د. جلال أمين

د. جلال أمين
أستاذ الإقتصاد بالجامعة الأمريكية والمفكر المصرى الكبير

الجمعة، 26 مارس 2010

فضيلة الشيخ المصرى.. والأسقف الإنجليزى

الشروق - الجمعة 26 مارس 2010

بعد نحو مائتى عام من إنشاء الأزهر الشريف فى القاهرة، حدث فى إنجلترا حادث مثير وذو مغزى عميق، قد يحب فضيلة الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الجديد، أن يتأمله وأن يقارن بين ظروف يقينه والظروف التى عين فيها، فى ذلك الوقت، كبير أساقفة الإنجليز، وهو أسقف كانتربرى.

ففى منتصف القرن الثانى عشر الميلادى، التقى ملك إنجلترا هنرى الثانى، برجل نادر المثال، علما وخلقا، اسمه توماس بيكيت، فأعجب به الملك أشد الإعجاب وعينه فى وظيفة مستشار الملك، وهو منصب يعادل الآن منصب رئيس الوزراء. نشأت بين الرجلين صداقة وطيدة ازدادت قوة كلما شاهد الملك من تصرفات بيكيت ما يؤكد صدقه ونزاهته وإخلاصه للملك. ثم خلت أكبر وظيفة دينية فى إنجلترا، تكاد تقرب فى أهميتها فى ذلك الوقت، أهمية مشيخة الأزهر فى مصر الآن، وذلك عندما توفى أسقف كانتربرى.

كان الملك فى ذلك الوقت، يحتاج من أجل تبرير كثير من قراراته المهمة بل ولإسباغ المشروعية عليها، إلا الحصول على موافقة أسقف كانتربرى، فإن لم يحصل عليها فقد القرار مشروعيته وفقد أيضا تعاطف الرأى العام معه.

ظن الملك أنه إذا عين صديقه بيكيت فى هذه الوظيفة الدينية الرفيعة سوف يكون من السهل عليه تمرير الكثير من القرارات التى لا تحظى من الناس بأى شعبية.

عرض الملك الوظيفة الرفيعة على رئيس وزرائه بيكيت فأبدى ترددا ثم رفض الوظيفة إذ كان من الواضح ما يهدف إليه الملك: أن يستغل الصداقة التى نشأت بينهما لتبرير أعمال منافية للأخلاق والدين.

ولكن الملك ألح عليه بالقبول، فقبل بيكيت بعد أن حذر الملك من أنه سيكون مخلصا لمقتضيات وظيفته الجديدة، على رأس الكنيسة فى إنجلترا مثلما كان مخلصا لمقتضيات وظيفته المدنية السابقة كرئيس للوزراء. لم يأبه الملك بالتحذير، بل لعله لم يصدق أن من الممكن أن يتنكر بيكيت للمك، ويعصى أوامره احتراما للمنصب الدينى الرفيع.

بدأ بيكيت ممارسة منصبه الجديد، وإذا به يفاجئ الملك، يوما بعد يوم، بمعارضته لتصرفاته على أساس تعرضها مع التفسير الصحيح للدين. فاشتد غضب الملك عليه، ولكنه كتم غضبه حتى أصبح الأمر لا يطاق، إذ أراد الملك تتويج وريث له فى الحكم، وكان يعرف أن بيكيت، الذى كان عليه القيام بمراسم التتويج، سيرفض هذا الأمر لمعارضة البابا فى روما له، فلجأ الملك إلى أسقف مدينة يورك، وبعض الأساقفة الصغار الآخرين، للقيام بعملية التتويج، فإذا ببكيت يصدر أمرا بعزل الأساقفة الذين وافقوا على التتويج، وأطلق عليهم لعنة الكنيسة. استشاط الملك غضبا ونقمة على بيكيت، وكانت النتيجة أن ركب أربعة فرسان من أسرة الملك خيولهم، وانطلقوا إلى كانتربرى حيث قتلوا بيكيت داخل كنيسته، مما أحدث صدمة بالغة ترددت أصداؤها فى العالم المسيحى كله.

***

كان لابد أن أتذكر هذه القصة وأعود لقراءة تفاصيلها عندما قرأت ملابسات تعيين فضيلة الدكتور أحمد الطيب شيخا للأزهر، إذ كان الدكتور الطيب قبل تعيينه عضوا فى الحزب الوطنى بل وفى لجنة السياسات التى يرأسها نجل الرئيس. توقع الناس أن يستقيل الرجل من وظيفته السياسية مكتفيا بالمهمة الدينية السامية، ولكن الرجل لم يفعل، وأصر على أن يجمع بين مشيخة الأزهر وعضوية لجنة السياسات.

كان لابد بالطبع أن يشيد رجال الحكومة وصحفها بالشيخ الجديد ومزاياه، إذ إن هذا الجمع بين الوظيفتين هو بالضبط مطمح الحكومة وهدفها. ونحن نعرف بعد طموحات شيخ الأزهر وأهدافه، ولكن تصريحاته حتى الآن، فيما يتعلق بعضوية الحزب الوطنى ولجنة السياسات توحى بأنها تختلف عن طموحات توماس بيكيت وأهدافه. ومن المؤكد أن التاريخ لن يعامل الدكتور أحمد الطيب، إذا أصر على موقفه، نفس المعاملة الطيبة التى عامل بها الأسقف الإنجليزى.

الجمعة، 19 مارس 2010

فولتير مصر

الشروق - الجمعة 19 مارس 2010

فى حياة فقيدنا العظيم الدكتور فؤاد زكريا، الذى رحل عن دنيانا منذ أسبوع (11 مارس 2010) أشياء مدهشة يندر أن تجتمع فى شخص واحد.

كان يملك عقلا قاطعا كالسيف، قادرا على التصدى لأعقد المشاكل الفكرية والفلسفية، ولكنه إذا جلس ليكتب كتب بأسلوب بالغ السهولة وعبارات واضحة تمام الوضوح.

كان أستاذا للفلسفة فى الجامعة، ولكنه لم يتردد فى الاشتراك فى معارك صحفية، فله فى كل شأن عام رأى، مما يحجم عنه عادة الأساتذة الجامعيون.

مؤمن إيمان عميق بالديمقراطية ولا يرى أن من الممكن تحقيق أى تقدم بدونها، ولكنه قادر دائما على تحدى الغوغائية، وعلى اتخاذ مواقف تتعارض مع ما تتبناه الجماهير الغفيرة، والتعبير عن مواقفه بكل صراحة وشجاعة.

يحب وطنه حبا جما، ويتبنى قضاياه ويحارب أعداءه، ولكنه ليس مستعدا لمجاراة زعيم وطنى يتبنى نفس القضايا ويحارب نفس الأعداء، إذ رأه يتنكر لقضية الديمقراطية.

يتعاطف مع الفقراء ويتبنى قضية العدالة الاجتماعية، ولكنه يستنكر معظم الماركسيين عندما يراهم يتعاونون مع الحكم ويؤيدونه، متذرعين بأمل زائف فى أن يحقق هذا الحاكم أهدافهم البعيدة.

يقبل أن يرأس تحرير مجلات ثقافية حكومية، رغم ما لديه من اعتراضات مهمة على سياسة الحكومة، ويقبل مناصب مهمة فى هيئات ثقافية حكومية، طالما شعر بأنه لا يزال يملك من الحرية ما يسمح له بخدمة الثقافة، ولكنه يتخلى عن هذا المنصب وذاك بمجرد أن يشعر بأنه لم يعد قادرا على تنفيذ أفكاره.

دخل كل المعارك وبقى نظيفا. وكان لديه من الشجاعة ما يجعله ينتقد بكل صراحة أشخاصا مهمين أو حكاما قادرين على إيذائه، أو آراء يجمع عليها العامة. وكأنه يرفض الاعتقاد بجدوى البقاء نظيفا عن طريق إيثار السلامة، وتجنب أى معركة قد يلوث فيها المرء يديه أو ثيابه. إذ ما جدوى النظافة فى هذه الحالة؟ لقد انتقد النظام الناصرى بقوة، وانتقد الماركسية، وانتقد الانبهار الساذج بالنموذج الأمريكى فى الحياة، كما انتقد بقوة التفسير اللاعقلانى والغوغائى للدين. وخرج من كل هذه المعارك سالما ومحترما، وحظى بالتقدير الكامل وإن لم يحظ بالشعبية.

من الواضح أن القيمة العليا فى نظره كانت تغليب العقل، والتعبير عما يقضى به المنطق السليم بصرف النظر عما يمكن أن ينتج عن ذلك من مكافأة أو عقاب بذلك يمكن اعتباره بكل جدارة فولتير مصر، ولكنه لم يحظ فى بلده مثلما حظى به فولتير فى فرنسا من مجد. إذ كان فولتير يكتب وفرنسا فى حالة صعود وازدهار، بينما كان فؤاد زكريا يكتب ومصر فى حالة تدهور وانكسار.

لم يكن غريبا إذن أن تتأخر عنه جوائز الدولة، وألا يحظى منها بما حظى به غيره الأقل منه قدرا ولكنهم الأجرأ فى تملق الحكام. ومع ذلك فلم يصدر عنه قط أى تعبير عن سخط أو تبرم من أن الدولة لم تعامله المعاملة التى يستحقها. كان من الواضح أن المكافأة الحقيقية فى نظره هى أن يكون راضيا عن نفسه، وقد حظى بهذه المكافأة، فيما يبدو لى، حتى آخر لحظة فى حياته.

اشتركت معه فى معركة صحفية صغيرة، منذ نحو ثلاثين عاما، أعتقد الآن أنه كان فيها أكثر حكمة منى. فقد نشر مقالا فى مجلة الهلال، بمناسبة ذكرى هزيمة 1967، قال فيه إننا هزمنا فى هذه الحرب بسبب غياب الديمقراطية. فرددت عليه فى نفس المجلة بمقال بعنوان «دفاع نبيل عن قضية باطلة»، قلت فيه إننا كنا سننهزم لا محالة، فى ظل تصميم الولايات المتحدة على ضربنا، وبالنظر إلى ضعفنا العسكرى بالنسبة للقوة الأمريكية التى تدعم إسرائيل، وسواء كان لدينا نظام ديمقراطى أو لم يكن.

قلت إن القضية التى يدافع عنها د. فؤاد زكريا، وهى الديمقراطية، قضية نبيلة بلا شك، ولكن التفسير الذى تبناه لم يكن التفسير الصحيح للهزيمة مازلت أعتقد أن تفسيرى كان أقرب إلى الصحة من تفسيره، ولكنه كان أكثر حكمة منى فى اختيار التأكيد على قضية الديمقراطية فى وقت كنا محرومين فيه منها (وكما بقينا حتى الآن). وصلنى عن طريق رئيس التحرير آنذاك (الأستاذ مصطفى نبيل) أن فؤاد زكريا عبر له عن استيائه الشديد من موقفى، وأظن أننى لو كنت أكبر سنا فى ذلك الوقت أو أكثر حكمة، ما كتبت ذلك المقال.

قبل وفاة د. فؤاد زكريا بأسابيع قليلة نشرت له جريدة الأهرام (فى الملحق الأدبى 22 يناير 2010) مقالا غريبا بعد غياب طويل جدا له عن الكتابة فى الصحف، بسبب ما كان يعانى منه من حرص وضعف البصر. كانت رؤية اسمه على المقال سارة ومدهشة، ولكن الأكثر إدهاشا كان موضوع المقال، إذ بدا وكأنه يأتى إلينا من كوكب آخر لا يعرف أهله ما مر به سكان كوكب الأرض (وخاصة سكان مصر) من محن خلال الثلاثين أو الأربعين عاما الأخيرة.

كان عنوان المقال «محنة الموسيقى الكلاسيكية فى البرنامج الموسيقى» وشكا د. زكريا فيه من عيبين وجدهما فى البرنامج الموسيقى فى الإذاعة المصرية، أحدهما يتعلق بمحتوى هذه البرامج والآخر بطريقة تقديمها. أما عن المحتوى، فقد اشتكى الدكتور زكريا من سوء اختيار ما يذاع فيها من موسيقى، ومن ذلك تجاهلها الشديد لموسيقى بيتهوفن. فيقول فى براءة محببة: «هل يذكر أحد كم سنة مضت منذ أول مرة اذيعت فيها سوناتا البيانو العظيمة رقم 29، (لبيتهوفن) وكذلك السوناتا..... إلخ؟».

الدكتور فؤاد زكريا معروف منذ زمن طويل بعشقه للموسيقى، وخاصة الموسيقى الكلاسيكية الغربية، وكنت قرأت كتابا صغيرا وجميلا اسمه «التعبير الموسيقى»، وأنا فى نحو العشرين، ولم يكن هو قد بلغ الثلاثين، ومازلت احتفظ بهذا الكتاب حتى الآن من شدة إعجابى به، ولكنى لم أكن أتوقع أن الدكتور زكريا وقد جاوز الثمانين سوف يكتب محاولا «إصلاح» حالة الموسيقى فى الإذاعة المصرية، والناس مشغولون بطريقة الحصول على أنابيب البوتاجاز، وتدبير تكاليف الدروس الخصوصية، قلت لنفسى، عندما قرأت المقال، ما أشد نقاء وبراءة هذا الرجل، وما أشد حبه للإصلاح فى أى مجال يطوف بذهنه. وما أشد أسفنا الآن، وقد سمعنا بوفاته، أن نفقد رجلا مثله.

الجمعة، 12 مارس 2010

هؤلاء المثقفون الكبار.. وظاهرة البرادعى

الشروق - الجمعة 12 مارس 2010

أى نظام ديكتاتورى يحتاج إلى شيئين: جهاز أمن قوى، ومجموعة من المثقفين والإعلاميين. جهاز الأمن يخيف الناس بالاعتقال والضرب والتعذيب، إذا فكروا فى تحدى النظام، والمثقفون والإعلاميون يقومون بالدعاية للنظام فى محاولة مستمرة لتجميل صورته (أو بالأحرى إخفاء قبحه)، والزعم المستمر بأن النظام على العكس مما يظن الناس، ديمقراطى ورائع، ولا يبغى إلا مصلحة الشعب.

أعترف مع ذلك بأنى أحيانا تخامرنى بعض الشكوك فى مدى حاجة هذا النظام الديكتاتورى إلى خدمات المثقفين والإعلاميين، مادام لديه نظام بوليسى قوى. ما حاجتك إلى «إقناع الناس»، أو التأثير فى عقولهم، إذا كنت قادرا على إخافتهم باستمرار؟ بل ما هى الجدوى الحقيقية لكل هذه الجهود لتجميل النظام وإقناع الناس بغير الحقيقة، ونحن نرى أن كل مجهودات النظام الإعلامية، وكل صحفه وإذاعاته وقنواته التليفزيونية لا يبدو أنها غيرت رأى الناس فى النظام قيد أنملة؟ الناس تعرف، والنظام يعرف أنهم يعرفون، فما جدوى كل هذه الحملات الدعائية؟

هل المسألة لا تزيد عما يعنيه المثل العامى «العيار الذى لا يصيب يدوش؟»، أى أنه حتى لو لم تستطع كل هذه الدعاية للنظام تغيير رأى الناس فيه، فهى على الأقل تقوم بمهمة التشويش على الأصوات المعارضة، أو على الأقل (وربما كان هذا أهم) تحقق الدعاية الوظيفة التالية: وهى خلق الشعور لدى كل فرد معارض بأنه قد يكون وحيدا، وأنه ليس هناك من يشاركه رأيه السيئ فى النظام. «ألا ترى التليفزيون والصحف والإذاعة لا تكف كلها عن مدح النظام؟ هل يعقل أن يكون كل هؤلاء المادحين مخطئين، وأنت فقط الذى على صواب؟».

أيا كانت الجدوى الحقيقية للمثقفين والإعلاميين الذين يقومون بمحاولة تجميل النظام، فمن الواضح أن كل النظم الديكتاتورية تستخدمهم، بما فيها بالطبع نظام حكمنا الحالى. فهناك عدد لا يستهان به من المثقفين المصريين الذين كرّسوا أقلامهم لتجميل صورة النظام والدفاع عنه ضد معارضيه ومنتقديه. هؤلاء المثقفون متفاوتون طبعا فى الكفاءة والموهبة، والنظام يستخدم كلا منهم ويوزعهم على المناصب بحسب كفاءتهم وموهبتهم. ولكن يلفت نظرى من بين هؤلاء المثقفين حفنة ممن قد لا يزيد عددهم على عشرة، قريبون جدا من قمة النظام، وتجتمع فيهم الصفة التالية، وهى أنهم نالوا تعليما راقيا، إذ سافروا فى مطلع شبابهم فحصلوا على الدكتوراه من جامعات محترمة للغاية، فى العلوم السياسية أو الاجتماعية أو القانون. ويلاحظ أيضا أنهم لم يحصلوا على فرصة الدراسة بالخارج إلا بفضل التوسع الذى حدث فى الستينيات فى إرسال المبعوثين على نفقة الدولة، على أمل أن يعودوا ليضعوا علمهم فى خدمة بلادهم.

هؤلاء، كان الناس يستبشرون بهم خيرا فى الستينيات وأوائل السبعينيات، بأن يقدموا خدمات حقيقية لبلادهم، ولكنهم خيّبوا الآمال، إذ بمجرد أن لاحت لهم فرص تحقيق مكاسب مادية كبيرة (ابتداء من بداية عصر الانفتاح فى منتصف السبعينيات) لم يترددوا فى تغيير مواقفهم وأبدوا استعدادهم التام لخدمة صاحب الأمر والنهى فى السبعينيات أولا، ثم فى الثمانينيات والتسعينيات، ثم فى القرن الجديد ومازالوا حتى الآن يقومون بهذه المهمة التعسة.

أصيبت هذه الحفنة من المثقفين بالجزع الشديد من «ظاهرة البرادعى»، إذ أدركوا بحق أنه لو قدر لهذه الظاهرة النجاح لكانوا هم أنفسهم (وليس فقط الجالسون على قمة النظام) فى خطر شديد. فسقوط النظام معناه سقوطهم، وفضيحته فضيحتهم، فراحوا يكتبون باستماتة ملفتة للنظر لدحض حجج البرادعى وأنصاره، والسخرية من الدعوة للتغيير، إلى حد إنكار جدوى الديمقراطية نفسها، وراحوا يبحثون عن مختلف الحجج التى يمكن أن تخدمهم، مهما كانت درجة التلفيق التى يحتاجون إليها، وهو عمل لا يجيده إلا مثقفون من مستواهم العلمى، إذ سمح لهم تعليمهم فى أرقى الجامعات بالتدريب على استخدام المنطق (السليم والمعوج) للدفاع عن الرأى ونقيضه.

من ذلك مثلا مقال حديث لرئيس تحرير جريدة يومية حكومية، راح يدحض فيه حجج د.البرادعى ومؤيديه. من بين ما حاول تفنيده القول بإننا بحاجة إلى تغيير الدستور. إذ إنه لا يرى أى داع لذلك. فمواد الدستور التى فهمها الناس جميعا (المتعلمون وغير المتعلمين) على أنها تغلق جميع الأبواب أمام أى مرشح باستثناء اثنين هما رئيس الجمهورية الحالى ونجله، لا تؤدى فى نظر المثقف الكبير إلى إغلاق أى باب أمام أى مرشح. والدكتور البرادعى يستطيع بسهولة أن يرشح نفسه مستقلا، وله فرصة عظيمة للنجاح دون حاجة إلى أى تغيير فى الدستور.

الأفظع من هذا أن هذا المثقف الكبير لا يرى أى حاجة حقيقية للديمقراطية نفسها، التى يتغنى بها البرادعى وأنصاره. ويحاول أن يثبت ذلك إثباتا علميا. فكيف كان ذلك؟ لجأ إلى أسلوب الاستبيان والإحصاء الذى تعلمه فى جامعته الراقية بالخارج، وهو أسلوب لا غضاضة فيه بالطبع إلا عندما يستخدمه مثقفون من هذا النوع. قال إنه فى دراسة حديثة للرأى العام المصرى، قام بها مركز محترم للبحوث (كان هو نفسه رئيسا له عندما أجريت هذه الدراسة)، تبين أن نسبة المصريين المهتمين بقضية الديمقراطية لا تزيد على 1٪ (واحد فى المائة). هل هذا معقول؟ نعم، ولكن باستخدام بعض الألفاظ الأكثر تهذيبا. فهو يقول إن المصريين (طبقا لهذا الاستبيان) يعتقدون أن أهم مشاكلهم البطالة (46٪) والفقر (27٪) والفساد (13٪)، أما نسبة الذين قالوا إن «تعزيز الإصلاح السياسى» يجب أن تكون له أولوية «المعالجة من قبل الحكومة» فهى فقط 1٪. إنه يريد منها بالطبع أن نفهم من هذا أن نسبة المصريين الذين يمكن أن يؤيدوا مطلب البرادعى فى الإصلاح الديمقراطى هى نسبة تافهة للغاية.

فات المثقف الكبير أن التعبير عن الديمقراطية بعبارة «تعزيز الإصلاح السياسى» يمكن أن يساء فهمه فيظن به مجرد استمرار الحكومة فى التدجيل على الناس بالزعم بأنها تبذل الجهود فى سبيل الإصلاح السياسى وتحقيق مزيد من الديمقراطية، وأن السؤال هو ما إذا كان الناس يريدون «تعزيز هذه الجهود». أنا شخصيا أرى أن جهود الحكومة فى الإصلاح السياسى لا تحتاج إلى تعزيز بل تحتاج فقط إلى من يفضحها ويظهرها على حقيقتها.

لنفرض أن الأسئلة فى هذه الدراسة صيغت بطريقة أخرى فتضمنت مثلا السؤال الآتى: «هل تعتقد أن انتقال رئاسة الجمهورية من رجل إلى ابنه، ومن هذا إلى ابنه، وهكذا، هو شىء مفيد ومرغوب فيه ويتفق مع الديمقراطية؟» فكم هى يا ترى النسبة من المصريين التى سوف توافق على هذا؟

لم يكتب المثقف الكبير بهذا بل لفت أنظارنا بشدة إلى أنه عندما سئل المصريون، فى نفس الاستبيان، عن الدولة التى يعتبرون نظامها نموذجا جديرا بأن تحذو مصر حذوه، أجابت أعلى نسبة منهم (38٪) بأن هذه الدولة هى المملكة العربية السعودية، بينما لم تحصل الصين مثلا إلا على 20٪ واليابان 14٪ وفرنسا 3٪.

والرسالة التى يريد الكاتب الكبير توصيلها لنا واضحة كالشمس، وهى أنه لو فتح الباب للترشيح لرئاسة الجمهورية، لكل من هب ودبّ، كان الدكتور البرادعى وأمثاله، فلن يأتى إلى الحكم إلا المتدينون المتعصبون الذين سيحولون حياتنا إلى جحيم، خاصة الأقباط، والعلمانيين، والنساء. لم يذكر الرجل الأقباط والعلمانيين بالاسم، ولكنه انتهز الفرصة لتخويف النساء بالذات بالإشارة إلى ما حدث أخيرا فى مجلس الدولة من معارضة لتعيين المرأة قاضية.

إن الرجل رأى من الحكمة ألا يذكر الإسلاميين بالاسم، فى أى جزء من المقال، وهم الذين يحاول أن يخيف الجميع منهم، وإنما فضّل فقط أن يقول إن هدفنا هو إقامة «الدولة المدنية الحديثة»، وكأن النظام الذى يدافع عنه، والدستور الذى يحتوى على كل هذه المواد المعيبة ولا يريد تغييره، هما أفضل السبل لتحقيق هذه «الدولة المدنية الحديثة»، أو لعلهما هما هذه «الدولة المدنية الحديثة» التى يتمناها.

لم ير المثقف الكبير أى فائدة بالطبع فى التساؤل عن مدى مسئولية النظام الحالى الذى يتفانى هو وزملاؤه فى خدمته، عن كل المشاكل الأخرى التى يعلق المصريون أهمية عليها (عدا «تعزيز الإصلاح السياسى») كالبطالة والفقر والفساد، بل ومسئولية هذا النظام عن نمو التطرف الدينى والتفكير اللاعقلانى الذى يحاول الرجل إثارة خوفنا الشديد منه. إذ عندما يرى الناس أن «العقلانيين» يتصرفون ويكتبون على النحو الذى يتصرف ويكتب به هذا المثقف الكبير، يصبح الملاذ الوحيد المتاح هو التشنج والتعصب واللاعقلانية.