثورات المصرية. المدهش أيضا أن هذا الرجل، رغم نشأته المتواضعة، كان متابعا جيدا جدا لكل ما يجرى فى مصر والعالم، ويفهم تمام الفهم دوافع الأحداث السياسية وتصرفات الحكام.

ثم سرعان ما اكتشف هذا الشاعر مغنيا مصريا ضريرا، يحمل نفس المشاعر الوطنية والاحساس بما يتعرض له الفقراء والمصريون عموما من قهر، فأمسك عوده ووضع ألحانا بسيطة ولكنها مؤثرة، كما كان يلقيه الشاعر على سمعه من قصائد، فالتهب حماس الساخطين والمتبرمين بما يجرى فى مصر، وراحوا يرددون أغانى الشاعر حتى اشتهرت بين الناس، بل وتعدت شهرتها حدود مصر، إذ أثارت دهشة المراسلين والصحفيين الأجانب وكثير من مثقفيهم، إذ يجدون رجلين على هذه الدرجة من بساطة العيش، يثيران كل هذا الحماس لدى طوائف المثقفين والمسيّسين من المصريين.

هنا فقط التفت رجال النظام للأمر. حاولوا فى البداية إغراء الشاعر والمغنى بالمال، ظنا منهم أنهما، مثل معظم الناس، مستعدان لتغيير المسار متى حصلا على القدر اللازم من بحبوحة العيش. فعرضوا عليهما أن يفتحوا لهما أبواب الإذاعة والتليفزيون بشرط أن يقتصرا على قصائد وأغانى الحب والغرام، وألا يتعرضا لأى موضوع اجتماعى أو سياسى، ولكن الرجلين وجدا العرض مضحكا للغاية، إذ أدركا بفطرتهما السليمة أن الله لم يخلقهما لتأليف أو غناء قصائد الحب. فاستمرا فيما هما فيه، وانتهى الأمر بالقبض عليهما وإيداعهما السجن، المرة بعد المرة، حتى أصبح الوقت الذى يقضيانه فى السجن أكثر مما يقضيانه خارجه، ومع ذلك استمرا فى وضع القصائد، والأغانى، بل وأنتجا بعضا من أجمل أغانيهما فى داخل السجن.

مع مرور الزمن وتفاقم الأوضاع، وازدياد الظلم، زاد عدد الساخطين والمتبرمين، ولم يعد إلقاء القصائد والغناء فى داخل بعض البيوت كافيا للتعبير عن مشاعر الناس المتأججة داخل كل البيوت. ألهم ذلك، منذ نحو عشرين عاما، رجلا ذكيا بفكرة عبقرية، وهى أنه فى مثل هذا المناخ، ليس هناك أى شك فى نجاح جريدة جديدة تعبر عما يدور فى أذهان هذه المئات من الألوف من الناس، طالما كان التعبير ذكيا وجريئا وخفيف الظل. لم يكن لهذا الرجل أى مطامح سياسية، بل ولا حتى أى موقف أو انتماء سياسى واضح. كان فقط رجلا ذكيا يبحث عن مشروع استثمارى جيد، ووجد بغيته فى هذه المجموعة الذكية من المصريين الساخطين، وعرض على أحدهم، الذى عرف بينهم بمهارات صحفية وتنظيمية كبيرة، وقلم جذاب وحيوية نادرة، فضلا عن الفهم السليم لما يجرى فى مصر، والتعاطف مع حاجات الناس ومشاعرهم، أن يقود هذه الكتيبة من الصحفيين الوطنيين فى إصدار هذه الجريدة الجديدة وأن يخوض معهم هذه التجربة المدهشة.

نجحت الجريدة منذ العدد الأول، رغم أن الثمن الذى حدد لها كان أغلى، وقت صدورها، من ثمن أى جريدة أخرى. وتخاطفها الناس من باعة الصحف، وكأن الناس لم يكونوا يصدقون أنهم كانوا محرومين إلى هذا الحد من صحافة حقيقية، واكتشفوا فجأة أنه من الممكن أن تصدر صحيفة دون أن تحمل عناوينها الرئيسية فى كل يوم، أخبار مقابلات رئيس الجمهورية وتحركاته. وكما هى العادة: عندما يوجد المنبر تكتشف المواهب الدفينة، فلمعت على صفحات هذه الجريدة أسماء عدد كبير من الصحفيين من الشباب الذين يتمتعون بموهبة فطرية، ولكن صهرتهم أيضا سنوات كثيرة من العذاب والقهر.

حاول النظام بمختلف الوسائل وقف سير هذه الجريدة فلم يفلح. فعندما نشرت الجريدة أن رئيس الجمهورية مريض، قدم رئيس التحرير للمحاكمة بتهمة تعريض مناخ الاستثمار فى البلاد للخطر، ووضع فى السجن. ومع هذا استمرت الجريدة كما كانت، سواء أثناء وجود رئيس التحرير فى السجن أو بعد خروجه. جربت الحكومة أيضا حرمان الجريدة من أى إعلانات، فاضطرت الجريدة إلى ضغط مرتبات الصحفيين العاملين فيها إلى الحد الأدنى، ومع هذا لم يترك هؤلاء الصحفيون جريدتهم، رغم إغراء المرتبات العالية فى صحف أخرى. ثم اهتدت الحكومة فى النهاية إلى الحل الوحيد الباقى.

كان الحل بسيطا جدا بقدر ما هو خبيث. إذ مادام مالك الجريدة رجل استثمار وليس رجل سياسة، فالطريقة الوحيدة التى تتبع معه هى شراء الجريدة بأكملها منه. وإذا كان مالك الجريدة ثريا، فإن هناك فى مصر من هو أكثر ثراء منه. وهذا الرجل الأكثر ثراء، والذى يستطيع شراء الجريدة بأسرها، له هو نفسه مطامح سياسية، ولكنها، لحسن حظ النظام الحاكم لا تتعارض مع مصالح النظام نفسه. بدت هذه أفضل طريقة لإسكات هذه المجموعة من الصحفيين المتمردين، وإغلاق فم زعيمهم إلى الأبد.

وبدأ بالفعل تنفيذ المخطط، وتم شراء الجريدة. وبدأ المشترى الجديد بمحاولة اتباع الوسيلة المألوفة، وهى أن يعرض على العاملين فى الجريدة مضاعفة مرتباتهم، على أمل أن يخضعوا للسياسة الجديدة للجريدة، وهى سياسة مهادنة النظام، فلم تفلح هذه الوسيلة، إذ ثبت أن هؤلاء الصحفيين مصنوعون من معدن مختلف عن المألوف. لم يبق إذن إلا العنف. فالنظام متعجل للنتائج، إذ لم تبق إلا أسابيع قليلة على انتخابات مجلس الشعب، وهى انتخابات مهمة سوف يتوقف عليها نجاح أو فشل مخطط التوريث فى العام التالى، أو مخطط مماثل فى السوء ولكنه مجهول لنا حتى الآن. لابد إذن من السرعة مهما كانت الصدمة كبيرة.

رئيس التحرير المتمرد يجرى عزله، ويزعم المالك الجديد أن الخلاف معه كان حول مستوى المرتب وليس على سياسة الجريدة، ويجمع رئيس التحرير أوراقه وينصرف، وينصرف معه زملاؤه عن بكرة أبيهم. بقيت أمام رئيس التحرير الجديد مهمة ملء الصفحات الشاغرة، فلم يجد أمامه إلا الاعتماد على الجنس والفضائح. وهكذا ظهرت فجأة فى الجريدة صفحات كاملة مملوءة بصور لفنانات جميلات، وصفحة أخرى كاملة لأخبار نجوم المجتمع، أين تناولوا العشاء ومن حضر خطوبة بنت ذلك المستثمر الكبير أو ابنه، وإذ خمنت الإدارة الجديدة أن كل هذا لن يكفى للاحتفاظ بالعدد الكبير من قراء الجريدة، خطرت لهم فكرة فاسدة الذوق، وهى الزعم بأن نجيب محفوظ، أديبنا الكبير، مات مقتولا، وجعلوا هذه القصة الخائبة موضوع المانشيت الأول، وراحوا يلتقطون الصور لابنتى الأديب الكبير اللتين لم تتعودا الظهور قط فى وسائل الإعلام من قبل.

هذه هى النقطة التى بلغتها قصة المصريين مع النظام الحاكم حتى كتابة هذه السطور. وقد وجدت أن الرجوع إلى الماضى لا يخلو من دروس مفيدة، ففى حالتى نجم وإمام جُرب الإغراء بالمال فلم يفلح، واستخدمت القوة والعنف فلم يفلحا أيضا. والآن تجرب نفس الوسائل من جديد، ولا أشك أيضا فى أنها لن تنجح، أو على الأقل لن تنجح إلا فى تمرير انتخابات سيئة لمجلس الشعب وربما أيضا فى تنفيذ مخطط مثل مخطط التوريث. ولكنها قطعا لن تنجح فى قتل روح المصريين.

هكذا تذكرت قصيدة أحمد فؤاد نجم الجميلة التى تحمل عنوان «عيون الكلام» والتى كتبها فى سجن القناطر فى سنة 1970، وتقول:

«إذا الشمس غرقت فى بحر الغمام
ومدت على الدنيا موجة ظلام
ومات البصر، فى العيون والبصائر
وغاب الطريق، فى الخطوط والدواير
يابو المفهومية، ما فيش لك دليل
غير عيون الكلام».

الجمعة، 1 أكتوبر 2010

حكايات وفاء وكاميليا .. وأم جورج

الشروق - الجمعة 1 أكتوبر 2010

الذى يقرأ ويسمع ما يقوله الناس فى مصر عن قصة وفاء قسطنطين، ثم عن قصة كاميليا شحاتة، لابد أن يتعجب أشد العجب من التطور الذى طرأ على علاقة المسلمين بالأقباط فى مصر خلال العقود الأخيرة، بل وأيضا من التطور الذى طرأ على نظرة المسلمين المصريين إلى أنفسهم ونظرة الأقباط إلى أنفسهم.

أصارح القارئ بأنى لم أحرص على تتبع الأخبار اليومية عن تفاصيل ما حدث فى كلتا القصتين، لأنى لم أعتبرهما فى البداية شيئا يستوجب اهتماما كبيرا، ولكن تتابع الأخبار عن القصتين، واحتلالهما مساحات تزداد حجما يوما بعد يوم، وتضخم المانشيتات التى تحمل آخر أخبارهما، كان يجبر أى شخص على معرفة المزيد من الأخبار عنهما. ومع هذا فأنا مازلت لا استطيع أن أحكى لأحد بالدقة الكافية ماذا حدث بالضبط. الذى أعرفه أن وفاء وكاميليا سيدتان مسيحيتان، أو على الأقل كانتا مسيحيتين، ثم قيل إن وفاء قسطنطين أسلمت ثم عادت إلى مسيحيتها، وأنها الآن فى مكان ما فى أحد الأديرة تحت أعين الكنيسة، وأن كاميليا شحاتة هربت من منزل الزوجية ثم أسلمت، ثم قيل إن رجال الأمن قبضوا عليها وسلموها للكنيسة، ثم أنكرت الكنيسة أنها أسلمت على الإطلاق، بينما يصر مسلمون كثيرون على أنها أسلمت ثم أجبرت على العودة إلى المسيحية. وقام متظاهرون مسلمون يحتجون على تدخل رجال الأمن فى حرية امرأة قبطية تريد أن تعلن إسلامها، واحتج الأقباط على احتجاج المسلمين... الخ.

لقد أصبحت السيدتان وفاء وكاميليا إذن شخصيتين شهيرتين، فقد رأى الجميع صورهما يتكرر نشرها فى الصحف، مع أن الأمر لا يتجاوز رغبة فردية محضة، لا نعرف دوافعها الحقيقية، ولكن من المؤكد أنها لا تعلى من مقام إحدى الديانتين أو تقلل من مقام الديانة الأخرى. فقيام فرد، أى فرد، بتغيير دينه، فضلا عن ندرة حدوثه، يتعلق فى العادة بمشكلة شخصية بحتة، ومن الصعب جدا تصور حالة اتخذ فيها أى شخص، رجلا كان أو امرأة، هذا القرار بتغيير الديانة، بناء على استغراق فى البحث والتفكير فيما يميز إحدى الديانتين عن الأخرى. ليس هذا من طبيعة الأمور، ولا من طبائع معظم البشر، ناهيك عن صعوبة تصوره فى مثل أحوال مصر الحالية، وبين أفراد طبقة اجتماعية كالتى تنتمى إليها السيدتان وفاء وكاميليا. ومن شبه المؤكد إذن أن الرغبة فى تغيير الدين كانت فى الحالتين قرارا مبنيا على اعتبارات عملية بحتة (تتعلق على الأرجح بحرية الطلاق والزواج)، وليس على اعتبارات فكرية. وهذا وحده كفيل بأن يجعل الأمر غير جدير بالاهتمام. فلماذا إذن كل هذا التوتر والتشنج؟ ولماذا يتحمس المسلمون كل هذا الحماس، ولماذا تتدخل الكنيسة إلى هذا الحد، ولماذا يتدخل رجال الأمن أصلا؟ لقد تحولت حادثة فردية لا أهمية لها ولا تستحق الكثير من التفكير، إلى ظاهرة اجتماعية لابد لها من تفسير. ولقد وصلت أنا إلى تفسير معين سأطرحه هنا على القراء.

كما أن من الممكن أن يحدث لشخص ما، ما يضعف ثقته بنفسه، فيصبح شديد الحساسية لما يقوله الناس عنه، ويبتئس أكثر من اللازم لأى نقد يمكن أن يوجه إليه، ويفرح أكثر من اللازم بما قد يوجه إليه من ثناء، حتى ولو كان ثناء غير حقيقى، أو كان هذا الثناء مدفوعا برغبة أنانية أو لمجرد المجاملة، كذلك يمكن، فيما يبدو لى، أن تفقد طبقة أو طائفة بأكملها ثقتها بنفسها، أو تضعف بشدة هذه الثقة، فتتصور الإهانة حيث لا توحد إهانة، وتفرح بمن يشيد بصفة من صفاتها، حيث لا وجه فى الحقيقة للفرح. بل ويشتبك أفراد من هذه الطبقة (أو طائفة من الشعب) بآخرين من نفس طبقتهم (أو بطائفة أخرى من نفس الشعب)، ويتبادلون السباب والشتائم، بناء على ادعاءات موهومة وتصورات حقيقية أو زائفة، عما يظن هذا بذاك، أو ما صدر من إهانات من هذه الطائفة إلى تلك.

إننا نعرف عن تطور علاقة المسلمين بالأقباط خلال المائة عام الماضية، ما يكفى للجزم بأن شيئا مما حدث حول قصة وفاء أو كاميليا، لم يكن من الممكن أن يحدث (أو على الأقل بهذه الصورة الحادة) فى بدايات القرن الماضى، عندما كان يقود الخطاب الإسلامى رجل بمكانة الشيخ محمد عبده، ولا فى الثلاثينيات من القرن العشرين، عندما كان يقوده الشيخ حسن البنا، ولا فى الخمسينيات، أيام سيد قطب ولا حتى فى السبعينيات والثمانينيات أيام الشيخ متولى الشعراوى. لم يكن يتصور فى رأيى، فى أى مرحلة من تلك المراحل، أن يثير قيام سيدة مسيحية بإشهار إسلامها كل هذا الاهتمام والتوتر اللذين حدثا خلال الشهور القليلة الماضية. والسبب أن أحوال المسلمين والأقباط ليست كأحوالهم منذ قرن، ولا منذ نصف قرن، ولا حتى منذ ربع قرن. حدثت لكل منهما أمور سيئة، وازدادت سوءا مع مرور الزمن، أضعفت بشدة من ثقة كل من الجماعتين بنفسها، وانعكس هذا الضعف الشديد فى الثقة بالنفس، فى موقف كل منهما من الأخرى.

قد يبدو الكلام عن «الثقة بالنفس»، فى وصف ما حدث لطبقة اجتماعية بأكملها، أو لطائفة كاملة من الشعب، غريبا بعض الشىء، بينما نقبله بسهولة عندما نصف حالة شخص واحد. ولكنى أعتقد أن هذا الوصف صحيح وملائم تماما للتعبير عما حدث للطبقة الوسطى المصرية، أو لشرائح واسعة منها. إن تدهور الأحوال الاقتصادية يمكن أن يضعف ثقة طبقة كاملة بنفسها، كما يمكن أن يضعف ثقة الفرد بنفسه. ففى ظل هذا التدهور تنتشر البطالة، وينتشر اشتغال غير المتبطلين بأعمال أقل من قدراتهم، وأقل مكانة مما كانوا يطمعون فيه ويؤهلهم له تعليمهم، ويشتد القلق مما يمكن أن يأتى به المستقبل، ويعجز كثيرون عن توفير الحاجات الأساسية للأولاد والبنات، ويضطر الشباب إلى تأجيل الزواج... الخ. تضعف الثقة بالنفس أيضا، إذا تدهور مركزك الاجتماعى بالنسبة لغيرك ممن كنت تقارن نفسك به، وتطمع فى أن تحقق مثل ما حقق. وهذا أيضا يمكن أن يحدث لطبقة اجتماعية بأكملها، عندما تزداد بشدة الفجوة بين الدخول والثروات، ويبدو وكأن من المستحيل اللحاق بالطبقة الأعلى.

يشتد الشعور بالاحباط (ومن ثم تضعف الثقة بالنفس) عندما يحدث هذا اليأس بعد فترة من صعود الآمال. فالمصرى الفقير فى الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضى كانت تفصل بينه وبين الغنى فجوة واسعة، ولكنه كان قد اعتاد لعشرات من السنين (بل وربما لعدة قرون) على فكرة أن عبور هذه الفجوة فى حكم المستحيل، ومن ثم اعتاد أن يعتمد فى كسب الثقة بنفسه على أشياء أخرى غير زيادة الدخل والثروة. لم يعد الأمر كذلك منذ الثمانينيات، أى خلال الثلاثين عاما الأخيرة، إذ حدثت زيادة الفجوة بين الطبقتين الوسطى والعليا، وبين الشرائح الدنيا من الطبقة المتوسطة والشرائح الأعلى منها، بعد عشرين سنة من النجاح فى تضييق هذه الفجوة. كانت الصدمة شديدة، وخيبة الآمال كبيرة، ومن ثم حدث التدهور الشديد فى الثقة بالنفس.

عندما يحدث هذا لطبقة بأكملها، أو لشريحة اجتماعية كبيرة، يسهل جدا أن يحدث ما حدث للعلاقة بين المسلمين والأقباط، كما يصبح من الممكن ان يتغير شكل الخطاب الدينى ومضمونه، وتتغير طريقة تلقى الأحداث وطريقة التعبير عنها، وفى ضوء هذا التغيير يجب أن ننظر إلى ما حدث فى غمار التطورات المؤسفة لقصة وفاء قسطنطين وقصة كاميليا شحاتة.

إن من الممكن جدا أن نفهم أن يُسَر مسلم إذا علم أن مسيحيا عكف على قراءة القرآن الكريم وعلى دراسة الدين الإسلامى، فوجد فى نفسه رغبة فى التحول من المسيحية إلى الإسلام، كما ان من الممكن جدا أن نفهم أن يشعر قبطى بالسرور إذا علم بالخبر العكسى، أى أن مسلما أخذ يقرأ تعاليم المسيح فوجد فى نفسه الرغبة فى التحول من الإسلام إلى المسيحية. ولكن لماذا يغتبط المسلم أو المسيحى إذا سمع أن شخصا من ديانة غير ديانته قرر التحول إلى ديانته هو بناء على ظروف شخصية بحتة، ولأسباب عملية لا فكرية أو عقائدية؟ السرور والغضب هنا لابد أن يكونا تعبيرا عن انفعالات هى بدورها منبتة الصلة بالفكر أو العقيدة، وإنما هى انفعالات ناشئة، على الأرجح عن مشاعر بالاحباط نتجت بدورها عن ظروف اجتماعية واقتصادية.

قد يقال ان الذى أثار المسلمين هو موقف رجال الأمن، الذين تصرفوا وكأنهم انحازوا للكنيسة القبطية دونهم، وأساءوا إلى امرأة كان يجب أن تكون لها الحرية الكاملة فى اعتناق الدين الذى تريده كما أثارهم موقف الكنيسة التى قيل إنها أجبرت إحدى السيدتين أو كلتيهما على العودة بالقوة إلى المسيحية. كما قد يقال إن الذى أثار الأقباط ما تردد من أن هناك من المسلمين من يعمل على تحول بعض الأقباط إلى الإسلام، إلى حد اختطاف بعض القبطيات لهذا الهدف... الخ. ولكن كل هذه الشائعات والاقاويل لا تنشأ إلا فى مناخ اجتماعى فاسد، ولا تنتشر ويجرى ترديدها من فم إلى آخر إلا فى مناخ اجتماعى أكثر فسادا. ورجال الأمن ورجال الكنيسة لا يتصرفون على هذا النحو إلا بسبب ما يرونه من هياج وعواطف متأججة لدى كلا الطرفين، فيحاولون مسايرة طائفتهم من ناحية رغبة فى كسب تأييدهم، أو تهدئة الطائفة الأخرى رغبة فى تجنب المزيد من الفتنة. وهذه الرغبة فى كسب التأييد وهذا الخوف من مزيد من الفتنة لا يشتدان إلا فى مناخ اجتماعى من النوع الذى تعيشه مصر الآن.

فى غمار هذا كله لابد أن تصدر كلمة طائشة أو زلة لسان من هذا الجانب أو ذاك. إذ عندما تحتد المشاعر وتعلو الهتافات ويزيد الصخب يشتد الاغراء لمسايرة الجمهور، خاصة إذا اقترن الأمر بجهود وسائل الإعلام التى لا هم لها إلا مسايرة الجمهور. وهكذا نسمع كلاما من طرف ضد الآخر لم نسمع مثله منذ عشرات السنين، ويجب أن نتوقع المزيد بل والأسوأ منه فى السنين القادمة، ما لم نشرع فورا فى ايقاذ ما يمكن انقاذه بإصلاح أحوالنا الاقتصادية والمعيشية.

فى غمار هذه الأحداث المدهشة لابد أن يتذكر المرء قصة بديعة، حدثت بالفعل فى الثلاثينيات أو الأربعينيات من القرن الماضى رواها عن أمه، عبدالرحمن عزام، ذلك الرجل الوطنى الفذ وصاحب الفكر النير، والذى ألف كتابا ممتازا فى شرح تعاليم الدين الإسلامى، وكان أول أمين عام لجامعة الدول العربية. والقصة انه عاد يوما إلى منزله فوجد أمه ترتدى ملابس العزاء، فسألها عن السبب، فقالت انها كانت تعزى جارتها أم جورج (أو لعل الاسم الحقيقى غير ذلك). فلما سألها عما إذا كان قد حدث شىء لجورج، قالت انه غير ديانته إلى الإسلام. سألها مندهشا وهو غير مصدق «انت تذهبين لتعزية أم جورج لأن ابنها اعتنق الإسلام؟« فقالت «انت تعرف قلب الأم يا بنى!».

السؤال هو: لماذا كان من الممكن أن يحدث هذا منذ سبعين عاما ولم يعد ممكنا الآن؟ لماذا كان المصريون منذ سبعين عاما أكثر قدرة على تصور شعور الأم فى مثل هذه الحالة منهم الآن؟ أو لماذا كانوا أكثر استعدادا فى الماضى لإعطاء المشاعر الإنسانية الطبيعية الأولوية على السلوك الظاهرى، بالمقارنة بحالهم اليوم؟ هذا هو ما حاولت الإجابة عنه فى هذا المقال.