د. جلال أمين

د. جلال أمين
أستاذ الإقتصاد بالجامعة الأمريكية والمفكر المصرى الكبير

الجمعة، 29 يناير 2010

بهاء طاهر.. فى الخامسة والسبعين

الشروق - الجمعة 29 يناير 2010

فى هذا الشهر أتم بهاء طاهر خمسة وسبعين عاما من عمره المديد إن شاء الله، ولم أرد أن ينقضى هذا الشهر دون أن أعبر له عن حبى لشخصه وأدبه على السواء.

لم أقرأ لبهاء طاهر شيئا إلا وأثار إعجابى، سواء كان ما يكتبه قصة قصيرة أو طويلة أو رأيا فى السياسة أو الثقافة، كما أنى لم أجد له توقيعا على بيان فى قضية سياسية إلا وكنت أحب أن أضع توقيعى أيضا عليه. من الطبيعى مع ذلك أن يكون حماسى لبعض رواياته وقصصه أكبر من حماسى لغيرها.

فى مجموعته القصصية الأخيرة «لم أعرف أن الطواويس تطير» «دار الشروق، 2009» ست قصص جميلة، ولكنى فرحت بوجه خاص بقصته «كلاب مستوردة»، واعتبرتها من أجمل ما قرأت له، بل ومن ذلك النوع من الكتابات التى لا أصل من العودة إلى الحديث عنها، إذ أجد أنى، فى كل مرة أعود إلى التفكير فيها، أعثر على شىء جديد لم ألتفت إليه من قبل.

هكذا وجدت قصة «كلاب مستوردة»، وهى قصة لا يزيد طولها على 13 صفحة صغيرة، ولكن بهاء طاهر يقول فيها أشياء كثيرة، وبطريقة عذبة جدا، فأكد لى هذا من جديد، كم يمكن للمرء أن يقول أشياء كثيرة فى كلمات قليلة جدا، كما أن من الممكن أن يملأ البعض مجلدا كبيرا دون أن يقول فيه شيئا على الإطلاق.

القصة تبدأ بزوجين يجلسان فى حديقة الفيللا التى يسكنانها، على مقعدين متقابلين، والزوجة تحتضن كلبها الأبيض الصغير وتعبث بأصابعها فى شعره، أى شعر الكلب.

من السطور الأولى ينقل لك الكاتب جو التوتر القائم بين الزوجين، الزوجة تبدأ العراك بموضوع ليس هو بتاتا السبب الحقيقى لتدهور العلاقة بينهما، إذ توجه الزوجة لزوجها اتهاما غريبا للغاية، وبانفعال لا يتناسب مطلقا مع قلة أهمية الموضوع، وهو أنه غير قادر على الإحساس بشعور الكلاب، وأنه لا يحب كلبها العزيز.

ينكر الزوج ذلك، فتؤكد الزوجة أنه فاقد الحساسية، تصدر من الزوج، وهو يحاول الدفاع عن نفسه، جملة دون أن يقصد بها أن يؤلمها، ومعناها أنه على العكس يسره أن يرى أن الكلب «يشغل وقتها». ولكن هذه الكلمة تمس نقطة ضعف خطيرة لدى الزوجة، ومن الواضح أنها تشغل تفكيرها طول الوقت، وهى أنها عاجزة عن الإنجاب، فتنفجر فى وجه زوجها صائحة: «ما الذى يقصده؟ يشغلنى عن ماذا بالضبط؟»

العلاقة إذن متوترة لأن الزوجة لا تنجب، وتشعر بالذنب بسبب ذلك. ولكن القارئ سرعان ما يكتشف أن الزوج يشعر بدوره بالذنب «أو النقص» لأن أصله الاجتماعى أوفى بكثير من أصلها، وأنه متواضع النشأة بالمقارنة بعائلتها الأرستقراطية.

تذكره الزوجة بذلك انتقاما منه: «هذا المبلغ (الذى أقرضه له ابن عمها) هو الذى جعله يقف على قدميه ليصبح ما هو الآن».

كل منهما عنده شعور بالنقص لسبب ما، مما يجعل كلا منهما قابلا للكسر لدى أى تلميح بذلك يصدر من الطرف الآخر.

الزوجة تذكر فى كلامها جدها الباشا، فيسخر هو من جدها وعائلتها إذ إنهم أثروا بلا عمل، وتعايره هى بأسرته فينفجر مدافعا عن أسرته قائلا إن أهله فلاحون ولكنهم شرفاء.

ولكن هناك سببا آخر لتدهور العلاقة. وهى أن الزوجة تشك «بل تبدو متأكدة» فى أنه يخونها مع أقرب صديقة لها، وأنه خارج الآن للالتقاء بها فى شقة بالهرم.

ثم تحاول إذلاله بأن تقول إن صديقتها هذه لم تنشئ هذه العلاقة معه لأنها تحبه، بل لمجرد أنها كانت طوال عمرها تغار منها لأنها أجمل منها. كما تمعن فى إذلاله بالقول بأن نجاحه كل سببه شوكت ابن عمها هو السبب الوحيد لنجاحه. فهو الذى سهل له ويسهل كل الصفقات والمناقصات والعقود التى يحصل عليها.

اختار بهاء طاهر طريقة حذابة جدا لتسجيل الحوار الدائر بين الزوجين. فالكلام لا يصدر كما قاله المتكلم بالضبط، ولكنه أيضا ليس كما يمكن أن يحكيه شخص آخر، بل هو مزيج جميل بين الطريقتين. وها هو مثال لذلك: «قالت الزوجة لزوجها بهدوء دون أن تنظر فى وجهه: إنه لا يفهم معنى الكلاب.

.. هل يمكن أن تشرح ذلك؟
..لا، لا يمكنها، فهى مسألة حساسية، لا يفيد فيها الشرح، الحساسية إما موجودة أو غير موجودة.

.. ومع ذلك فسيكون شاكرا لو قدمت له مثالا واحدا، واحدا فقط، على عدم حساسيته».
من حين لآخر يعود الكلام عن الكلب، وكأن القضية هى ما إذا كان الزوج يحب الكلب ويحس بإحساسه أم لا. ولكن الزوجة تنفجر فجأة بالسؤال الآتى:
«لماذا لا يطلقها ليكون له ولى للعهد أو أولياء للعهد يرثون ملايينه؟»
ينكر هو أى رغبة فى الطلاق، ويعيد تأكيد حبه لها.

ولكنها غير مقتنعة، فالشعور بالنقص لعدم الإنجاب لا يمكن أن يغايرها، ثم يسألها هو:
هل تريد هى الطلاق؟ فتجيب هى أيضا بالنفى.

لا أحد يريد الطلاق، ولكن لا أحد يستطيع أن يحصل على السعادة فى كل هذا الزواج، لأن لدى كل منهما عقدة نقص لا يستطيع التخلص منها.

وهكذا، على الأرجح، تستمر الحياة، وربما استمرت على ذلك سيئة طوالا، وأثناء ذلك يقوم الكلب بدور مهم، وإن كان لا يعرف عنه شيئا.
 

الجمعة، 22 يناير 2010

مَنْ قتل الأقباط؟

الشروق - الجمعة 22 يناير 2010

فارق شاسع بين حادث اغتصاب طفلة مسلمة، الذى ارتكبه شاب قبطى فى بلدة فرشوط فى نوفمبر الماضى، وحادث قتل ستة شباب من الأقباط (بالإضافة إلى إصابة تسعة آخرين)، وهم خارجون من كنيستهم فى ليلة عيدهم يوم 6 يناير، بيد رجل مسلم. الفارق الشاسع الذى أقصده، ليس أن ذلك حادث اغتصاب وهذا حادث قتل، ولا أن الضحية فى الحادث الأول شخص واحد، وفى الثانى ستة عشر شخصا، (خمسة عشر قبطيا بين قتيل ومصاب ومسلم واحد قتيل)، ولكن الذى أعنيه هو الفرق بين دور الدين فى الحادثين، ففى الأول، لا أرى أى علاقة بين الدين وما حدث، بينما يلعب اختلاف الدين دورا أساسيا فى الحادث الثانى.

لم يعتد الشاب القبطى على الطفلة المسلمة لأنه قبطى وهى مسلمة، بل لأنه شاب منحرف جنسيا، فاقد العقل أو الإرادة أو كليهما، ومن المتصور أن يقوم هذا الشاب القبطى بهذا العمل الإجرامى إزاء طفلة أو فتاة قبطية، كما أن من المتصور أن يقوم به شاب مسلم منحرف جنسيا وفاقد العقل والإرادة إزاء طفلة أو فتاة مسلمة، فاختلاف الدين فى هذه الحالة، أمر ثانوى لا قيمة له فى فهم دوافع ارتكاب الجريمة.
ولكن فى الحادث الثانى، ليس من المتصور أن يحدث حادث القتل بالعشوائية التى حدث بها، إلا إذا كان القاتل يأخذ دين الضحايا فى الاعتبار، فالقاتل لم يكن يستهدف شخصا معينا بالذات، ولم يكن يهمه، فيما يظهر ما إذا كان القتلى سبعة أو أكثر، وإن كان من المؤكد أن يهمه هذا التوقيت الفظيع الذى اختاره لارتكاب جريمته.

لا يمكن إذن وصف الحادث الأول بأنه «طائفى» إلا بمعنى سطحى جدا وغير مفيد، ولكن من المؤكد أن الحادث الثانى «طائفى» إذ لايوجد سبب واحد للاعتقاد بأن هناك سببا آخر لهذه الجريمة.

كان من الطبيعى إذن أن استغرب بشدة التصريح الذى صدر من رئيس مجلس الشعب، وكرره وزير الشئون البرلمانية، والذى وصف فيه الحادث بأنه «مجرد جريمة فردية وليس لها دوافع دينية»، ونفى عنه صفة «الطائفية». وقد فسرت هذه التصريحات بأنها لابد أن تكون مدفوعة بدوافع سياسية. ولكن أبسط تفكير فيما حدث يبين أن النتائج السياسية لهذه التصريحات سيئة جدا بدورها، إذ إن مثل هذه التصريحات لايمكن أن تساهم قيد أنملة فى حل المشكلة الطائفية فى مصر، ولايمكن أن تخفف من شعور الأقباط بالمرارة، ولم تخفف من شعورهم بالاغتراب فى هذا البلد، بل ستزيد هذا الشعور قوة.

ولكن الذى أصابنى بإحباط أكبر ما قرأته فى بيان النيابة العامة عن طريقة التصرف فى هذا الحادث. لقد أنهت النيابة التحقيق فى الحادث بسرعة مدهشة لاتتناسب أبدا مع خطورته، فأحالت القضية إلى محكمة الجنايات بعد عشرة أيام فقط من وقوع الحادث، وقالت فى بيانها الذى أحالت به المتهمين الثلاثة إلى المحكمة (الكمونى وقرش أبوالحجاج وهنداوى» أنه «لم تسفر التحقيقات وتحريات الشرطة عن وجود محرضين، واقتطفت زعمهم» بأنهم ارتكبوا الجريمة بسبب «تأثرهم بواقعة اغتصاب طفلة مسلمة بدائرة أحد المراكز المجاورة ومشاهدتهم للقطات مصورة لفتيات مسلمات فى أوضاع مخلة وخادشة للحياء».

وتكرر هذا النفى لوجود محرضين فى الجريدة الرسمية أكثر من مرة، إذ ذكرت أنه «رجحت مصادر أمنية أن هذا (أى الاغتصاب) هو السبب فى قيام الكمونى بتنفيذ جريمته ليلة عيد الميلاد (الأهرام 17/1).

هل يتصور أن يحدث حادث كهذا دون تحريض من أحد؟ إن المعلومات المتوافرة عن القاتل الذى أطلق الرصاص تكاد تفصح بأنه لايمكن أن يرتكب هذا الفعل إلا بتحريض من أحد.

المعلومات عنه تفيد بأنه شخص ضائع تماما «مسجل شقى خطر» يرتكب الجريمة بعد الأخرى، وسبق اعتقاله فى سنة 2002، وحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات فى جريمة بلطجة، أى أنه محترف إجرام، وأنه شخص يمكن استئجاره لارتكاب أى جريمة، إذا دفع له المقابل المناسب، وأن مثل هذا الشخص لايمكن أن يرتكب عملا كهذا، أو أى عمل آخر، بسبب حماس انتابه لأى قضية أو مبدأ، أو مدفوعا بشعور فياض بالتعاطف مع الطفلة المسلمة التى تعرضت للاغتصاب، أو الشعور بالغضب (كما قيل إنه قال) بسبب نشر صور خادشة للحياء لبنات مسلمات... الخ

(أى حياء لدى الكمونى يمكن أن يخدشه بعض الصور؟) هل مثل هذا المسجل الشقى الخطر هو الذى يتوقع أن يغضب للإسلام والمسلمين لدرجة ارتكاب جريمة بهذه البشاعة؟

هل هذا هو ما اقتنعت به النيابة العامة حقا به؟
من المستفيد من جريمة كهذه؟ هل هو حقا رجل من نوع الكمونى؟ هل يستفيد منها الإسلام والمسلمون؟ هل المستفيد هو مصر والمصريون؟ أم أن المستفيد الحقيقى هو شخص أو مجموعة من الأشخاص أو دولة يهمها أو يهمهم القضاء على الإسلام والمسلمين، وأن يزداد حال مصر والمصريين انحطاطا؟

ألم يخطر ببال النيابة مثل هذا السؤال؟ أم أنه خطر لها وعرفت إجابته، ولكنها رأت الاحتفاظ به سرا وألا تخبر أحدا به، تحقيقا لمصلحة شخص أو مجموعة من الأشخاص أو دولة لاتريد النيابة العامة أن تفضحها أو تفضحهم؟

السبت، 16 يناير 2010

مسلم وقبطى

الشروق - السبت 16 يناير 2010

لى صديق تعرفت عليه منذ خمسين عاما، عندما جاء إلى لندن ليلتحق بنفس الكلية التى كنت أدرس بها، ثم تزاملنا بعد ذلك فى العمل، وأصبح من أحب أصدقائى إلىّ.

لم ألاحظ قط، منذ تعرفت عليه لأول مرة، أن اختلاف دينه عن دينى، له أى أثر فى تصرفاته إزائى، أو إزاء أصدقائنا المشتركين من المسلمين، كما لم يكن له أى أثر فى تصرفاتى نحوه. كان كل منا ينظر إلى اختلافنا فى الدين مثلما ننظر مثلا إلى اختلافنا فى الطول والقصر، أو فى حجم الأنف أو الأذن، لا علاقة له بالمرة بتقييم كل منا للآخر.

كان يمتاز عنا جميعا برقته البالغة. يظهر ذلك فيما يبدو عليه من فرح بلقائك، وباستعداده للتعبير الصريح عن هذا الفرح، كما لاحظت عاطفيته الشديدة فى معاملته لأخته كلما جاءت إلى لندن لزيارته.

كان قليل الكلام ولكنه مستمع ممتاز (ويبدو أننا جميعا نحب المستمع الجيد أكثر مما نحب المتكلم الجيد)، وكان يدخل السرور على قلوبنا بضحكته المجلجلة إذا صدر من أحدنا كلام مضحك، كما كان أكثرنا صبرا على من كان كثير الكلام مثلى. لهذا وغيره من الأسباب لم تكن صحبتنا تكتمل إلا بوجوده.

أدهشتنى معرفته الواسعة بالشعر العربى، وعشقه لشعر المتنبى عشقا، وقدرته على إلقاء شعره بنطق صحيح وجميل. لم أكن أتوقع هذا من رجل متخصص فى الاقتصاد، إذ لم ألاحظ على معظم من عرفت من الاقتصاديين أى حب أو تقدير للأدب من أى نوع كان صديقى هذا استثناء فى هذا الأمر أيضا.

كنا فى لندن فى سنوات الناصرية، وكان معظمنا متحمسا بشدة لسياسة عبد الناصر الاقتصادية وسياسته الخارجية، بما فى ذلك فكرة القومية العربية. وكان صديقى هذا ناصريا متحمسا أيضا، ولا أذكر أن حماسنا للقومية العربية والوحدة كان يسبب له أى ضيق. لم أجد أى غرابة فى هذا فى ذلك الوقت، فعندما كنت عضوا فى حزب البعث فى الخمسينيات، كان من زملائى فى الحزب أقباط ومسيحيون من مصر ومن الدول العربية الأخرى، وكانوا مؤمنين بالقومية العربية وبمزايا الوحدة. بل كان رئيس حزب البعث نفسه وصاحب فكرته، الذى أحببناه كلنا حبا جما ووثقنا بصدقه، مسيحيا سوريا (ميشيل عفلق). وكان الأستاذ ميشيل (كما كنا نسميه) يؤمن إيمانا راسخا بأنه لا نهضة للعرب إلا بتحقيق الوحدة، واختار كشعار للحزب عبارة (أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة).

لم يكن هذا بالطبع موقف جميع الناشطين السياسيين من الأقباط، حتى خلال الحقبة الناصرية. فالدكتور لويس عوض مثلا، كان لا يخفى بالمرة رفضه لفكرة القومية العربية، إذ كان شعوره الوطنى وحبه لأمته محدودا بالحدود السياسية لمصر وحدها. ولكن لويس عوض لم يكن يرى لبلده طريقا للنهضة إلا فى التغريب، ومن ثم كان متحمسا لاقتفاء أثر أوروبا خطوة بخطوة، ومن كان هذا رأيه لم يكن ليتحمس كثيرا للوحدة العربية، مثلما كنا نحن الذين نطمح إلى تحقيق النهضة بطريقة تستلهم التراث ولا تتنكر له.

مع مرور الزمن منذ السبعينيات، حدث ما كان لابد أن يصيب أصدقاءنا الأقباط بكثير من خيبة الأمل والقنوط. فمع تكرار أحداث ما يسمى بـ«الفتنة الطائفية». كان من الطبيعى جدا، ومن المفهوم تماما أن يتوجس الأقباط خشية من أى دعوة «لاستلهام التراث»، وأن يزداد خوفهم من أن تؤدى الوحدة العربية إلى ترسيخ فكرة «الأقلية والأغلبية»، وإلى تعميق شعورهم بالاغتراب بدلا من إزالته. هكذا فسرت ذلك التغير الذى لحق بموقف صديقى من الخوض معى فى أى مناقشة سياسية لها علاقة من قريب أو بعيد بالقومية العربية أو الوحدة، وكأنه يخشى من أن يؤثر الاختلاف فى السياسة على صداقة وطيدة عمرها خمسون عاما.

كان هذا واحدا من أسباب كثيرة لشعورى بالصدمة والإحباط عندما سمعت بخبر الاعتداء على الأقباط، ومقتل ستة منهم فى نجع حمادى فى الأسبوع الماضى. كان الخبر مأساويا من كل ناحية، خاصة أنه حدث أثناء خروج الأقباط من كنيستهم، وفى ليلة عيدهم. تخيلت شعور صديقى لدى سماعه بالخبر، الذى لابد أن يزيد شعوره بالاغتراب عمقا. كنت واثقا من أنه لن يفتح الموضوع معى، كما لا أجرؤ أنا أيضا على فتحه. كنت واثقا أيضا من أن ما حدث لا يمكن أن يترك أثرا على شعور كل منا إزاء الآخر. ولكن كم هو من المحزن ما أصاب به هذا الحادث أملنا فى تحقيق نهضة لهذا البلد، سواء قامت هذه النهضة على استلهام التراث أو على التغريب. 

السبت، 9 يناير 2010

عن الجوائز الثقافية

الشروق - السبت 9 يناير 2010

جاءنى خبر سعيد قبل انتهاء سنة 2009 بأيام قليلة، هو حصولى على جائزة سلطان العويس الثقافية فى حقل الدراسات الإنسانية والمستقبلية، وهى جائزة قيمة ماديا ومعنويا، وتتمتع بسمعة طيبة بين المثقفين العرب. وقد ضاعف سرورى بها أن الثلاثة الآخرين الذين فازوا بها معى هذا العام فى الشعر والرواية والنقد الأدبى، كلهم من أحمل لهم تقديرا كبيرا، وهم الشاعر اليمنى عبدالعزيز المقالح، والروائى الجزائرى الطاهر وطار، والناقد التونسى عبدالسلام المسدى.

ذكرنى حصولى على هذه الجائزة، بما حدث لى منذ عشرة أعوام عندما حصلت على جائزة مصرية هى جائزة «أحسن كتاب فى معرض القاهرة الدولى للكتاب»، وهو ما لابد أن أرويه للقارئ، إذ إنه ينطوى على أشياء طريفة للغاية ولا تخلو من مغزى.

كان فرحى بحصولى على جائزة أحسن كتاب فى 1999يشوبه بعض الضيق. سرنى بالطبع أن يتكرر ذكر الكتاب وهو «ماذا حدث للمصريين» فى الصحف والمجلات خاصة أن تسميتها «جائزة أحسن كتاب» لابد أن توحى بشىء عظيم للغاية، كما أن وسائل الإعلام تغطى هذا الخبر تغطية واسعة ومفصلة لاقترانه باسم رئيس الجمهورية. ذلك أن الجائزة لا تزيد عن قيام رئيس الجمهورية بمصافحة الحاصل على الجائزة، ثم قيام وزير الثقافة فى اليوم التالى بمصافحته مرة أخرى، وتسليمه تمثالا صغيرا، ذهبى اللون، كتب عليه اسم الجائزة، واسم الحاصل عليها، واسم الكتاب الذى أعطى الجائزة من أجله. ولكن هناك من الملابسات الأخرى المرتبطة بهذه الجائزة ما لا يجب أن يبعث على الاغتباط على الإطلاق. أهم هذه الملابسات وأسوأها أنه من بين نحو عشر جوائز تعطى كل عام، تعطى الجائزة لنحو ستة أو سبعة كتب لا يقرأها أحد، ولا يريد أحد أن يقرأها، ولكن مؤلفيها يحتلون مناصب كبيرة فى ميدان الإعلام، كرئيس مجلس إدارة هذه الصحيفة الكبرى أو تلك، أو بعض المقربين جدا لرئاسة الجمهورية. بل لقد شاع الاعتقاد أيضا أن بعض هؤلاء الستة أو السبعة ليسوا هم حتى مؤلفى هذه الكتب، إذ أن انشغالهم بأعمال العلاقات العامة (الأكثر أهمية فى تمكينهم من مثل هذه الجوائز وما هو أهم منها)، يمنعهم من توفير الوقت اللازم للكتابة، فيكلفون بعض مساعديهم بكتابتها مقابل مزايا مالية معينة. شاع مثلا وصف أحد هؤلاء، ممن تعطى لهم هذه الجائزة فى كل عام تقريبا، بأن «عدد كتابه أكثر من عدد قرائه»، إذ يظهر له فى الأسبوع الواحد، أكثر من مقال وأكثر من عمود فى مختلف الموضوعات، من آخر التطورات الاقتصادية فى الصين، إلى المعنى الحقيقى للحب.. إلخ.

ليس إذن من دواعى الاغتباط الشديد أن يحصل المرء على جائزة«أحسن كتاب»، إذا حصل عليها أمثال هؤلاء فى نفس الوقت.

تسلمنا الدعوة لحضور الاحتفال وقد كتب عليها أن الاحتفال يبدأ فى العاشرة صباحا، ولكن المطلوب منا الوصول قبل ذلك بساعة. وجلست فى مقعدى فى انتظار وصول الرئيس. ولكن الساعة بلغت العاشرة والنصف ولم يكن الرئيس قد وصل بعد. خطرت ببالى فكرة ذكية، وهى أن من الحكمة أن أذهب الآن إلى مكان دورة المياه قبل أن يصبح ذلك مستحيلا، فأجد نفسى فجأة فى وضع لا أحسد عليه. كنت أذكر، من مرة سابقة دعيت فيها إلى لقاء الرئيس بالكتاب والمثقفين، أن دورة المياه الوحيدة فى هذا المكان تقع وراء منصة الرئيس مباشرة، وأن الحراسة المفروضة عليها شديدة، وأن من الممكن جدا أن يمنع الناس من دخولها بعد وصول الرئيس. أسرعت إليها فاكتشفت على الفور أنى كنت على صواب. فقد كانت دورة المياه الخاصة بالرجال قد تم تنظيفها وإغلاقها بالفعل، لكى تكون معدة لاستخدام الرئيس إذا شاء استخدامها. وأن الحجرة المفتوحة هى فقط تلك الخاصة بالسيدات، ولكن من المسموح للرجال استخدامها فى هذه الظروف الاستثنائية. دخلت دورة مياه السيدات، وعدت إلى مكانى ظافرا. وعندما سألنى جارى، وهو أستاذ علوم سياسية مشهور فى كلية الاقتصاد، عن مكان دورة المياه، أخبرته بمكانها وشجعته بشدة على استخدامها فورا حيث لا يمكن التكهن بما سيحدث فى المستقبل.

أسرع الرجل إلى دورة المياه ولكنه عاد وقد ارتسمت عليه علامات الحزن، إذ وجد كلتا الحجرتين مغلقتين.

سألت نفسى عن مصير المثقفين والكتاب فى هذه الظروف، ومعظمهم من كبار السن ممن لا يستطيعون بسهولة تأجيل مثل هذه الحاجات الأساسية التى تعتبر الثقافة والكتابة والإعلام بالمقارنة بها، من الكماليات والأمور الترفيهية. بدا لى هذا الوضع كوميديا للغاية، وإن كان أحدا لا يستطيع التعبير عنه بصراحة، كما أن جمهور المشاهدين للحفلة على شاشة التليفزيون لا يمكن أن يخطر ببالهم ما يمكن أن يشعر به فى ذلك الوقت بعض من أشهر كتابنا وأكبر مثقفينا.

بدأت كلمات التقديم والافتتاح، ثم ألقى الرئيس كلمة، ثم تتابعت الأسئلة والأجوبة، وهو ما استمر نحو ساعتين ونصف. وفى الواحدة والنصف بدأ الرئيس بالتحرك نحو الصالون المعد له، وكان قد قال فى الرد على بعض سائليه أنه يمكن أن يعطيهم الإجابة عن أسئلتهم الحرجة فى السر بعد انتهاء اللقاء العلنى، فلابد أنه سيلتقى بهؤلاء فى الصالون ليخبرهم بإجاباته. ما إن ترك الرئيس المنصة حتى تدافع عشرات المثقفين فى محاولة للخروج من القاعة ليقصدوا المبنى المجاور، ليستخدموا دورة مياه أخرى غير تلك الواقعة بجوار صالون الرئيس. ولكن حارسا ضخم الجثة كان واقفا عند باب الخروج، وأخبرهم بنبرة حاسمة لا تحتمل نقاشا أن الخروج ممنوع حتى تبدأ سيارة الرئيس فى التحرك، وهو ما لم يحدث بعد. ألقيت نظرة على بعض كبار المثقفين المصريين وهم يتلقون هذا الأمر بالانتظار، فلما عبر أحدهم عن استيائه، وصدرت منه عبارة يفهم منها حاجته الشديدة والعاجلة إلى استخدام دورة المياه، أجابه الحارس بأدب، ولكن بصرامة وحزم، بعبارة لا يمكن أن تجلب أى عزاء، مؤداها أنه هو نفسه فى وضع مماثل لوضع سائر المثقفين. 

السبت، 2 يناير 2010

كل شىء ليس على ما يرام

الشروق - السبت 2 يناير 2010

كنت فى إنجلترا خلال العام الأخير من حياة أمى، وقد توفيت وأنا بعيد عنها، فلم أعلم بخبر وفاتها إلا من خطاب أرسله لى أخى حسين من مصر.

كنت شديد القلق عليها خلال ذلك العام الأخير، إذ تركتها وهى مقتولة الصحة. ومن ثم كنت ألح عليها فى خطاباتى أن تكتب إلى ولو خطابات قصيرة تطمئننى فيها على صحتها. كانت تكتب لى من حين لآخر بخط مرتعش، ولكنها كانت تختم خطاباتها دائما بعبارة. «كل شىء على ما يرام».

تبين لى بالطبع عندما جاءنى خبر وفاتها بأنه «كل شىء لم يكن على ما يرام». ولكن أمى لم تكن تقصد إخفاء أشياء مهمة عنى، بل كانت فقط غير قادرة، وسط التفاصيل الصغيرة للأحداث اليومية أن ترى المغزى الأعمق لما يجرى، كان كل شىء يبدو لها وكأنه يسير سيرا عاديا وطبيعيا، دون أن يكون بقدرتها أن ترى المآل الطبيعى لهذه التغيرات الصغيرة. تدهور بسيط فى الصحة، أو تحسن بسيط يعقبه تدهور شديد، وينتهى الأمر نهاية طبيعية بالموت. أو شجارات صغيرة بين أخ وزوجته، أو تحسن بسيط فى علاقتها يعقبه شجار عنيف، وينتهى الأمر «نهاية طبيعية» بالطلاق.

هكذا، فيما أظن، تمر بنا الأيام، ولا يبدو لنا من التغيرات الصغيرة أنها لابد أن تنتهى بنهايات مهمة، فنظن أن كل شىء على ما يرام، مع أن كل شىء ليس على ما يرام بالمرة.

عندما استعرضت فى ذهنى، أهم ما أذكره من أحداث عام 2009، وجدت أنه ملىء بالمعارك الصغيرة، ولكنها فى الحقيقة، بعد قليل من التأكد، كبيرة المغزى. لا يتضح لنا المغزى الحقيقى لمجرد أن العام قد بلغ نهايته «إذا لا يحدث فى نهاية العام إلا احتفالات رأس السنة» ولكن لابد أن يتضح المغزى الحقيقى بالتدريج فى العام التالى أو الذى يليه، أو حتى بعد أعوام كثيرة. ومع ذلك من المفيد أن نحاول استخلاص هذا المغزى، حتى ونحن قريبو العهد بالحديث حتى نقلل من حجم الصدقة أو المفاجأة.

فى عام 2009 حدثت «معركة اليونسكو» أى ترشيح وزير الثقافة المصرى لرئاسة هذه المنظمة الدولية، وتحقيقه نتائج جديدة فى البداية، ولكنها انتهت المعركة لغير صالحه، بل لصالح مرشحة دولة صغيرة هى بلغاريا، رغم كل ما بذلته الدولة المصرية من جهود لإنجاح مرشحها. قد يبدو الأمر بسيطا لأول وهلة، فالمنظمات الدولية كثيرة، ومصير دولة لا يتوقف على النجاح أو الفشل فى الفوز برئاسة واحدة منها. ولكن قليلا من التفكير يجعلنا نرى أن هذه النتيجة وثيقة الصلة فى الحقيقة بتدهور مركز مصر السياسى والثقافة فى العالم. لقد مر بمصر وقت كانت فيه مكالمة تليفونية واحدة من الرئيس المصرى لرئيس آخر أو ملك تكفى لتحويل نتيجة تصويت كهذا لصالح مصر. ولكن ليس الآن، وذلك لأسباب كثيرة لا مجال للخوض فيها هنا.

ما إن انتهت معركة اليونسكو حتى جاءت «معركة كرة القدم».

وقد بدأ الأمر هنا أيضا بفوز مصر على الجزائر فى مباراة جرت بالقاهرة، وأثارت حماس المصريين. ولكن الأمر انتهى بمباراة فى الخرطوم، خسرت فيها مصر، وأشعل هذا معركة حقيقية بين المصريين والجزائريين.

لم يكن أداء الدولة المصرية فى هذه المعركة أداء مشرفا، وكان هذا مؤشرا آخر على تدهور أحوال الدولة المصرية. إذ لم يكن من المتصور منذ ثلاثين أو أربعين عاما، أن تتصرف الدولة المصرية إزاء هذه المشكلة وكأنها دولة صغيرة إلى هذا الحد. ولكن هذا هو ما حدث، فإذا بمغزى مباريات كرة القدم يدعم ما استخلصناه من مغزى معركة اليونسكو.

شهد عام 2009 أيضا مباراة بين نجل الرئيس مبارك والدكتور محمد البرادعى لم تتخذ شكل مباراة حقيقية ولكنها كانت كذلك فى حقيقة الأمر. فمنذ عدة سنوات ومحاولة الترويج لحلول نجل الرئيس محل والده فى منصب الرئاسة، دائرة على قدم وساق، وكأن المقصود أن يتسرب إلى المصريين شيئا فشيئا، الشعور بأنه ليس هنا بديل لنجل الرئيس، فإذا تخلى الرئيس عن الرئاسة لم يعد هناك إلا ابنه للحلول محله. والمدهش أن اعتقادا كهذا مع كل غرابته، يمكن أن يترسخ شيئا فشيئا فى أذهان المصريين، بمجرد تكراره والإلحاح عليه، يوما بعد يوم، بمختلف وسائل الإعلام، حتى بدأ يخيل إلى المصريين بالفعل، أن الرئيس مبارك هو الوحيد بين المصريين الذى له أولاد بلغوا سنا يمكن أن يصبحوا معها رؤساء للجمهورية إلى أن خطر لبعض الناس فجأة أن هناك شخصا آخر، مصريا أيضا وحائزا على جائزة نوبل، وليس هناك ما يشينه، ويمكن ترشيحه للرئاسة بدلا من نجل الرئيس.

فوجئنا باسم د. محمد البرادعى يطرح بقوة كمرشح بديل، ثم فوجئنا أكثر بقبول د. البرادعى لهذا الترشيح، وإن كان قد ذكر شروطا بديهة يجب أن تتحقق قبل أن يرشح نفسه بالفعل. كل هذا كان مفاجأة ولكن المفاجأة الكبرى كانت ردود الفعل من جانب رجال النظام إزاء مجرد تفكير د. البرادعى فى ترشيح نفسه. إذ هب هؤلاء مذعورين يصيحون بمختلف أنواع السب والقذف، وقد اعتراهم خوف عظيم من أن يضيع فجأة من أيديهم كل ما عملوا من أجله فى السنوات الماضية، لمجرد دخول رجل كالبرادعى ساحة المعركة.

قد تبدو هذه المعركة صغيرة أيضا، ولكنها بدورها عظيمة الدلالة، فقد بينت هى الأخرى درجة الضعف الذى أصاب الدولة المصرية، حتى أصبحت تخشى مجرد دخول أكثر من شخص واحد للمنافسة على منصب الرئيس.