د. جلال أمين

د. جلال أمين
أستاذ الإقتصاد بالجامعة الأمريكية والمفكر المصرى الكبير

الجمعة، 26 فبراير 2010

خواطر حول البرادعى.. ومشكلة الحكم فى مصر

الشروق - الجمعة 26 فبراير 2010

تابعت بالطبع، كما تابع ملايين المصريين، أخبار الدكتور محمد البرادعى، منذ ذكر اسمه كمرشح ممثل لمنصب رئاسة الجمهورية، ثم اشتد اهتمامى بأخباره، مثل غيرى، منذ سمعنا بقرب عودته النهائية إلى مصر، ثم بوصوله بالفعل والاستقبال الحافل الذى استقبل به فى مطار القاهرة.

كان لابد إذن من أن أجلس لأستمع إليه بإنصات تام فى حديثه مع أحمد المسلمانى فى فيينا قبل مجيئه إلى القاهرة، ثم مع منى الشاذلى بعد وصوله.

الموضوع مهم جدا لأنه يتعلق بنظام الحكم فى مصر. فالدكتور البرادعى وجه جديد تماما على السياسة المصرية، ومن نوع لم نر مثله فى منصب رئاسة الجمهورية منذ قيام ثورة يوليو فى 1952، أى منذ أكثر من نصف قرن. ليس فقط لأنه مدنى والباقون عسكريون، ولكن لأن احتمال وصوله إلى هذا المنصب يرجع إلى اختيار شعبى ولا يفرض على الناس من أعلى.

أضف إلى ذلك أن فكرة اعتلائه للمنصب، تطرح فى وجه ترتيبات تجرى على قدم وساق، منذ عدة سنوات لتوريث رئاسة الجمهورية من الأب إلى الابن، وهو ترتيب ممجوج وسيئ جدا لأسباب كثيرة ليس الآن مجال الخوض فيها من جديد.

أثار هذا فى نفسى بعض الأفكار والمشاعر المتضاربة، رأيت أن أشرك القارئ معى فيها. فالدكتور البرادعى رجل محترم جدا، وله تاريخ ناصع، سواء فى خدمة بلده أو فى أدائه الوظيفى، أو فى النزاهة الشخصية والوقوف بشجاعة ضد إدارة أقوى دولة فى العالم، مرتين، مرة وهى بصدد البحث عن أعذار للهجوم على العراق، ومرة لتهديدها بالهجوم على إيران. فلما رأيت د. البرادعى واستمعت لحديثه مع أحمد المسلمانى ومنى الشاذلى، لم أجد منه ما يقلل من احترامى وتقديرى له.

فها هو رجل متزن وعاقل، لا شك فى حبه لبلده واهتمامه بأمره، مطلع إطلاعا كافيا على ما يجرى فى العالم، ويعرف أهم مشكلات مصر الحقيقية. صحيح أنى لم أشعر بالارتياح الكامل لإجابته عن سؤال من أسئلة المسلمانى يتعلق بإسرائيل، وإلى أى مدى يعتبر إسرائيل مسئولة عما تعانيه مصر من مشكلات، إذ لاحظت أنه استخدم تعبير «المشكلة الفلسطينية» بدلا من إسرائيل، وإفاضته فى الكلام عن أخطاء العرب فى معالجتهم لهذه القضية بدلا من أن يفيض فى ذكر ما ارتكبته إسرائيل من جرائم ضد العرب. ولكنى لم أحاول أن استنتج شيئا من هذه الملاحظة، وقلت لنفسى إن الأمر يحتاج إلى ملاحظات أخرى.

المشكلة فى موضوع د. البرادعى ليست فى هذا فالرجل صالح تماما لتولى الرئاسة. وسأفرح بشدة كما سيفرح ملايين غيرى لو رأيناه يعتلى هذا المنصب، لكل الصفات الطيبة التى ذكرتها من قبل، وبصرف النظر عن حصوله على جائزة نوبل «إذ هل يشترط حقا فى رئيس الجمهورية حصوله على جائزة نوبل؟ ألا يكفى أن يكون الرئيس على درجة كافية من الذكاء والنشاط، وقدر عال من النزاهة، وأن يثبت من تصرفاته وكلامه حبا حقيقيا لبلاده؟، وقد أثبت الدكتور البرادعى تمتعه بكل هذه الصفات».

المشكلة هى أن تصرفات الكثيرين من الناس ومن المعلقين فى وسائل الإعلام، تبرز الدكتور البرادعى وكأنه البديل الوحيد الممكن عما يجرى من ترتيبات لتمرير التوريث، ويظهر فرحهم وابتهاجهم باحتمال ترشحه للرئاسة، وكأنه الوسيلة الوحيدة الممكنة لإسقاط مخطط التوريث. ويترتب على هذا أنه، لو حدث لا قدر الله وأصاب د. البرادعى أى مكروه، أو انسحب لأى سبب من الترشح للرئاسة، كان علينا أن نقبل البديل الآخر صاغرين، وهو التوريث.

بعبارة أخرى، إن مظاهر الفرح الشديد بظهور د. البرادعى، وقبوله الترشح للرئاسة تبدو «أو هكذا على الأقل أفسرها أنا» وكأن الناس تريد أن تقول لرجال السلطة فى مصر، وأن يقول بعضهم لبعض: «ها قد وجدنا رجلا ممتازا يصلح للرئاسة أكثر من نجل الرئيس، وقد قبل لحسن الحظ أن يخوض هذه المنافسة». إن الأمر يجب ألا يكون كذلك على الإطلاق. فرفضنا للتوريث لم يكن قط مبنيا على صعوبة العثور على شخص ممتاز ينافس ابن الرئيس. فالمصريون الممتازون، والصالحون لتولى الرئاسة، والمستعدون فوق هذا للترشح للرئاسة لو سألوا عن ذلك، كثيرون جدا، بل لا أتردد فى أن أقول إن عددهم يقدر بمئات الألوف.

لماذا إذن نحول القضية إلى تهليل للعثور على شخص واحد صالح لهذا المنصب، وكأننا نقول للممسكين بالسلطة» ها قد وجدنا شخصا آخر أفضل! بينما الذى يجب أن نقوله فى الحقيقة هو إن طريقتكم فى إدارة الحكم سيئة جدا، وليس من حقكم أن تقولوا لنا من هو رئيس الجمهورية القادم، بل سنختاره نحن بأنفسنا من بين الصالحين لهذا المنصب، وهم كثيرون جدا، وأكثر بكثير مما تتصورون.

ثم عدت وقلت لنفسى: «ولكن، أليس هناك نفعة مؤكدة فى تقديم شخص من لحم ودم، وصالح تماما للرئاسة، وتقديم الدعم له لكى يفهم الشخص الآخر، إننا نفضل غيره عليه؟ أليس هذا أفضل من المناداة بمبدأ مجرد، هو فتح أبواب الترشح للجميع، دون تحديد شخص معين بالذات؟ بل ها هو البرادعى يقدم مطالبه «وهى أيضا مطالبنا» بتعديل الدستور لإلغاء المواد الموضوعة خصيصا لصالح نجل الرئيس، وها هو يطالب باتخاذ الإجراءات اللازمة لتحقيق نزاهة الانتخابات، والمراقبة المحايدة لما يحدث فيها. أليس فى هذا أيضا فرصة جيدة للفوز بما نريد؟!

نعم، نعم. ولهذا أشعر بالفرح بما يأتينى من أخبار عن الدكتور البرادعى. ولكنى لا أخفى أنى أضع يدى على قلبى خوفا من أن يستغل أصحاب السلطة هذه الخطوة من جانب د.البرادعى ومن جانبنا، للزعم بأن نجل الرئيس سوف يدخل مباراة نظيفة، فإذا نجح بسبب ما يقومون به من أعمال شيطانية، يقولون بانتصار «ما الذى تريدونه الآن أكثر مما فعلناه لكم؟ ألم نسمح لمرشحكم بدخول المبارزة؟ فماذا نفعل لكم إذا كان الناس قد فضلوا عليه نجل الرئيس؟».

أعود فأقول لنفسى: «إن المطلب الحقيقى يجب أن يكون، ليس مجرد السماح لشخص معين بدخول الانتخابات، أى مجرد إطلاق شخص واحد من السجن ليمارس حريته، بل المطلب الحقيقى هو أن يطلق سراحنا جميعا، فنخرج إلى الهواء الطلق، ونمارس التنفس الطبيعى لعدة سنوات، مما يسمح بظهور المئات أو الآلاف من أصحاب المواهب المحرومين من التعبير عن أنفسهم. وحينئذ، وحينئذ فقط، يصبح الكلام عن انتخابات حرة واختيار صحيح.

الجمعة، 19 فبراير 2010

ما أقسى هذا النظام !

الشروق - الجمعة 19 فبراير 2010

أريد أن ألفت النظر فى هذا المقال إلى صفة من صفات النظام الحاكم فى مصر، لم تحظ بما تستحقه من اهتمام، وهى القسوة. أنا لا أقصد قسوة النظام فى معاملة الفقراء والمساكين وقليلى الحيلة، ممن لا ظهر له ولا وساطة، بل أقصد قسوته فى معاملة رجاله الأثرياء والمقربين، وواسعى الحيلة، واللصيقين جدا بالرءوس العليا للنظام.

فبين الحين والآخر نسمع عن سقوط واحد من هؤلاء الذين كانوا فى اليوم السابق مباشرة من رجال النظام المحظوظين، فإذا بالنظام يتخلى عنه فجأة، وكأنه يلقى به فجأة من النافذة، فيجد نفسه فى الشارع، وإذ تجده وسائل الإعلام وحيدا وبلا نصير، تشرع فى نشر فضائحه، وتملأ الدنيا بتفاصيل أعماله السيئة كلها منذ تولى مسئولية وزارة أو مؤسسة كبيرة، وتسهب فى بيان ما استولى عليه من أراضى الدولة وأموالها بغير حق، لنفسه وزوجته وأصدقائه ومحاسيبه، خلال حياته الطويلة بالقرب من قمة السلطة.

المدهش هنا، ليس تجرؤ الناس عليه عندما يجدون النظام قد تخلى عنه، بل كل هذه القسوة التى يبديها النظام معه. وهو الذى بذل النفس والنفيس لإرضاء القابعين على قمة السلطة، كان يظن أنه آمن تماما طالما استمر فى عمله على إرضائهم.
من مظاهر هذه القسوة، التظاهر، من جانب أعمدة النظام، بأنهم لم تكن لهم به صلة وثيقة فى أى يوم من الأيام، وكأنهم لم يحققوا أرباحا طائلة من وراء فساده الذى يتهم به، وإطلاق سلطات التحقيق عليه بينما تغض البصر عن كثيرين غيره، والسماح لوسائل الإعلام الحكومية بالخوض فى سيرته بينما هى ساكتة تماما عن أمثاله.

شىء واحد فقط يمكن أن يحمى الرجل الملقى به فجأة فى الشارع من هذه القسوة الزائدة من جانب النظام، وهو أن يبدى من الشجاعة ما يجعله يهدد من تخلى عنه بأنه سيهدم البناء كله فوق رءوس الجميع، إذا استمروا فى معاملته على هذا النحو، وأنه قبل أن يصيبه سوء سوف يجعل الفضيحة عامة، وعلى الجميع أن يواجهوا نفس التهمة. هنا فقط، بشرط أن يبدو التهديد جديا، يمكن أن يكف النظام يده عنه، ويتركه لشأنه.

مما يساعد النظام على التنصل من المسئولية عن أعمال الفساد التى يرتكبها هؤلاء، الضعف الشديد الذى تتسم به ذاكرة الناس. فما أسهل أن ينسى الناس أن هذا الوزير أو المسئول الذى يضحى به الآن، ظل وزيرا أو مسئولا فترة طويلة جدا من الزمن، وما أكثر المناسبات التى ظهر فيها مع مسئولين كبار وهم يبدون له غاية الود والرضا عنه، وأنه جلس طوال هذه المدة على نفس المائدة مع سائر الوزراء ورئيس الوزراء دون أن يلفت أحد منهم نظره إلى ما يتكلم عنه الناس، بل وأنه أعطى وساما عظيما بعد أن طلب منه، بسبب أو آخر، أن يترك وظيفته التى مارس فيها كل هذا الفساد.

ما أسهل أيضا أن ينسى الناس أن مشروعا كبيرا بددت فيه مئات الملايين من الدولارات، رغم اعتراض خبراء كبار عليه، ثم توقف العمل فيه فجأة لأسباب غير معروفة، ثم بدأت رائحة الفساد تفوح منه، وصف وقت تدشينه بأنه المقصود منه «بناء حضارة جديدة» وأنه يضارع فى أهميته لمستقبل مصر، مشروع السد العالى الذى بنى فى الستينيات.

ما أسهل أن ينسى الناس أن هذا الوزير أو المسئول الفاسد لم يتسلم منصبه الخطير، بسبب أنه اشتهر قبل ذلك بكفاءة عظيمة أو نزاهة منقطعة النظير، ولا حمله إلى منصبه تمتعه بشعبية واسعة جعلته أحق بالمنصب من غيره. لقد اختاره النظام لهذا المنصب لسبب غير مفهوم ودون أن يبذل النظام أى جهد لتبرير هذا الاختيار، مما يرجح بالطبع أنه لابد قد اختير لهذا المنصب لما كان يعول عليه من استعداد فطرى لممارسة الفساد على نحو يعم خيره على غيره من أعمدة النظام.

ما أسهل أن ينسى الناس ذلك، فلا يفكرون إلا فى أن مسئولا يمارس الفساد قد تم اكتشاف فساده فجأة.

ما الذى يدفع النظام إلى أن يعرض واحدا بعد الآخر من أعمدته لهذه المعاملة القاسية؟
قد يكون السبب مجرد سوء الحظ، كأن تنكشف فضيحة لم يكن من المتوقع أن تنكشف. وقد يكون السبب ارتكاب الرجل خطأ فادحا، فى حق أحد أعمدة النظام، ولم يقدر مدى خطورة هذا الخطأ، فاكتسب عداوته وتعرض لانتقامه.

أو قد يكون السبب أن النظام قدر أن هذا المسئول قد شرب حتى ارتوى، ومن المفيد إتاحة الفرصة لغيره، من أصحاب نفس الموهبة، ولكنه قد يكون أكثر نشاطا فى ممارسة الفساد وأكدر قدرة على الابتكار فيه. ولكن قد يكون السبب لا هذا ولا ذاك، بل وجود سياسة ثابتة لدى النظام بأنه يضحى من حين لآخر لواحد من أعمدة النظام ذرا للرماد فى الأعين، من أجل حماية الباقين. إذ لا يخفى ما لهذه السياسة من فائدة لا يستهان بها هى شغل الناس بقضية فساد واحدة عن وقائع فساد أخرى عديدة.

لكل هذه الأسباب فإنى لا أنصح أحدا بأن يقبل أن يكون وزيرا أو مسئولا كبيرا فى هذا النظام، ولو لسبب واحد فقط، وهو قسوته المفرطة. 

الجمعة، 12 فبراير 2010

بشائر نهضة ثقافية جديدة

الشروق - الجمعة 12 فبراير 2010

عدت من معرض الكتاب منذ أيام مبتهجا. ولا أكتم القارئ شعورى بأن مصر قد تكون على أعتاب نهضة ثقافية جديدة، فى سلسلة نهضاتها المتكررة خلال القرنين الماضيين، والتى أتت كل منها فى أعقاب فترة من الانكسار والإحباط.

هذا التعبير بالتفاؤل ببداية حدوث شىء جيد فى مصر، ليس مألوفا بالطبع. فالناس فى مصر اليوم سواء فى الكتابات الصحفية، أو الأحاديث التليفزيونية، أو فى كلامهم اليومى، يبدون وكأنهم يتنافسون فيما بينهم فى محاولة اكتشاف شىء سىئ جديد لم يكتشفه أحد من قبل، وفى التعبير عن هذه الأشياء السيئة تعبيرات أكثر فصاحة وأشد إيلاما. كل هذا مفهوم، فأسباب السخط فى مصر كثيرة جدا اليوم.

ولكن ما رأى القارئ فى القول بأن هناك أيضا تطورات مهمة جدا تجرى من تحت السطح، وتختفى وراء كمِّ هائل من المنغّصات، ولكنها فى ذاتها تدعو إلى التفاؤل، بل التفاؤل الشديد، بقرب حدوث أشياء سارة جدا فى مصر.

من هذا ما أسميه بشائر نهضة ثقافية جديدة، ولكن شرح ذلك يحتاج إلى الرجوع إلى الوراء 42 عاما، عندما بدأت لأول مرة فى مصر إقامة معرض دولى للكتاب، ومقارنة ما كان يجرى فى المعرض فى تلك الأيام، بما يجرى فى معرض الكتاب اليوم.

إن من الصعب على شباب هذه الأيام أن يتصوروا كيف كان حالنا عندما كنا شبابا فى أواخر الستينيات. كانت مصر منغلقة على نفسها انغلاقا عجيبا، والأشياء التى كان ممنوعا استيرادها تكاد تشمل كل شىء، من الملابس إلى المواد الغذائية (عدا القمح)، إلى الأثاث ولعب الأطفال، إلى الثلاجات والسيارات...الخ، كان من الممكن استيراد هذه الأشياء نظريا، لكن الرسوم الجمركية كانت مرتفعة لدرجة تجعل استيرادها من شبه المستحيل.

كان لهذا مبررات اقتصادية وجيهة للغاية، ولكن لم يكن هناك مبرر مقبول للقيود الشديدة التى فرضت على استيراد الكتب والمجلات. كان لكل شىء استثناءات، ولكنها كانت استثناءات قليلة جدا، والمحظوظ من المثقفين أو من عشاق القراءة كان هو من يتطلب عمله كثرة السفر.

ولكن حتى فى حالة السفر، كان أقصى المسموح بتحويله إلى عملة أجنبية خمسة جنيهات مصرية، ولم يكن من الحكمة فى هذه الحالة أن تنفق العشرة دولارات (التى كنت تحصل عليها مقابل هذه الجنيهات الخمسة) على شراء كتب ومجلات، بل الحكمة أن تنفقها على أشياء أكثر إلحاحا مثل تلبية مطالب الزوجة والأولاد.

فى هذا المناخ أشفقت علينا مؤسسة اليونسكو فأصدرت كوبونات يستطيع المصرى أن يشترى بها الكتب عن طريقها، ويدفع ثمنها بالجنيه المصرى. ولكن كان هذا يتطلب إجراءات شاقة لا يصبر عليها إلا قليلون.

ثم تلطفت بنا الحكومة فأنشأت معرض القاهرة الدولى للكتاب فى 1969، حيث تدعى دور النشر الأجنبية لتعرض آخر إنتاجها من الكتب (إلى جانب دور النشر المصرية والعربية)، فيقف المثقفون المصريون وطالبو العلم صفوفا ليتفرجوا على ما يكتبه ويفكر فيه العالم، دون أن يكون من حقهم شراؤها إلا باتباع خطوات شاقة للغاية ذلك أن الناشرين الأجانب يريدون الاطمئنان إلى أن ما يحصلون عليه من جنيهات مصرية يمكن تحويله إلى عملاتهم الأجنبية، وهذا يتطلب موافقة رقابة النقد يكفى إذن أن ترى الكتاب، وربما أن تتصفحه، ثم تقيد اسمك كراغب فى نسخة منه، وتدفع ثمنه، ثم تنتظر أسابيع وربما شهورا، على أمل أن توافق رقابة النقد، فيرسل الناشر الكتاب إليك من الخارج.

أدى ذلك أن ضعفت رغبة الناشرين العرب من خارج مصر فى أن يأتوا بكتبهم إلى القاهرة، تجنبا لأعباء وتعقيدات هم فى غنى عنها. أما الناشرون المصريون فكتبهم موجودة على أى حال فى مكتباتهم طوال العام، وهكذا ظل الغرض الأساسى للمصريين من الذهاب إلى معرض الكتاب هو مجرد الاطلاع ولو من بعيد، عما تنتجه قرائح العالم، على أمل أن يعثروا على فرصة للحصول على الكتاب بطريقة أو بأخرى، من وراء ظهر الرقيب على المطبوعات، والرقيب على النقد الأجنبى.

نعم، لقد تغيرت هذه الصورة تماما، فما أسهل شراء الكتب الأجنبية الآن، وما أكثر الناشرين العرب الذين يأتون بكتبهم إلى معرض القاهرة. فقد ضعفت بشدة الرقابة على الكتب والمجلات الآن (على الرغم مما نسمعه من شكوى من حين لآخر)، وأطلقت حرية تحويل الجنيه إلى عملات أجنبية. كانت نتيجة ذلك أن تحول معرض القاهرة للكتاب إلى عرس حقيقى (أو إلى مولد) يقام مرة كل عام، ويبتهج له المثقفون والطلاب، ويأتى من أجله كثير من السياح العرب، فيحاولون الجمع بين زيارة القاهرة وزيارة المعرض.

وزادت نسخ الكتب المعروضة وعدد الزوار أضعافا مضاعفة، حتى أصبح منظر طوابير الشباب الواقعين أمام الشبابيك الكثيرة لشراء تذاكر الدخول، منظرا مبهجا حقا. لم يعد المعرض ظاهرة قاهرية، بل أصبحت تأتى إليه أعداد غفيرة من المحافظات والقرى من خارج القاهرة، تستطيع أن تتعرف عليهم بسهولة وهم يسيرون فى شوارع المعرض، إذ يأتى الرجل مع زوجته وأولاده لشراء الكتب، بعضها كتب سلفية ولكن بعضها أيضا فى موضوعات عصرية وكثير منها فى تعلم اللغات الأجنبية والكمبيوتر، وما يمكن أن يجدوه من كتب مخفضة السعر مما يحتاج إليه الأولاد والبنات فى المدارس أوالجامعات.

كل هذا سار ومبهج بلا شك. ولكن الذى لاحظته أيضا فى المعرض، وأخذ الكثيرون يلاحظونه فى السنوات القليلة الماضية من زيادة مدهشة فى أعداد الشباب المصرى المقبلين على قراءة كتب جديدة يكتبها كتاب مصريون جدد، من مختلف الأنواع، أدبية وسياسية واجتماعية، ويتجاوز توزيع الناجح منها عشرات الآلاف من النسخ، بعد أن كان نفاد طبعة من ثلاثة آلاف نسخة فى سنة واحدة، يعتبر نجاحا باهرا للكتاب، حتى لمؤلفين بأهمية نجيب محفوظ أو توفيق الحكيم، مما ضاعف من عدد المكتبات الجديدة التى نسمع عن افتتاحها يوما بعد آخر.

ما الذى حدث بالضبط لإحداث هذه النتيجة؟
الظاهرة صعبة التفسير بمقدار ما هى مهمة قد يكون لانتشار التعليم دور فيها إذ مهما شكونا من تدهور مستوى التعليم فإن مجرد الزيادة الكمية فى عدد المتعلمين، مقترنة بالذكاء المصرى الفطرى، لابد أن تصحبه زيادة فى عدد القراء الأذكياء والكتاب الموهوبين، ولكنى أعتقد أن للانفتاح الكبير على العالم دورا فى إحداث هذه الظاهرة.

إن الانفتاح على النحو الذى حدث به فى ميدان الاقتصاد، كانت له أضرار محققة بالاقتصاد المصرى. ولكن الانفتاح الثقافى على العالم لابد أن يكون له دور فى نمو هذه الرغبة فى القراءة، وهذا الحافز على الكتابة، سواء كان هذا الانفتاح عن طريق السفر، أو الاختلاط الأكبر بالأجانب الوافدين إلى مصر، أو زيادة فرص الإطلاع على الكتب والمجلات الجديدة، فضلا بالطبع عن التليفزيون والإنترنت. إن لكل من هذه الصور للانفتاح على العالم أضراره وأخطاره، ولكن من الخطأ فى رأيى أن ننكر أن أى احتكاك بالعالم لابد أن يشحذ الذهن ويزيد الشوق إلى المعرفة.

إنى أتوقع أن تنشأ عن كل هذا نهضة ثقافية جديدة وقريبة فى مصر، سيجنى أولادنا ثمارها، وإن كان هذا لن يظهر على السطح إلا بعد أن يحدث انكسار فى الحاجز السياسى القائم الآن. تماما كما أن قيام ثورة يوليو 1952، كسر الحاجز الذى كانت تنتظر وراءه مواهب مصرية عظيمة، من أمثال مواهب يوسف إدريس وكمال الطويل وبليغ حمدى وصلاح جاهين وصلاح عبدالصبور.. الخ.

الجمعة، 5 فبراير 2010

ذكريات عن الطيب صالح

الشروق - الجمعة 5 مارس 2010

كان من الطبيعى، وقد حلت منذ أيام قليلة، الذكرى السنوية الأولى لوفاة أديبنا الكبير الطيب صالح، أن تعود إلى الذهن ذكريات عزيزة، عن هذا الرجل الفذ، مما يطيب لى أن أشرك القراء معى فيه.

لم أكن من الأشخاص المقربين جدا للطيب صالح، مثلما كان مثلا الكاتب الموهوب محمود سالم، والناقد الكبير رجاء النقاش، ولكنه كان يدعونى من حين لآخر للانضمام إلى لقاءاته المتكررة، كلما جاء إلى القاهرة مع مجموعة صغيرة من أصدقائه، وكنت أفرح دائما بهذه الدعوة ولا أتخلف عنها قط، إذ كان مجرد وجوده فى وسط هذه المجموعة الصغيرة، يضمن سهرة حميمة رائعة، يطيب فيها السمر وتعلو الضحكات، كما نسمع خلالها كثيرا من الأفكار النيرة.

لم يكن الطيب صالح كثير الكلام، بل لعله كان أقلنا كلاما، لكنه كان مستمعا جيدا جدا، ينصت إلى كل من يحاول الكلام، وسط هؤلاء المغرمين بالكلام - وأنا منهم بالطبع- باهتمام تام، بل ويدعو الآخرين إلى الإنصات إذا رأى أن الكلام قد يكون مفيدا.

وهو أيضا ذو ضحكة من القلب يستجيب بها لأي تعليق ظريف، ولكنه كان زاهدا فى أن يثبت للحاضرين ذكاءه وألمعيته ولم يكن على أى حال بحاجة إلى ذلك، إذ كنا نعرف ذكاءه وألمعيته، ليس فقط من كتاباته، بل من تعليقاته القصيرة على ما يقوله هذا أو ذاك، بل ومن تعبيرات وجهه إزاء أى كلام سخيف، وكان يحاول أحيانا إخفاء رأيه فى مثل هذا الكلام إذ يسأل المتكلم متظاهرا بالتعجب: بالله؟!

***

لا أحب أن أمتدح شخصا بوصفه بأنه متواضع إذ إني لا أحب هذه الصفة عادة، ومن ثم لا أعتبر أنها تتضمن مديحا، فالتواضع يوحى بأن الرجل يعرف قدره تمام المعرفة، ولكنه يعامل الأقل قدرا منه كما لو كان مثله. وقد عرفت الكثيرين من المتواضعين، ووجدت أكثرهم يملأهم الغرور وإن كانوا يتظاهرون بعكسه، أما الطيب صالح فهو أفضل كثيرا من ذلك.

إنه فى الحقيقة لا يعرف قدر نفسه تمام المعرفة - أو على الأقل ليس كما نعرفه نحن-، ومن ثم فإنه يستغرب استغرابا حقيقيا من المديح والثناء، إنه بالطبع لا يغمط نفسه حقها، ولكنه يعرف جيدا أن فيه من أوجه الضعف ما فينا جميعا، ولا يحاول التظاهر بغير ذلك.. نعم، قد يكون كاتبا عظيما، ولكنه لم يخطر بباله قط - كما يخطر لكثير من الكتاب- أنه أعظم كاتب، أو حتى أنه كتب شيئا فريدا من نوعه.

حضرت له مرة، محاضرة فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة، حيث احتشد الطلاب والأساتذة المعجبون به (وكانت روايته موسم الهجرة إلى الشمال) تدرس سنويا للطلاب فيعشقونها عشقا، وتُرك له أن يختار موضوع الحديث فاختار له عنوان (تفاهة أن يكون المرء كاتبا).

وحكى لنا بعض القصص الطريفة جدا من حياته والدالة على ذلك. فقال: إنه كلما حدث له شيء أو سمع ثناء يجعله يمتلئ غرورا، يحدث بعده بقليل شيء آخر أو يسمع قولا آخر يرده إلى صوابه.

وضرب على ذلك بعض الأمثلة، ومنها أنه عندما سافر من لندن إلى الخرطوم لتسلم جائزة قيمة - أظن أنها كانت من الرئيس السوداني النميرى-، وذهب لزيارة خالة له فى قريتها، فوجئ بأنها سألته: «ما هو عملك بالضبط؟» وشرح لنا الطيب صالح هذا بقوله أن خالته في حياتها البسيطة فى الريف تفهم أن يكون المرء طبيبا أو مهندسا أو مدرسا، ولكن أن يكسب المرء رزقه من كتابة حكايات وقصص - مثلما يفعل الطيب صالح- فهذا هو ما لم يخطر ببالها أنه ممكن.

ثم رفعت طالبة طيبة القلب يدها، بعد أن انتهى من حديثه لتوجه إليه سؤالا، فإذا بالسؤال «ما رأيك فى القومية العربية؟!» أو شيئا من هذا القبيل، فضحك الطيب صالح ضحكته الآسرة، وقال لها ما معناه «يا بنتي، هل تظنين أنني لمجرد أنى أعرف كيف أحكى حكاية؟ أنى أفهم أيضا في القومية العربية، أو أن لي رأيا فيها أهم من رأى غيري؟».
سمعته مرة يقول شيئا استغربته بشدة لأول وهلة ثم فهمته وتعاطفت معه، قال: إنه فى الحقيقة يجد الكتابة عملية شاقة - بل لعله استخدم كلمة «العذاب» في وصف ما يلاقيه منها-، وأنه يحب القراءة أكثر بكثير مما يحب الكتابة.

كنت أظن أن كاتبا موهوبا مثله لابد أن يجد الكتابة عملا سهلا للغاية، وأنه يجد سرورا خالصا في التعبير عن نفسه بالكتابة، ولكنى عندما تذكرت درجة الإتقان التي تتسم بها كتاباته وصعوبة استبدال كلمة بغيرها، واهتمامه الشديد بالعثور على اللفظ العربي المناسب، وخمنت قدر الجهد الذي لابد انه يبذله لتحقيق ذلك أدركت ما لا بد أن يعانيه من مشقة، وفهمت أيضا لماذا كان مقلا لهذه الدرجة أنه كان قليل الكتابة مثلما كان قليل الكلام، ولكن أظن أنه قال وكتب ما فيه الكفاية لأن يجعل ذكراه مصدر سرور متجددا لقرائه ومحبيه، وكذلك مصدر ثقة بأنه في النهاية لا يصح إلا الصحيح. 

الفرح بالكرة

الشروق - الجمعة 5 فبراير 2010

فرحت طبعا، مثلما فرح ملايين غيرى من المصريين، بانتصار مصر فى مباراة كرة القدم الأخيرة فى أنجولا، وفوزها بكأس أفريقيا. ولكنى أريد أن أعترف للقارئ بأمرين:

الأول: أنى لم أجلس للتفرج على المباراة مثلما فعل ملايين المصريين، بل اكتفيت بالسؤال عن النتيجة عندما قدرت أن وقتا كافيا قد مر على بداية المباراة.

السبب ليس أنه كان لدى عمل مهم يمنعنى من التفرج على المشاهدة، كل ما هنالك أن لهفتى على متابعة ما يحدث فيها دقيقة بدقيقة لم تكن كلهفة غيرى، كما أنى أشفقت على نفسى من التوتر العصبى الذى كان لابد أن أشعر به جراء هذه المتابعة.

والثانى: أن فرحى بالنتيجة كان أقرب إلى الارتياح لعدم حدوث خسارة، منه إلى الشعور بالفخر بالفوز. ذلك أنى اختلفت مع الكثيرين الذين يرون فى لعبة كرة القدم مقياسا مهما للتقدم والتخلف، ومن ثم يعتبرون أن الفوز فى مبارياتها دليل على شىء عظيم يستوجب الفخر بالنفس.

المسألة فى نهاية الأمر ليست فى رأيى إلا لعبة، وهى فوق ذلك ليست لعبة بالغة الصعوبة. نعم، إنها تحتاج إلى بعض المهارات، بعضها لا يكتسب إلا بالكثير من المران والتعب، كما أنها تحتاج إلى حد أدنى من التعاون بين أعضاء الفريق، ومن الانضباط، وبعض الدهاء فى التعامل مع أعضاء الفريق الآخر، فضلا بالطبع عن درجة لا يستهان بها من اللياقة البدنية.

كل هذا صحيح، ولكن كل هذا يبدو غير متناسب بتاتا مع درجة الأهمية التى يعلقها على هذه اللعبة، هذا العدد الغفير من الناس، ودرجة الحماس الذى يبدونه للنتيجة التى تسفر عنها، سواء بالفرح أو بالحزن. لابد أن فى الأمر أشياء أخرى ليست واضحة تماما.

أضف إلى هذا، ذلك الربط المدهش بين الفوز فى لعبة ككرة القدم، وبين الشعور القومى والولاء للوطن. من الممكن أن تتصور أن يشتعل الحماس للوطن لدى الانتصار فى حرب من أجل قضية يؤيدها الناس، أو للنجاح فى اقتحام الفضاء أو النزول على القمر، أو اكتشاف أحد مواطنينا اكتشافا عبقريا أو اختراعه اختراعا يفيد العالم بأسره، أو حتى فوز أحد مواطنينا بجائزة نوبل فى الأدب أو العلم.. إلخ،

كل هذا من المتصور أن يثير الحماس للوطن، إذ قد يدل على استبسال الجنود فى الحرب، أو على الشجاعة والاستعداد للتضحية من أجل الوطن، أو على تقدم كبير فى العلم أدى إلى الاكتشاف أو الاختراع أو الفوز بجائزة عالمية. ولكن أين موقع الانتصار فى مباراة لكرة القدم من هذا كله؟

بصراحة، إنى أعتقد أن الحماس العارم للفوز فى مباراة لكرة القدم يرجع إلى جماهيرية هذه اللعبة، أكثر من أى اعتبار آخر. الأمر فى نظرى شبيه جدا بالحماس لنجمة محبوبة أو نجم محبوب من نجوم السينما.

قد تكون الممثلة جميلة وقد يكون الممثل ممثلا قديرا، ولكن لا الجمال ولا جودة التمثيل هما المسئولان عن درجة الحماس، بل محض الشهرة. والشهرة تجلب المزيد من الشهرة، والحماس يجلب المزيد من الحماس.

فالمرء منا يصبح أكثر حماسا لقضية ما إذا وجد نفسه واحدا من آلاف من الناس يسيرون فى مظاهرة، تهتف لهذه القضية، بالمقارنة بدرجة حماسة لنفس القضية وهو قابع وحده فى منزله. لا شك إذن أن جهاز التليفزيون مسئول مسئولية كبرى عن الانشغال بمباريات كرة القدم، وعن زيادة الحماس لها، ومن ثم فهو مسئول أيضا عن ارتفاع درجة الحماس فى التعبير عن «الولاء للوطن»، عندما يكون «الوطن» طرفا فى المباراة.

لابد أن نعترف أيضا بأن المناسبات التى تصلح لإثارة الحماس للوطن أصبحت الآن أقل كثيرا مما كانت فى الماضى. ليس فيما يتعلق بمصر والعرب وحدهم، بل الظاهرة عامة فى العالم كله لأسباب لا مجال الآن للخوض فيها. ولكن، إذا كانت مناسبات التعبير عن الولاء للوطن قد أصبحت أقل، فإن الشعور بالحاجة إلى «التعصب»، وتأكيد «الانتماء» لمجموعة من الناس، شعور أعمق وأكثر رسوخا، أيا كانت وجهة التعصب وموضوع الانتماء.

فإذا لم يكن تعصبا أو انتماء لشعب أو أرض أو جيش، فلماذا لا يصبح تعصبا وانتماء لفريق لكرة القدم ضد فريق آخر؟

ليس من المستغرب إذن، والحال كذلك، أن يستغل السياسيون مباريات كرة القدم لزيادة ما لهم من شعبية أو حتى للحصول على شعبية لم يتمتعوا بها أصلا. فإذا كان الحاكم قد وصل إلى الحكم بالقوة، ودون استناد إلى إرادة شعبية، فإن مما يفيده (أو هكذا يظن) أن يقرن اسمه وصورته بهؤلاء اللاعبين العظماء الذين انتصروا فى مباراة لكرة القدم، عسى أن تترك شعبيتهم بعض الأثر على شعور الناس نحوه.

فالحاكم فى هذه الحالة يبالغ فى الاحتفاء بهؤلاء اللاعبين، وينعم عليهم بمختلف الأوسمة والنياشين، محاولا بذلك أن يظهر أمام شعبه بمنظر من يشهر بنفس ما يشعر به الناس، يفرح لما ىفرحهم، ويحزن لما يحزنون له.

بل وترى الحاكم فى هذه الحالة يبالغ أيضا فى ربط اسم الوطن بما حققه فريق كرة القدم من انتصار، آملا فى أن يرسخ فى أذهان الناس أن ما تحقق من انتصار فى كرة القدم، هو إنجاز له نفس الأهمية التى يعلقها الناس على الإنجازات السياسية أو الاقتصادية، وآملا أىضا فى أن يرسخ فى أذهان الناس أن هذا الانتصار لابد أن تكون له علاقة ما بوجود هذا الحاكم فى منصبه فى هذه اللحظة، ومن ثم يكون لهذا الحاكم الفضل (وربما الفضل كله) فى إحراز هذا الفوز العظيم.

ليس هناك بالطبع ضرر كبير فى أى شىء من هذا، بل وربما لا يكون ثمة ضرر على الإطلاق، فالفرح مطلوب دائما، حتى إذا زاد عن حده المعقول. ولا بأس فى أن ىعم الفرح فيشمل الجميع، من عمل من أجل حدوثه ومن لم يعمل، ولكن أظن أن من المفيد، من حين لآخر، أن تسمى الأسماء بأسمائها الحقيقية، وأن توزع التهانى بالعدل.