د. جلال أمين

د. جلال أمين
أستاذ الإقتصاد بالجامعة الأمريكية والمفكر المصرى الكبير

الاثنين، 24 مايو 2010

فى رثاء غازى القصيبى

الشروق - الثلاثاء 24 أغسطس 2010

لم أعرفه معرفة شخصية، ولم أقابله قط، ولكنى قرأت كل كلمة كتبها مما كان يمكن أن أضع يدى عليه، وأعجبت بكل شىء قرأته له، نثرا أو شعرا (مع أنى لست عادة من متذوقى الشعر). ومن ثم كان يهمنى أن أعرف أى خبر عنه، عام أو خاص، وأن أتتبع أخباره: هل هو الآن سفير أم وزير؟ هل نشر له كتاب جديد؟

ثم فجأة قرأت أنه مريض وأن مرضه خطير، وقد يهدد بالموت. ثم قرأت أنه نفى نفيا قاطعا أن مرضه خطير. ولكنى قرأت خبر وفاته فى الصفحة الأولى من جريدة «الحياة»، منشورا بالخط العريض الذى يستحقه مثل هذا الخبر بلا شك.

كنت آمل أن يكون نفيه للمرض صحيحا، وإن كنت، مما فهمته عن شخصيته، أشعر بأنه من الممكن أن ينفى غازى القصيبى المرض وقرب الموت ويكون قصده معنى آخر غير المعنى الواضح والمباشر. وإن كنت انتظر أن يوضح لنا القصيبى ذلك المعنى الآخر، فمات قبل أن يفعل.

فى مثل هذه الأحوال يكون الشعور بالحزن مختلفا والصدمة من نوع مختلف عما يحدث عندما تفقد صديقا أو قريبا تعرفه معرفة شخصية. وبصراحة، فإنى لا أعرف أى الحزنين أقوى وأيهما أكثر دواما. ففى حالة غازى عبدالرحمن القصيبى، أشعر بأن الحزن يمكن أن يكون دائما، مثلما يخطر لى أحيانا فى حالة فقد رجال من نوع الشاعر المصرى صلاح جاهين أو الكاتب السودانى الطيب صالح.
ما الذى أعرفه عنه بالضبط؟

كنت فى زيارة للندن، وذهبت إلى مكتبة جميلة فى حى نايتس بريدج (Nights Bridge) تبيع الكتب العربية، ويملكها صديقى الناشر اللبنانى رياض الريس. قابلنى رياض وطاف معى بالكتب العربية الجديدة ثم أشار إلى رواية حديثة وقال «خذ هذه!» كانت رواية «شقة الحرية» لغازى القصيبى. كانت رواية مبنية على أحداث مر بها الكاتب شخصيا عندما كان يدرس فى جامعة القاهرة.

إذن «فشقة الحرية»، هى الشقة التى كان يسكنها هو وأصدقاء له جاءوا جميعا للدراسة فى مصر. فُتنت بجمال الرواية وصدقها وقرب روحها المرحة من روح المصريين، وفسرت ذلك بأن القصيبى فى الأصل من البحرين، وقد لمست من البحرانيين قرب روحهم من روح المصريين، لسبب لا أستطيع معرفته.

على أى حال، كان إعجابى بالرواية بدرجة جعلتنى أبحث له عن كتب أخرى، فقرأت معظم رواياته الأخرى، وكتبا له عن مشاكل العرب الاجتماعية والاقتصادية، وعن رحلة له لكاليفورنيا مع أسرته، استعاد خلالها ذكرياته عن أيام دراسته للدكتوراه فى أمريكا.

فوجدته دائما ذكيا مرحا، ثاقب النظر، ودائما يتحلى بروح إنسانية جميلة. عندما كنت أقرأ له فى جريدة الحياة من حين لآخر، مقالا أو قصيدة شعر، كان يدهشنى تكرر تعاطفى مع شعره على نحو لم ألمسه فى موقفى من معظم الشعراء العرب الآخرين، عرفت من كتبه أنه يحب المتنبى حبا جما، وأنا أيضا أحب المتنبى حبا جما، ولكن الشعراء العرب المحدثين يعجز معظمهم عن تحريك مشاعرى على النحو الذى يحركها شعر القصيبى.

هل هو الصدق التام مرة أخرى؟ بالإضافة إلى الروح الإنسانية والمرح والنفور من أى نوع من التظاهر بالعمق، ومن ثم من أى نوع من التعقيد؟ ثم قرأت له مقالين مدهشين عن الأميرة ديانا بعد مصرعها بقليل. كان قد عرفها معرفة شخصية عندما كان سفيرا للمملكة السعودية فى لندن، ومن ثم لم يكن من المستحيل أن يدعوها هى وبعض أصدقائها إلى وليمة فى بيته، وأن تلبى الدعوة.

كانت المقالتان مدهشتين لأن مثل هذا الوصف لامرأة جميلة وشخصية مشهورة أحبها العالم كله، غير مألوف البتة من دبلوماسى عربى أو غير عربى، والتعبير عن العاطفة بهذا الصدق إزاء مصرعها المأسوى والعبثى، هو شىء نادر أيضا.

وجدت له بعد ذلك كتابا صغيرا عن ديانا فقرأته، أعجبت به، وقصيدة فى رثاء «سعاد حسنى» فى جريدة الحياة أيضا، فوجدتها أيضا بالغة القوة والتأثير. ثم سمعت أنه كتب قصيدة يرثى فيها فتاة فلسطينية قامت بعملية انتحارية، وكانت نتيجة هذه القصيدة احتجاجا إسرائيليا لدى الحكومة البريطانية تم على إثره نقل غازى القصيبى من وظيفته سفيرا فى لندن إلى وزير فى المملكة السعودية.

حدث قبل هذا شىء لا يخلو من طرافة. فمنذ سنوات خلت وظيفة مدير منظمة اليونسكو، وترشح لها يابانى ومصرى وسعودى. كان السعودى هو غازى القصيبى الذى فرحت بخبر ترشيحه، وقلت لنفسى إن رجلا كهذا، أديبا وشاعرا موهوبا ومحبا بل عاشقا للثقافة العربية، وظهر منه المرة بعد المرة تعاطف صادق مع قضايا أمته وآمالها، هو أفضل من يمثل العرب فى اليونسكو، بل لعله إذا نجح فى الوصول إلى رئاستها يستطيع أن يخدم الثقافة العربية أكثر من أى شخص آخر.

كان المرشح المصرى رجلا محترما ومثقفا، وشغل لمدة طويلة مناصب دولة رفيعة كان آخرها منصب نائب مدير البنك الدولى. ولكن وظائف البنك الدولى، مهما كانت رفيعة، كانت تثير دائما فى نفسى بعض الشكوك، بسبب قلة ثقتى فى وظيفة البنك الدولى نفسه، وميلى إلى الاعتقاد بأن هذا البنك قد يكون ضرره بالعالم الثالث (إذا أخذ كل شىء فى الاعتبار) أكبر من نفعه. والموظف الذى يشغل منصبا كبيرا فيه (بعكس الموظفين الصغار الذين لا حيلة لهم فى الأمر) لابد أن يتحمل جزءا من المسئولية عن أخطاء البنك الكبيرة، فى رأيى، سواء كان يعلم بها وفكر فيها أو لم يعلم ولم يفكر.

وكنت فضلا عن ذلك مازلت أذكر محاضرة ألقاها هذا المرشح المصرى فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة، قبل ذلك بسنوات قليلة، كانت كلها تدور حول الدفاع عن مطالب صندوق النقد الدولى من مصر، والتحذير من مغبة عدم تنفيذها، وهو ما لم يعجبنى بتاتا، سواء كان هذا هو رأيه أيضا فى مطالب الصندوق أو لم يكن.

لم يكن لدى شك إذن فى أفضلية غازى القصيبى لمنصب مدير اليونسكو ثم حدث أن تلقيت مكالمة تليفونية من أستاذ قديم لى، متقدم فى السن، ويتمتع باحترام عام بسبب طول عهده بالانشغال بمشاكل التعليم فى مصر، وبسبب اعتلائه بدوره عدة مناصب كبيرة فى منظمات الأمم المتحدة قبل تقاعده.

سألنى الرجل عما إذا كنت أعرف أن المصرى الكبير الذى يشغل وظيفة نائب مدير البنك الدولى مرشح لرئاسة اليونسكو، فقلت إننى أعرف، فقال إنه ينظم حملة للدعاية له ولجمع توقيعات مؤيدة له من المثقفين المصريين، تضاف لما سبق للمرشح نفسه جمعه من توقيعات أجانب مرموقين، من بينهم عدد من حائزى جائزة نوبل، وطلب منى أن اشترك فى الدعوة له وتأييده. فقلت له إنى بصراحة لا أميل إلى ذلك بسبب تفضيلى للمرشح السعودى بلا أدنى شك. استغرب الرجل هذا الموقف بشدة.

فالمرشح الذى يدعونى لتأييده، هو قبل كل شىء مصرى، وافترض الرجل أن هذه صفة كافية لتأييده. ولكنه، فضلا عن ذلك لا يعرف فيما بدا لى أى فضل خاص للمرشح السعودى. عندما ذكرت له أسبابى، صاح بى وهو مندهش أشد الاندهاش «أتفضله لأنه كتب رواية؟» لم أجد دافعا، والحال كذلك، للخوض فى شرح ما أتوقعه من فرق بين أثر هذا المرشح أو ذاك على الثقافة العربية واكتفيت بالرفض. ولم يفز لا المرشح المصرى ولا السعودى، بل فاز اليابانى، لأن الأسباب التى يمكن بها دعم ترشيح غازى القصيبى بهذا المنصب، لم تكن من النوع الذى يؤثر فى تصويت الدول.

كان غازى القصيبى قد صرح قبل التصويت بعدة أسابيع، بأنه قبل أن يرشح نفسه رغم أنه واثق تماما من أنه لن يفوز. لم يقل السبب، ولكن لابد أنه كان يعرف أيضا تمام المعرفة أنه، رغم كونه كاتبا ومفكرا وشاعرا موهوبا، وهى كلها صفات من المفيد توافرها فى رئيس منظمة اليونسكو، يعرف أن هذه الصفات لا تؤثر كثيرا فى نتيجة التصويت.

تذكرت كل هذا عندما قرأت خبر وفاته، فمرت بذهنى خواطر كثيرة، منها أن كل هذه الصفات الطيبة التى كان يتحلى بها غازى القصيبى لا يمكن بالطبع أن تمنع أو تؤخر موته ومع ذلك فهى وحدها دون غيرها، ما يعطى لاستمرار حياتنا أى معنى.

الجمعة، 14 مايو 2010

حكاية الكتب (الأكثر مبيعًا)

الشروق - الجمعة 14 مايو 2010

كثرة المبيعات ليست دليلا قاطعا على جودة ما يباع (سواء كان كتابا أو أى سلعة أخرى)، ولكن قلة المبيعات ليست أيضا دليلا على الجودة. هذا كلام بديهى، ولكنه يحتاج إلى كلام كثير، حيث كثر فى الآونة الأخيرة الهجوم على بعض الكتاب الموهوبين، الذين أنتجوا بعض «الكتب الأكثر مبيعا»، واتخذت كثرة مبيعاتهم وسيلة للهجوم عليهم.

أظن أن الإنصاف يقتضى أولا أن نقول إن من بين «الكتب الأكثر مبيعا» كتبا جيدة جدا، وكتبا سيئة جدا، وكذلك كتب متوسطة. ولكن هذا ينطبق أيضا على الكتب المحدودة التوزيع، والتى لا تحظى بإعجاب جماهيرى، ففيها أيضا كل الأنواع: الجيد والسيئ والمتوسط.

وتفسير ذلك سهل للغاية، ولكن بعض الكتاب لا يريدون الاعتراف به لأنهم حانقون وبعضهم غيورون جدا من بعض من حققوا نجاحا جماهيريا، كان الحانقون والغيورون يتمنونه لأنفسهم.

النجاح الجماهيرى للكتاب (وكذلك الفيلم أو الجريدة... الخ) قد يكون سببه أنه يخاطب العنصر المشترك فى الجماهير الغفيرة، كالاهتمام بالجنس، أو الفضائح، أو الجريمة وأعمال العنف. نعم، قد يقبل الناس إقبالا شديدا على كتاب من هذا النوع حتى لو لم تكن له قيمة فنية، ولهذا نقول إن كثرة المبيعات ليست دليلا قاطعا على جودة ما يباع.

ولكن لابد أن نسرع بالقول أيضا ان هناك أشياء جميلة جدا تخلب لب الأعداد الكثيرة من الناس. فالناس لا يشتركون فقط فى الاهتمام بالجنس والفضائح... الخ، ولكن الكثيرين منهم لديهم أيضا، ولحسن الحظ، استعداد لتقدير الجمال والموهبة، خاصة إذا كان التعبير بسيطا وغير معقد.

الناس يحبون المنظر الطبيعى الجميل، ويقدرون النكتة الظريفة إذا ألقيت من شخص يحسن روايتها، ويعجبون بالقصة المحبوكة والمشوقة، والروايات التى تنضح شخصياتها بالحياة، وتتكلم عن مشكلات حقيقية يعانونها بالفعل، فتحسن وصفها وتحليلها، حتى يشعر القارئ بأنها تكاد تتكلم عن مشكلته الشخصية.

هذا النوع الأخير من الكتب لابد أن تكثر مبيعاته، فما الضرر بالضبط فى ذلك؟ ولماذا نغمط حق الكاتب الذى نجح كتابه لسبب من هذه الأسباب، قائلين محتجين وبغيظ واضح: «كثرة المبيعات لا تدل على شىء»؟!
لدينا فى الجامعة أمثلة مشابهة لهذا.

هناك الأستاذ الذى يحظى بشعبية واضحة من تلاميذه لمجرد أنه اشتهر بأنه متساهل فى منح الدرجات. وحيث إن التلاميذ كلهم يريدون النجاح، فهم يقبلون عليه أكثر مما يقبلون على غيره. ولكن كل التلاميذ أيضا يحبون أن يفهموا ما يقال، ومعظمهم يقدرون فى الأستاذ قدرته على إفهامهم، أو اتساع علمه أو سعة ثقافته أو حسن إلقائه، بل وكثيرون من هؤلاء قد يفضلون الأستاذ العادل فى منح الدرجات على الأستاذ المتساهل فى منحها. إذن فالأستاذ الجيد قد يحظى أيضا بـ«شعبية» بين تلاميذه، قد تزيد أو تقل عن شعبية الأستاذ الأقل جودة ولكنه أكثر تساهلا. هنا أيضا الشعبية ليست دليلا نهائيا على تحقق الجودة أو عدم تحققها.

أضف إلى كل ذلك أن «الجماهيرية» أو «الأكثر مبيعا»، وصفان يتغير مدلولهما بتغير الظروف والزمن. فطه حسين وتوفيق الحكيم مثلا، كانا بلا شك من أكثر الأدباء المصريين نجاحا بين جماهير القراء فى الأربعينيات والخمسينيات، ولكنهما ليسا كذلك الآن، أو على الأقل ليس لهما الآن ما كان لهما من شعبية حينئذ، وأسباب ذلك واضحة، فالأذواق تتغير، والمشكلات التى يهتم الناس بها تتغير أيضا، بل ومعيار الأسلوب الجميل يتغير أيضا.

وعلى كل حال فإن «حجم الجماهير» يتغير كذلك، فبيع ثلاثة آلاف نسخة فى سنة واحدة فى الخمسينيات كان يعتبر نجاحا باهرا للكاتب، قد يعادل نجاح الكاتب الآن فى بيع مئات الآلاف من النسخ، لمجرد أن السكان يزيدون، والتعليم ينتشر، وأساليب الإعلان تتقدم. فلا يجوز أبدا إذن، ان نقول ان النجاح الساحق الذى حققه علاء الأسوانى مثلا، فى السنوات الأخيرة، لا يدل على موهبته وبراعته ككاتب، لمجرد أن توفيق الحكيم أو طه حسين لا تباع من كتبهما الآن هذا العدد الكبير من النسخ.

يقولون أيضا ان النجاح الجماهيرى ليس معيارا جيدا للحكم على جودة الكتاب، بل العبرة هى برأى النقاد المتخصصين فى الأدب، والعارفين لأصوله وقواعده.

وأنا أجد هذا الرأى يتضمن خلطا مرفوضا بين الحق والباطل، نعم، رأى النقاد مهم، ولكن ليس كل النقاد، تماما كما ان حكم الجمهور قد يكون سطحيا ومدفوعا باعتبارات ضعيفة الصلة بالجودة، ولكن ليس دائما.

نحن نعرف من النقاد كثيرين ممن يتسمون بضعف إحساسهم بالجمال ضعفا مشينا، وقد يحتمون بحصولهم على الدكتوراه فى النقد الأدبى، دون أن تكون لديهم قدرة حقيقية على التمييز بين رواية جيدة ورواية ضعيفة. ناهيك عن ظاهرة الشللية الشائعة فى ميدان النقد الأدبى، وانتصار نقاد لأديب لأنه صديقه أو لأنه ينتمى إلى نفس مذهبه السياسى، ونقمة ناقد على أديب لأنه حقق شهرته بين الناس دون حاجة إلى تقريظه، ودون أن يقدم لهذا الناقد فروض الولاء والطاعة.

هذا هو حال النقد الأدبى فى كثير من البلاد، وليس فى بلدنا وحدها. أما الجمهور فإنه كثيرا ما يبارك ويحتفل بأعمال غاية فى الجمال فى الأدب والمسرح والسينما والموسيقى... الخ.

(انظر مثلا جماهيرية رواية موسم الهجرة إلى الشمال للطيب الصالح، فى البلاد العربية والأجنبية، أو جماهيرية فيلم ومسرحية سيدتى الجميلة، فى مصر وخارجها، أو مسرحيات الريحانى وأفلامه، التى لا يملها الناس حتى الآن، بجماهيرهم الغفيرة أو اشعار صلاح جاهين التى يحتفل بها الكبار والصغار... الخ).

كل هذه الأعمال وغيرها كانت ولا تزال من الأعمال «الأكثر مبيعا» فلماذا إذن كل هذا الغضب على جماهيرية أديب مصرى، حقق نجاحا باهرا بين أهله وفى الخارج؟ هل كان يجب عليه أولا أن يحظى بمباركتكم وجوائزكم؟ أم كان عليه أولا أن يهدى كتبه للرئيس والسيدة الأولى، وأن يعترف بفضلهما فيما أعطاه له الله من موهبة؟

الجمعة، 7 مايو 2010

لماذا لا نُنْجِب مثيلًا للشَيْخ محمد عبده؟

الشروق - الجمعة 7 مايو 2010

أعود للتفكير بين الحين والآخر، فى أسباب التدهور الذى أصاب الخطاب الدينى فى مصر. فكلما قابلت مثلا من أمثلة التفسير اللا عقلانى للدين (أى تفسير لا يمكن أن يقبله العقل)، أدق أمثلة السلوك الذى يتناقض مع ظاهرة الورع مع باطنه اللا أخلاقى، أو التمسك بالشكل على حساب الجوهر،

وإبراء الثقة بالقيام بما يطلبه الدين من الشعائر المادية مع إهمال ما يطلبه الدين من فضائل الخلق، أعود إلى التساؤل: لماذا كان لدينا منذ أكثر من قرن من الزمان، داعية دينى عظيم هو الشيخ محمد عبده، كان يؤكد على العكس بالضبط، فيجعل اتباع المبادئ الأخلاقية التى يحض عليها الدين فى منزلة أعلى من القيام بالشعائر المادية، ولا يستطيع عصرنا هذا أن ينتج رجلا مثله، أو حتى يقاربه فى الحكمة والترفع عن الصغائر، وفى التفسير الرشيد للدين؟

عدت أقرأ فى بعض كتاباته فوجدت من بينها الفقرة التالية:
«إن المسلمين ضيّعوا دينهم، واشتغلوا بالألفاظ وخدمتها، وتركوا كل ما فيه من المحاسن والفضائل».. قالوا: «النية فى الصلاة، أن يقصد الإنسان فعل هذه الصلاة دون غيرها»، وفسّروا قوله صلى الله عليه وسلم «إنما الأعمال بالنيات» بهذا. وإنما قصد الفعل عند مباشرته طبيعى، فإننى إذا قمت أمشى، لا أقصد بمشيى القعود.. وحاشى لله أن تفرض الشريعة الحكيمة هذا، وتجعل عليه مدار الأعمال والعبادات.. المراد بالنية فى الحديث، قصد المرء وغرضه من فعله، وهو إما وجه الله وابتغاء مرضاته «وهو النية الصحيحة» وإما غرض آخر كالرياء...» (الجزء الثالث من الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، تحقيق محمد عمارة، دار الشروق، 1993، ص212).

تابعت القراءة، فإذا بى أجد فى كتابات الشيخ محمد عبده ومواقفه مثالا بعد آخر لقلة اهتمامه بالشكليات، ونفاذه مباشرة إلى ما يتعلق بالأخلاق. فالمهم عنده هو نظافة القلب قبل أى شىء آخر. قرأت مثلا حوارا طريفا دار بينه وبين تلميذه الموهوب الشيخ رشيد رضا، ويتعلق بحادثة زواج الشيخ على يوسف، وهى الحادثة التى شغلت الرأى العام بأسره فى مصر فى مطلع القرن الماضى.

كانت المشكلة أن الشيخ على يوسف، وهو رجل مرموق فى الصحافة والسياسة، وصاحب جريدة المؤيد، تزوج من صفية بنت الشيخ السادات، وكانت قد بلغت سن الرشد، ولكنها تزوجت دون رضاء أبيها، واعترض أبوها على الزواج، ورفع قضية بطلب فسخ عقد الزواج على أساس عدم كفاءة الزوج للزوجة، إذ يدعى الأب أن ابنته مثله شريفة من نسل النبى، والزوج ليس كذلك.

صدر الحكم بفسخ عقد الزواج على أساس عدم كفاءة الزوج، ذهب الشيخ رشيد رضا إلى أستاذه الشيخ محمد عبده وقال له إن على يوسف «غاضب منك لاعتقاده انك السبب فى صدور هذا الحكم بعدم كفاءته، لأنك صديق للقاضى الذى أصدره». كان رد الشيخ محمد عبده: «أنت تعلم أننى موافق لك فيما كتبت (أى أنه يوافق على خطأ الحكم بالتفريق بين الزوجين على أساس عدم الكفاءة»... وأما رأيى فى الشيخ على والسادات، فى شخصهما، فهو أنهما كفؤان، لكن فى الخسّة لا فى الشرف!» (137).

لفت نظرى فى هذا الحديث ليس فقط هذه الجرأة من جانب الشيخ محمد عبده فى التعبير عما يعتقده، ولكن أيضا تجاوزه للأمور الشكلية ونفاذه مباشرة إلى التقييم الأخلاقى. فالمهم ليس نسبك أو أصلك، ولكن المهم هو أخلاقك.

تصادف أن قرأت فى نفس الأسبوع مقالا رائعا فى جريدة «الشروق» لأستاذ قدير هو الدكتور رشيد العنانى، أستاذ الأدب العربى فى جامعة إكستر البريطانية، وصاحب كتابين مهمين عن أدب نجيب محفوظ، حصلا على ثناء الأستاذ نجيب نفسه ورضاه.

كان موضوع المقال الكاتبة الشهيرة مى زيادة (1886 ــ 1941)، والتى وصفها بحق «بالكاتبة اللبنانية المصرية»، إذ إنها لبنانية مسيحية بحكم المولد، ومصرية بحكم المناخ الثقافى الذى تأثرت به وأثرت فيه كان هذا فى العقود الأولى من القرن الماضى، أى تلك الفترة الزاهرة من تاريخ مصر الثقافى والتى لمعت فيها أسماء مبهرة، منها الشيخ محمد عبده نفسه، ومنها قاسم أمين ولطفى السيد وطه حسين وعباس العقاد... إلخ.

كتب الدكتور العنانى هذا المقال بمناسبة ظهور كتاب (عن دار نوفل اللبنانية) بعنوان (مى زيادة كتابات منسية) ويقع المجلد فى نحو ألف صفحة، ويضم 170 مقالة للآنسة مى (وهو الاسم الذى اشتهرت به فى مصر)، نشرت لأول مرة فى مطبوعات مصرية كالأهرام والسياسة الأسبوعية، وقامت بجمعها باحثة ومستغربة ألمانية عكفت لمدة عشر سنوات على دراسة كل كلمة كتبتها مى زيادة أو كتبت عنها.

يقول الدكتور رشيد العنانى إن تصفح هذا المجلد أثار فى نفسه المواجع والأحزان، وبعض هذه الأحزان يرجع إلى المقارنة بين ما كان عليه الخطاب الدينى منذ مائة عام فى مصر، وما أصبح عليه الآن. ويقتطف هذه الفقرة الجميلة من مقال للآنسة مى عن العلاقة بين الطوائف الدينية:
«الدين أيها السادة والسيدات، لا أختاره أنا ولا تختارونه أنتم. إننا نولد فى دين من الأيان كما يولد الواحد منا أشقر أو أسمر، طويل القامة أو قصيرها. فما قولكم فى مقاتلة أشقر اللون لجاره لأنه حنطى البشرة، قاتم العينين؟ خصومة كهذه تضحكنا وتفكهنا. وليست الخصومات الدينية دون هذه فى التفكهة وإثارة الضحك عند العقلاء».

ثم تصف فى مقالة نشرت فى جريدة الأهرام (بتاريخ 24/6/1928) زيارة قامت بها لمسجدى الرفاعى وإبراهيم أغا، فاختلط فى سمعها، صوت الأذان، بصوت أجراس الكنيسة، فتقول:
«يا صوت المؤذن، يا صوت طفولتى، طالما أيقظتنى فى البكور وأشجيتنى عند العشية.. لقد كنت أول ما انطبع فى قلبى من آيات الطرب والجمال. فى الصباح والمساء كانت تنضم إليك النواقيس الشادية، تسبح هى من ناحيتها بحمد الذى تُعَظّم أنت اسمه من ناحيتك، فتمضيان على أجنحة النسيم معربين عن عاطفة واحدة وعبادة مُثلى: عبادة الذى لا يُعبد سواه».

سألت نفسى من جديد: ما سر التدهور الذى أصاب الخطاب الدينى خلال المائة عام الماضية؟ ولم أشعر بالارتياح إلا للتفسير الآتى: النمو المذهل فى إعداد أنصاف المتعلمين. كان الشيخ محمد عبده، وكذلك الآنسة مى، يكتبان فى مجتمع ينقسم إلى أقلية صغيرة جدا من المتعلمين (ولكنهم متعلمون تعليما راقيا)، وغالبية عظمى من الأميين (ولكنهم أميون يعرفون قدر أنفسهم)، لا مطامح لهم، وليس لديهم أيضا أى ادعاءات بغير الحقيقة).

كان أفراد هذه الأقلية الصغيرة المتعلمة تعليما راقيا، يخاطبون بعضهم البعض، فيتكلمون كلاما راقيا ومتحضرا، والباقون صامتون لا يحدثون ضجيجا ولا يشوشرون. الآن لدينا ملايين من أنصاف المتعلمين الذين يمارسون إرهابا لاشك فيه ضد المثقفين والأميين على السواء. وهم الذين يسيطرون الآن على الخطاب الدينى ويطبعونه بطابعهم.