د. جلال أمين

د. جلال أمين
أستاذ الإقتصاد بالجامعة الأمريكية والمفكر المصرى الكبير

الجمعة، 24 سبتمبر 2010

الدكتوراه الفخرية .. والقبض على الدكتور شادى

الشروق - الجمعة 24 سبتمبر 2010

 على الرغم من أن الجرائد الصباحية تحمل لنا فى كل يوم خبرا أغرب من الأخبار التى حملتها لنا فى اليوم السابق، ما زلت أشعر فى كل صباح قدرة مصر، فى هذا العصر، على توليد كل هذه الأخبار المفزعة. لم أستطع مثلا أن أصدق ما نشرته الصحف منذ أيام عن اختفاء طبيب مصرى شاب، هو أيضا مدرس مساعد فى كلية طب قصر العينى، بمجرد توديعه لزوجته وطفليه مطار القاهرة، وعبوره الباب المؤدى إلى منطقة انتظار السفر، انتظرت زوجته مكالمة منه قبل أن يستقل الطائرة فلم يفعل. حاولت مكالمته فوجدت تليفونه مغلقا. واستمر الغموض يحيط به، ولا يعرف أحد مكانه لمدة 30 ساعة (وقيل 36 ساعة) أى يوما ونصف، حتى عرفنا أن مباحث أمن الدولة (أو هيئة لها اسم مشابه) قد قادته من المطار، وهو معصوب العينين، بعد أن استولت على تليفونه المحمول، وأخذته فى سيارة معتمة النوافذ، إلى مكان مجهول، حيث جرى استجوابه حول نشاطه فى تأييد محمد البرادعى فى حملته من أجل انتخابات نظيفة فى مصر.

الذى يزيد من بشاعة الحادث، أن الرجل كان ذاهبا إلى لندن لتأدية امتحان شهادة الزمالة البريطانية. أى أن الرجل، فضلا عن حسِّه الوطنى العالى الذى جعله يشعر بأن من واجبه العمل من أجل نظام ديمقراطى فى مصر، هو أيضا عالم شاب ممن يمكن أن تعلق عليه مصر آمالا كبيرة فى تحقيق النهضة.

مختلف الخواطر مرّت بذهنى لدى قراءة هذا الخبر الفظيع والمدهش. ولكن فى نفس اليوم قرأت فى الصحف خبر موافقة مجلس جامعة القاهرة على منح السيدة سوزان مبارك، زوجة رئيس الجمهورية، درجة الدكتوراه الفخرية تقديرا لما قدمته من خدمات للمجتمع والثقافة.

خطر لى السؤال عما إذا كان قد خطر لرئيس جامعة القاهرة، أثناء تفكيره فى ترتيب الاستعدادات اللازمة لاستقبال قرينة الرئيس، ما عليه أن يصنع لانقاذ مدرس فى كلية الطب التابعة له، من تصرفات ظالمة وقهر يمارسه رجال الأمن ضده. هل خطر لرئيس الجامعة أن مسئوليته فى الدفاع عن كرامة رجاله فى الجامعة أهم من مسئوليته عن ترتيب مراسم استقبال شخصية رسمية؟

ثم خطر لى التساؤل عما إذا كانت قرينة الرئيس قد سمعت بما حدث لشاب يدرس بنفس الجامعة التى ستتسلم منها الشهادة الفخرية؟.. وله يا ترى، إذا كانت قد سمعت الحادث حاولت أن تربط بين هذا الحادث وبين حصولها على الجائزة؟.. هل هذا يتعارض مع ذاك؟.. وهل يجوز لها أن تقبل التكريم من رئيس لجامعة لا يقوم بواجباته نحو رجال جامعته؟.. وإذا كانت الشهادة الفخرية التى ستحصل عليها هى جزاء لخدمات قدمتها ومن شأنها المساهمة فى خدمة العلم والثقافة والمجتمع، فهل الذى حدث فى نفس اليوم لأستاذ الجامعة من شأنه أن يساهم فى خدمة العلم والثقافة والمجتمع؟.. وهل هناك علاقة بين هذا الحماس الشديد الذى أبداه رجال الأمن فى القبض على مدرس الجامعة واستجوابه، وقلقهم الشديد من أى عمل قد يساعد الدكتور البرادعى فى عمله من أجل الديمقراطية، هل هناك علاقة بين هذا وبين ما يجرى على قدم وساق لتسهيل وصول نجل الرئيس لمنصب رئيس الجمهورية؟.. وهل هذا العمل لتسهيل هذا التوريث من شأنه أيضا أن يساهم فى خدمة الثقافة والعلم والمجتمع....إلخ؟

الأرجح أن قرينة الرئىس لم يخطر ببالها أى من هذه الخواطر (بل ولا خطرت ببال رئيس الجامعة)، إذ من شبه المؤكد (فى اعتقادى) أن ما تنشره جرائد المعارضة لا يصل إلى أحد من أفراد أسرة رئيس الجمهورية. فالأرجح أن هناك سياجا منيعا قد فرض حول الأسرة الحاكمة، ليس فقط منعا لتعكير الدم وتكدير الصفو، بل، والأهم من ذلك، حماية للمستفيدين الحقيقيين من مخطط التوريث، من خارج أسرة الرئيس. فأنا بصراحة أشك بشدة فى أن أسرة الرئىس يمكن أن تحقق أى نفع، لا فى المدى القصير ولا الطويل، من نجاح مخطط التوريث، وإن كان المستفيدون الحقيقيون فى ذلك المخطط قد أقنعوا الأسرة بضرورته. هذا الحصار المفروض على الأسرة الحاكمة لابد أن أدى أيضا إلى تصور الأسرة أن أشياء من نوع حصول قرينة الرئيس على شهادة فخرية من جامعة القاهرة، يمكن أن يزيدها شرفا ويعلى من مقامها فى نظر المصريين أو العالم.

الخلاصة إذن أن نفس الأشخاص الذين قبضوا على الدكتور شادى الغزالى، ومنعوه من السفر إلى لندن لاستكمال تقدمه العلمى، الذى يمكن أن ينفع به نفسه ووطنه، وشغلوه بدلا من ذلك بالاستجواب عما يعرفه عن محمد البرادعى، نفس هؤلاء الأشخاص (أو أشخاص وثيقو الصلة وشبيهون جدا بهم) هم الذين فكروا فى منح السيدة سوزان مبارك الدكتوراه الفخرية ورتّبوا له. هؤلاء المشغولون بالأمن ومنح الدكتوراه الفخرية، يقولون إن منح الجائزة للسيدة سوزان مبارك قد تم وفقا لكل اللوائح الجامعية، وأن كون السيدة سوزان هى أيضا قرينة الرئيس، لا علاقة له بمنحها الجائزة. وكأن الأمر من قبيل المصادفة البحتة أن كانت السيدة سوزان التى حصلت على الدكتوارة الفخرية هى نفسها سيدة مصر الأولى. وهو قول شبيه جدا بالقول بأن جمال مبارك، رئيس لجنة السياسات، من حقه كأى شاب أن يرشح نفسه لرئاسة الجمهورية، وأن ترشيحه للرئاسة لا علاقة له بكونه ابن الرئيس...إلخ،

ترى أى شىء مدهش آخر يمكن أن تحمله لنا صحف الغد؟

الجمعة، 17 سبتمبر 2010

وزير الاستثمار والمنصب الدولى الرفيع

الشروق - الجمعة 17 سبتمبر 2010

من المعروف للمشتغلين بقضايا التنمية، والمتابعين للحياة السياسية فى العالم الثالث، الظاهرة الآتية، والتى لا تخلو من طرافة، وإن كانت تدعو أيضا لبعض الرثاء.

فقد لوحظ أن المسئولين الكبار عن السياسة الاقتصادية فى دول العالم الثالث، من الوزراء وكبار معاونيهم ورؤساء البنوك (ورؤساء الوزراء أنفسهم) حريصون دائما على أن تكون علاقتهم طيبة بالموظفين الكبار العاملين فى المؤسسات الدولية، كالبنك الدولى وصندوق النقد، فيحيطونهم بكل مظاهر الاحترام والحفاوة، بالإضافة إلى إبداء الاستعداد التام للاستجابة لتوجيهاتهم وطلباتهم فيما يتعلق بالسياسة الاقتصادية التى تتبناها هذه الدراسات الدولية، ولا تميز بشأنها بين دولة وأخرى من دول العالم الثالث.

السبب فى هذا الحرص الشديد على هذه العلاقة الطيبة، لا يتعلق بإيمان هؤلاء المسئولين الكبار فى دول العالم الثالث بصحة هذه التوجيهات وفائدتها لبلادهم بقدر ما يتعلق بما لهذه المؤسسات الدولية من كلمة مسموعة فى واشنطن، وبشىء آخر مهم، وهو أن الوزير أو المسئول الكبير فى دولة من دول العالم الثالث يعرف جيدا أنه إذا فقد وظيفته المهمة فى بلده، لأى سبب، فليس هناك ما يمكن أن يعوضه من ذلك إلا وظيفة كبيرة فى المؤسسة الدولية.

المزايا المادية فى الحالتين كبيرة، والأبهة والهالة اللتان تحيطان بالمنصب كبيرتان أيضا فى الحالتين.

وهؤلاء المسئولون فى العالم الثالث يعرفون أن الأمور فى بلادهم لا تستقر أبدا على حال، والضغائن والدسائس كثيرة، والاطمئنان إلى دوام الحال من المحال. إذن فالاحتياط للمستقبل واجب ومستحب، ومن ثم فلابد من توطيد العلاقة بموظفى المؤسسات الدولية الكبار. وهذه المؤسسات الدولية، من ناحيتها، ترى من مصلحتها أن تستمر هذه العلاقات الوطيدة، فهذا يشجع على سهولة تنفيذ توصياتها وتوجيهاتها، إذ ما الذى يسهل تنفيذ السياسة الاقتصادية المبتغاة أكثر من أن يكون المسئول عن تنفيذها ذا مصلحة شخصية فى ذلك؟

مما يساعد أيضا على تنفيذ هذه السياسة التى تتبناها المؤسسات الدولية إحاطة موظفيها بمختلف مظاهر الفخامة والأبهة. فهم لا يتنقلون من دولة لأخرى إلا فى مقاعد الدرجة الأولى فى الطائرات، ولا يجلسون إلا فى قاعات كبار الزوار، ولا ينزلون إلا فى الفنادق الكبرى، كما يتمتعون بمختلف أنواع الحصانة والإعفاء من الضرائب فضلا بالطبع عن الرواتب المرتفعة التى تنتهى بمعاش ممتاز... إلخ،

مما يؤدى كله إلى أن يصبح من الممكن أن تميز بمجرد النظر، إذا تصادف وجودك فى مطار، الموظف الدولى عن غيره، من قماش بدلته إلى لمعان حذائه، إلى نوع حقيبته الصغيرة التى تحمل أوراقه، بل وربما أيضا من طريقته فى الكلام ونظراته وحركاته، حتى يكاد هؤلاء يظهرون وكأنهم ينتمون إلى جنس آخر من أجناس البشر، ميزهم الله عن العالمين بما يليق بمهمتهم الرفيعة.

مهمة «رفيعة» حقا، بمعنى من المعانى، ولكن التقييم الحقيقى لها يحتاج إلى كلام كثير. فالمنظمات الدولية وإن كانت تبدو وكأنها تعلو على كل الدول، فإنها منذ إنشائها قبل أكثر من ستين عاما، ظلت خاضعة فى الأساس لإرادة الحكومة الأمريكية وحكومات الدول الصناعية الغربية الكبرى، ثم تداخلت معها، فى الثلاثين سنة الأخيرة، مصالح الشركات والمؤسسات المالية العملاقة، ومن ثم أصبحت المنظمات الدولية، وعلى الأخص المؤسستان الماليتان الكبريان (البنك الدولى وصندوق النقد) تستوحى سياساتها وقراراتها الأساسية من مصالح هاتين الجهتين: الإدارة الأمريكية، والشركات العملاقة (التى يشار إليها عادة بالشركات متعددة الجنسيات).

وعلى الرغم من أن جميع أو معظم دول الأرض ممثلة فى هذه المنظمات وأن موظفى هذه المنظمات يتظاهرون بالحياد التام، ويعاملون كل الدول بمظاهر الاحترام الذى يتفق مع هذا التمثيل العام لجميع الدول، فإنهم فى الحقيقة لا ينفذون إلا هذه المصالح التى كثيرا ما تتعارض مع مصالح الدول الصغيرة.

المنصب إذن وبلا شك منصب رفيع، لكل ما ذكرته من أسباب تتعلق بالمظاهر الخارجية، ولكنه ليس بالضرورة منصب يستحق كل هذا التوقير والإجلال متى اعترفنا بحقيقة المصالح التى تستخدم لتنفيذها.
لقد كتب الكثيرون فى تحليل البواعث الحقيقية وراء السياسات التى ينصح بها (أو يشترطها) البنك الدولى وصندوق النقد، ولكننى لم أعرف كثيرين من الأشخاص، خاصة من بين المسئولين الحكوميين، المستعدين للاعتراف بهذه البواعث الحقيقية.

من بين الاقتصاديين المصريين الكبار القلائل، الذين أبدوا استعدادا مدهشا للتصرف بناء على هذا الاعتراف، رغم اعتلائهم منصبا وزاريا فى مصر، أستاذنا الدكتور زكى شافعى، أول عميد لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية. لقد عرف هذا الرجل باستقلال الرأى والزهد فى مظاهر الأبهة والمناصب الكبيرة، ومن ثم ابتعدت عنه المناصب الكبيرة بدورها، حتى حدث غير المتوقع فى منتصف السبعينيات، حين رأيناه يعين فجأة وزيرا للاقتصاد فى غفلة من الزمن.

لا عجب أنه لم يستمر طويلا فى المنصب، ولكننى سمعت من مصدر مقرب منه أنه عندما دخل عليه أحد مسئولى صندوق النقد الدولى، وكان هندى الجنسية، ويحمل كل سمات الموظف الدولى التى وصفتها من قبل، وحاول أن يملى إرادة الصندوق على الحكومة المصرية، وهى بالطبع نفس الوصفة الخالدة التى يمليها الصندوق على كل دول العالم الثالث، بصرف النظر عن ظروفها ومشاكلها الاجتماعية الخاصة، هب فيه د. زكى شافعى وكاد يطرده من مكتبه.

وقيل إن الدكتور زكى صاح غاضبا أمام معاونيه: «كيف يمكن أن أقبل أن يأتى إلىّ شاب هندى ليس لديه أى معرفة بظروف المجتمع المصرى ويحاول لمجرد أن فى يده بضعة أرقام وشهادة من جامعة أمريكية واسم المؤسسة الدولية الكبيرة، أن يعلمنى ما يجب علىّ أن أطبق من سياسات اقتصادية فى مصر؟».

هكذا يذهب الاقتصادى الهندى لتوجيه السياسة الاقتصادية للحكومة المصرية، والاقتصادى البرازيلى لتوجيه الحكومة الهندية، والمصرى لتوجيه حكومة الكونغو... إلخ، والرسالة هى هى دائما بصرف النظر عن اختلاف أحوال مصر عن البرازيل عن الكونغو، والحجة دائما هى أن هذه السياسات تأتى من هيئة دولية محايدة، وتعلو فوق كل الدول، وتحاط بسبب ذلك بكل مظاهر التوقير والتبجيل.

ــــــــ
فجأة سمعنا أن د. محمود محيى الدين وزير الاستثمار المصرى عرض عليه منصب «رفيع» فى الهيئة الدولية العظيمة «البنك الدولى» وأنه قبل المنصب وأن الجميع سعداء بهذا الخبر: الوزير، والبنك الذى رشحه، ورئيس الجمهورية الذى وافق على الترشيح.

والخبر، رغم أنه كان مفاجأة، ليس من الصعب تفسيره، على ضوء كل ما ذكرته فى هذا المقال. فالوزير معروف بأنه مستعد للالتزام بسياسات الصندوق، وأثبت ولاءه لهذه السياسات بما لا يترك مجالا للشك.

والمنصب الرفيع بكل المعانى التى ذكرتها من قبل، ورئيس الجمهورية ليس لديه أى دافع للاعتراض، فرغم ما أظهر د. محيى الدين من ولاء للنظام طوال الست سنوات التى قضاها وزيرا، ما أسهل العثور على غيره للقيام بنفس الدور، إذ لا يحتاج الأمر فى الحقيقة إلى أكثر من تنفيذ ما يطلبه الصندوق الدولى والبنك، مع قدرة لا بأس بها على الخطابة والتظاهر بالايمان بفائدة هذه الطلبات للاقتصاد المصرى.

الذى أشك فيه جدا أن يكون الدكتور محيى الدين نفسه سعيدا بهذا الانتقال من منصب الوزير إلى منصب مدير تنفيذى بالبنك الدولى. بل إننى أرجح بشدة أن شعوره هو العكس بالضبط، فالأمر أشبه بالنفى من مكان كان يعده بمزيد من القوة والسلطة، إلى مكان مريح حقا، وفى بلد متقدم حقا، ولكنه فى نهاية الأمر لا يعطيه شيئا من هذا. إننى لا أشك فى أن السبب وراء هذا الانتقال من منصب إلى منصب خلافات شديدة فى الغرف المغلقة فى أماكن إصدار القرار فى مصر، انتهت بضرورة «عزل» محمود محيى الدين وإحلال غيره محله.

قد يبدو الأمر غير جدير بالاهتمام، ولا يستدعى كتابة مقال طويل، فسياسة الخصخصة سوف تستمر سواء فى ظل محمود محيى الدين أو غيره، ولو كان وجود محيى الدين ضروريا لاستمرار الخصخصة فى مصر لما عرض عليه البنك الدولى هذا المنصب الجديد أصلا.

ولكن دافعى للكتابة فى هذا الموضوع هو ما تكرر من أوصاف غير حقيقية لما حدث: «للمناصب الرفيعة» من ناحية، ولما حدث لمصر من «تشريف» باختيار وزير فيها لهذا المنصب الكبير، ولما تظاهر به محمود محيى الدين من «فرح» بحصوله على المنصب.

ولكن الطرافة بلغت منتهاها عندما ظهر محمود محيى الدين فى الصور وهو يرتدى جلبابا ريفيا فى بلدته كفر شكر، فى احتفال بتوديع أهلها، استمرارا للتظاهر بإخلاصه لشعبه وأهل قريته، ووعده بأنه سيستمر فى إخلاصه للعمل من أجل شعب مصر أثناء توليه منصبه الدولى الرفيع، كما كان بالضبط وهو وزير للاستثمار. لقد صفق له الناس بالطبع، ولكننى لا أشك أيضا فى أن كثيرين من الحاضرين كانوا يشعرون، بفطرتهم السليمة، حجم الزيف فى الأمر برمته.

الجمعة، 10 سبتمبر 2010

حتمية سرقة زهرة الخشخاش

الشروق - الجمعة 10 سبتمبر 2010


عندما وقع ذلك الحادث المأساوى لقطار الصعيد منذ ثمانى سنوات، والذى راح ضحيته عدة مئات (والبعض قال آلاف) من المصريين، كانت الصدمة كبيرة بالطبع، ولكن عندما أخذت المعلومات تتوالى على الناس عن ملابسات الحادث، وعن درجة تكدس الناس فى العربات، وصعوبة إيقاف القطار بسبب تعطل آلات الإنذار، وصعوبة الهرب من القطار لأن الناس والحقائب والقفف كانت تملأ الممرات، ولم يكن من السهل الوصول إلى الأبواب أو القفز من النوافذ، وعندما عرف أن سبب الحريق وجود موقد كيروسين فى داخل إحدى العربات، يستخدمه رجل فقير كمصدر للرزق بأن يبيع أكواب الشاى للركاب، وهو طبعا أمر غير مسموح به ولابد أن مفتش القطار تغاضى عنه كوسيلة أيضا لكسب الرزق.. إلخ.

عندما عرف الناس كل هذه التفاصيل بدا الحادث منطقيا تماما، ومعقولا للغاية. وبدا الغريب فقط أن مثل هذا الحادث لا يتكرر كل يوم، وأن قطارا بعد آخر من قطارات الصعيد يصل سالما بركابه، يوما بعد يوم، دون حريق أو تصادم.

كذلك عندما وقع حادث سرقة لوحة زهرة الخشخاش لفان جوخ منذ أسابيع قليلة، وهى لوحة تقدر قيمتها بخمسين مليون دولار، فى وضح النهار، ودون أن يبدو أن السارق قد استخدم أى وسيلة من وسائل العنف أوطريقة تكنولوجية حديثة يتجنب بها اطلاق صفارات الإنذار، أو يعطل بها الكاميرات المسلطة على اللوحات، ودون أن يترك أى أثر يمكن من القبض عليه.. إلخ. عندما حدث ذلك بدا الأمر غريبا جدا ومدهشا لأول وهلة، ولكن عندما توالى نشر التفاصيل عن الحادث فعرفنا أن معظم الكاميرات كان معطلا من الأصل، وأن حراس المتحف الموجودين فى وقت الحادث كان عددهم ضئيلا جدا ومعظمهم أو كلهم كانوا منشغلين بشىء آخر عن الحراسة، إما بتناول الطعام أو بأى عذر آخر مكنهم من الانصراف فى غير موعد الانصراف، ثم سمعنا أن الوزير يتهم مدير المتحف، ومدير المتحف يتهم الوزير إلى درجة أن مدير المتحف رفع قضية على الوزير اتهمه فيها بإرسال رجال للبحث فى مكتبه عن أى أوراق قد تفيد فى إبراء ذمته من تهمة التقصير.. إلخ.

عندما سمعنا كل هذه التفاصيل وأكثر، بدا الحادث طبيعيا للغاية ومنطقيا جدا، وأصبح الشىء الغريب فقط هو: كيف لا يحدث حادث كهذا كل يوم؟ وكيف لايزال لدى مصر عدد كبير من التحف المعروضة فى المتاحف، أو الموضوعة فى المخازن؟ كيف لا يتكرر مثل هذا الحادث يوميا فى المتاحف المصرية، وحالة الجميع هى على ما تعرف: حالة الحراس ورواتبهم والمديرين وطريقة تعيينهم، والوزراء وسهولة التخلص من مسئولياتهم... إلخ؟