د. جلال أمين

د. جلال أمين
أستاذ الإقتصاد بالجامعة الأمريكية والمفكر المصرى الكبير

الجمعة، 30 أبريل 2010

أسوأ من البطالة

الشروق - الجمعة 30 أبريل 2010

لم يكن الموقف جديدا علىّ، ولكننى أشعر بصدمة كلما صادفته، وكأننى أصادفه لأول مرة.
شابان يقفان عند مدخل باب السينما، لا يزيد عمر أى منهما على الثلاثين، ووظيفتهما الوحيدة التأكد من أنك تحمل تذكرة الدخول، وربما رافقك أحدهما إلى داخل الصالة ليريك مقعدك.

ليس فى هذا أى شىء غريب. ولكن الصدمة جاءت من طريقة معاملتهما لى، أنا وزوجتى، بمجرد أن أعطيتهما التذكرتين. بدا من أول كلمة نطقا بها أنهما لا يفكران إلا فى البقشيش. كنا قد وصلنا قبل بدء الفيلم بنصف ساعة، فإذا بهما يعرضان علينا أن نجلس فى المقهى التابع للسينما، ويعدان بأنهما سيأتيان لإخبارنا بمجرد حلول موعد الدخول.

استسخفت الطريقة المهينة التى كانا يتكلمان بها. ووجدت الموقف قبيحا جدا: شابان وسيمان، يرتديان بدلتين أنيقتين (لابد أن إدارة السينما اشترطت ذلك)، ويقبلان أن يتسولا البقشيش بهذه الطريقة.

ما إن مشيت خطوتين أخريين حتى اعترض مسيرى شاب آخر، له نفس المظهر، وبجانبه فتاة محجبة تعاونه فى عمله. فما هو هذا العمل يا ترى؟ إنه يعرض علىّ أن أشترك فى مسابقة لم أفهم فحواها بالضبط، ولكننى فهمت من كلامه أننى إذا نجحت فى المسابقة سوف أحصل على هدية.

بعد أن استعدت هدوئى، رجعت إلى أحد الشابين اللذين استقبلانى عند دخولى، وسألته بضعة أسئلة:
ما الذى يقصده هذا الشاب الذى يعرض علىّ هدية؟
إنه مندوب شركة سياحية تحاول أن تروج لنشاطها وهذه المسابقة والهدية جزء من عملية الترويج.
سألته: أى كلية تخرج منها ( إذ كنت شبه متيقن من أنه حاصل على شهادة جامعية).
قال: إن معه شهادة فى الحاسب الآلى.
وزميله؟
خريج تجارة إنجليزى.
هل أنت متزوج؟
نعم، ولى طفلان، أحدهما سنتان والأخرى عمرها ستة أشهر.
هل تقيم مع أسرتك أو أسرة زوجتك؟
لا، نعيش فى شقة بالإيجار.
وما قيمة الإيجار.
أربعمائة وخمسون جنيها.
لا تغضب منى إذا سألتك عن راتبك.
مائتا جنيه.
وهل تعمل زوجتك؟
ــ كيف تعمل ولنا طفلان فى هذه السن؟ وإذا افترضنا أن خرجت زوجتى للعمل، فمتى نتقابل، وأنا أعمل من الرابعة بعد الظهر إلى الثانية عشرة ليلا؟
هل لك وظيفة أخرى فى الصباح؟
لا، لأنهم أحيانا يطلبون منا العمل فى
الصباح بدلا من المساء.

هكذا اتضحت لى أهمية البقشيش. ليس فقط أهميته، بل إنه مسألة حياة أو موت. هل من المستغرب إذن أن يقابلنى هو وزميله، بهذه الطريقة المهينة؟
تركته وذهبت إلى دورة المياه.

رأيت رجلا آخر واقفا على الباب ينتظر وصولى.
هذا الرجل يختلف عن الآخر فى العمر، ولكنه لا يختلف عنه فى الشعور بالذل. كان أكبر سنا وأكثر هزالا، ويفصح وجهه عن سوء التغذية، كان هذا المنظر أيضا مألوفا لى، ولكنه يصيبنى كلما رأيته بشعور لا يخلو من غضب. ليس غضبا من الرجل ولكن مما اضطره للوقوف هذه الوقفة.
لم يكن المسكين يعرف ما الذى يمكنه أن يصنع، وما الخدمة التى يمكن أن يقدمها لى فى هذا المكان لكى يحصل على مكافأة.

ولكنه يعرف أهمية حصوله على هذه المكافأة التى لا يفعل أى شىء لاستحقاقها. هل هذا هو بالضبط سبب الشعور بالذل المرسوم على وجهه؟ خمّنت أن هذا الرجل لا يحصل على أى راتب على الإطلاق، فإذا كان صاحب السينما قد تعطف على زميله الشاب بمائتى جنيه، فالأرجح أنه عرض على هذا الرجل الخيار بين وظيفة بلا راتب، أو عدم التعيين على الإطلاق، فقبل أملا فى عطف الزبائن.

هذه الظاهرة منتشرة الآن فى مصر أكثر بكثير مما نظن. وظائف لابد أن عددها الآن يصل إلى ملايين، فى القطاع المسمى بالخدمات. بائع السلعة أو خدمة، يعرف أن المشترى يتوقع أن يحصل منه على خدمة صغيرة إضافية، كصاحب السيارة الذى يتوقع فى محطة البنزين أن يأتى من يملأ سيارته بالوقود بدلا من أن يملأها بنفسه،

أو زبون السوبر ماركت الذى يتوقع أن يساعده أحد فى وضع ما اشتراه فى أكياس، أو أن يحملها له إلى سيارته، بدلا من أن يحملها بنفسه، أو النزيل فى فندق الذى يريد أن يأتى من يحمل له حقائبه، أو الصاعد إلى قطار الذى يريد من يدله على مقعده.. إلخ.

ولكن البائع لا يريد أن يتحمل أجر من يقوم بهذه الخدمة، إذ إنه يعرف أن المجتمع فيه ملايين من المتبطلين الباحثين عن أى عمل، فيستغل ضعفهم بأن يخبرهم بأن يقوموا بهذه الأعمال بلا أجر، (أو بأجر تافه للغاية)، ويعتمدون على شطارتهم فى التعامل مع الزبون، أو أن يظلوا متبطلين.

هذه الظاهرة المنتشرة الآن فى مصر ليست ظاهرة قديمة، إذ لم تعرفها مصر (بأى درجة ملحوظة) لا فى عصر الملكية، ولا فى عهد عبدالناصر ولا فى عصر السادات.

كانت الظاهرة المنتشرة فى عصر الملكية هى ما يسميه الاقتصاديون بـ«البطالة المقنعة»: رجال يعملون بأقل كثيرا من قدراتهم ولكنهم لا يعملون كوسطاء بين البائع والمشترى. هكذا كان حال العمالة الزائدة عن الحاجة فى الريف المصرى، وحال الباعة المتجولين أو ماسحى الأحذية فى المدن.

فى عهد عبدالناصر انخفضت بشدة البطالة المقنعة، نتيجة للإصلاح الزراعى والتصنيع، وإن عادت للظهور بالتدريج فى وظائف الحكومة والقطاع العام مع تراخى جهود التصنيع بعد حرب 1967. ولكننا لم نشهد فى عهد عبدالناصر هذه الظاهرة الملعونة التى أتكلم عنها الآن. بل ولم نشهدها بأى درجة ملحوظة فى عهد السادات بسبب ما خلقته الهجرة من فرص للعمل فى بلاد البترول.

كل هذه المنافذ انسدّت بعنف طوال ربع القرن الماضى.. فرص العمل فى الزراعة والصناعة تزيد ببطء شديد، ومعدل الهجرة انخفض بشدة بسبب انخفاض طلب دول البترول على العمالة المصرية، والحكومة المصرية تسحب يدها من تعيين خريجى الجامعات والمعاهد، وتقلل من إنفاقها على أمل أن ىقوم القطاع الخاص بما كانت تقوم هى به. ولكن القطاع الخاص حاله كما شرحت: شعاره العرض والطلب، سواء فيما يتعلق بالسلع أو العمالة. فإذا كان هناك من هو مستعد للعمل بلا أجر، فلماذا تدفع له أجرا؟

كلما فتحت النافذة فى منزلى فى الصباح رأيت شابا فى نحو الخامسة والعشرين. أعرف تاريخ حياته جيدا لطول ما التقيت به فى هذا الشارع الذى أسكنه. أعرف أن أباه فعل المستحيل لكى يتم الولد دراسته القانونية، ثم لكى يدخل الجامعة حتى حصل على بكالوريوس تجارة، الآن بعد أن فعل هذا الشاب هو وأبوه المستحيل للحصول على وظيفة تلائم مؤهلاته، انتهى إلى الاشتغال بمسح التراب من السيارات الرائعة المرصوصة أمام العمارة المقابلة، وأمله معلق.

كآمال الرجال الذين وصفتهم حالا، بكرم أصحاب السيارات ولكن هذا الكرم أمر غير موثوق به، ولا يمكن تقديره بدقة، ومن ثم لا يمكن التعويل عليه فى اتخاذ قرار بالزواج أو عدمه، فهناك حاجات أهم وأكثر إلحاحا، منها إرسال بعض ما يكسبه إلى أمه الباقية فى الصعيد.

كان لابد أن أتذكر، بعد رؤيتى لنظر «العاملين» فى السينما، بعض الإحصاءات التى قدمها اقتصادى مرموق، ومتخصص فى موضوع العمالة والبطالة ودلل بها على تحسن حالة العمالة فى مصر، فقال بفخر: إن نسبة البطالة فى مصر انخفضت من 11.7٪ فى 1998 إلى 8.3٪ فى 2006 قلت لنفسى:
«ليس هناك شىء غريب جدا فى هذا، فالمتبطل لا يظل ينتظر الوظيفة حتى يموت جوعا، لابد أن يعثر على أى وظيفة يحصل بها على قوته وقوت عياله.

لابد أنه، بعد أن حصل على دبلوم آلة حاسبة، أو بكالوريوس تجارة إنجليزى، ويئس تماما من الحياة، قبل أن يعمل بهذه الأعمال التى وصفتها. ومن ثم استطاع الاقتصادى المرموق أن ىستبعده من عداد المتبطلين.

واستطاع وزراء الاستثمار والتنمية الاقتصادية أن ىذكروه فى إحصاءاتهم كدليل على ما حققوه من زيادة فى العمالة. ولكن ما هو الوصف الحقيقى لما يقوم به من عمل؟».

الجمعة، 23 أبريل 2010

بين الحقيقى والزائف

الشروق - الجمعة 23 أبريل 2010

فى الأسبوع الماضى قرأت ثلاث مقالات جميلة لثلاثة من كتابى المفضلين: علاء الأسوانى وأسامة غريب وسحر الموجى. المقالات الثلاث نشرت فى صحف مختلفة: الشروق والدستور والمصرى اليوم، وكلها تتعلق بالتدين فى مصر ولكن من زوايا مختلفة.

علاء الأسوانى يتساءل: هل تزوير الانتخابات من الكبائر؟ أى من المعاصى الكبرى التى تستوجب عقاب الله فى الدنيا والآخرة؟ ويصل إلى أنه فعلا من الكبائر، إذ برجعوه إلى كتب الفقه وجد أن من الكبائر، الشهادة الزور، أى جهر المرء بغير الحقيقة مع علمه بذلك، مما يترتب عليه ضرر. وتزوير الانتخابات من قبيل إعلان عكس الحقيقة مع العلم بذلك، والضرر يصيب الأمة بأسرها.

علاء الأسوانى يريد بالطبع أن يبين، لمن لم يعلم بعد، أن الفساد فى السياسة ينطوى على خروج عن الدين. فإن لم يشعر المرء بالغضب لما يحدثه الفساد فى السياسة من ضرر بمصالح الأمة، فليغضب لدينه.

ومقالة أسامة غريب تتكلم أيضا عن العلاقة بين التدين والفساد السياسى، ولكن فى محاولة بعض رجال الدين، من المسلمين والأقباط على السواء، ارتداء رداء الدين للتغطية على فساد سياسى، فيقولون فى خطبهم وتصريحاتهم بوجوب الطاعة لأولى الأمر، أى للحكام، مهما بلغ فسادهم، ويصورون هذه الطاعة وكأنها واجب دينى، وهم لا يبتغون بذلك إلا الحصول على رضا السلطان، وصولا إلى تحقيق مآرب دنيوية.

علاء الأسوانى يتكلم عن الذين يمارسون الشعائر الدينية ولكنهم لا يتورعون عن ارتكاب كبيرة من الكبائر، هى تزوير الانتخابات. وأسامة غريب يتكلم عن الذين يحاولون اقناعنا بأن ارتكاب كبيرة من الكبائر هى مما يرضى عنه الدين.

أما سحر الموجى فتتكلم عن الذين يمارسون الشعائر الدينية على نحو يتعارض مع المصلحة العامة، ويحاولون اقناعنا بأن ممارسة هذه الشعائر على هذا النحو الذى يمارسونها به، أهم من تحقيق مصالح الناس، وأنه ليس من حق أحد أن يطالب بحق من حقوقه البديهية إذا كان هذا يتعارض مع رغبة موظف عمومى أو غيره فى تأدية هذه الشعائر فى أى وقت يريده، وعلى أى نحو يخطر بباله.

وتضرب سحر الموجى لذلك أمثلة نصادفها كلنا كل يوم، كقيام بعض المصلين بالصلاة فى وسط الشارع مما قد يمنع مرور أى شخص آخر به، أو كترك طبيب لمستشفاه ومرضاه للاشتراك فى صلاة التراويح فى رمضان، أو سيارة الإسعاف التى يرفض سائقها أن يتحرك فى وقت الصلاة... الخ.

الكتاب الثلاثة ليسوا فقط كتابا موهوبين، اثبتوا موهبتهم فى أعمال فنية ممتازة وحازت اعجاب الناس، ولكنهم يشتركون أيضا فى صفة أخرى مهمة، وهى رفضهم البات لنوع مزيف من التدين، وهو تظاهر المرء بأنه لا يبتغى إلا رضا الله عنه، بينما هو لا يبغى فى الحقيقة إلا تحقيق مصلحة خاصة، حتى لو تعارضت هذه المصلحة الخاصة تعارضا صارخا مع مصالح الناس.

نعم، ما أكثر الزيف فى حياتنا الاجتماعية. لدينا تدين زائف، ولكن لدينا أيضا تنوير زائف، وأقصد بالتنوير الزائف التظاهر بالدفاع عن العقلانية وتحكيم العقل، تحقيقا لمصالح شخصية، حتى لو تعارضت مع الصالح العام. فلدينا من المثقفين ممن ليس لهم هم إلا ادعاء مكافحة «التطرف الدينى»، ولكنهم يقدمون هذا الادعاء قربانا للسلطة، مع أن أصحاب السلطة قد يكونون أقل الناس عقلانية وأبعدهم عن الاستنارة.

نحن نجد هؤلاء من مدعى التنوير، بين أنصار اليمين واليسار على السواء، فبعضهم يدعى الدفاع عن مصالح الفقراء، والآخرون يدعون أنهم من أنصار الانفتاح على الغرب، ولكنهم كلهم يشتركون فى شىء واحد: المتاجرة بالعقلانية كما يتاجر الآخرون بالدين. والهدف فى الحقيقة واحد فى الحالتين: اكتساب رضا السلطة تحقيقا لمطامع خاصة.

نعم لدينا هؤلاء وأولئك، ولكن من حسن الحظ أن لدينا أمثلة رائعة لنوع رائع من الكتاب، منهم أصحاب الأسماء الثلاثة الذين بدأت بهم مقالى، لا يتاجرون لا بالدين ولا بالعقلانية، ولكن لديهم أيضا درجة عالية من الحكمة ومن احترام تراثهم الدينى والشعبى. يمارسون الحكمة دون ادعاء، ويستلهمون تراث شعبهم فى أعمالهم الفنية، ولا يسمحون لأحد بالسخرية منه. وفى رأيى أن هذا النوع الرائع من الكتاب المصريين آخذ فى التزايد.. أليس فى هذا سبب آخر للتفاؤل بالمستقبل؟
 

الجمعة، 16 أبريل 2010

الفتاة المصرية تتحدى الشرطة

الشروق - الجمعة 16 أبريل 2010

عندما كنت طالبا فى كلية الحقوق، منذ نحو ستين عاما، كانت الغالبية الساحقة من الطلاب من الذكور، إذ بين كل نحو ألف من الذكور، كان عدد الطالبات لا يزيد على عشر.

كان من الطبيعى أن يسيطر على هذه الحفنة الصغيرة من الطالبات، شعور قوى بالخجل، فكنا نراهن سائرات وقد التصقت كل منهن بالأخريات، ويختفين تماما بمجرد انتهاء المحاضرة، لا يكلمن أحدا دون أن تحمر وجوههن، ولايجرؤ أحد منا أن يكلم واحدة منهن، إلا إذا كان يتمتع بجرأة وشجاعة فائقة، يحسده الباقون عليها.

أذكر أننا فى مارس 1954، أى منذ 56 عاما، قمنا بالاعتصام فى القاعة الكبرى بجامعة القاهرة، احتجاجا على تنحية محمد نجيب من رئاسة الجمهورية بسبب خلافه مع بقية الضباط، إذ كان يريد الديمقراطية ومعظم الباقين يريدون استمرار حكم الضباط، قررنا قضاء الليلة فى هذه القاعة الكبيرة، واستمرار الاعتصام حتى يعود محمد نجيب إلى الحكم، أرسل إلينا مجلس قيادة الثورة من يحاول إقناعنا بفض الاعتصام فرفضنا، وكانت النتيجة الباهرة لهذا الاعتصام، وللغضب الشعبى الساحق من مختلف الفئات المؤيدة لمحمد نجيب، أن عاد محمد نجيب إلى الحكم.

القصة معروفة ومشهورة، ولكن الذى أريد أن أذكره الآن أنه من بين فئات المعتصمين فى جامعة القاهرة لم تكن هناك طالبة واحدة، بل ولم يخطر ببالنا قط أنه من الممكن أن تنضم فتاة واحدة إلى المعتصمين،

كان هذا يعتبر من الطالبات أنفسهن ضربا من الجنون، لا يمكن أن يتصورنه ولا أن تتصوره عائلاتهن، كان العمل الوطنى مهمة الرجال، بينما يكتفى النساء بالمشاهدة والمتابعة عن بعد.
كانت الطالبات، بمجرد أن تبدو أى بادرة لاحتمال قيام مظاهرة يسرعن بالعودة إلى بيوتهن تجنبا لأى عمل من أعمال العنف قد يصدر عن الطلاب أو الشرطة.

تذكرت كل هذا وأنا اتابع أخبار اشتراك الفتيات المصريات فى حركة 6 أبريل فى الأسبوع الماضى وانضمامهن إلى مظاهرات تطالب بالحرية وتغيير الدستور وإلغاء قانون الطوارئ، رأيت صور الفتيات فى الصحف وهن يتصدين لرجال الأمن، ويهجمن عليهم وهم يحتمون بالدروع، وقد اعترى وجوه الفتيات تعبيرات الغضب الشديد، ثم قرأت عما فعله رجال الشرطة بهن وبزملائهم من الشباب من ضرب بالعصى الغليظة وسحل وشتم بأقزع الألفاظ، ثم حملهم حملا إلى داخل سيارات الشرطة.

نعم المنظر مذهل بقسوته المتناهية وغير المبررة، ولكن كم شعرت بالفخر بما أحرزته المرأة المصرية، خلال الستين عاما الماضية، من تحرر نفسى وعقلى. لم تعد المرأة المصرية، أو على الأقل شرائح واسعة جدا من النساء المصريات، سجينة الاعتقاد بأنها مجرد جسد.

اكتشفت المرأة المصرية أنها فوق ذلك، عقل وقلب، تحمل نفس المشاعر نحو وطنها التى يحملها الرجل، وتفهم بالضبط ما آلت إليه الأحوال فى مصر، مثلما يفهمها أفضل زملائها من الذكور، وتقع عليها نفس المسئولية التى تقع عليهم.

المرأة المصرية اليوم فى كل مكان، وتقوم بكل الأعمال وتتولى كل الوظائف، أصبحت النسبة التى تحتلها من مقاعد المدرجات بالجامعات، تقرب من النصف وقد تزيد عنه واحتلت مناصب قيادية فى الحكومة والشركات وشاركت بجدارة فى حركة التأليف والكتابة الأدبية، وتألقت فى العمل الصحفى والإخراج السينمائى، ولمعت كمخرجة ومذيعة فى التليفزيون، بل وجلست كقاضية فى القضاء العادى، وكادت تكسب معركة الجلوس قاضية فى مجلس الدولة، وها هى المرأة المصرية الآن تتصدى، رافعة الرأس موفورة الكرامة، لرجال الشرطة الذين ينظرون إليها بفخر واحترام عندما لا يكون الضابط المسئول واقفا لمراقبتهم.

نعم، إن ما صدر عن الضباط مشين ومحزن حقا، ولكن فليبتهج المصريون رجالا ونساء، بهذه المساهمة الرائعة من المرأة المصرية فى حياتنا السياسية الحديثة والتى تبشر ببداية خير عميم.

الجمعة، 9 أبريل 2010

حقيقة الصراع بين الفصحى والعامية

الشروق - الجمعة 9 أبريل 2010

فى مقال الأسبوع الماضى عبّرت عن شعورى بالاستياء الشديد مما يحدث للغة العربية: فى الصحف والكتب، وفى التليفزيون، وفى الإعلانات فى الشوارع... إلخ. واعتبرت هذا التدهور دليلا على انحطاط عام لابد أن يؤدى إلى مزيد من الانحطاط، كما أن المزيد من الانحطاط فى نواحٍ أخرى من حياتنا، لابد أن يؤدى إلى مزيد من تدهور اللغة العربية... إلخ.

وأنا أعرف أن كثيرين جدا من المصريين يشعرون بنفس ما أشعر به إزاء ما يحدث للغة العربية، وقد أكد لى ذلك كثير من تعليقات القراء.

ولكن البعض اعترضوا، وكان اعتراضهم مبنيا على حجتين، الأولى: أن العامية هى التى نستخدمها فى الكلام فى حياتنا اليومية، وهذا جعلها أكثر قدرة على التعبير عن حقيقة مشاعرنا. والثانية: أن الامتناع عن استخدام العامية فى الكتابة كان من شأنه أن يحرمنا من أعمال عظيمة، يجمع المصريون على حبها وتقديرها، كأشعار بيرم التونسى وصلاح جاهين وأحمد فؤاد نجم، فكيف تستقيم مهاجمة استخدام العامية فى الكتابة مع تقديرنا واإعجابنا بهذه الأشعار الجميلة؟

والحقيقة أن كلا الاعتراضين لم يفلحا فى تغيير رأيى، بل ولا حتى فى إثارة الشك فى نفسى فى صحة موقفى. فأنا أعرف أننى أستهجن بشدة هذا الزحف من العامية على الفصحى، كما أعرف مقدار حبى لأشعار بيرم وصلاح جاهين ونجم، ولأغانى أحمد رامى ولمسرحيات الريحانى... إلخ. إذن، فلابد أنه من الممكن أن يجمع المرء بين هذا وذاك. المطلوب فقط أن أعثر على الحل الحقيقى لهذا اللغز.

لابد بالطبع أن نعترف بأن للغة العامية فصاحة وقدرة على التعبير عن المشاعر، قد تفوق قدرة الفصحى فى كثير من المواقف. ولكن ليس معنى هذا أن علينا أن نحكم على كل حالة على حدة، فنقول إن العامية قد تكون ركيكة أو غير ركيكة، وأن المطلوب فقط هو الامتناع عن استخدام العامية المبتذلة، وأن نترك تحديد المبتذل وغير المبتذل للذوق الشخصى لكل منا.. فالقضية أوسع وأخطر من هذا، ولا يجب التغاضى عنها بتركها للذوق الشخصى. ما هى القضية إذن؟

نحن نعانى منذ زمن طويل من مشكلة الازدواج اللغوى، أى انفصام لغة الكتابة عن لغة الحديث اليومى. وهى مشكلة ليست خاصة بالمصريين وحدهم، ولا بالعرب فقط، بل تنطبق على كل أمة تشيع فيها الأمية، وتتأخر نهضتها الاقتصادية، وتستمر مع ذلك، بسبب انفتاحها على أمم أخرى، فى استيراد أنماط للحياة من أمم وثقافات غريبة عنها. هذا هو بالضبط ما حدث فى مصر: فبينما يستمر تغريب الحياة الاجتماعية، أى استيراد أنماط السلوك من الأمم الغربية، وبينما تظل نسبة عالية من المصريين قابعة فى الأمية أو عند مستوى من التعليم قريب جدا من الأمية، تظل لغة الكتابة على الحال التى تركها لنا أجدادنا منذ أكثر من ألف سنة، كان لابد إذن أن تحدث هذه النتيجة المؤسفة، وهى الانفصام الحاد بين نسبة صغيرة من السكان تجيد الكتابة بلغتنا الأصلية، والتى مازالت هى لغة الكتابة الرسمية والتعليم، ولكنها لم تلحق التطور فى أنماط السلوك لأن هذه الأنماط مستوردة ولم تنبع بشكل طبيعى من الأمة نفسها، وبين نسبة شاسعة من الأميين أو أشباه الأميين، الذين لم يتعلموا قواعد هذه اللغة أصلا، ولم يقرأوا بها لأنهم لم يقرأوا شيئا على الإطلاق، فراحوا يعبرون عن أنماط السلوك المستورد بألفاظ من ابتداعهم هم، أو استعاروها من الأجنبى الذى ابتدع هذه الأنماط المستوردة.

تنبه المصلحون المصريون لهذه المشكلة منذ أكثر من مائة عام، إذ أدركوا ما يمثله هذا الانفصام من خطر على تقدم المجتمع ونهضته الثقافية، وعلى وحدة الأمة وتجانسها. وعلق هؤلاء المصلحون أملهم على انتشار التعليم، وعلى حدوث النهضة الاقتصادية والاجتماعية بصفة عامة. ولكن لا انتشار التعليم ولا النهضة الاقتصادية والاجتماعية حدثا إلا بخطى بطيئة للغاية، فإذا بالخطر الذى كان يشعر به هؤلاء المصلحون فى أوائل القرن العشرين، قد تحول إلى كارثة محققة فى أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحالى، وهى التى وصفت جانبا منها فى المقال السابق.

فبدلا من أن يؤدى انتشار التعليم إلى إنقاذ لغتنا الجميلة من الضياع، وإلى انحسار الأميين إلى جزر صغيرة وسط بحر واسع من المتعلمين، حدث العكس بالضبط، إذ زحف الأميون فى موجات كاسحة على جزر المتعلمين الصغيرة، فقهروهم وأجبروهم على التراجع والانطواء.

لا يتعارض هذا مع الحقيقة التالية: وهى أن استخدام العامية فى الحياة اليومية قد أمدها بثراء وفصاحة كثيرا ما تعجز عنها اللغة المسجونة فى الكتب. ولكن هذا بدوره لا يتعارض مع الحقيقة الأخرى التالية: وهى أن شيوع استخدام العامية على ألسنة أجيال متتالية من الأميين قد أصابها بالضرورة بما يعانى من هؤلاء الأميين من طرق مبتذلة فى التعبير.

إن ما تتمتع به أشعار بيرم وصلاح جاهين وأحمد فؤاد نجم، وأغانى رامى، ومسرحيات الريحانى وأمثالها، من تقدير وحب من جانب المصريين المتعلمين، يرجع إلى أن هؤلاء الكتاب العظام قد استخلصوا من اللغة العامية أجمل ما فيها، وتركوا ما فيها من ابتذال. استخدموا عناصر القوة فى العامية وتركوا عناصر الضعف، فقدموا لنا أعمالا لا تخلب اللّب وتحرك المشاعر، وتقف باعتزاز إلى جوار أجمل الأعمال المكتوبة بالعربية الفصحى.

ولكن هؤلاء قدموا لنا ليس مجرد «كلام عامى»، كالذى ينشر الآن فى بعض مانشيتات الصحف والإعلانات وفى بعض الكتب ونشرات الأخبار، بل قدموا لنا أعمالا فنية بمعنى الكلمة. والفنان الموهوب يمكن أن يصنع عملا فنيا من أبسط الأشياء، بل وأحيانا من أقبح الأشياء، كما يرسم الرسّام الموهوب صورة بديعة لوجه إنسانى خال فى الحقيقة من أى جمال.

لهذا السبب لا يجوز فى رأيى بأى حال، التعلل بجمال ما أنتجه شعراء العامية العظام، وكتابها الموهوبون، فى الدفاع عن شيوع استخدام العامية فى حياتنا اليومية، وزحفها غير المقدس على لغتنا العربية الفصحى الجميلة.

الجمعة، 2 أبريل 2010

تدهور اللغة العربية.. انحطاط لنا جميعًا

الشروق - الجمعة 2 أبريل 2010

عندما وجدت صفحة كاملة فى الجريدة اليومية شبه الرسمية، مخصصة لإعلان شركة من شركات التليفونات والاتصالات وفيها الإعلان التالى: «اتكلم زى ما انت عايز»، شعرت بغضب شديد، وكأن أحدا وجه إلىَّ إهانة شخصية كما شعرت بمرارة إذ ذكرنى الإعلان بما أصبحت أراه يوميا من استهتار باللغة العربية.

ما أكثر ما أصبحت أصادفه من أمثلة لإدخال حرف الباء على الأفعال، إذ يكتب الفعل (بنشرب) بدلا من (نشرب)، واستخدام الهاء أو الحاء بدلا من حرف السين للتعبير عن المستقبل، أى (حانشرب) أو (هانشرب) بدلا من (سنشرب) أو (سوف نشرب).. وهكذا.

المدهش أن صحفا أحبها وأحترمها (فيما عدا هذا السلوك منها) تنشر مثل هذا الكلام، وأشخاصا أحبهم وأحترمهم يكتبونه أيضا ــ بل وأحيانا يكتبون عمودا كاملا وثابتا فى صحيفتهم ويستخدمون فيه العامية على هذا النحو. ناهيك عن ازدياد عدد الكتب التى تكتب كلها بالعامية، وكذلك العناوين التى توضع على الغلاف.

كنت ولا أزال كلما صادفت هذه الأمثلة المتزايدة لاستخدام التعبيرات العامية فى الكتابة بدلا من الفصحى، أحاول أن أعرف سر غضبى وسبب هذا الشعور بالمرارة. وسأحاول هنا مرة أخرى الوصول إلى إجابة.

أعرف التفسير الشائع الذى يقوم على عدم قدرة العرب، من غير المصريين، على فهم لغتنا العامية بسهولة، وعلى الأخص فى القراءة، ومن ثم القول بأن الكتابة بالعامية تضيق من جمهور القراء وقد تساهم فى تفريق العرب بدلا من تجميعهم. ولكنى أعترف بأن هذا التفسير لم يشف غليلى قط، إذ أحس دائما بأن هناك أسبابا أهم من هذا بكثير لكراهية استخدام العامية فى الكتابة.

فهذا التفسير يقوم على مجرد «الكم»، أى عدد القراء، بينما أشعر أن الخطيئة هنا تتعلق بشىء أعمق من هذا، وأنه يمس المصريين مثلما يمس سائر العرب راجعا إلى دافع سياسى (الرغبة فى توحيد العرب) وهو دافع قد يهم بعض الناس ولا يهم غيرهم، بينما أعتقد أن الإساءة إلى اللغة العربية، على هذا النحو ترجع إلى أسباب يجب أن تهم الجميع.

تذكرت، وأنا أحاول البحث عن تفسير، الحادثة التالية التى وقعت منذ نحو ستين عاما، فعندما قامت ثورة يوليو 1952، كنت وبعض إخوتى لم نبلغ العشرين بعد، وكان أبى قد تجاوز الخامسة والستين. كان من الطبيعى أن يكون حماسنا للثورة، نحن الشبان الصغار، أكبر بكثير من حماس أبى، الذى لا بد أن صادف فى حياته أمثلة عديدة لأحداث علق عليها آمالا كبيرة ثم خاب أمله فيها، فتعلم ألا يتحمس أكثر من اللازم لحادث سعيد مثل قيام الثورة. ثم رأيناه بعد أيام قليلة من قيام الثورة يعبر عن غضبه وسخطه عندما سمع أحد قواد الثورة يلقى خطبة فيرتكب أخطاء شنيعة فى النحو: كنصب الفاعل ورفع المفعول به.. إلخ. تذكرت هذا لأن غضب أبى لابد أن كان لنفس أسباب غضبى من الاعتداءات المتكررة اليوم على اللغة العربية. فما سر غضب أبى إلى هذه الدرجة؟

وصلت إلى النتيجة الآتية: أن ما يحدث للغة العربية الآن له علاقة وثيقة بالانحطاط الحضارى. إنه فى حد ذاته مظهر واضح تمام الوضوع لتدهورنا فى مسار التحضر أو الانحطاط. إذ ما الذى يعنيه التحضر بالضبط؟ قد يعنى أشياء كثيرة ولكن أليس من سمات التحضر، المراعاة الصارمة لبعض القواعد الجمالية أو الأخلاقية التى اتفق عليها الناس، (أو على الأقل اتفق عليها الأشخاص الأكثر رقيا وتهذيبا من الآخرين)؟ قد تكون هذه القواعد شكلية بحتة (أو قد تبدو كذلك)، ومع ذلك يصر هؤلاء عليها، ويعلقون أهمية بالغة على مراعاتها. إذ ما الفرق بالضبط بين التناول «المتحضر» للطعام، والتناول «المبتذل» له؟ الاثنان يؤديان نفس الغرض (أو هكذا يبدو الأمر)، وهو ملء المعدة وإشباع حاجة ضرورية، ولكن لماذا نعتبر بعض طرق تناول الطعام أكثر «تحضرا» من غيرها، فنتطلب عدم الاستعجال فى الأكل، ومراعاة عدم سقوط بعضه على الثياب، ومراعاة الآخرين الذين يتناولون الطعام معك، وقد يصر البعض على استخدام الشوكة والمعلقة والسكين بدلا من استخدام اليد المجردة، بينما قد يعتبر آخرون هذا من قبيل «الشكليات» غير المهمة؟

إن التمسك «بالشكل» كثيرا ما يكون أمرا جوهريا، فهو قد يضفى جمالا على بعض أنواع السلوك، نفتقده إذا خلا السلوك منه، وقد ينطوى على ضبط للنفس فلا يبدو الإنسان كالحيوان المتوحش الذى لا هم له إلا إشباع حاجاته بأسرع وأسهل طريقة ممكنة. كما أن هذا التمسك بالشكل قد يمنع الناس من الإفراط فى «التحرر»، حيث يتصرف كل منهم على هواه إلى حد أن ينفرط العقد، وتضعف الروابط بين الناس، إذ يصبح كل شىء ممكنا، وكل طريقة فى التعبير جائزة، فيصبح من المباح أن تعبر عن المستقبل بالسين أو بالحاء أو بالهاء، وأن تعبر عن الرغبة فأن تقول إنك «تريد» أو «عاوز» أو «عايز».. الخ.

إن التحضر قد لا يزيد على مراعاة بعض «الأشكال« و«المراسم» و«الطقوس» و«القواعد»، والانحطاط لابد أن يصحبه رفض التقيد بأى قاعدة، بما فى ذلك قواعد التعبير عن النفس بالكلام أو الكتابة.

قلت لنفسى «لابد أن هذا هو جزء من تفسير ما قرأته مرة من أن هارون الرشيد، فى قمة ازدهار الحضارة العربية والإسلامية، كان يجعل ولديه، الأمين والمأمون، ينحنيان أمام المدرس الذى جاء لتعليمهما النحو، فيساعدانه على وضع قدميه فى نعليه».