د. جلال أمين

د. جلال أمين
أستاذ الإقتصاد بالجامعة الأمريكية والمفكر المصرى الكبير

الجمعة، 31 ديسمبر 2010

أحمد بهاء الدين

الشروق - الجمعة 31 ديسمبر 2010

أحمد بهاء الدين اسم عزيز على المثقفين المصريين، بل وعلى قطاع كبير من المثقفين العرب. لمع فى سن صغيرة فى الخمسينيات من القرن العشرين، فلفت الأنظار بما قدمه من نوع جديد من الكتابة الصحفية، وأصبح له فيها تلاميذ ومريدون. وأسندت إليه رئاسة تحرير مجلة جديدة، قبل أن يبلغ الثلاثين من عمره. سيدة طموح لعبت دورا مؤثرا فى الصحافة المصرية، وكانت لها قدرة عالية على تمييز صاحب الموهبة الحقيقية من بين الصحفيين والكتّاب، وهى السيدة روز اليوسف، فحقق بهاء الدين توقعها وجعل المجلة الجديدة (صباح الخير) كما كان شعارها بالضبط، منبرا «للعقول الشابة والقلوب المتحررة».
كان صاحب موهبة بلا شك، ولكن لابد من الاعتراف بأنه كان أيضا سعيد الحظ، مثلما كان يوسف إدريس وعبدالحليم حافظ وصلاح جاهين وبليغ حمدى وكمال الطويل وصلاح عبدالصبور وعبدالمعطى حجازى، وعشرات غيرهم من المصريين الموهوبين الذين سمح لهم قيام ثورة 23 يوليو بالتعبير عن أنفسهم خلال تلك الفترة المبهرة من حياة الثورة، فى الخمسينيات والنصف الأول من الستينيات، ثم أصيبوا بالاكتئاب وخيبة الآمال عندما بدأت هذه الثورة تخبو وتنطفئ. لقد استمروا جميعا فى التعبير عن أنفسهم فى السبعينيات، واستمر أحمد بهاء الدين يكتب أيضا فى الثمانينيات، ولكن أعاصير السياسة المصرية والعربية كانت أقوى من بدنه العليل، وأقسى مما كانت تحتمله حساسيته المرهبة، فتوقف فكره المبهر عن العمل لعدة سنوات قبل وفاته فى منتصف التسعينيات.

كان أحمد بهاء الدين مبهرا فى أكثر من ناحية، كان ولايزال كلما قرأنا كتاباته، يدهشنا بحدة ذكائه، وكأنه كان قادرا على أن يرى دائما المغزى الحقيقى للأحداث عندما كان الآخرون يحاولون أن يتلمسوا، بدرجات متفاوتة من النجاح والفشل، حقيقة الأشياء وسط ظلمة السياسة وأكاذيب السياسيين.

ثم يدهشنا مرة أخرى بجرأته فى التعبير عما يعتقده ولكن بأدب بالغ، وكأنه لا يرى جدوى فى أن يضيف إلى قول الحق أى مبالغات أو إهانات. ويثبت دائما أنه كان فى هذا على صواب، إذ يثبت دائما أن الزبد يذهب جفاء ولا يبقى فى الأرض إلا ما ينفع الناس.

كان أيضا يكتب بأسلوب واضح بسيط، وجمل قصيرة خالية من أى تعقيد أو محاولة للتجميل، وكأنه كان يعتبر الأسلوب الواضح البسيط جزءا لا يتجزأ من قول الحق. فهو لا يرغب فى خداع القارئ على أى نحو، لا فى المضمون ولا فى الشكل، ويدرك أن الخداع له ألف وجه، منه قول الباطل، ومنه قول الحق الذى يراد به باطل.

يضاف إلى كل هذا شغف بأنواع مختلفة من المعرفة. فهو صحفى له حاسة الصحفى الطبيعية لالتقاط الخبر المهم ونقله إلى الناس، ولكنه كان أيضا ذا ذائقة أدبية وفنية قوية، وقادرا على تمييز الرواية الجميلة عما عداها، والفيلم الجيد، والقصيدة المؤثرة، والأغنية الجديرة بالانتشار، فإذا أضفنا إلى كل ذلك حبه الشديد لوطنه وتعلقه القوى بتاريخه وشعبه، مما يدفعه إلى الإشادة بكل من يرى فيه بارقة أمل فى النهوض بهذا الوطن، وتشجيع من يحتاج إلى تشجيع من الموهوبين الحقيقيين، فيدفعهم دفعا إلى الامام، ويمهد لهم الطريق للاشتهار بين الناس، فكيف لا يترك أحمد بهاء الدين أثرا عميقا للغاية فى نفوس المثقفين المصريين؟

ولكن بهاء الدين كان أيضا مؤمنا إيمانا لا يتزعزع بالقومية العربية. رأى المنطق القاطع فى الفكرة القومية، ورأى المنافع الجمة التى لابد أن تعود على وطنه من قيام وحدة عربية، فأيدها ودافع عنها، وأحس احساسا قويا بالظلم الذى وقع على الفلسطينيين، فناصرهم فى كل مناسبة فكيف لا يلتف حوله عشرات المفكرين العرب، الذين يدركون أهمية أن يكون فى مصر كاتب من نوع أحمد بهاء الدين، وهم يعرفون جيدا أنه لا يكاد أن يكون هناك أمل فى الوحدة العربية، ولا مستقبل للقومية العربية، إن لم تدافع عنهما مصر ويؤمن بهما المصريون؟


يحتفظ ذهنى بذكريات عزيزة عن مقالات معينة كتبها أحمد بهاء الدين فى مناسبات مختلفة، فأثارت دهشتى وإعجابى، وكذلك ببعض تعليقات صدرت منه وسمعتها بأذنى، إذ كان من حسن حظى أن تعرفت عليه شخصيا، ودعانى إلى بيته أكثر من مرة، وقبل دعوتى للمجىء إلى بيتى مرة أو مرتين.

قرأت له مثلا مقالا بديعا فى رثاء عبدالحليم حافظ، نشره فى جريدة كويتية عندما كان مقيما فى الكويت فى منتصف السبعينيات، بيّن فيه العلاقة بين ظاهرة عبدالحليم حافظ وبين ازدهار ثورة يوليو، وأذكر له تعليقه على رأى بالغ السخافة عبّر عنه أستاذ جامعى فى أوائل الثمانينيات ودعا فيه إلى بيع قناة السويس لتسديد ديون مصر.

ولم يكتف بهاء بالسخرية من هذه الدعوة بل اتصل ببعض الاقتصاديين المصريين الذين لهم مثل رأيه ليكتبوا ردودا على فكرة البيع هذه، وترك لهم عموده اليومى فى الأهرام ليعبروا فيه عن رأيهم.

قرأت له نقدا أدبيا رائعا يشيد فيه بأول جزء من ثلاثية نجيب محفوظ (بين القصرين) عندما ظهر فى 1958، وتحليلا لفيلم جميل لفاتن حمامة، وإشادة بأغنية جميلة لمحمد عبدالوهاب ظهر أنها كانت آخر أغانيه (من غير ليه). كما كتب يشيد بسيدة مصرية (عزة فهمى) بدأت مشروعا ناجحا لاستلهام التراث المصرى والعربى فى إنتاج حلىّ وتحف فنية.. إلخ.

كان يعرف جيدا مصادر القوة الحقيقية لدى المصريين، كما كان يعرف العوائق الحقيقية التى تحول دون ظهورها، فاستخدم الوسائل المتاحة له لإزالة بعض هذه العوائق.

من أجمل القصص التى سمعتها عنه ما حكاه صلاح جاهين عنه، إذ كان أحمد بهاء الدين رئيسا لتحرير صباح الخير، عندما دخل عليه صلاح جاهين بأبيات قليلة أصبحت فيما بعد جزءا من رباعياته الشهيرة، وكان يريد أن يعرف رأى بهاء فيها وما إذا كانت صالحة للنشر. فإذا ببهاء يقول له إنه يريد أن يأتى له برباعية من هذا النوع كل أسبوع، فتشجع صلاح جاهين ونشرت الرباعيات.

ما المناسبة للكتابة عن أحمد بهاء الدين الآن؟ المناسبة أنه منذ أسبوعين (9 ديسمبر) افتتح مركز ثقافى فى قرية صغيرة من قرى محافظة أسيوط اسمها الدوير، يحمل اسم أحمد بهاء الدين. القرية تقع على بعد 70 كيلومترا جنوبى مدينة أسيوط، ومن ثم فهى تقع فى بداية منطقة من أفقر مناطق مصر، تشمل الجزء الجنوبى من محافظات أسيوط وسوهاج وقنا، وهى القرية التى تنتسب إليها أسرة أحمد بهاء الدين.

فالرجل نشأ فى أسرة بسيطة للغاية، ولكنه أصبح من ألمع رجال مصر ومن أكثرهم تأثيرا فى الحياة الثقافية المصرية والعربية. لم يكن هناك أى شىء لا فى أسرة بهاء، ولا فى البيئة المحيطة به، ولا فى مصر كلها، ولا فى ذلك الوقت بالذات الذى ولد فيه، أى شىء ينبئ بأن هذا الطفل سوف يكون له شأن كبير.

ولكن الله منحه عقلا جبارا، وحب استطلاع لا يقاوم، ورغبة شديدة فى الفهم دفعاه إلى القراءة المستمرة. وهبه الله أيضا حسّا خلقيا عاليا وشعورا قويا بالواجب، دفعاه إلى التعبير عما فهمه من قراءاته ومشاهداته بالكتابة المستمرة.

بدأ الكتابة والنشر قبل أن يبلغ العشرين فى مجلة أدبية محدودة الانتشار (الفصول) ثم وجد من اكتشف موهبته ففتح الباب له لانتشار أوسع. لا بأس إذن من تقديم المساعدة لآلاف الموهوبين المصريين (أم هم مئات الآلاف أم ملايين؟) المنتشرين فى مختلف القرى والمدن المصرية، ولا يجدون الفرصة لإشباع حب الاستطلاع والرغبة الشديدة فى الفهم اللذين حباهم الله بهما.

وما أجمل أن تقوم بذلك أسرة أحمد بهاء الدين وأصدقاؤه، وكأنهم بذلك يردون الجميل لهذه القرية الصغيرة (الدوير)، فإذا بهذه الأسرة الجليلة (السيدة ديزى وليلى وزياد) تكوّن مع مجموعة من أصدقائه جمعية باسم جمعية أصدقاء أحمد بهاء الدين، تحصل على دعم مالى من بعض الشخصيات العربية المرموقة والتى حباها الله بالقدرة على تقديم هذا الدعم، وبالحس السليم للتمييز بين ما يجدر وما لا يجدر بهم الانفاق عليه

(عبدالمحسن قطان وكمال الشاعر)، وتفتقت أذهانهم عن هذه الفكرة الرائعة: فكرة إنشاء مركز ثقافى يحمل اسم أحمد بهاء الدين، ويقام على قطعة أرض صغيرة فى قرية الدوير، ويشتمل على مكتبة للإعارة، ضمت إليها مكتبة أحمد بهاء الدين نفسه، ومكتبة أخرى تبرع بها مفكر مرموق (محجوب عمر) كنواة لتكوين مكتبة شاملة عن القضية الفلسطينية، بالإضافة إلى حجرات لتعليم الكومبيوتر، ولممارسة مختلف الهوايات الثقافية، كالتمثيل والموسيقى والفنون التشكيلية، وصالة عرض سينمائى.. إلخ.

ذهبنا لحضور حفل افتتاح هذا المركز، فشاهدنا أشياء جميلة جدا: المبنى نفسه، وأفكار المهندسة المعمارية المصرية الموهوبة، التى أدت إلى استخدام هذه القطعة الصغيرة من الأرض هذا الاستخدام الرائع لإتاحة أكبر قدر من الفرص أمام شباب القرية وأطفالها، وشباب وأطفال القرى المجاورة، لقضاء وقت سعيد وإشباع ما لابد أن يكون لبعضهم من نهم إلى المعرفة ورغبة قوية فى الفهم، وعلى أمل أن يكون من بينهم أيضا من لديه نفس الرغبة القوية التى كانت لدى أحمد بهاء الدين فى تحقيق النفع للآخرين.

الجمعة، 24 ديسمبر 2010

أليس فينا شخص واحد رشيد؟

الشروق - الجمعة 24 ديسمبر 2010

الأرقام التى تناقلتها وسائل الإعلام عما تزمع دولة قطر إنفاقه من أجل استضافة بطولة كرة القدم على أرضها فى سنة 2022، أى بعد اثنى عشر عاما، أرقام مذهلة تجبر من يقرؤها أو يسمعها على التفكير فى مغزاها.

الأرقام غير عادية فى ضخامتها، ومع ذلك فالمشروعات التى سوف تنفق عليها لا يمكن اعتبارها ضرورية بأى معنى من المعانى. فهى لا تلبى حاجات أساسية لأى شعب، لا لشعب قطر ولا لأى شعب عربى آخر، أو غير عربى، بل كلها لتقديم خدمات كمالية للغاية وترفيه من السهل الاستغناء عنها. نعم، الرياضة استولت على عقول الناس، وأصبحت تثير حماس البشر فى كل مكان، وتقدم الخصومات ويحتدم الخلاف حولها، بل وقد يتقاتل الناس بسببها. وأبطالها أصبحت أسماؤهم على كل لسان، مثل أشهر نجوم السينما وأكثر، ويتقاضون رواتب ومكافآت خيالية، ويقطع الناس مسافات طويلة لمشاهدتهم. لقد أصبحت الرياضة غرام الناس فى كل مكان، ومصدرا مهما من مصادر فخر الأمة بنفسها، ولكن كل هذا لا يحولها إلى ضرورة من ضروريات الحياة، بل إن كل هذا ليس إلا مظهرا من مظاهر عالم الجماهير الغفيرة، حيث تزداد أهمية الشخص كلما زادت جماهيريته، وكلما زاد حضوره الإعلامى، ويصبح المرء مشهورا بأنه فقط مشهور، ويزيد حماس الناس لمجرد وجودهم بين أناس متحمسين..إلخ. فإذا كان الأمر كذلك، ولم تكن هذه المباريات ضرورة من ضروريات الحياة، فما الذى يفسر هذا الاستعداد من جانب أى دولة لأن تنفق عليها هذه المبالغ الخيالية؟

لكل دولة دوافعها. قد تكون الدولة طامعة فى تحسين صورتها أمام العالم بعد أن تعرضت سمعتها للخدش بسبب أو آخر، أو راغبة فى تدشين عهد جديد من الانفتاح على العالم، أو فى كسب أموال كثيرة مما ينفقه القادمون للتفرج على المباريات أو مما تنفقه الشركات على الإعلان للافادة من كثرة عدد المتفرجين. وقد يكون الدافع مجرد الحصول على اعتراف من العالم بأن الدولة قادرة على عمل اللازم لاستضافة هذا الحدث الكبير، أو لمجرد الشهرة. قد تكون هناك دوافع من هذا النوع وراء الجهد الكبير الذى بذل من أجل أن تفوز دولة قطر بهذا النصر المبين، ولكنى أستشف أسبابا أخرى لا توجد فى حالة أى دولة أخرى من الدول التى استضافت المونديال من قبل. قد يسهل فهم هذه الأسباب إذا رجعنا إلى فترة سابقة من التاريخ.


عندما حدثت فى سنة 1973، أى منذ ما يقرب من أربعين عاما، تلك الزيادة الكبيرة والمفاجئة فى أسعار البترول، إذ تضاعفت أسعاره عدة مرات فى شهور قليلة، تدفقت الأموال على دول الخليج الغنية بالبترول بمعدلات غير معهودة من قبل. وحيث إن معظم هذه الدول صغيرة جدا، وعدد سكان كل منها، بل كلها مجتمعة، صغير جدا أيضا، ظهر أن ما تدفق عليها من أموال أكبر بكثير من حاجتها، وثار السؤال عما هى صانعة بكل هذه الثروة المفاجئة. أذكر أن مصريا وطنيا مرموقا (هو المرحوم الدكتور إبراهيم شحاتة) كتب مقالا عقب هذه الزيادة الكبيرة فى أسعار البترول بعنوان «فرصة العرب الأخيرة، (نشر فى مجلة العربى الكويتية)، وقال فيه إن هذه الزيادة الكبيرة فى إيرادات العرب تسمح لهم بتحقيق الكثير من الآمال التى يحملونها منذ فترة طويلة، فى تحقيق تنمية اقتصادية سريعة وحل مشاكل اجتماعية مزمنة منعهم الفقر من حلها. كتب إبراهيم شحاتة هذا الكلام فى وقت كانت فكرة «القومية العربية» مازالت حية فى الأذهان، وكان من الممكن للمرء أن يتصور أن تساهم أموال دولة غنية، كالكويت أو الإمارات، مساهمة كبيرة فى حل مشاكل دول عربية أخرى فقيرة، كمصر أو السودان.

كم تغير الحال الآن، وكم ضعفت الذاكرة، وكم نسى العرب أنهم كانوا فى يوم من الأيام ينظرون إلى أنفسهم كأمة، ويتوقون للوحدة العربية كهدف.

الآن أصبحت أموال الكويت للكويت، وأموال دبى لدبى، وأموال قطر لقطر، نعم، قد تتبرع دولة خليجية ثرية لدولة عربية فقيرة أو تقرضها بشروط ميسرة، ولكن هذا يحدث أيضا بين دول لا تنتمى إلى أمة واحدة. الذى فقدناه هو هذا الشعور بأن أموال النفط يمكن النظر إليها على أنها أموال العرب، وأن الثراء المفاجئ الذى يأتى لدول النفط العربية، يمكن أن يمثل فرصة جديدة للعرب، سواء كانت فرصة أولى أو أخيرة.

الذى حدث هو بالطبع أن هذه الفرصة الأخيرة قد ضاعت، وقد ساهم فى ضياعها عوامل كثيرة، داخلية وخارجية، ولكن من أهم أسباب ضياعها هو ما اخترعه الغرب من أفكار ونظريات ساعدت على تخدير العرب تمهيدا للاستيلاء على أموالهم.

من هذه الأفكار ما أخذ يردده المحللون فى الغرب والمؤسسات الدولية الخاضعة لرأس المال الغربى، من أن دول النفط الثرية فى الخليج ذات قدرة محدودة للغاية على استيعاب هذه الثروة الجديدة.

كثر الكلام فى تلك الفترة عن الطاقة أو القدرة الاستيعابية، ويقصد بها قدرة دولة ما، على الإفادة من استثمارات جديدة فى أرضها، وهى قدرة تتوقف على أشياء كثيرة، منها حجم السكان (ومن ثم حجم السوق)، ومدى تقدم المرافق العامة (أو البنية التحتية)، ومدى توافر عوامل الإنتاج الأخرى التى تتضافر مع رأس المال فى أى استثمار: كالأراضى الزراعية، والمواد الأولية الضرورية، والقوة العاملة المدربة، والمديرين الأكفاء. فإذا كانت الدولة، مثل معظم دول الخليج العربية، رغم ثرائها برأس المال المتولد من تصدير البترول، صغيرة جدا فى حجم السكان، وتفتقر بشدة إلى القوة العاملة المدربة (بل وحتى القوة العاملة غير المدربة)، وإلى الموارد الطبيعية الأخرى غير النفط، كالأراضى الزراعية، فضلا عن قسوة المناخ السائد فيها مما قد يثبط من عزيمة المستثمر والعمال على السواء، فلابد أن يؤدى كل هذا إلى ضعف «الطاقة الاستيعابية»، أى قلة الفرص المتاحة لاستثمار فوائض رأس المال استثمارا مجزيا.
فإذا كان الأمر كذلك، فالحل الوحيد (الذى تفتق عنه الاقتصاديون والمحللون فى الغرب) هو إعادة تدوير هذه الأموال (recycling) فما معنى هذا بالضبط؟ معناه تحويل هذه الأموال الهائلة إلى الدول الغربية، أى إلى بنوكها وسنداتها وفرص الاستثمار فيها، فهنا تتوافر القدرة أو الطاقة الاستيعابية بمعنى الكلمة.

لم تتفتق أذهان المحللين فى الغرب بالطبع، عن أن من الممكن أن يجرى تحويل (أو تدوير) هذه الأموال الهائلة من دول الخليج الثرية إلى الدول العربية الأخرى الفقيرة، مع أن هذه الدول الفقيرة لها قدرة استيعابية هائلة على استخدام هذه الأموال. ذلك أن المهم فى نظر هؤلاء المحللين أن تستولى الدول الغربية وشركاتها على هذه الأموال، وتسحبها من أيدى هذه الدول العربية الصغيرة. إذ لماذا انشئت هذه الدول العربية الصغيرة أصلا؟ ولماذا رسمت الحدود فيما بينها بحيث تقع آبار النفط فى هذه الدول العربية دون تلك؟ ولماذا لم يسمح لهذه الدول العربية الصغيرة بأن تكون مع الدول العربية الأكبر منها دولة واحدة كبرى، لها قدرة استيعابية كبرى، وتستطيع التفاوض باسم الجميع مع كل من يريد البيع لها أو الشراء منها؟ كل هذا كان ممنوعا وغير مرغوب فيه، ولكن لا مانع فى نظرهم، بل من المرغوب فيه، أن تظل كل دولة من هذه الدول العربية الصغيرة مفتونة بنفسها، وبعلمها وسلامها الوطنى وقناتها التليفزيونية الخاصة، ومعقدها الخاص فى الأمم المتحدة، وأن تظن أنها دولة مستقلة استقلالا حقيقيا، وأن تظفر، مثل أى دولة أخرى، بحق إقامة مباريات المونديال على أرضها. بل وقد يخطر ببالها أنها، إذا حظيت بهذا الشرف، إنما تجلب الشرف أيضا للعرب أجمعين.


خطرت بذهنى هذه الخواطر، وتذكرت الكلام عن الطاقة الاستيعابية الذى دار منذ أربعين عاما، عندما قرأت الأرقام التى تداولتها وسائل الإعلام عما تعتزم دولة قطر انفاقه استعدادا لإقامة المباريات على كأس العالم فى كرة القدم على أرضها فى سنة 2022.

الرقم الاجمالى هو مائة بليون (أى مائة ألف مليون) دولار. وهو رقم كبير جدا كان يكفى لحل مشاكل كثيرة اقتصادية واجتماعية للفقراء المنتشرين فى البلاد العربية، وكان من الممكن تكليف بعض الاقتصاديين العرب بوضع خطة لاستثمار هذا المبلغ فى تخفيف حدة البطالة العربية مثلا، بإنشاء مشروعات صغيرة تخلق للمتبطلين فرص عمل مجزية مدى الحياة.

ليس من الصعب على الاقتصاديين العرب إعداد «ملف» جيد عن موضوع كالبطالة مثلا، مثلما كان من السهل على المختصين بكرة القدم إعداد ملف جيد عن المطلوب لإقامة مباريات المونديال. كما أنه ليست هناك مشكلة فى توافر القدرة الاستيعابية لدى البلاد العربية الفقيرة اللازمة لإقامة هذه المشروعات الصغيرة.

ليست هناك مشكلة فى هذا أو ذاك. المشكلة فقط أن المستفيدين من هذه المشروعات ليسوا هم المقاولين الأوروبيين أو الأمريكيين، ولا الشركات الغربية التى ستقوم بتصميم وتنفيذ الملاعب التسعة الجديدة المكيفة، لوقاية اللاعبين والمتفرجين من حرارة الصيف فى قطر التى تصل إلى أكثر من 50 درجة مئوية، فضلا عن انشاء استاد جديد لمبارتى الافتتاح والختام اللتين سوف تقوم باذاعتهما بالطبع، محطات تليفزيويات العالم، وتعلن من خلالها مختلف الشركات المتعددة الجنسيات عن بضائعها التى لا يحتاج إليها أحد، فضلا عن الشركات التى ستقوم بإنشاء شبكة سكة حديد جديدة فى قطر التى لا يزيد سكانها (القطريون والأجانب) على 1.3 مليون شخص، ولا تحتاج إلى أى سكة حديد، وإنشاء مطار جديد يتسع لخمسين مليون راكب سنويا، وفنادق حتى تصل الطاقة الفندقية على الاستيعاب إلى 95 ألف غرفة بحلول 2022..إلخ.

لا يشك أحد الآن فى أن قطر لديها القدرة على استيعاب هذه الاستثمارات كلها، وإن لم تكن لديها مثل هذه القدرة قبل الموافقة على إقامة المونديال على أرضها. والمهم فى نهاية الأمر، فى تحديد ما إذا كان لديك أو ليس لديك قدرة على استيعاب كل هذه المشروعات والفنادق والمطارات والسكك الحديدية، ليس هو ما إذا كان لديك عدد معقول من السكان، أو يزورك فى كل عام من السياح عدد يحتاج إلى هذا العدد الغفير من غرف الفنادق، بل المهم هو أن يكون فى العالم عدد كاف من المستفيدين الأثرياء من بناء كل هذه الملاعب والفنادق والمطارات. وليذهب العرب، فقراؤهم وأغنياؤهم إلى الجحيم.

الجمعة، 17 ديسمبر 2010

أفراح قطر..وأحزان المصريين

الشروق - الجمعة 17 ديسمبر 2010

كانت صورة أمير قطر والسيدة قرينته، التى نشرت عقب إعلان فوز قطر باستضافة مباريات كأس العالم فى سنة 2022، صورة مبهجة حقا، إذ ارتسمت على وجهيهما علامات فرح حقيقى بما أحرزته بلادهما من نصر تتمنى الحصول عليه أى دولة فى العالم.

كذلك كانت الصورة التى نشرت لآلاف القطريين الذين خرجوا إلى الشوارع يهللون ويرقصون احتفالا بهذا النصر العظيم، مؤثرة أيضا، إذ ارتسمت على الوجوه سعادة حقيقية لا تشوبها شائبة.

كان خبر الفوز مدهشا، وإن لم يكن مدهشا تماما. فقطر دولة صغيرة جدا، لا يزيد إجمالى حجم سكانها على سكان حى صغير من أحياء القاهرة، وأكثر من ثلاثة أرباع سكانها من غير القطريين، جاءوا إلى قطر لكسب الرزق وسوف يعودون عاجلا أو آجلا إلى بلادهم.

وقطر دولة صغيرة العمر جدا، لم تحصل على استقلالها إلا فى سنة 1971، ومن ثم فتاريخ الدولة ومؤسساتها الحديثة قصير جدا. كل هذا يجعل فوزها فى منافسة كان من بين أطرافها دول كالولايات المتحدة وبريطانيا، مدهشا حقا.

نعم، قطر من أغنى دول العالم، بل هى أغناها طرا، إذ استثنينا دويلة لا يكاد يسمع بها أحد (ليشتنشتاين، عدد سكانها لا يتجاوز 35 ألف شخص)، إذا قيس ذلك بمتوسط دخل الفرد، وليس بالحجم الكلى للدخل، إذ إن إيرادات قطر الضخمة من البترول والغاز الطبيعى، إذا قسمت على العدد الصغير من السكان (1.3 مليون) لابد أن تجعل دخل الفرد فى المتوسط مرتفعا جدا.

وقد سمح هذا الثراء النادر لقطر بأن تفعل أشياء لا تقدر عليها دولة كمصر، أقدم وأعرق منها بكثير، وذات تاريخ ثقافى عظيم، لأن متوسط الدخل فيها أقل من 2٪ (اثنين فى المائة) منه فى قطر.

لهذا وذاك كان خبر فوز قطر مدهشا جدا وغير مدهش فى نفس الوقت. مدهش لأنها دولة صغيرة جدا، وغير مدهش لأنها دولة غنية جدا، فلنهنئ القطريين إذن، فهم أشقاؤنا وجزء من الأمة الكبرى التى ننتمى إليها، ولكننا يجب ألا نذهب إلى الحد الذى ذهب إليه كثير من التعليقات، بالمبالغة فى عظمة القطريين وكفاءتهم، أو العودة إلى اللطم والنحيب وتعذيب النفس بإعادة ذكر قصة الصفر الشهير، الذى حصلت عليه مصر منذ سنوات قليلة عندما تقدمت فى منافسة مماثلة على استضافة مباريات كأس العالم، ففشلت فشلا ذريعا، كما يجب ألا نبالغ أيضا فى اعتبار ما حصلت عليه قطر من نصر نصرا للعرب أجمعين، بل ولا حتى فى تصوير هذا الانتصار نفسه وكأنه انتصار فى معركة حربية حاسمة أو يعادل تحقيق إنجاز علمى أو تكنولوجى عظيم، كالوصول إلى القمر مثلا، أو اكتشاف علاج لمرض خطير.

كانت التعليقات التى من هذا النوع كثيرة جدا، بعضها مدفوع بالرغبة فى تملق القطريين، كما يحدث كثيرا أن يتملق الفقير رجلا غنيا ويبالغ فى الثناء عليه أملا فى تحقيق بعض النفع من وراء ذلك. ولكن بعض هذه التعليقات كان بدافع البحث عن سبب للفرح فى وقت قلّت فيه أسباب الفرح، أى من نوع ما يعبّر عنه المثل المصرى الظريف «القارعة تتباهى بشعر بنت أختها».

وبعضها الآخر إمعان فى التلذذ بتعذيب النفس، وهى أيضا عادة يمارسها المصريون منذ مدة طويلة، وكأن المبالغة فى تعذيب النفس تكفّر عن سيئاتها ويغفر لها ذنوبها. والحقيقة أن هناك أسبابا مهمة لرفض كل هذه الأنواع من التعليقات.

لا غضاضة فى الاعتراف بأن القطريين قد أجادوا الاستعداد للمنافسة التى فازوا فيها، فدخلوها «بملف ممتاز» (إذ هذا هو الاسم الذى يطلق على حيثيات الترشح لاستضافة المباريات)، ومن ثم أثبتوا أنهم يعرفون ما يطلبه العالم من الدولة المضيفة، وقدموا مبررات مقنعة لإثبات أنهم قادرون على تلبية هذه الطلبات وفى الموعد المحدد. وهذا فى حد ذاته يعطى القطريين الحق فى الفخر بأنفسهم، ولكننا يجب أن نحذر من الاسترسال فى الثناء عليهم لهذا السبب، إذ يجب ألا نبالغ فى أهمية الكفاءة البشرية فى مثل هذه الأمور بالمقارنة بالكفاءة المالية.

ذلك أنه ليس من الصعب فى الحقيقة على أى دولة أن تحيط علما بالأعمال الواجب إنجازها لاستضافة هذا العدد الكبير من الرياضيين، فى مختلف أنواع الرياضة، والآتين من مختلف أنحاء العالم، وتحديد المطلوب توفيره من الخدمات اللازمة للآلاف التى لابد أن تصحبهم، من مدربين وفنيين ومشجعين، ولتوفير البنى الأساسية اللازمة للمباريات ووسائل الراحة والانتقال، وتوفير الأمن للجميع..الخ.

فإذا لم تتوافر الكفاءات البشرية اللازمة للتخطيط لهذا الحدث الكبير وتنفيذه، فإن القدرة المالية تكفى عادة لتوفير الكفاءات البشرية، من الداخل والخارج إذا لزم الأمر.

لابد أن سمعة دولة قطر المالية قد وفرت لها ثقة العالم الخارجى فى قدرتها على تنفيذ اللازم لاستضافة هذا الحدث الكبير بنجاح، وهو شىء جدير طبعا بأن يجلب الغبطة للنفس، ولكننا يجب أن نعترف بأن مصدر القوة الحقيقى فى هذه الحالة، مالى أكثر منه بشريا، وأموال النفط هى فى نهاية الأمر عطاء من الله يُشكر الله عليه، أكثر منها ثمرة للجهد والتضحية التى تجلب الثناء للبشر.
إذا كان الأمر كذلك، فإن فشل مصر فى الحصول على هذا النصر الذى حصلت عليه قطر، وإن كان يدعو بالطبع للأسف، يجب ألا يؤدى إلى المبالغة فى الابتئاس. مصر دولة فقيرة وإمكاناتها الاقتصادية محدودة، ومن ثم فقدرتها على الإنفاق على الأعمال الضرورية للمونديال محدودة أيضا.

ومصر تعرف ذلك، والعالم أيضا يعرفه. ومشاكل مصر الاجتماعية كثيرة أيضا، بحكم فقرها من ناحية، وحجم سكانها من ناحية أخرى، وهذا يجعل قدرتها على توفير وسائل الراحة والانتقال، بل وحتى المحافظة على الأمن، أقل بكثير من قدرة دولة صغيرة الحجم والسن مثل قطر. كل هذا يدعو إلى الأسف، ولكن يجب ألا أن يؤدى إلى تعذيب النفس على النحو الذى رأيناه فيما نشر من تعليقات على «صفر المونديال» الشهير.

إن وزير الشباب المصرى، وقت حصولنا على هذا الصفر، حُمّل فى رأيى بذنب أكبر بكثير مما يجب. فالرجل فى نهاية الأمر كان وزيرا للشباب فى دولة مثقلة بالأعباء الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فلم يكن من العدل أن نحمّله المسئولية عن الماضى والحاضر والمستقبل.

إن خطأه الأساسى فى رأيى، فى هذه المسألة، هو أنه تظاهر طوال الوقت بإمكانية النجاح عندما كل الفشل مؤكدا، ومن ثم استحق جزءا مما وجه إليه من لوم، ولكن ليس كله.
أما تصوير الفوز بحق استضافة هذه المباريات وكأنه هو النصر المبين، والدليل الذى لاشك فيه على انضمام الدولة الفائزة إلى عداد «الدول المتقدمة»، بكل ما يعنيه هذا الوصف من دواعى الفخر، فهو أيضا موقف خاطئ علينا تجنبه. إننى لا أنكر أن الفوز بثقة العالم بقدرتك على تنظيم هذا الحدث الضخم، يتوقف على ما حققته بالفعل من تقدم فى أمور كثيرة، من ارتفاع مستوى المرافق العامة، إلى انسياب المرور، إلى استتباب الأمن ...الخ، وكلها أشياء محمودة ومن معالم «تقدم الأمم»، ولكن معظمها ينتمى فى نهاية الأمر إلى المظاهر المادية للتقدم، والمفترض أن التقدم يعنى أشياء أخرى بالإضافة إلى ذلك.

إن دولة كـ«لوكسمبورج» مثلا، التى لا يزيد عدد سكانها عن نصف مليون شخص، ويزيد متوسط الدخل فيها عنه فى الولايات المتحدة، تعتبر دائما من بين «الدول المتقدمة» ولكننا لم نسمع منذ فترة طويلة (أو على الإطلاق) على أديب كبير ظـهر فى لوكسمبورج، أو عن اكتشاف علمى خطير توصل إليه واحد من أهلها، أو موسيقى فذ ولد على أرضها، أو أفلام عظيمة أنتجتها..الخ. كل هذا أحرزته مصر. أنتجت الأدباء العظماء، وتوصل بعض أبنائها إلى اكتشافات علمية خطيرة، وأنتجت موسيقيين أفذاذا، وأفلاما عظيمة، وهى تلك الدولة الفقيرة جدا والمكتظة بالسكان. وهو شىء لم تستطع أيضا تحقيقه دولة صغيرة مثل قطر. بل إن هذه الدولة الصغيرة (والعزيزة علينا مثل سائر الدول العربية) مدينة لمصر والمصريين بأشياء كثيرة مهمة، يعرفها المصريون ولا ينكرها القطريون، ولكنها تُنسى عادة فى غمار الحماس للفوز باستضافة المونديال.

من المفيد إذن أن نذكّر أنفسنا (ولو كان فى هذا شبهة المنّ) بأن جامعة قطر مثلا، تدين بتقدمها (بل وبوجودها نفسه) للأساتذة المصريين، وقناة الجزيرة القطرية مدينة بجزء كبير مما حققته من نجاح لمساهمة المثقفين والفنيين والمذيعين المصريين، وقل مثل هذا عن الصحافة القطرية والقانون والقضاء فى قطر، والعمارة القطرية..الخ.
إلى هذه الدرجة إذن، تدين قطر والقطريون لمصر والمصريين، ولكن الفوز بحق استضافة المونديال يذهب لقطر وليس لمصر. القصة الكاملة لا تمنعنا من الفرح لقطر، ولكن من الطبيعى أن يؤدى تذكرها إلى إثارة بعض الحزن لدى المصريين.

الجمعة، 10 ديسمبر 2010

المصريون والانتخابات

الشروق - الجمعة 10 ديسمبر 2010

كل من عرف المصريين وعاشرهم، يشهد لهم بأنهم شعب خفيف الظل، وكل من عرفت من العرب، من غير المصريين، يشهد للمصريين بذلك دون تردد. بل وكثيرا مالاحظت على أفراد من شعوب أخرى، عربية وغير عربية، الاستغراب مختلطا ببعض الإعجاب من استعداد المصرى الفطرى لرؤية الجانب المضحك فى أى موقف، واكتشاف موضع السخرية حتى فى أكثر المواقف جدية.

كان لى صديق أمريكى يعشق مصر عشقا، ويجيد العامية بدرجة يندر أن تجدها فى أجنبى غيره، وكتب بعض الكتب عن الاقتصاد والسياسة فى مصر، جمع لأحدها مجموعة من الصور التى وجدها تعبر عن الحياة فى مصر وعن شخصية المصريين، ووضع تعليقا مناسبا تحت كل صورة. كانت احدى هذه الصور لسيارة اتوبيس تسير فى احد شوارع القاهرة، وهى تميل بشدة إلى الجانب الذى يوجد به بابا الصعود والنزول(كما نلاحظ على كثير من اتوبيسات مصر) وهى مائلة بسبب كثرة عدد الواقفين على السلمين الأمامى والخلفى، بل ظهر أحد الواقفين على السلم وكأن معظم جسمه يتدلى خارج الاتوبيس، من شدة الازدحام ولكنه تعلق بمقبض اليد بأعجوبة، واستطاع أن يحتفظ بتوازنه حتى ليظن من يشاهده أن جسم الاتوبيس به مادة ممغنطة تجعل الركاب يلتصقون به دون حاجة للإمساك بأى شىء فيه.

المدهش فى الصورة أن هذا الشاب الذى يبدو من ملابسه وموقعه هذا انه متواضع الدخل، والذى يقع جسمه داخل الاتوبيس وخارجه فى نفس الوقت، كان يبتسم ابتسامة عريضة لمن كان يلتقط الصورة وكأنه أسعد رجل فى العالم، مما دفع صديقى الأمريكى إلى وضع التعليق التالى تحت الصورة: «ما الذى يضحكه بالضبط؟».

إننى أذكر جيدا كيف استقبل المصريون الهزيمة العسكرية الشنيعة وغير المتوقعة بالمرة فى يونيو 1967، وأذكر ما أصاب المصريين من مختلف الطبقات من حزن شديد وإحباط، ولكننى أذكر أيضا كيف دفع هذا الحادث الفظيع المصريين إلى إطلاق عدد كبير من النكات والتعليقات الساخرة، كانت كلها مملوءة بالمرارة ولكنها كانت مع ذلك تستدر الضحك من كل من يسمعها.

الضحك إذن فعل طبيعى لدى المصريين، والاستعداد الفطرى لاكتشاف موضع السخرية فى أى موقف، سمة من سمات الشخصية المصرية، فمن أين ياترى تولد هذا الاستعداد؟


أظن أن وراء أى سخرية إدراكا للمفارقة بين هذين ويأتى الضحك عادة من لفت النظر إلى هذه المفارقة. والنكتة دائما تتضمن سخرية، أى لفت النظر إلى مفارقة لم تكن واضحة تماما لمن يسمع النكتة لأول مرة، فتأتى النكتة لتوضيحها. المثال المشهور على النكتة الناجحة والسخرية التى تنجح دائما فى استدرار الضحك، افلام شارلى شابلن الصامتة، فهو فى كل هذه الافلام يمثل شخصا صغيرا نحيفا فقيرا ومتشردا، وتتابع مواقف الفيلم التى يتعرض فيها هذا المسكين المتشرد، إما لعداوة شرطى ضخم الجثة يحمل هراوة سميكة، أو ملاكم عملاق يحاول شارلى شابلن أن يهزمه، فينجح فى ذلك بحيلة أو أخرى.. إلخ. وقد كانت مسرحيات وأفلام نجيب الريحانى تقوم أيضا على هذه المفارقات الصارخة، وكانت تستدر الضحك دائما بسبب هذه المفارقات.

هل سبب هذا الاستعداد الدائم للسخرية لدى المصريين هو امتلاء حياتهم الاجتماعية واليومية بالمفارقات الصارخة؟ بين رجل الشرطة والمتسلط والبائع المتجول الذى لا حيلة له، بين الموظف الحكومى المتجبر والمواطن البسيط الذى يحتاج بشدة إلى ختم أو تصريح أو إمضاء.. أى بين صاحب السلطة والشعب المغلوب على أمره؟

قد يكون هذا هو السبب، أو على الأقل واحدا من الاسباب وقد يؤيد هذا ما يلاحظ من أن هذه الصفة الرائعة (أى الاستعداد الدائم للسخرية أوخفة الدم) سمة حضرية أكثر منها ريفية، أى هى أوضح بين سكان المدن منها بين الفلاحين. الفلاح المصرى يضحك من أعماق قلبه ولكنه نادرا ما يبتدع النكتة، وإذا ابتدعها فهى عادة أقل ذكاء وحدة من نكتة «ابن البلد الفهلوى الذى عرك حياة المدينة وعركته».


كان لابد إذن لانتخابات الاسبوعين الماضيين فى مصر، أن تثير تعليقات المصريين الساخرة، وضحكهم المستمر، بما قدمته من مفارقات لم تحظ بمثلها أى انتخابات مصرية سابقة. فقبل الانتخابات بشهور عملت الحكومة على القضاء على أى احتمال للمنافسة، ومن ثم أصبح الخيار الوحيد المطروح هو بين أحمد والحاج أحمد، وفرضت الحكومة على من لم يكن لا هذا ولا ذاك (أى لم يكن أحد ولا الحاج أحمد) وسواء كان ماركسيا سابقا أو ناصريا أو وفديا أو مستقلا، أن يغير اسمه وهويته، وإلا ضُرب أو اعتقل، أو أغلقت جريدته، أو ألغى برنامجه التليفزيونى أو أطلق عليه وصف «المحظور أو المحظورة» أى الممنوع أو الممنوعة من دخول حلبة المنافسة بسبب اصراره على الاحتفاظ باسمه وهويته. منع أيضا أى صحفى يريد أن يغطى وقائع الانتخاب مالم يثق جهاز الامن بأنه لن يصف ما وقع بالفعل، ومُنع المصورون من الاقتراب من لجان الانتخاب وكأنها مواقع عسكرية.. الخ ومع كل هذا لايكتفى الحزب الحاكم بأن يعلن فى هدوء انه فاز بالاغلبية وينتهى الأمر، بل توصف الانتخابات بأنها كانت «معركة شرسة» فاز فيها الحزب الحاكم بسبب شعبيته الجارفة وفرط حب الناس له.. الخ.

رأى المصريون بحق فى كل ما جرى من استعدادات للانتخابات منتهى العبث والاستهزاء بهم، ففضلوا البقاء فى بيوتهم مالم يجبروا على ذلك، ومن ثم انخفض عدد من ذهب للتصويت إلى مستوى أقل بكثير مما كان فى أى انتخابات سابقة، ومع ذلك ظهرت الصورة فى الصحف وعلى شاشة التليفزيون للايحاء بأن الرجال والنساء والأطفال تزاحموا امام لجان الانتخابات لهفة على الإدلاء بأصواتهم فلم تقتصر الصور على رئيس الجمهورية وقرينته ونجليه ورئيس الوزراء والوزراء وهم يدلون بأصواتهم، بل شملت أيضا صورة امرأة فقيرة ذهبت للانتخاب وهى تحمل رضيعها على كتفها إصرارا منها على تأدية واجبها الوطنى، وصورة شيخ عجوز متهالك، يتوكأ على عصاه، سائرا إلى لجنة الانتخاب حرصا منه على إعلان تفضيله الخاص لمرشح دون آخر.. الخ
ظهرت الصحف إذن فى الصباح التالى بالخبر الذى يعرفه الجميع مقدما ولكن تظاهرت الصحف بأنه يحتوى على معلومات جديدة مثيرة للدهشة، إذ عبرت الصحف عن دهشتها، برغم كل ما حدث من أن يحقق الحزب الحاكم انتصارا كاسحا، وألا يحصل حزب معارض على أى صوت تقريبا، وكأن من المدهش أن الجماعة المحظورة، أى المحظور عليها أن تفعل أى شىء، أو أن تحصل على أى شىء، عجزت عن الحصول على أى شىء.


النكتة سخيفة حقا، والمفروض ان تثير الغيظ أكثر مما تثير السخرية، ولكن المصرى لم يستطع كالعادة، أن يمنع نفسه من الضحك، فكان إذا قابل مصرى مصريا آخر فى صباح يوم الانتخاب بادره بالسؤال مبتسما: «لمن ستعطى صوتك؟ فينفجر الآخر ضاحكا دون أن يجيب. أو يسأل شخص صديقه: هل ذهبت لتأديك واجبك الوطنى؟ فينفجر الاثنان بالضحك..الخ

فى وسط هذا كله لابد أن الصور التى التقطت للمسئولين وهم يضعون بطاقات الانتخاب فى الصندوق وتعتلى وجوههم علامات الجدية التامة، قد بدت لقراء الصحف مزيفة تماما، ولكننى لا أشك، بناء على ما أعرفه عن المصريين، فى أن هؤلاء المسئولين أنفسهم، متى اختلى بعضهم ببعض، بعيدا عن الصحفيين والمصورين، لابد أن ينفجروا هم أيضا بالضحك إذ مادام كل هؤلاء المسئولين يعرف جيدا أنهم لا يفعلون أكثر من الضحك على عقول الناس، فهل يجوز أن يضحك أحد المسئولين على زميله الذى اشترك معه فى نفس التمثيلية العبثية؟

هكذا نظر المصريون إلى الانتخابات الأخيرة! تمثيلية عبثية لا بأس من التفرج عليها من بعد، و لكن من الغباوة اخذها مأخذ الجد، ناهيك عن أن تشترك فيها بالترشيح أوالتصويت اذا لم تكن تحقق أى مغنم من ورائها، ولكن هناك عددا قليلا من الناس اصابتهم نتيجة الانتخابات بالصدمة، ولم يروا فيها شيئا مضحكا على الاطلاق، هؤلاء هم الذين فكروا فى البداية فى مقاطعتها، ثم اغراهم الحزب الحاكم بالمشاركة فى مقابل بعض المقاعد القليلة فى المجلس، ثم ظهر، أن الحزب الحاكم كان لديه مخطط آخر لا نعرف سببه حتى الآن، وإن كنا سنعرفه بعد قليل. هذا المخطط الآخر والذى يتضمن احتلالا كاملا من جانب الحزب الحاكم لمجلس الشعب برمته، لايكفى لتفسيره فى رأيى الرغبة فى تمرير عملية التوريث، فالذى يبدو لى هو أنه كان من الممكن جدا تنفيذ عملية التوريث دون الذهاب إلى هذا الحد، بل إن شكل التوريث كان يمكن ان يبدو ألطف وأخف وقعا لو وجد فى المجلس عدد من المعارضين، إذا كان الأمر كذلك، فالطريقة التى أديرت بها الانتخابات الأخيرة لابد أن تثير خوفا شديدا مما يمكن أن يحدث فى المستقبل. نعم ما أكثر ما مر على المصريين من عمليات التزوير فى تاريخهم الطويل، حتى من قبل ان تخترع الديمقراطية وصناديق الانتخاب، ولكن الذى حدث فى هذه المرة يبدو كثيرا بدرجة تزيد على المألوف وأكثر غرابة من المعتاد ومع هذا أليست هذه الغرابة الشديدة، هى نفسها التى تفجر لدى المصريين عادة موهبتهم الرائعة فى اكتشاف سبب جديد للسخرية والضحك؟ 

الجمعة، 3 ديسمبر 2010

عن التحرش الجنسى فى مصر

الشروق - الجمعة 3 ديسمبر 2010

قرأنا فى الصحف الصادرة بعد إجازة العيد، أن الشرطة سجلت من أعمال التحرش الجنسى خلال أيام العيد عدة مئات، ولابد أن أعمال التحرش التى لم تصل إلى علم الشرطة تفوق ذلك بكثير.

ثم سمعت من أستاذ مصرى يقوم بتدريس اللغة العربية لمجموعة من الشبان والشابات الأمريكيين، الذين جاءوا إلى مصر لقضاء عدة شهور فى تعلم اللغة العربية، أنهم مروا بتجربة سيئة للغاية خلال أيام العيد، التى قضوها فى الإسكندرية، فتعرضت الفتيات لهذا التحرش أثناء سيرهن على كورنيش البحر.

كان التحرش أساسا بالكلام البذىء، وكان الشبان المصريون يظنون خطأ أن الفتيات لا يفهمن العربية، ولكن التحرش تجاوز الكلام البذىء، وشعرت الفتيات كما شعر الشاب الأمريكى المرافق لهن بضيق وغضب شديدين، ولكنهم لم يعرفوا كيف يتعاملون مع جمهور من الشباب المصرى الذين يشجع بعضهم بعضا، ولا يبدون وكأنهم يكترثون بأى شىء.

بعد انقضاء الإجازة بأيام قليلة رأيت فى بعض الصحف المصرية صورة مدهشة، وهى صورة وزيرة شئون السكان والأسرة، وهى وزارة حديثة فى مصر، وهى تقود مظاهرة صغيرة (أظن أنها كانت، كما يبدو من الصورة، داخل أسوار جامعة القاهرة) وإلى جانبها سيدتان فاضلتان تحتلان مركزين مهمين يتعلقان بالتعليم والسكان، ويحيط بهن عدد قليل من النساء والرجال يحملون بعض اللافتات، وقرأت تحت الصورة أن المظاهرة كانت احتجاجا على التحرش الجنسى.

اعتبرت القيام بمظاهرة من هذا النوع أمرا مدهشا، لاعتقادى أن المشكلة أعقد بكثير من أن تساهم مظاهرة فى حلها، بل وأعقد بكثير أيضا من أن تستطيع حلها المؤسسات الثلاث التى ترأسها أو تعمل بها السيدات الثلاث الفاضلات، إذا لم تعضدها سياسات تتخذها وزارات ومؤسسات أخرى كثيرة، وتستمر فاعليتها مدة طويلة من الزمن، تقارب فى طولها المدة التى انقضت منذ بدأ هذا التدهور المريع فى أحوال الشباب والمجتمع المصرى، وأدى فى النهاية إلى ظاهرة التحرش الجنسى، بالدرجة التى شهدناها فى الأيام الأخيرة، وظواهر أخرى شبيهة بها، فما الذى حدث بالضبط وأدى إلى هذه النتيجة؟

ظللت لمدة أطول من أربعين عاما أعتمد على مترو حلوان للوصول إلى مكان عملى. كنت أركبه أولا إلى محطة باب اللوق، ثم بعد عشرين عاما (بعد أن تحول إلى مترو الانفاق) إلى ميدان التحرير. ثم توقفت عن ذلك منذ أربع أو خمس سنوات عندما أصبح من الصعب على أن أصعد 76 درجة من درجات السلم فى محطة ميدان التحرير (أو السادات) التى تقودنى إلى الشارع.

ظل هذا المترو طوال هذه المدة أفضل وسيلة فى نظرى للوصول إلى ميدان التحرير. ففى العشرين سنة الأولى (من منتصف الستينيات إلى منتصف الثمانينيات)، لم يكن يعيبه إلا ما كان يطرأ عليه فى فترات معينة من اليوم من ازدحام شديد، وهى فترات خروج عمال المصانع من حلوان ثم من ثكنات المعادى، فيصبح حتى الوقوف أمرا صعبا، كما يصبح الخروج من القطار فى المحطة التى تريد النزول فيها أمرا غير موثوق به. بل قد يضطرك الازدحام الشديد، ورغبة بعض الركاب فى النزول فى محطة غير التى تريد النزول فيها، إلى النزول معهم إلى الرصيف بالرغم منك، مدفوعا بضغط الأجسام البشرية. ولكن كانت هذه مشكلة بسيطة يمكن تجنبها بتجنب أوقات خروج العمال.

بتحول المترو إلى مترو الأنفاق، بما صحبه من زيادة عدد العربات وتقصير المدد بين القطارات، خفت بشدة مشكلة الازدحام ولكنى فوجئت قبل سنتين أو ثلاث من توقفى شبه التام عن ركوب المترو، بظهور مشكلة جديدة ليس فقط على، بل وأيضا على مصر. فأثناء العودة من ميدان التحرير يفاجأ الركاب فى بعض المحطات، كالسيدة زينب أو الملك الصالح، بصعود عدد كبير من الصبية والشبان الصغار، فى بداية أو منتصف سن المراهقة، إلى عربات المترو وهم يرتدون الزى المدرسى، ويحملون بعض الحقائب، ولكن ملابسهم مهلهلة للغاية، وحقائبهم وأحذيتهم فى حالة يرثى لها، فإذا بهم ينتشرون بسرعة فى عربات المترو، ويجرون فى ممراتها غير عابئين بالواقفين فى طريقهم.

ويصيح بعضهم ببعض من أول العربة إلى آخرها، ويلوحون بالأيدى والحقائب، ويتبادلون السباب والصراخ والعبارات البذيئة، مما يثير الرعب بين الجالسين والواقفين من الركاب الآخرين، من الرجال والنساء، العائدين مرهقين من وظائفهم، ولا يستطيعون التكهن بما يمكن أن يصدر من هؤلاء الشياطين الصغار الذين لا يبدو عليهم، وكأن من الممكن أن يوقفهم أحد عند حدهم.

إن أى تأمل بسيط لوجوه وسلوك هؤلاء الصبية الشباب الصغير يبين لك على الفور أنهم مجموعة من الشباب الضائع الذين لم يقم بتربيتهم أحد، لا أسرة ولا مدرسون، ولا يمكن أن يردعهم أحد، لا أب ولا أم ولا ناظر مدرسة، وإن أقصى ما يمكن أن يتلقوه من دروس فى السلوك هو ما يرونه ويسمعونه من التليفزيون الذى تختلط فيه مشاهد الإثارة الجنسية، مع إعلانات السلع المثيرة لرغبات لا يستطيعون تحقيقها، مع أحاديث دينية ومواعظ منبتة الصلة بواقع حياتهم اليومية.

ليس من الصعب بالمرة أن تتخيل ما لابد أن يحدث لهؤلاء الصبية مع تقدمهم فى السن، سواء دخلوا جامعة أو معهدا فنيا أو اشتغلوا فى ورشة أو بالخدمة فى مطعم، أو بوظيفة توصيل الطعام إلى المنازل، أو منادين فى أماكن ركن السيارات، أو فشلوا فى الحصول على أى فرصة من هذه الفرص الرائعة فجلسوا أمام أى تليفزيون فى أى منزل أو حجرة فى إحدى العشوائيات أو فى أى مقهى قريب.

فإذا جاء العيد واستطاعوا بأى طريقة أن يجمعوا بضعة جنيهات وخرجوا إلى الطريق العام، أو ساروا على كورنيش النيل فى القاهرة أو البحر فى الإسكندرية، ما الذى يمكن أن يصنعوه لقضاء الإجازة بنقودهم المعدودة، غير التحرش بالناس؟

وما الذى يمكن أن يردعهم أو يخافوا من فقده، احترام الناس؟ أم حب الأب أو الأم؟ أم عطف الأخ الذى حاول السفر بطريقة غير شرعية إلى إيطاليا أو اليونان بحثا عن عمل، فلم ينجح ورجع خائبا ليجلس أيضا على مقهى أمام التليفزيون؟ أم يخافون من بطش رجال الشرطة الذين لم يعد حالهم أفضل كثيرا من حالهم، فهم أيضا شباب صغير شديدو الهزال وسيئو التغذية، ولديهم نفس ما لدى بقية الشباب من مشاعر الإحباط والسخط على مجتمع لا يبالى فيه أحد بهم؟

هذا هو فيما يبدو لى التفسير الحقيقى لظاهرة التحرش الجنسى فى مصر، وهو تفسير يذكرنا، من بعض النواحى، بقصة يوسف إدريس الشهيرة (أرخص ليالى) التى وصف فيها حالة فلاح صغير معدم، لم يجد أمامه فى نهاية اليوم من وسيلة للترفيه عن نفسه إلا أن يرقد إلى جوار زوجته المنهكة بدورها. هؤلاء الشبان الصغار يبحثون بدورهم فى أيام العيد، عن أرخص وسيلة للترفيه عن أنفسهم من واقع بائس، ولكنها أفظع من الطريقة التى كان يتكلم عنها يوسف إدريس.

لقد مضى على كتابة يوسف إدريس لقصته أكثر من ستين عاما، تضاعف فيها سكان مصر أكثر من ثلاث مرات، وانتقل خلالها ملايين من سكان الريف إلى المدن بحثا عن عمل، فلم يجد عملا مجزيا إلا نسبة صغيرة منهم فى العشرين سنة الأولى (التالية لكتابة أرخص ليالى) وجد كثير منهم عملا محترما فى مصانع حصلوا منها على دخل معقول ودرجة معقولة من احترام النفس، ومن هؤلاء من كان يزدحم بهم مترو حلوان فى الخمسينيات والستينيات.

فى العشرين سنة التالية، ذهب كثيرون منهم إلى الخليج واستطاعوا الزواج بما جمعوه من مدخرات، فلم يفكروا فى التحرش بأحد فى الأعياد. ولكن فى العشرين سنة الأخيرة، التى لم يتوقف خلالها السكان عن الزيادة بالطبع، أغلق كثير من أبواب الرزق فى الخارج والداخل.

فى الخارج بسبب تضاؤل الطلب على العمالة المصرية فى دول البترول، وفى الداخل بسبب الانفتاح الزائد على الحد، وسحب يد الحكومة أكثر فأكثر من التدخل فى الاقتصاد، وتفضيل القطاع الخاص تشغيل الآلات على تشغيل العمال، فلم تعد الأعمال الباقية المتاحة لأغلبية الشباب المصرى من النوع الذى يشغلهم عن التحرش بالنساء.
طوال هذه العشرين سنة الأخيرة لم يبد من الحكومة المصرية أى قلق جدى من تفاقم المشكلة، إذ كان الذى يقلقها أشياء أخرى لا داعى للخوض فيها الآن. لا مانع من التظاهر بالعمل على حل المشكلة، كإنشاء وزارة للشباب مثلا، أو كنشر أرقام تدل على انخفاض البطالة، مع أن العين المجردة كافية للتدليل على تفاقم المشكلة يوما بعد يوم.

لابد إذن أن المسئولين وجدوا طريقة لحساب العمالة والبطالة من شأنها أن يدرج هؤلاء الشبان الضائعون فى عداد المشتغلين. وعندما رأوا أن هذه الأرقام لم تحل مشكلة الشباب فكروا فى إنشاء وزارة جديدة اسمها «وزارة السكان والأسرة»، فلم تستطع بدورها حل المشكلة، إذ إن الوزيرة الجديدة لا تستطيع أن تصنع شيئا إلا بالتعاون مع وزراء الاقتصاد والصناعة والتجارة والتنمية، وهؤلاء الوزراء بدورهم مشغولون بأشياء أخرى أهم لديهم من مشكلة الشباب والتحرش الجنسى.

لم يبق إذن إلا حل واحد، وهو أن تنظم الوزيرة مظاهرة فى مكان آمن تماما من أى تحرش، وتنضم إليها فيها بعض السيدات الفاضلات الآمنات بدورهن من أى تحرش، فيرفعن بعض اللافتات التى تنادى شباب مصر بالكف عن أى عمل يخدش الحياء، على شرط أن تلتقط بعض الصور للمظاهرة، حتى يعم الانتفاع بها.

الجمعة، 26 نوفمبر 2010

ظاهرة مصرية جدًا

الشروق - الجمعة 26 نوفمبر 2010

 أذكر أننى، منذ عشرين عاما أو أكثر، كنت أحضر مؤتمرا فى عمّان، وأقيمت بمناسبته حفلة عشاء، وقيل لنا إنه من بين الثمانية أو العشرة أشخاص الذين سيجلسون حول كل مائدة من موائد العشاء، سيجلس وزير أردنى. دخلت القاعة متأخرا بعض الشىء، بعد أن جلس معظم المدعوين فى أماكنهم، ورحت أبحث عن المائدة التى يوجد بها اسمى. لم أكن أعرف شكل الوزراء الأردنيين، ولكننى توقعت أننى بمجرد النظر إلى الجالسين حول كل مائدة سوف أكتشف الوزير على الفور، وأميزه عن الآخرين ولكن لدهشتى الشديدة لم أتمكن من ذلك.

كان الجالسون حول كل مائدة يتحادثون وكأنهم متساوون فى المقام، فلم أستطع أن أميز الوزير من بينهم. سألت نفسى: لماذا كنت أتوقع أن أكون قادرا على تمييز الوزير عن غيره بسهولة؟ لابد أن لهذا علاقة بأننى آت من مصر، حيث يسهل فعلا إذا ظهر الوزير مع غيره من الناس أن تعرف بمجرد النظر من هو الوزير. من المؤكد أن الأمر لا يتعلق بملامح الوزير أو نوع ملابسه، بل لابد أنه يتعلق بنظرات المحيطين به وسلوكهم نحوه، حيث يبتسمون له، بمناسبة وبغير مناسبة، وقد يضحكون لأى نكتة أو ملاحظة تصدر عنه، وقد يضاف إلى ذلك بعض الانحناءات.

الظاهرة مصرية جدا للأسف، ويمكن تقديم العديد من الأمثلة على صحتها، فالإشارة إلى أن شخصا ما يحتل منصب وزير أو أنه كان وزيرا فى يوم من الأيام، مهمة جدا سواء فى تعريف الشخص للآخرين، أو فى نشر أخبار الوفاة، أو فى الحرص على تأكيد أن رجلا ما، وإن لم يكن وزيرا بالفعل، يحمل درجة وزير ويتقاضى راتب وزير.

أعرف وزيرا سابقا، مضى على تركه الوزارة أكثر من ثلاثين عاما، ومع ذلك يصر سكرتيره الخاص، إذا اتصل بى تليفونيا ليخبرنى بأن الرجل العظيم يريد التحدث إلىّ على أن يضيف إلى اسمه «معالى الوزير». ووزير سابق آخر أسرّ إلىّ مرة بأن زوجته أصبحت أكثر لطفا معه عندما أصبح وزيرا، كما روى لى صديق أثق بما يقول إن وزيرا آخر عندما عرف أن اسمه قد استبعد من التعديل الوزارى، اتصل تليفونيا بمسئول كبير، وصوته يتهدج وكأنه يبكى، راجيا ألا يسحبوا جندى الحراسة والكشك الخشبى الذى يقام أمام بيت الوزير، ولو لبضعة أسابيع، حتى لا تصاب زوجته بصدمة نفسية. كما وصف لى وزير سابق آخر وظيفة «النطّاط» الذى تقتصر وظيفته على الجلوس بجوار سائق الوزير، ثم القفز قبيل وقوف السيارة تماما، ليفتح للوزير الباب فلا يضطر إلى فتحه بنفسه.. الخ.

لابد أن الظاهرة قديمة جدا، بل أرجح أنها تعود إلى عصر الفراعنة. وحيث إننى لم أشاهد مثيلا لها فى أى بلد عربى آخر، أو غير عربى، فالأرجح أيضا أن لها علاقة وثيقة بظروف مصر الطبيعية، وبالذات بالدور الذى يلعبه نهر النيل فى حياة المصريين، ودور الدولة المهم فى تنظيم الانتفاع بمياه النيل. نعم، هناك دول أخرى لديها أنهار مهمة، ولكننى لا أعرف بلدا آخر يعتمد هذا الاعتماد شبه الكامل على مياه النهر، بسبب ندرة الأمطار ندرة شديدة، مثلما تعتمد مصر. لا عجب إذن فى العبارة التى ذكرها نابليون فى مذكراته عن مصر، التى نقلها عنه جمال حمدان، إذ قال إنه لا يعرف بلدا فى العالم يتوقف ازدهاره أو تدهوره على ما تفعله الدولة، مثلما هى الحال فى مصر.

إذا كان الأمر كذلك، فلا عجب أيضا من ذلك الحرص الشديد الذى يظهره غالبية المصريين على أن يصبحوا قريبين من السلطة أو على الأقل على التقرب إليها. إنك تشاهد هذا فى موقف الفلاح المصرى من الرجل القادم من المدينة، وما يعلقه من أهمية على قدرة هذا الرجل على تقديم بعض الخدمات له، بسبب ما يتوافر له من قرب من السلطة.

فسلطة الدولة منتشرة فى كل مكان، وللدولة أصبع فى كل كبيرة وصغيرة وتتحكم بشكل أو بآخر فى كثير من مصادر الرزق. ومن ثم يمكن للقريب من السلطة «ناهيك عن صاحب السلطة نفسه» أن يحل الكثير من المشكلات «بل وقد يتصور كثيرون أنه يستطيع أن يحل كل المشاكل».

ولكن مما ضاعف هذه الأهمية التى يعلقها المصريون على القرب من السلطة، ما يسود المجتمع المصرى من قديم الزمن من درجة عالية جدا من الطبقية، أى الانقسام الحاد بين طبقتين. فقد كانت فى مصر دائما «ولاتزال بالطبع» شريحة صغيرة جدا من الناس تجلس على قمة الهرم الاجتماعى، تضم أصحاب السلطة والقريبين جدا منها وفى أسفل الهرم قاعدة كبيرة جدا تضم معظم المصريين، غالبيتهم يجدون صعوبة فى الحصول على ضروريات الحياة، والباقون يجدون صعوبة فى تمييز أنفسهم عمن هم أدنى منزلة منهم. هذه القاعدة الكبيرة جدا من المصريين لابد أن تنظر إلى القرب من السلطة تلك النظرة التى وصفتها حالا، ولابد أن يكون «للوزير» فى نظرها، بما يمثله من منتهى السلطة، هذه الأهمية القصوى.

كنت فى صباى، قبل أن تقوم ثورة 1952، كثيرا ما أسمع كلمتى «المحسوبية» و«المحاسيب»، وتعبيرات من نوع «كلمة واحدة من سعادة الباشا»، أو أن هذا الشخص أو ذاك «قد وصى عليه فلان باشا أو فلان بك». ثم حلت طبقة الضباط محل الباشوات والبكوات بقيام الثورة، إذ انتشر الضباط فى كل مكان مهم، فى مقاعد الوزراء، والوظائف الكبرى، ورئاسة الشركات، وسفاراتنا فى الخارج.. الخ، فأصبح من المفيد جدا، إن لم تكن أنت نفسك ضابطا، أن يكون لك قريب ضابط. ولكن مع مرور الوقت على الثورة، واضطرار النظام إلى الاعتماد أكثر فأكثر على غير الضباط، وزيادة الثروة فى أيدى شريحة جديدة من المصريين بسبب سياسة الانفتاح زيادة كبيرة سمحت لهم بالنفاذ إلى أعلى مستويات السلطة، تغيرت من جديد طبيعة تلك الطبقة الصغيرة الجالسة على قمة الهرم، وإن لم يتغير لا حجم السلطة التى يتمتعون بها، ولا درجة الأهمية التى يعلقها الناس على التقرب إليهم.

عندما يكون الأمر كذلك، ليس من الغريب أن تنخفض درجة الأهمية التى يعلقها معظم المصريين عما إذا كان النظام الحاكم يرفع شعارات الاشتراكية أو الرأسمالية، العدالة الاجتماعية أو مجرد «البعد الاجتماعى»، الانغلاق أو الانفتاح، معاداة الغرب أو مصادقته.. الخ. طبعا كل هذا لابد أن يكون له بعض الأثر على أحوال الفقراء ومستوى معيشة الناس، ولكن خبرة المصريين الطويلة أدت بهم إلى الاعتقاد بأن الأهم من كل ذلك فى تحسين أحوالهم هو ما يتيحه القرب من السلطة من مزايا. نعم، الاشتراكية أفضل للفقير من الرأسمالية، ولكن أليس أفضل من هذا وذاك أن تكون علاقتك قوية ببعض الممسكين بالسلطة، أو بأشخاص قريبين منها، سواء كان هؤلاء اشتراكيين أو رأسماليين، منفلتين أو منفتحين؟

لقد اعتاد المصرى على أن الدولة خالدة خلود نهر النيل والأهرامات وكذلك تدخلها فى كل كبيرة وصغيرة، بل لقد اعتاد أيضا أن أصحاب السلطة فى مصر يفضلون فى نهاية الأمر التعامل مع ذلك النوع من الناس، المستعد دائما لتنفيذ الأوامر، على التعامل مع المؤمنين بمبدأ من المبادئ ولا يحيدون عنه، حتى لو كان هو نفس المبدأ الذى يؤمنون هم به ويرفعون شعاراته.

ومن ثم فقد استقر فى نفس المصرى، بخبرته التاريخية الطويلة، الاعتقاد بأن قربه من أصحاب السلطة «أيا كان ما يرفعونه من شعارات» سوف يقربه من تحقيق طلباته، أكثر من أى تغير فى الشعارات أو حتى فى القوانين.

خطر لى ذلك عندما طالعت فى الصحف منذ أيام ما نشر بمناسبة وفاة النائب البرلمانى الراحل كمال الشاذلى، عن تاريخه السياسى والشخصى، وخروج الآلاف المؤلفة من أهل بلدته «الباجور» بمحافظة المنوفية، لتشييع جنازته فى منظر فريد من نوعه، على الرغم من أنه كان قد استبعد من السلطة قبل خمس سنوات. امتلأت الصحف بعبارات العزاء المؤثرة، من مختلف الشرائح الاجتماعية فى مصر، كما أن التعليقات التى نشرتها الصحف لكثير من الأفراد العاديين من أهل بلدته، كانت تشيد به وتثنى عليه بعبارات يندر أن تستخدم فى وصف شخص بعد مفارقته الحياة.

من مطالعة تاريخ الرجل نعرف أنه قبل أن يعتلى مناصب مهمة مثل منصب أمين التنظيم فى الحزب الحاكم، ومنصب وزير شئون مجلسى الشعب والشورى، ظل ينتخب نائبا عن بلدة الباجور فى كل مجلس للشعب طوال 46 عاما، أى منذ 1964، وهى مدة أطول من مدة أى نائب برلمانى فى مصر، وربما فى العالم كله. وعلى هذا استمر الرجل عضوا فى البرلمان فى كل العهود فى مصر، من الاشتراكية المتشددة إلى الرأسمالية المتوحشة، ومن الانغلاق إلى الانفتاح البسيط إلى الانفتاح التام، ومن المعاداة الشديدة للولايات المتحدة وإسرائيل إلى المصادقة الشديدة لهذه وتلك.. الخ.

كان الرجل عضوا مهما فى مختلف الأحزاب الحاكمة فى مصر مع تغير اسمها من الاتحاد الاشتراكى، إلى الاتحاد القومى، إلى حزب مصر، إلى الحزب الوطنى الديمقراطى. حدثت كل هذه التغيرات ولكن ظل الرجل قريبا جدا من أصحاب السلطة، لا يستغنون عنه ولا يستغنى عنهم. لم يسمح الرجل إذن لأى شعارات بأن تخدعه عن «حقيقة اللعبة فى مصر» (وهى العبارة التى استخدمتها مرة سيدة مصرية وصفت بالمرأة الحديدية، إذ كونت ثروة هائلة بسبب اتقانها هذه اللعبة، ثم قدمت للقضاء بتهم مختلفة منها بناء عمارة بدون تصريح فوقعت على رءوس سكانها، ولكنها استطاعت الهرب من مصر ومازالت خارجها).
كان كمال الشاذلى يعرف جيدا ما هو مفتاح النجاح المادى فى مصر، وكيف يستخدمه بمهارة، ولكنه بالإضافة إلى ذلك، وبعكس الكثيرين ممن تتوافر لديهم نفس المعرفة ويستخدمها بمهارة، كان يدرك أيضا الطريق إلى قلوب غالبية المقهورين فى مصر، وهو تلبية حاجاتهم الأساسية العاجلة، من توظيف ابن رجل بسيط لا يجد وظيفة رغم حصوله على الشهادة الجامعية، إلى الحصول على موافقة بالنقل من بلد بعيد إلى بلد قريب، إلى الحصول على فرصة للسفر إلى بلد عربى لتكوين مدخرات تسمح له بالزواج، إلى وضع اسمه فى قائمة المستحقين للسكن فى شقة من الشقق التى بنتها الحكومة.. الخ.

كان كمال الشاذلى ظاهرة مصرية بكل معنى الكلمة، وإن كان سلوكه اليومى وحجمه المادى وصوته وحركاته، أكبر كثيرا من الحجم الطبيعى ومن الحجم المتوسط للمصريين. ظل ملء السمع والبصر حتى غضبت عليه السلطة «لسبب لا يعرفه إلا الراسخون فى العلم» فعين فى تلك الوظيفة المدهشة والمخصصة لمن تغضب عليه السلطة ولا تريد من ذلك إغضابه أكثر من اللازم، وهى وظيفة المشرف العام على «المجالس القومية المتخصصة»، (وهى فيما يبدو متخصصة فى ذلك بالضبط، وأحيانا أسأل نفسى عما إذا كان لدى الفراعنة فى عصور مصر القديمة وظيفة مماثلة تستخدم هذا الاستخدام؟).

على الرغم من إبعاده عن السلطة طوال السنوات الخمس الأخيرة من حياته، ظهر هذا الحشد العظيم من كبراء مصر وهم يشيعون جنازته، وعلى وجوههم أشد مظاهر الحزن والعبس.

حاولت أن أتصور ما الذى يمكن أن يدور بأذهانهم من أفكار عن هذه الشخصية المدهشة. لقد اشترك كثير منهم فى نفس اللعبة، وحققوا من ورائها درجات مختلفة من النجاح، ولكن لابد أنهم فوجئوا، مثلما فوجئت أنا، بتلك الدرجة الهائلة من الشعبية التى حققها الرجل بين أهل بلده، ولابد أن طاف بأذهانهم أنه لاشك فى أنه كان يجيد هذه اللعبة أكثر بكثير مما يجيدونها. بل ولا أستبعد أن يكون هذا هو بالضبط سبب استبعاده من السلطة منذ خمس سنوات.

الجمعة، 19 نوفمبر 2010

الدولة التى لا تريد أن تشب عن الطوق

الشروق - الجمعة 19 نوفمبر 2010

فى يونيه الماضى (أى منذ حوالى خمسة أشهر) اكتشفت اكتشافا مهما (أو هكذا يبدو لى) وإن كنت شعرت ببعض الذنب لأنى لم أكتشفه من قبل.

كانت بداية هذا الاكتشاف قراءتى، بمحض الصدفة، لعرض قصير لأحد الكتب الصادرة حديثا، فى باب نقد الكتب فى مجلة أمريكية هى (هاربرز Harpers). عندما قرأت ما كتب عن الكتاب تحمست لاقتنائه، فلما طلبته وقرأته استولى على إعجابى التام، واستغربت أنى لم أسمع عن مؤلفه من قبل.

الكتاب يحمل عنوانا جميلا (TII Fares the Land) وهو ما يمكن ترجمته إلى العربية بعبارة أقل جمالا (الأحوال ليست على ما يرام) ووجدت فيه نقدا بالغ القوة لنكوص العالم الغربى (وأجزاء أخرى كثيرة من العالم) خلال الثلاثين عاما الماضية، عن مبادئ دولة الرفاهية، إذ أخذت الدولة تتخلى عن مسئولية بعد أخرى من مسئولياتها الاجتماعية، من حماية الفقراء، إلى منع التدهور فى نوعية الحياة، إلى دعم الثقافة الرفيعة..الخ.

وجدت دفاعه عن دور الدولة فى النهوض بالحياة الاجتماعية ومنع تفاقم الفجوة بين الطبقات، أقوى ضجة بكثير مما اعتدت قراءته، وأكثر فصاحة، وأشد تمسكا بالمبادئ الأخلاقية التى نادرا ما تثار الآن، كما وجدته قاطعا كالسيف، يسمى الأشياء بأسمائها، ولا يقبل أنصاف الحلول.

لم استغرب، بعد أن قرأت الكتاب، ان أعرف انه حصل فى العام الماضى، على جائزة ثقافية رفيعة اسمها «جائزة جورج أورويل»، على مجمل أعماله، وذكر فى حيثيات الجائزة أنها منحت له «لما تتحلى به كتابته به من ذكاء ونفاذ البصيرة وشجاعة مبهرة». قلت لنفسى إن كتابات جورج أورويل، فى الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضى، كانت كذلك بالضبط: تشع بالذكاء ونفاذ البصيرة والشجاعة، قاطعة كالسيف ولا تقبل أنصاف الحلول، ويظهر فيها ما يظهر فى هذا الكتاب من حس أخلاقى رفيع، وتناول القضايا السياسية من منظور أخلاقى.

دفعت هذا وذاك إلى أن أسعى لمعرفة المزيد عن هذا الكاتب الذى لم أصادف كاتبا له مثل هذه الأوصاف منذ تعرفت على جورج أورويل، فاكتشفت ما يلى. هو كاتب بريطانى، وان قد قضى العشرين عاما الأخيرة فى الولايات المتحدة. ولد فى حى فقير من أحياء لندن فى سنة 1948، من أسرة يهودية يرجع أصلها إلى دولة صغيرة من دول البلطيق (ليتوانيا)، ومن هنا اسمه غير المألوف، والذى يصعب علينا نطقه: تونى جُدت، بضم الجيم وتسكين الدال (Tony Judt).

حصل على الدكتوراه من جامعة كامبردج فى التاريخ، ثم كتب ما يعتبر الآن أفضل كتاب على الإطلاق فى تاريخ أوروبا فى الخمسين عاما التالية لانتهاء الحرب العالمية الثانية (اسم الكتاب: «ما بعد الحرب»، Postwar) ولكنه كتب أيضا فى موضوعات أخرى كثيرة غير التاريخ الأوروبى، ونشرت مقالاته فى بعض من أكثر المجالات الأمريكية رصانة وجدية، جمع عدد كبير منها فى كتاب اسمه («إعادة تقييم تأملات فى جوانب منسية من القرن العشرين» Reappraisal) ونشر فى العام الماضى.

لفت نظرى فى ذلك العرض القصير لكتاب «الأحوال ليست على ما يرام»، إشارة إلى أنه كتب هذا الكتاب وهو يعانى من مرض خطير هو مرض (الشلل العصبى)، وهو مرض يؤدى تدريجيا إلى تدمير القدرة على استخدام عضلات الجسم، ووصف هو حاله مع هذا المرض بأنها تشبه حالة شخص مسجون فى زنزانة يتضاءل حجمها بمقدار 6 بوصات كل يوم»، وأشارت المجلة إلى أنه لا ينتظر أن يعيش طويلا.

لم أتوان عن اقتناء كتابيه الآخرين، وبدأت اقرأ كتاب (إعادة تقييم) فإذا بظنى يتحقق فى أتم صورة: هذا الرجل هو بلا شك خليفة جورج أورويل، فى صدقه ونبله وصرامته. ووجدت كثيرا من فصول الكتاب يتناول موضوعات أعتبرها مهمة، كفصل عن إدوارد سعيد كتبه بمناسبة وفاته ويعبر فيه عن اعجابه الذى لا حد له بهذا الرجل العظيم، الذى كان صديقا حميما له.

فى مقاله البديع عن إداورد سعيد، يدافع جُدت عن رأى سعيد فى رفض حل الدولتين لمشكلة الفلسطينيين، ويصر مثله على قيام دولة واحدة يعامل فيها الفلسطينيون على قدم المساواة مع اليهود، ويختم رثاء لإدوارد سعيد بقوله «لقد استمر إدوارد سعيد طول ثلاثة عقود، فى إثارة النقاش فى الولايات المتحدة حول إسرائيل وفلسطين والفلسطينيين، ويكاد أن يقوم بذلك بمفرده، فقدم بذلك خدمة إنسانية لا تقدر بثمن، ومعرضا بذلك حياته لخطر لا يستهان به. لقد خلف إدوارد سعيد بوفاته فراغا سوف يزداد حجمه مع الزمن، فى الحياة العامة بالولايات المتحدة، فهو رجل لا يمكن أن يوجد من يملأ مكانه».

•••
ولكن الدافع الأساسى لى لكتابة هذا المقال هو أن أعرِّف القراء العرب الذين لم يقرأوا بعد شيئا لهذا الرجل، برأى هذا الكاتب العظيم فى دولة إسرائيل.

لقد قضى (تونى جدت) بضعة شهور فى إسرائيل وهو فى التاسعة عشرة من عمره مدفوعا بالحماس، مثل كثيرين من الشباب اليهود فى ذلك الوقت، لفكرة الكيبوتز، التى كانت ترمى إلى بناء مجتمع اشتراكى فى الدولة الجديدة. كان ذلك قبيل حرب 1967، ولكنه كتب يصف ما حدث من تغيير فى تفكيره بعد هذه الحرب، فقال: «إنه اكتشف خلال هذه التجربة أن اليساريين من الصهاينة لا يختلفون عن اليمينيين منهم فى فقدان أى شعور بالتعاطف إزاء محنة ذلك الشعب الذى قاموا بطرده من أرضه».

ثم قوى هذا الشعور لديه ضد الصهيونية ما لمسه من تعصب الجناح الصهيونى فى حزب العمال البريطانى، فبدأ يكتب وينشر مقالا بعد آخر فى هذا الاتجاه، فى مجلات أمريكية كبرى، مما جلب عليه لعنة الصهيونية الذين أثاروا عاصفة من الهجوم عليه والتشهير به واتهموه بـ(الطبع) بتلك التهمة الشهيرة (العداء للسامية)، مما أدى إلى إلغاء محاضرات له كان قد سبق الاتفاق على القائها فى الولايات المتحدة، وتلقيه هو والمؤسسات الداعية له لمختلف التهديدات من المنظمات الصهيوينة، واستبعاد بعض المجلات الأمريكية له من مجلس إدارتها ....الخ.

ولكن كل هذا لم يفت فى عضده. فلم يتوقف عن نقد الصهوينية وتفنيد حجمها. من ذلك مقال نشره فى عام 2003 فى مجلة «نيويورك لنقد الكتب» (New York Review of Books)، ما أجدر أن يعاد نشره الآن، قال فيه إن فكرة أن تصبح إسرائيل دولة يهودية لا يمكن قبولها فالدولة الدينية قد عفا عليها الزمن، ويجب أن تحل محلها فكرة الدولة مزدوجة القومية (binateial srate).

ومن ذلك أيضا مقال رائع نشر فى سنة 2006، وهو المقال الذى استخدمت عنوانه كعنوان لمقالى الحالى: «الدولة التى لا تريد أن تشب عن الطوق»، والتى أعتبرها من أفضل ما قرأت عن إسرائيل. قال فى هذا المقال إن إسرائيل تشبه الصبى المراهق الذى: «يسيطر عليه اعتقاد هشّ للغاية، بأنه شخص لا مثيل له فى الوجود، وأنه لا أحد «يفهمه»، وأن الجميع «ضده»، ويتصرف تصرف الشخص المغرم بنفسه إلى أقصى حد، و«المجروح» باستمرار من الآخرين.

ما أسرع أن يشعر بأنه «أهين»، وما أسرع أن يوجه هو الإهانة للآخرين». إن إسرائيل، شأنها فى ذلك شأن كثير من المراهقين مقتنعة تمام الاقتناع (ولا تكف عن التعبير عن هذا الاقتناع بدرجة عالية من العدوانية) بأنها قادرة على أن تفعل ما تشاء وتتصرف وكأن تصرفاتها لا يمكن أن يترتب عليها أى ضرر بها.

تناول «جدت» أيضا فى هذا المقال ما يسمى «بالعداء للسامية»، وحذر من أن التمادى فى استخدام هذه التهمة ضد أى شخص ينتقد دولة إسرائيل، دون تمييز بين المعادى لليهود والكاره لإسرائيل، لابد أن يؤدى مع مرور الوقت إلى تعويد الناس على تجاهل الحالات التى تكون فيها هذه التهمة فى محلها، أى الحالات التى يكون فيها العداء والكراهية لليهود باعتبارهم يهودا وليست بسبب العداء لإسرائيل.

•••
استمر «جدت» يكتب ويلقى المحاضرات، والمرض يزحف على جزء بعد آخر من جسمه فيشل حركته، حتى وصف نفسه فى محاضرة كان يلقيها فى نيويورك فى خريف سنة 2009، وهو جالس على كرسى متحرك، قائلا «إنى مشلول من أسفل الصدر وحتى القدمين، فالذين ترونه أمامكم الآن ليس أكثر من رأس إنسان ينطق ببعض الكلمات». ومع هذا كانت هذه المحاضرة التى ألقاها وهو فى هذه الحالة أساسا لكتابه البديع «الأحوال ليست على ما يرام»، الذى أشرت إليه فى بداية هذا المقال ونشر فى سنة 2010، والذى وصفته صحيفة الجارديان البريطانية بأنه «يقدم دفاعا عن دولة الرفاهية مبنيا على القيم الأخلاقية، وأقوى من أى شىء سمعناه من أى سياسيى الأحزاب العمالية فى السنوات الأخيرة». وقد اقتطف «جدت» جملة للكاتب الفرنسى الذى كان شديد الإعجاب به (ألبير كامى)، ووضعها فى صدر الكتاب، وهى:

«إن كل فكرة خاطئة تنتهى بإسالة الدماء، ولكنها دائما دماء أشخاص آخرين».
فى أوائل أغسطس الماضى قرأت خبر وفاته، نشرته جريدة الإندبندت البريطانية بعناوين كبيرة تقول:
«توفى جدت، المؤلف والمؤرخ، وواحد من أشجع الرجال فى بريطانيا، توفى عن 62 عاما».

الجمعة، 12 نوفمبر 2010

موهبة علاء الأسوانى.. وأعداؤها الثلاثة

الشروق - الجمعة 12 نوفمبر 2010

شعر كثيرون من محبى الدكتور علاء الأسوانى، والمعجبين بأدبه ومواقفه السياسية، بأن من المناسب جدا إقامة حفل لتكريمه وإعلان التضامن معه لسببين أساسيين: الأول ما لاحظوه من أنه فى الوقت الذى يجرى فيه تكريم علاء الأسوانى فى دولة بعد أخرى خارج مصر، تتخذ منه الدولة المصرية موقفا مدهشا من التجاهل المتعمد، والتعتيم المستمر على ما يحصل عليه من تكريم من خارج مصر، كما ترفض منحه أى جائزة من جوائز الدولة، بينما تمنح الجوائز أحيانا للأقل منه موهبة.

والسبب الثانى أن الصهيونية العالمية غاظها أن يحصل أديب مصرى على كل هذا النجاح فى أنحاء العالم، فتترجم أعماله إلى أكثر من ثلاثين لغة، وتتجاوز مبيعات بعض رواياته المليون نسخة، وهو فى نفس الوقت معارض للتطبيع مع إسرائيل، كاره للصهيونية، ومناصر للفلسطينيين، فراحت تشن عليه حملة شعواء فى الصحف ووسائل الإعلام الموالية لها، متهمة إياه بتلك التهمة السخيفة، وهى أنه «معادٍ للسامية».

وقد دعيت للاشتراك فى هذا الاحتفال الذى أقيم يوم الاثنين الماضى بنقابة الصحفيين فذهبت مسرورا لأكثر من سبب، فبالإضافة إلى إعجابى الشديد بروايتى علاء الأسوانى الشهيرتين «عمارة يعقوبيان، وشيكاغو»، وبقصصه القصيرة الجميلة، اكتشفت بعد ذلك أن علاء الأسوانى مصنوع من معدن خلقى نفيس، حتى إنى أسأل نفسى أحيانا: «هل هذا المعدن أسوانى؟».

اكتشفت هذا «المعدن الأسوانى النفيس»، من مواقفه السياسية المتتالية التى يعبر عنها بصراحة تامة وبقوة، كموقفه من الهجوم الأمريكى على العراق فى سنة 2003، ثم من قضية التوريث، ومن قضية الحريات فى مصر، ومواقفه من بعض التصرفات المدهشة لوزير الثقافة المصرى ورجاله، وكذلك مواقفه من التطبيع مع إسرائيل. وكان آخر هذه المواقف رفضه أن يقوم مركز إسرائيلى بترجمة وطباعة (عمارة يعقوبيان) لأنه يرفض أى تعامل مع الإسرائيليين.

لم يكن غريبا أن يخلق علاء الأسوانى لنفسه أعداء فى جبهات مختلفة.
هناك أولا العداء الطبيعى الناشئ من الغيرة من جانب بعض الكتاب الأقل موهبة، وهناك العداء من الدولة التى لا يكف الأسوانى عن نقدها، وهناك العداء من وزير الثقافة بالذات ورجاله الذين لا يكف علاء الأسوانى عن الكشف عن أخطائهم وها هو ذا الآن العداء السافر من جانب إسرائيل وأنصارها.

كان الكتاب الغيورون من علاء الأسوانى يعتمدون فى تحقيق الشهرة على ثلاث وسائل أساسية، جاء علاء الأسوانى فأثبت قلة جدواها.
الوسيلة الأولى لتحقيق الشهرة: أن يكتبوا كلاما غير مفهوم، اعتمادا على أنه فى مجتمع نصفه من الأميين وربعه من أنصاف المتعلمين، يمكن بسهولة أن يفقد القارئ ثقته بنفسه إذا رأى أمامه شخصا يكتب كلاما لا يفهمه بالمرة، فيظن أن العيب فيه هو، أى فى القارئ، وأن هذا الكاتب الذى يكتب كلاما بهذه الدرجة من الصعوبة والإبهام لابد أن يكون عبقريا.

والوسيلة الثانية للشهرة، أن ينشئ الكاتب غير الموهوب علاقات مع بعض الأشخاص المهمين فى وسائل الإعلام، خاصة التليفزيون، فيضمن أن يدعى للاشتراك فى كل ندوة تليفزيونية، وأن يتكرر ظهور صوره فى الجرائد والمجلات، خاصة صورته وهو يتخذ سمة المفكر المشغول بالتفكير العميق، فلا يمضى وقت طويل حتى يشار إليه بوصف الأديب الكبير، ثم مع تكرار هذا الوصف يصبح «أديبا كبيرا» بالفعل، خصوصا فى بلد يعتبر فيه الظهور على شاشة التليفزيون دليلا أكيدا على الأهمية والنبوغ.

والوسيلة الثالثة والأكثر فعالية لتحقيق الشهرة، وإن كان لا ينجح فيها إلا المثابرون، هى أن يحصل الكاتب غير الموهوب على مركز المسئول عن صفحة ثقافية خاصة به فى إحدى الصحف، يفعل فيها ما يشاء. ففى هذه الحالة سوف يخطب الجميع ودّه، ويتحول الأمر إلى تبادل المنافع بين مجموعة من الكتاب الخالية من الموهبة، فيشتهر الجميع، ويصبحون جميعا «أدباء كبارا».

نعم كل هذا كان ممكنا، ولكن ماذا يفعل هؤلاء الآن وقد أثبتت ظاهرة علاء الأسوانى أن من الممكن للكاتب أن يحقق نجاحا جماهيريا رغم أنه يقول كلاما مفهوما (فالناس فى نهاية الأمر يفضلون أن يسمعوا ويقرأوا كلاما يستطيعون فهمه ويتأثرون به)، ورغم أنه ليس ضيفا دائما على الندوات التليفزيونية (فهو ممنوع أصلا من دخول التليفزيون)، وليس له صفحة ثقافية خاصة به فى إحدى الصحف؟

لجأ هؤلاء الغيورون (وانضم إليهم بعض رجال وزير الثقافة) إلى استخدام حجتين سخيفتين:
الأولى: أن علاء الأسوانى كاتب تقليدى، لم يفعل أكثر مما فعله نجيب محفوظ فى الأربعينيات والخمسينيات، أى قبل أن يكتب قصصا رمزية أو فلسفية.

والثانية: أن النجاح الجماهيرى الذى يحققه الكاتب ليس دليلا على الجودة، بل ذهب بعضهم إلى حد الزعم بأن النجاح الجماهيرى دليل على عدم الجودة.

أما الحجة الأولى فردى عليها أن للأدب والفن عموما ألف شكل ولون، ولا تستطيع أن تفاضل بين لون من الأدب وآخر إلا بدرجة تأثيره فى النفس (ثم فلتبحث بعد هذا فى سبب نجاح كاتب دون آخر فى إحداث هذا التأثير).
فإذا كان الناس فى أوائل القرن الحادى والعشرين مستعدين للتفاعل والتعاطف مع عمل أدبى جميل كان له شبيه فى الأربعينيات والخمسينيات، فما الضرر فى ذلك؟

وأما الحجة الثانية فمعناها فى الواقع أنك كلما نجحت فى أن تظل فكرة لا يعبأ بك أحد، كان معنى هذا ارتفاع قدرك وعظمة موهبتك.

أما الدولة المصرية، فقد وجدت هى أيضا نفسها فى ورطة لا تحسد عليها. فهذا الرجل الذى يندد بفسادها ويرفض التوريث ولا يكف عن فضح أى اعتداء على الحريات، أصبح فجأة مشهورا ومحترما، فى داخل مصر وخارجها، ومن ثم فما يوجهه إليها من نقد لابد أن يصغى إليه الناس فى الداخل والخارج.

فما العمل؟
ليس من السهل الآن القبض على علاء الأسوانى أو تلفيق تهمة له بعد ما حققه من شهرة. أى أنه لم يعد يجدى معه «سيف المعز» فلابد إذن من أن نمنع عنه «ذهبه»، كحرمانه من أى جائزة من جوائز الدولة، لا جائزة مبارك، ولا جائزة تقديرية، ولا حتى جائزة تشجيعية. ربما أعطوه الجائزة فى حالة واحدة فقط، كما فعلوا مع يوسف إدريس من قبل (الذى كان أيضا صريحا فى التعبير عن رأيه ونقده لما تفعله الدولة).

إذا انتظرت الدولة حتى أصبح يوسف إدريس على فراش الموت فى لندن، بعد أن أصبح عدم حصوله على جائزة من الدولة مثار سخرية الجميع، فأعطوه جائزة الدولة التقديرية عندما اطمأنوا تماما إلى أنه لن يتكلم أو يكتب بعد الآن. ولا يستطيع أحد أن يجزم بما إذا كان يوسف إدريس قد علم بحصوله على الجائزة أو لم يعلم.

أمام الدولة أيضا وسيلة أخرى ضد علاء الأسوانى وهى التعتيم التام على أخباره. فإذا حصل الأسوانى على جائزة دولية، مهما كانت رفيعة، يتم تجاهل الخبر تماما من جانب وسائل الإعلام الحكومية، وكأن الذى حصل على الجائزة عدو لدود لمصر. ولكن حتى هذا التعتيم التام لم يعد ممكنا فى العصر الذى نعيش فيه، مع وجود شبكات الإنترنت والفيس بوك... إلخ.

ثم جاء الدور على إسرائيل للانتقام من علاء الأسوانى. كان نجاح علاء الجماهيرى فى الداخل والخارج، فى حد ذاته، مفاجأة غير سارة للإسرائيليين. فهو يُدعى للكلام فى المعارض والندوات الدولية، ويظهر على شاشات التليفزيون وفى الإذاعة فى كثير من الدول الكبرى، وتترجم رواياته إلى عدد كبير من لغات العالم، ولكنه أيضا معارض للتطبيع وكاره لإسرائيل ومناصر للفلسطينيين، فلابد أن يُحدث هذا ضررا محققا بالمشروع الإسرائيلى. فما العمل؟

قالوا لأنفسهم: «فلنترجم إحدى رواياته للعبرية. فإذا كان ممن يغريهم المال أجزلنا له العطاء فى المكافأة وإيرادات الكتاب، وإذا كان ممن لا يشبعون من الشهرة، رفعنا ذكره وأشدنا بموهبته فى كل وسيلة إعلامية تخضع لنفوذنا. ولكن علاء الأسوانى لا ينفع معه هذا ولا ذاك، بسبب المعدن الأخلاقى النفيس الذى أشرت إليه. وأعلن أنه يرفض الدخول فى أى علاقة مع الإسرائيليين، ثقافية أو غير ثقافية، بل ورفع على الناشر الإسرائيلى قضية أمام المحاكم لقيامه بترجمة ونشر روايته دون إذن منه.

لم يبق أمام الإسرائيليين إلا الوسيلة الأخرى التى استخدموها كثيرا من قبل مع كل من يرفض الانصياع للمشروع الصهيونى، وهى اتهامه بتلك التهمة المدهشة «العداء للسامية» وهى تهمة غريبة ومدهشة حقا، وأعتقد أنه فى وقت ما فى المستقبل (أرجو أن يكون قريبا) لن يضحك المؤرخون من تهمته أكثر مما سيضحكون من تهمة «العداء للسامية»، إذ إن معنى أن أتهمك بهذه التهمة ليس أكثر من أن «أقول لك» إنك مجرم لأنك لا تحبنى!. فهل وصل الأمر إلى أن تعتبر كراهة شخص فاسد، جريمة؟

لقد كرر علاء الأسوانى أكثر من مرة (دون أن يكون فى الحقيقة بحاجة إلى ذلك) أن رفضه للتطبيع ليس رفضا لليهودى وأن كراهيته ليس لليهودى بل للصهيونى، ولكن لا فائدة.

فكراهية إسرائيل جريمة منكرة إذا كنت رجلا مشهورا ومهما. يمكنك أن تكره إسرائيل ولا يعبأ بك أحد إذا لم يكن لك أثر يذكر، ولكن أن تكون بشهرة وأهمية علاء الأسوانى وتكره إسرائيل، فهذه هى الجريمة النكراء.

لهذا السبب اجتمعنا يوم الاثنين الماضى فى نقابة الصحفيين لضم صوتنا لعلاء الأسوانى، ولنقول له:
«نحن معك فى رفض التطبيع، وفى الانتصار للفلسطينيين، وفى كراهية إسرائيل، ونحيى فيك معدنك الأخلاقى النفيس، على أمل أن يجىء اليوم الذى يصبح فيه الانتصار للحق فضيلة، ولا تكون فيه كراهية الظلم جريمة».

الجمعة، 5 نوفمبر 2010

كم تدهورنا منذ الشيخ محمد عبده؟

الشروق - الجمعة 5 نوفمبر 2010

كلنا يعرف مقام الشيخ محمد عبده، ولكن كم هو مفيد أن نعيد قراءته، والقراءة عنه، حتى ندرك كم تدهورنا منذ أن كان هذا الرجل العظيم يتزعم الخطاب الدينى فى بلادنا، أى منذ أكثر من قرن من الزمان.

كنت قد قرأت عنه وأنا فى مطلع الشباب، مثلما فعل كثيرون غيرى، ولكن محنة الخطاب الدينى التى تمر بها مصر اليوم، ومنذ زمن ليس بالقصير، جعلتنى أرغب فى قراءته والقراءة عنه من جديد، عسى أن أجد فيه السلوى عما نحن فيه، وكى أذكر نفسى بأننا لم نكن دائما على هذه الحال من الانحطاط.

وقد أتيحت لى فى الأسبوع الماضى فرصة قراءة كتابين صغيرين، أحدهما للشيخ محمد عبده واسمه «الإسلام بين العلم والمدينة»، والثانى كتاب كتبه الأستاذ عباس العقاد عن محمد عبده، كما أعدت قراءة فصل طويل كتبه الأستاذ أحمد أمين عن محمد عبده فى كتاب: «زعماء الإصلاح فى العصر الحديث».

وأعترف للقارئ بأنه راعنى ما قرأت. نعم، كنت أعرف روعة هذا الرجل، ولكن أإلى هذه الدرجة؟ نعم كنت أشعر بدرجة تدهورنا منذ كان لدينا مثل هذا الرجل ولكن هل تدهورنا كان حقا بهذه الدرجة؟ بل والأكثر من ذلك: هل ترك الرجل شيئا مما يقلقنا فى هذه الأيام، ومما يعود إلى إقلاق راحتنا كل بضعة أيام، دون أن يتعرض له ويشرحه ويدلى فيه بالرأى القاطع والصحيح، كل هذا منذ أكثر من مائة عام؟

قرأت فى هذه الصفحات رأيه القاطع فى العلاقة الصحيحة بين المسلمين والأقباط، وفى موقف المسلم الحصيف من العلم والحضارة الغربية، وفى الموقف الإسلامى الصحيح من الموازنة بين التدين والتمتع بالحياة، وموقف الإسلام من الفنون، ووجدت فيها ردودا بليغة وحاسمة على من لا يكفون عن الهجوم على الإسلام وعن اتهام المسلمين بالإرهاب، كما وجدت فيها اهتماما بالغا بصيانة اللغة العربية وإدراكا لدورها فى إحداث النهضة المطلوبة... الخ.

قرأت كل هذا فى تلك الصفحات القليلة. ليس هذا فحسب بل ووجدته مشروحا بلغة رائعة بديعة، تستحق القراءة لذاتها بصرف النظر عن الموضوع الذى تعبر عنه، وبقوة وحماسة المؤمن تمام الإيمان بصحة ما يقول، الأمر الذى جعلنى أتساءل: هل تحتاج وزارة التربية والتعليم، وهى تبحث عن كتب جديدة تضعها فى أيدى الطلاب، إلى إطالة البحث ولديها وأمام عينيها كتابات الشيخ محمد عبده، البسيطة والواضحة، والتى يمكن أن يتعلم منها التلاميذ، ليس فقط كراهية التعصب وحب المختلفين عنهم فى الدين، وأهيمة البحث العلمى والابتكار، بل وتغرس فيهم أيضا حب اللغة العربية الجميلة؟، ومادام الأمر على هذا النحو، وبهذه البساطة، فهل معنى قعود وزارة التعليم عن هذا الأمر، أو عدم مرور مثل هذا الخاطر بأذهان المسئولين فيها أصلا، ان هؤلاء المسئولين عن التعليم عندنا لا يهمهم أن تحقق مصر أى نهضة على الإطلاق؟ وهل يريدون حقا مكافحة التعصب والقضاء على الفتنة الطائفية، أم أن الأمر كله تمثيل فى تمثيل؟

اقرأ ما كتبه الشيخ محمد عبده عن موقف الإسلام من أصحاب الديانات الأخرى غير الإسلام فى كتاب «الإسلام بين العلم والمدنية» (طبعة دار المصرى للثقافة والنشر بدمشق، ص84 ــ 85) «أباح الإسلام للمسلم أن يتزوج الكتابية، نصرانية كانت أو يهودية، وجعل من حقوق الزوجة الكتابية على زوجها المسلم أن تتمتع بالبقاء على عقيدتها والقيام بفروض عبادتها، والذهاب إلى كنيستها، وهى منه بمنزلة البعض من الكل، وألزم له من الظل، وصاحبته فى العز والذل، والترحال والحل، بهجة قلبه وريحانة نفسه، وأميرة بيته، وأم بناته وبنيه، تتصرف فيهم كما تتصرف فيه.. أين أنت من صلة المصاهرة بين أقارب الزوج وأقارب الزوجة، وما يكون بين الفريقين من الموالاة والمصاهرة على ما عهد فى طبيعة البشر؟ وما أجلى ما يظهر من ذلك بين الأولاد وأخوالهم وذوى القربى لوالدتهم. أيغيب عنك ما يستحكم من ربط الألفة بين المسلم وغير المسلم بأمثال هذا التسامح، الذى لم يعهد عند من سبق ولا فيمن لحق من أهل الدينيين السابقين عليه؟».

أو اقرأ ما كتبه عن استسهال تكفير الناس، مما يثير الشجن عندما يتذكر المرء ما حدث فى عصر الانحلال الحالى لأستاذ مصرى جليل هو الدكتور نصر حامد أبوزيد، إذ حكم بتكفيره والتفريق بينه وبين زوجته لأنه دعا إلى تفسير النصوص الدينية تفسيرا يتفق مع العقل والعلم. فقد كتب الشيخ محمد عبده أنه مما اشتهر بين المسلمين وعرف من قواعد أحكام دينهم أنه «إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه ويحتمل الإيمان من وجه واحد حمل على الإيمان، ولا يجوز حمله على الكفر. فهل رأيت تسامحا على أقوال الفلاسفة والحكماء أوسع من هذا؟ وهل يليق بالحكيم أن يكون من الحجة بحيث يقول قولا لا يحمل الإيمان من وجه واحد من مائة وجه؟« (نفس المرجع ص76 ــ 77).

أما تحكيم العقل فى تفسير النصوص، فقد اعتبره الشيخ محمد عبده أصلا من أصول الإسلام، فقال «اتفق أهل الملة الإسلامية إلا قليلا مما لا ينظر إليه على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل، وبقى فى النقل طريقان: طريق التسليم بصحة المنقول مع الاعتراف بالعجز عن فهمه، وتفويض الأمر إلى الله فى علمه، وطريق تأويل النقل مع المحافظة على قوانين اللغة حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل.. فماذا عساه أن يبلغ نظر الفيلسوف حتى يذهب إلى ما هو أبعد من هذا؟». (نفس المرجع ص76).

وللشيخ محمد عبده كلام جميل جدا ينفى اعتبار الدين كل الحياة، بل قال ان «أوامر الحنيفية السمحة ان كانت تختطف العبد إلى ربه، وتملأ قلبه من رهبته، وتفعم أمله من رغبته، فهى مع ذلك لا تأخذه عن كسبه، ولا تحرمه من التمتع به، ولا توجب عليه تقشف الزهادة، ولا تجشمه فى ترك اللذات ما فوق العادة. صاحب هذا الدين (صلى الله عليه وسلم) لم يقل (بع ما تملك واتبعنى) ولكن قال لمن استشاره فيما يتصدق به من مال (الثلث، والثلث كثير، انك ان تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس).

سمعت مؤخرا من أستاذ من أساتذة كلية الفنون الجميلة فى مصر أن قسم النحت من أقل أقسام الكلية جذبا للطلاب بسبب تفسير أخذ يشيع بينهم بأنه حرام. فليقرأ هؤلاء ما اقتطفه الأستاذ العقاد من رأى الشيخ محمد عبده فى الفنون الجميلة أيام كان مفتيا للديار المصرية، وكتبه فى سنة 1903: «إن الرسم ضرب من الشعر الذى يرى ولا يسمع، والشعر ضرب من الرسم الذى يسمع ولا يرى.. إن هذه الرسوم والتماثيل قد حفظت من أحوال الأشخاص فى الشئون المختلفة، ومن أحوال الجماعات فى المواقع المتنوعة، ما يستحق به أن يسمى ديوان الهيئات والأحوال البشرية، يصورون الإنسان أو الحيوان فى حال الفرح والرضا، والطمأنينة والتسليم وهذه المعانى المدرجة فى هذه الألفاظ متقاربة لا يسهل عليك تمييز بعضها من بعض، ولكنك تنظر فى رسوم مختلفة فتجد الفرق ظاهرا، باهرا.. فحفظ هذه الآثار حفظ للعلم فى الحقيقة، وشكر لصاحب الصنعة على الإبداع فيها».

فإذا اعترض أحد بالقول إن «فى الصورة مظنة العبادة» (أى أن الرسم والتمثال قد يوقع المرء فى الوثنية التى نهى عنها الدين) أجابه الشيخ محمد عبده: «إن لسانك أيضا مظنة الكذب، فهل يجب ربطه مع أنه يجوز أن يصدق كما يجوز أن تكذب؟». ويضيف إلى ذلك: «وبالجملة يغلب على ظنى أن الشريعة الإسلامية أبعد من أن تحرم وسيلة من أفضل وسائل العلم، بعد تحقيق أنه لا خطر فيها على الدين، لا من وجهة العقيدة ولا من وجهة العمل». (عباس العقاد: محمد عبده، ص264 ــ 266).

قد تظن أن رجلا كهذا، لا يمكن أن يكون له أتباع فى أوائل القرن العشرين إلا من الصفوة، أو صفوة الصفوة إذ كيف يتأتى لعامة الناس فهم وتقدير رجل بهذا العمل والتسامح واتساع الأفق؟ ولكن الحقيقة أن الرجل عندما مات فى سنة 1905، كانت جنازته جنازة شعبية بمعنى الكلمة، يصفها الأستاذ العقاد (المصدر السابق، ص254 ــ 255) بقوله: «لم يكن للمفتى الفقيد حزب ذو أداة منتظمة تسخر أعوانه لجمع الجموع وتسيير المواكب، بل كان صاحب السلطة الرسمية (أى الخديو) يعاديه ويغضب على مشيعيه.. وكان الصيف قائظا، والغائبون عن المدن من معتادى الاصطياف خارج القطر وفى قرى الريف أكثر من الحاضرين، فغلبت الصبغة القومية على كل صبغة رسمية أو تقليدية فى تشييع رفات المفتى إلى مقره الأخير من الإسكندرية إلى القاهرة فكانت موجة الحزن التى غشيت ألوف المشيعيين على طول الطريق دفته من أعماق القلوب والضمائر، عرفت بها الأمة مبلغ شعورها بعظمة الفقيد الراحل وعظم الخسارة بفقده.

وجاوز الزحام كل ما قدرته الشرطة واتخذت له حيطتها فى المدينتين من الصباح الباكر، قبل خروج النعش من داره، فتعطلت حركة الأسواق وأغلقت الدكاكين أبوابها للمشاركة فى موكب الجنازة، واكتظت الأرصفة بالواقفين والسائرين، ولم يبق أحد فى العاصمتين من ذوى الفكر والمنزلة لم يشترك فى ذلك الموقف الحافل..»، وذكرت صحيفة ليجيبت الصادرة بالفرنسية «يخيل إلى الرائى أن جميع سكان القاهرة الوطنيين قد حضروا آخر فريضة من الإجلال والإعظام لذلك الشيخ الجليل، وبينهم عدد عظيم من الأوروبيين».

الجمعة، 29 أكتوبر 2010

هل لدى المعارضة المصرية.. فكر سياسى؟

الشروق - الجمعة 29 أكتوبر 2010

يحار المرء بماذا يجيب إذا سئل عن حالة الفكر السياسى فى مصر الآن. إذ هل هناك فكر سياسى أصلا فى مصر، يمكن أن يوصف ويحلل؟
إنى لا أقصد فكرا سياسيا مبتكرا، يضيف به المصريون إلى حصيلة الفكر السياسى فى العالم، (فالمصريون متوقفون عن هذا الابتكار والتجديد منذ وقت طويل)، ولكنى أقصد شيئا أكثر تواضعا بكثير: مجرد الجدل حول الأفكار السياسية المطروحة فى العالم.

أين نبحث عن الفكر السياسى فى مصر؟ فى الأحزاب وصحفها؟ أم فى المنشور من كتب المحللين السياسيين وأساتذة الجامعات؟ سواء نظرنا إلى هذه أو تلك نجد الحصيلة قليلة للغاية ومن الصعب وصفها ب«الفكر السياسى».

الأحزاب فى مصر كثيرة، بل أكثر من اللازم بكثير. ولكن قليلا منها ما يمكن أن يزعم بأنه «صاحب فكر سياسى» على الرغم من أن قانون الأحزاب فى مصر يشترط للموافقة على طلب تكوين حزب، أن تكون للحزب أفكار متميزة عن أفكار غيره.

قلنا خذ مثلا ثلاثة من أحزاب (أو تكتلات) المعارضة المصرية، يمكن اعتبارها أقرب الأحزاب أو التكتلات فى مصر إلى احتمال امتلاك أو تقديم فكر سياسى متميز عن غيرها، حزب التجمع، والحزب الناصرى، وجماعة الإخوان المسلمين، لنرى إلى أى حد يقدم أى منها للناس فكرا سياسيا متميزا حقا، ويساير ما يجرى فى العالم من تطورات.

حزب التجمع ارتبط فى الأذهان، منذ انشائه قبل ثلث قرن، بالماركسية، على أساس المذهب الذى يدين به (أو كان يدين به) مؤسسيه، وتأكيده على فكرة الصراع الطبقى. ولكن حزب التجمع قرر منذ انشائه أن يفتح أبوابه لبعض الوطنيين من غير الماركسيين، من المؤمنين بالاستقلال الوطنى والعلمانية، والمتعاطفين مع الدعوة إلى العدالة الاجتماعية. تمتع الحزب طوال الخمسة عشر عاما الأولى من عمره، أى حتى نهاية الثمانينيات، بدرجة لا يستهان بها من الشعبية، وتمتعت خلالها جريدته (الأهالى) باحترام وتقدير واسعى النطاق بسبب مواقفها الوطنية، وتعبيرها عن مصالح الطبقات الأقل حظا من المجتمع، فضلا عن مستواها المهنى العالى، وتمتع كثير من كتابها بدرجة عالية من الموهبة، فضلا عن حساسيتهم الفائقة بما يفكر فيه الناس ويشعرون به. (هل تذكرون عواميد فيليب جلاب وصلاح عيسى؟ وكاريكاتير بهجت عثمان؟ ومقالات عبدالعظيم أنيس... إلخ؟).

عندما اضطر الحزب إلى تخفيف لهجة جريدة الأسبوعية، انصياعا لضغوط من الحكومة، وأنشأ إلى جانب الجريدة الأسبوعية مجلة شهرية (اليسار)، لعبت هذه المجلة دورا مشرفا للغاية فى تحريك الفكر السياسى فى مصر، بقيادة مثقف وطنى هو حسين عبدالرازق، وتألقت المجلة برغم ما كانت تواجهه من صعوبات مالية، وطبيعة المجلة الشهرية، بكتابها من الماركسيين وغيرهم، وبكاريكاتير حجازى البديع، مما يجعل أعدادها القديمة الآن تثير الدهشة بمقارنة ما كانت تنشره من مواد ومناقشات دسمة بما يجرى نشره الآن فى أى صحيفة أو مجلة مصرية، شهرية أو أسبوعية أو يومية.

أصاب الحزب ضعف شديد فى العشرين سنة التالية، لابد أن كان من أسبابه سقوط الاتحاد السوفييتى فى مطلع التسعينيات، وما أصاب الاشتراكية فى العالم من تصدع، ولكن لا شك أيضا أن من أسباب تصدع حزب التجمع، والتدهور الشديد الذى أصاب جريدته الأسبوعية (ناهيك عن إغلاق مجلة اليسار) الضغوط الشديدة التى تعرض لها من نظام الحكم إلى أن انتهت بمهادنة تامة بين الحزب والحكومة.

لم يكن للناصريين فكر سياسى واضح المعالم مثلما كان للماركسيين المصريين. فعبدالناصر لم يكن على أى حال مفكرا بمقدار ما كان سياسيا عمليا. لاشك أن عبدالناصر قد أحدث انقلابا فى الواقع السياسى والاجتماعى المصرى، طوال عقدين كاملين (الخمسينيات والستينيات)، واكتسب جماهير غفيرة من الأنصار فى مصر والعالم العربى كله، ولايزال كثير منهم يعتقدون أن ما فعله عبدالناصر وما دعا إليه مازال هو أصلح منهج للعمل السياسى، سواء تعلق الأمر بالسياسة الاقتصادية أو الاجتماعية أو العلاقات العربية أو السياسة الخارجية.

ليس من الممكن إنكار مازالت تتمتع به «الناصرية» من شعبية كبيرة، فى داخل مصر وبقية الدول العربية، ولكنى أزعم أن الناصرية الآن، فى مصر كما فى العالم العربى ككل، أقرب إلى أن تكون حنينا لماض جميل منها إلى الموقف الفكرى. فى كل عام تحتفل الجريدة الناصرية فى مصر (العربى) بذكرى ميلاد عبدالناصر وذكرى وفاته (وكذلك تفعل جريدة الكرامة التى تصدر عن حزب ناصرى آخر تحت التأسيس)، ومازال اسم عبدالناصر تحيط به هالة من التبجيل والاحترام لا يكاد يحظى بها أى زعيم عربى آخر قديم أو حديث.

ولكن الحقيقة التى يبدو أن الناصريين مصرون على تجاهلها، هى أنه قد مضى أكثر من أربعين عاما على وفاة عبدالناصر، وهى فترة ليست قصيرة بالمرة فى عمر العالم أو أى بلد من البلاد، خاصة أن معدل التغيير فى أحوال العالم يزداد بسرعة كلما مرّ الزمن، إنه من المهم أن نتذكر أنه خلال ال43 عاما التى انقضت على هزيمة عبدالناصر العسكرية فى 1967، شهد العالم نمو سياسة الوفاق بين المعسكرين الرأسمالى والاشتراكى (بل لعل هذا الوفاق هو نفسه الذى أدى إلى هزيمة عبدالناصر أصلا)، ثم عودة الحرب الباردة من جديد، ثم سقوط المعسكر الاشتراكى كله وانهيار الاتحاد السوفييتى، وانفتاح روسيا على العالم، وتحول الصين إلى نظام السوق، ونمو ظاهرة العولمة، ونمو ظاهرة المجتمع الاستهلاكى، وظهور ثورة المعلومات والاتصالات، وإعلان الحرب على ما يسمى ب«الإرهاب» بعد وقوع حادثة 11 سبتمبر 2001، واتضاح تدهور المركز النسبى للاقتصاد الأمريكى فى العالم، والإعلان ثم التراجع عما يسمى بنظام «الشرق الأوسطى الجديد»، والتدهور الشديد الذى أصاب القومية العربية، واشتداد الصف الإسرائيلى فى معاملة الفلسطينيين، وبزوغ قوى اقتصادية جديدة فى آسيا... الخ.

هل يجوز فى ظل كل هذه التطورات البالغة الأهمية ان نتحدث عن الناصرية وكأننا مازلنا فى سنة 1970، عندما توفى جمال عبدالناصر، أو فى 1966 أى قبيل هزيمته العسكرية؟ نعم كان عبدالناصر وطنيا عظيما، ومجددا لاشك فيه فى السياسة المصرية والعربية، ولكن هل يجوز أن نستمر فى ترديد كلامه وشعاراته، وكأن شيئا لم يحدث منذ ذلك الوقت؟

نعم، التبعية السياسية والاقتصادية شىء كريه ومرفوض دائما، ولكن هل التبعية فى سنة 2010 تعنى نفس ما كانت تعنيه فى 1970؟ وهل طريقة مواجهتها هى نفس طريقة مواجهة عبدالناصر لها؟ ألا يحتاج الأمر إلى مزيد من الفكر والتحليل السياسى والاقتصادى لما جرى ويجرى فى العالم؟

أما الإخوان المسلمون فهم ليسوا أقل اعتمادا على إثارة عواطف الناس من الناصريين، بل العكس هو الصحيح. ان رفع شعار «الإسلام هو الحل» ينجح دائما فى إثارة عواطف المصريين أكثر من أى شعار آخر، ولكن هل يصلح هذا لشعار حقا كبديل للفكر السياسى؟ بل ألا يحتاج هذا الشعار نفسه إلى تجديد مستمر وإعادة تفسيره مع تغير الظروف والأحوال؟ نعم، الإسلام ثابت وسيظل ثابتا على مرّ العصور، ولكن هل يجوز أن تكون الحلول المستمدة منه ثابتة أيضا مهما تغيرت العصور؟ أليس من الواجب كلما رفع شعار «الإسلام هو الحل»، أن يقدم تفسيرا لهذا الشعار ينطوى على تطبيقات ملائمة للظروف والأحوال التى يرفع فيها الشعار، ويواجه بوضوح ما جرى فى العالم من تطورات وما يجرى فيه من أحداث؟

نغم هناك فقر لاشك فيه فى الفكر السياسى للمعارضة المصرية فى الوقت الحاضر، ولكنى أعود فأقول: هل هناك أى شىء غريب فى هذا الأمر؟ هل يمكن أن تطالب أى شخص بشحذ فكره وابتكار أى فكرة جديدة وهو فاقد لحرية الكلام؟ هل يمكن حقا أن يفكر المرء وهو مكمم الفم؟ ألا يحتاج الابداع، بل ومجرد التفكير إلى وجود القدرة على التعبير ابتداء؟ أليس حالنا، طوال الثلاثين عاما الماضية على الأقل، كحال التلميذ الخائف الذى كلما فتح فمه بالكلام انهال عليه المدرس بالسب والضرب؟

هل ينتظر من هذا التلميذ أن يفعل فى النهاية أكثر من أن يردد ما سمعه من قبل؟ وهل يمكن أن نتوقع منه أى ممارسة لملكة التفكير المستقل؟
إنى أزعم أن حالة الفكر السياسى للمعارضة المصرية لم تكن دائما بهذه الدرجة من السوء.

الجمعة، 22 أكتوبر 2010

محنة المعارضة فى مصر

الشروق - الجمعة 22 أكتوبر 2010

 آن الأوان أن نعترف بأن المعارضة فى مصر فى محنة شديدة. نعم، إنها كبيرة الحجم وواسعة النطاق، حتى لأكاد أقول إنها تضم الغالبية الساحقة من الشعب المصرى: فغالبية الشعب المصرى تتكون اليوم من رجال ونساء ساخطين، مرهقين، ويتساءلون عن اليوم الذى يمكن أن يزيل الله فيه كربهم ويكشف غمتهم، ويعرفون جيدا أن المسئولية عن هذا الكرب وهذه الغمة تقع على النظام الحالى.

بالإضافة إلى كبر الحجم واتساع النطاق، يمكن أن نصف المعارضة المصرية أيضا بأنها غالبية الصوت. يسمع صوتها الجميع، باستثناء حفنة صغيرة جدا من أصحاب الامتيازات الجالسين على قمة النظام، والذين يتمتعون بخيرات البلد. هذه الحفنة الصغيرة لا تسمع ولا تريد أن تسمع صوت المعارضة العالى. ولكن هذا الصوت العالى، كثيرا ما يبدو وكأنه أقرب إلى الصراخ الهستيرى منه إلى النقد أو المطالبة بالإصلاح. وهذا الصراخ الهستيرى هو نفسه من الأدلة على شدة المحنة التى تعانى منها المعارضة المصرية. لقد مر على المعارضة المصرية زمن كانت فيه تنادى فعلا بالإصلاح وبمطالب محددة، وتتكلم بلهجة أكثر هدوءا وأقل حدة (هكذا أتذكر المعارضة فى السبعينيات والثمانينيات، أى منذ ثلاثين أو أربعين عاما)، ولكن المعارضة المصرية تغيرت، وطريقتها فى الكلام لم تعد كما كانت.

هذه المحنة الشديدة التى تمر بها المعارضة فى مصر ليس من الصعب تفسيرها.

1ــ هناك أولا اختفاء أى بارقة أمل لدى المعارضين فى أن يتمكنوا من الوصول إلى الحكم، أو حتى الاشتراك فيه، لتنفيذ ما يعتقدون أنه إصلاحات ضرورية. الدولة الديمقراطية تعرف ما يسمى بـ«تداول السلطة»، فلا يحتكر فيها السلطة شخص أو حزب واحد إلى الأبد. ولكن كل الأمور فى مصر تسير على مبدأ أن السلطة أبدية، وأن الذى يصل إلى الحكم يعمل كل ما فى وسعه للبقاء فيه إلى الأبد، وهذا هو ما يحدث بالفعل.

فى ظل تداول السلطة، يمكن مقارعة الحجة بالحجة، ويسعى أصحاب الرأى، والرأى المعارض، إلى تعبئة الناس فى صفهم. ولكن فى ظل احتكار السلطة يصاب المعارضون باليأس، ويفقد الناس بالتدريج ثقتهم بجدوى المعارضة أصلا. وإذ أصاب اليأس المعارضين وأنصارهم، ما أسهل أن يتحول النقد إلى سباب، وأن تتحول المطالبة بالإصلاح إلى صراخ هستيرى.

2ــ وإصرار الحكام على احتكار السلطة يصيبهم بالغلظة والقسوة فى معاملة معارضيهم، وكل من يشتبه فيه الوقوف إلى جانب المعارضة. والقسوة والغلظة تزدادان فى الحكام مع مرور الزمن بسبب اعتيادهم الجلوس على مقاعد الحكم، وطول عهدهم بما تمنحه لهم السلطة من امتيازات وبحبوحة العيش، فلا يتصورون كيف يمكن أن يأتى غيرهم ليحل محلهم، أو أن ينتقلوا هم إلى مقاعد المعارضة.

ومع طول عهدهم فى الحكم يزداد عدد المستعدين لخدمتهم، ولو لمجرد الحصول على مكافآت مادية سخية، بل ويصبح لديهم عدد كبير من الأشخاص المستعدين للقيام بمهمة ضرب المعارضين بل وتعذيبهم إذا لزم الأمر. وهذا يصيب المعارضين وأنصارهم بالخوف، فيزدادون ضعفا على ضعف.

3ــ والقانون غائب غيابا يكاد يكون تاما. بل لقد كف النظام عن التظاهر بوجوده. رجال الشرطة لا يحمون إلا الممسكين بالسلطة، ولا يقبضون إلا على من يغضب الحكام والقضاء يأتمر بأمرهم (أو هكذا يتحول الأمر بالتدريج)، فإذا حدث ووقف القضاء ضد أصحاب السلطة، تم تجاهل الحكم وكأنه لم يكن.

نعم، هناك جميعات لحقوق الإنسان، وهناك مراسلو الصحف والإذاعات الأجنبية، ولكن هذه الجمعيات محدودة القدرة وقليلة الموارد، ومن ثم اعتادت الحكومة تجاهل احتجاجاتها، والمراسلون الأجانب لهم تفضيلاتهم الخاصة وفقا لدرجة الأهمية التى يحتلها المعارض لدى الحكومات الأجنبية ووسائل إعلامها. فأهمية المعارض فى نظرهم لا تتوقف على صدق تعبيره عن مشاعر قومه، بقدر ما تتوقف على رضا الدوائر الأجنبية عنه. فإذا كان المعارض مثلا قد احتج على موقف الحكومة المصرية من معاملة الإسرائيليين لأهل غزة، فعاملته الحكومة المصرية بقسوة زائدة، لم يرد ذكر هذه المعاملات فى الجرائد والإذاعات الأجنبية مراعاة لمشاعر الإسرائيليين، وهكذا. سعيد الحظ إذن ذلك المعارض الذى يرضى عنه شعبه ووسائل الإعلام الأجنبية فى نفس الوقت، وهو شىء نادر الحدوث.

4ــ والنظام الحاكم يتلقى، فى معاملته القاسية للمعارضة المصرية، دعما قويا من بعض الحكومات الأجنبية، بالمال والسلاح ووسائل التدريب على طرق التعامل مع المعارضة، بما فى ذلك وسائل التعذيب. فالذى يخشاه النظام فى الحقيقة، ليس غضب شعبه، بل غضب القوة الأجنبية الراعية له، والتى هى سبب وجود هذا النظام أصلا. قد تتظاهر هذه القوة الأجنبية بأنها تناصر الديمقراطية وحرية الرأى، فتصدر عنها من حين لآخر تصريحات تحتوى على احتجاج مؤدب على ما تتعرض له المعارضة من قهر، والانتخابات والاستفتاءات من تزوير، وتطالب النظام بأن يصبح أكثر ديمقراطية فى المستقبل. ولكن النظام الحاكم يعرف جيدا قيمة هذه التصريحات، وأن أصحابها لا يعنون فى الحقيقة ما يقولون. وهم يبدون للنظام فى الخفاء من التأييد والدعم ما يخفونه فى تصريحاتهم العلنية ومن ثم اعتاد رجال النظام أن يتعاملوا مع هذه التصريحات بما تستحقه من لا مبالاة. انهم يعرفون وظيفتهم الحقيقية فى خدمة هذه القوة الخارجية، ويعرفون ما الذى يعجبها فى الحقيقة وما لا يعجبها، وما الذى يمكن أن يكافأوا عليه وما الذى يعرضهم فعلا للغضب.

5ـ كل هذا يزيد المعارضة المصرية ضعفا على ضعف فالخصم قوى وقاسٍ، وهو مدعوم من الخارج بقوة لا تقل قسوة، واختصامه غير مجدٍ، سواء أمام القضاء الداخلى أو أمام الرأى العام الخارجى. ولكن مما يزيد محنة المعارضة المصرية شدة، ما طرأ على جمهور المصريين أنفسهم من تغير. فالمصريون منذ زمن ليس بالقصير يعانون أزمات اقتصادية شديدة: الدخل قليل، ولا يزيد إلا ببطء، بينما الأسعار ترتفع بمعدلات كبيرة، والبطالة تزداد وتنتشر بين المتعلمين، والعثور على وظيفة تلائم ما حصله الشاب أو الشابة من تعليم أصبح من أشق الأمور. وخدمات التعليم والصحة والمواصلات التى كانت تقدمها الحكومة، يتدهور مستواها باستمرار، وهذا يستوجب اقتطاع جزء متزايد من الدخل، الذى لا يزيد أصلا إلا ببطء شديد، لتعويض هذا التدهور فى التعليم، بالانفاق على الدروس الخصوصية، وفى الصحة، باللجوء إلى العيادات الخاصة، وفى المواصلات يضطر الناس إلى تعريض أنفسهم وأولادهم وبناتهم لحوادث سيارات وقطارات يقودها رجال (وأحيانا صبية) ليسوا أقل معاناة منهم... الخ. كل هذه الهموم لا تترك للناس، متعلمين كانوا أو غير متعلمين، طاقة يمكن أن يوجهوها للاهتمام بالقضايا الوطنية أو السياسية القائمة، إذ لم يعد لدى معظم المصريين لا الوقت ولا الاستعداد النفسى للتفكير فيما يتجاوز مشاكل الحياة اليومية المتجددة باستمرار، والتى تتطلب مواجهتها جهود جبارة بل وأحيانا أعمال بطولية. هكذا يجد رجل المعارضة نفسه يوجه الكلام لأشخاص، قد يتعاطفون حقا مع ما يقول، ولكنهم لا يجدون فى أنفسهم القوة الكافية لمناصرته والوقوف بجانبه. المعارض إذن، بالإضافة إلى كل ما يواجهه من قسوة النظام، لا يجد من شعبه إلا أفرادا منهكى القوى، استبد بهم عذاب المعيشة اليومية، وأنفقوا كل قواهم فى توفير الضروريات لأولادهم وبناتهم، فلم يبق لديهم شىء يقدمونه للوطن.

6ــ ولكن دعنا نعترف أيضا بأن المعارضة المصرية، بالإضافة إلى كل ذلك، قد أصابها ضعف وهزال من نوع آخر، لا تريد الاعتراف به، وهو الضعف الفكرى. فالكلام الذى تقوله المعارضة قديم، ولا يتغير مع تغير الظروف والأحوال. ورغم أن المعارضة تبدو وكأنها تتكون من أحزاب كثيرة، ذات مواقف فكرية مختلفة، فالحقيقة أنه ليس من بينها حزب واحد يقول كلاما لم يكن يقوله بحذافيره منذ أكثر من أربعين عاما. ولكن هذا الضعف الفكرى الذى تعانى منه المعارضة المصرية، من الأهمية والخطورة بحيث يحتاج وحده إلى مقال مستقل.

الجمعة، 15 أكتوبر 2010

الخلفية التاريخية لمحنة جريدة الدستور

الشروق - الجمعة 15 أكتوبر 2010

منذ نحو أربعين عاما، كان المصريون يمرون بمحنة قاسية، ويسيطر عليهم غم عظيم نتج عن الهزيمة العسكرية المنكرة فى 1967، لم تكن الهزيمة شيئا متوقعا بالمرة، إذ كان المصريون قد خضعوا طوال الخمسة عشر عاما السابقة على الهزيمة، لحملة إعلامية عاتية تعدهم بالنصر المؤكد، وتصور قوة مصر العسكرية بأكثر كثيرا من الحقيقة. ثم استمرت الحملة الإعلامية، حتى بعد وقوع الهزيمة، تردد كلاما كثيرا لم يعد من الممكن أن يخدع المصريين بعد أن حدث ما حدث، مثل شعار «ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة»، أو شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»... إلخ. ولم يكن من الصعب على المصريين أن يفهموا أن هذا الشعار الأخير لم يكن يقصد به إلا منع الناس من الكلام.

تعرض النظام فى ذلك الوقت لنقد شديد وسخرية مريرة، فى أحاديث الناس اليومية، وفيما أطلقوه من نكات كان فيها من المرارة أكثر مما فيها من سخرية. ولكن نادرا ما كان يتجاوز النقد ما كان يقوله الناس بعضهم لبعض فى السر، بل وفى خوف شديد بسبب انتشار المخبرين وكتيبة تقارير المباحث فى كل مكان. واستمر ذلك حتى ظهر من بين المصريين رجل موهوب استطاع أن يعبر عما فى نفوسهم من حزن ومرارة، فأصبح بين يوم وليلة لسان حالهم، فى وقت لم يكن من الممكن للصحف أو الإذاعة أو التليفزيون أن تعبر من قريب أو بعيد عما كانوا يشعرون به. كان هذا الرجل هو الشاعر أحمد فؤاد نجم. كان رجلا مدهشا فى مظهره ومخبره وكلامه وسلوكه. لم يكن يرتدى إلا الجلباب البلدى، أيا كان المكان الذى يظهر فيه، طويل القامة وشديد الهزال، وذو بشرة شديدة السمرة وملامح مصرية صميمة. ولكن الأهم من كل ذلك أن لديه قدرة فائقة على نظم الشعر العامى. كان شعرا جميلا للغاية، وبالغ الظرف، استخدم فيه حصيلة غير عادية من التعبيرات العامية، ورثها عن أمه، التى اشتهرت فى حيّها بالفصاحة وحفظ القصص الشعبية، والأمثال والمأثورات المصرية. المدهش أيضا أن هذا الرجل، رغم نشأته المتواضعة، كان متابعا جيدا جدا لكل ما يجرى فى مصر والعالم، ويفهم تمام الفهم دوافع الأحداث السياسية وتصرفات الحكام.

ثم سرعان ما اكتشف هذا الشاعر مغنيا مصريا ضريرا، يحمل نفس المشاعر الوطنية والاحساس بما يتعرض له الفقراء والمصريون عموما من قهر، فأمسك عوده ووضع ألحانا بسيطة ولكنها مؤثرة، كما كان يلقيه الشاعر على سمعه من قصائد، فالتهب حماس الساخطين والمتبرمين بما يجرى فى مصر، وراحوا يرددون أغانى الشاعر حتى اشتهرت بين الناس، بل وتعدت شهرتها حدود مصر، إذ أثارت دهشة المراسلين والصحفيين الأجانب وكثير من مثقفيهم، إذ يجدون رجلين على هذه الدرجة من بساطة العيش، يثيران كل هذا الحماس لدى طوائف المثقفين والمسيّسين من المصريين.

هنا فقط التفت رجال النظام للأمر. حاولوا فى البداية إغراء الشاعر والمغنى بالمال، ظنا منهم أنهما، مثل معظم الناس، مستعدان لتغيير المسار متى حصلا على القدر اللازم من بحبوحة العيش. فعرضوا عليهما أن يفتحوا لهما أبواب الإذاعة والتليفزيون بشرط أن يقتصرا على قصائد وأغانى الحب والغرام، وألا يتعرضا لأى موضوع اجتماعى أو سياسى، ولكن الرجلين وجدا العرض مضحكا للغاية، إذ أدركا بفطرتهما السليمة أن الله لم يخلقهما لتأليف أو غناء قصائد الحب. فاستمرا فيما هما فيه، وانتهى الأمر بالقبض عليهما وإيداعهما السجن، المرة بعد المرة، حتى أصبح الوقت الذى يقضيانه فى السجن أكثر مما يقضيانه خارجه، ومع ذلك استمرا فى وضع القصائد، والأغانى، بل وأنتجا بعضا من أجمل أغانيهما فى داخل السجن.

مع مرور الزمن وتفاقم الأوضاع، وازدياد الظلم، زاد عدد الساخطين والمتبرمين، ولم يعد إلقاء القصائد والغناء فى داخل بعض البيوت كافيا للتعبير عن مشاعر الناس المتأججة داخل كل البيوت. ألهم ذلك، منذ نحو عشرين عاما، رجلا ذكيا بفكرة عبقرية، وهى أنه فى مثل هذا المناخ، ليس هناك أى شك فى نجاح جريدة جديدة تعبر عما يدور فى أذهان هذه المئات من الألوف من الناس، طالما كان التعبير ذكيا وجريئا وخفيف الظل. لم يكن لهذا الرجل أى مطامح سياسية، بل ولا حتى أى موقف أو انتماء سياسى واضح. كان فقط رجلا ذكيا يبحث عن مشروع استثمارى جيد، ووجد بغيته فى هذه المجموعة الذكية من المصريين الساخطين، وعرض على أحدهم، الذى عرف بينهم بمهارات صحفية وتنظيمية كبيرة، وقلم جذاب وحيوية نادرة، فضلا عن الفهم السليم لما يجرى فى مصر، والتعاطف مع حاجات الناس ومشاعرهم، أن يقود هذه الكتيبة من الصحفيين الوطنيين فى إصدار هذه الجريدة الجديدة وأن يخوض معهم هذه التجربة المدهشة.

نجحت الجريدة منذ العدد الأول، رغم أن الثمن الذى حدد لها كان أغلى، وقت صدورها، من ثمن أى جريدة أخرى. وتخاطفها الناس من باعة الصحف، وكأن الناس لم يكونوا يصدقون أنهم كانوا محرومين إلى هذا الحد من صحافة حقيقية، واكتشفوا فجأة أنه من الممكن أن تصدر صحيفة دون أن تحمل عناوينها الرئيسية فى كل يوم، أخبار مقابلات رئيس الجمهورية وتحركاته. وكما هى العادة: عندما يوجد المنبر تكتشف المواهب الدفينة، فلمعت على صفحات هذه الجريدة أسماء عدد كبير من الصحفيين من الشباب الذين يتمتعون بموهبة فطرية، ولكن صهرتهم أيضا سنوات كثيرة من العذاب والقهر.

حاول النظام بمختلف الوسائل وقف سير هذه الجريدة فلم يفلح. فعندما نشرت الجريدة أن رئيس الجمهورية مريض، قدم رئيس التحرير للمحاكمة بتهمة تعريض مناخ الاستثمار فى البلاد للخطر، ووضع فى السجن. ومع هذا استمرت الجريدة كما كانت، سواء أثناء وجود رئيس التحرير فى السجن أو بعد خروجه. جربت الحكومة أيضا حرمان الجريدة من أى إعلانات، فاضطرت الجريدة إلى ضغط مرتبات الصحفيين العاملين فيها إلى الحد الأدنى، ومع هذا لم يترك هؤلاء الصحفيون جريدتهم، رغم إغراء المرتبات العالية فى صحف أخرى. ثم اهتدت الحكومة فى النهاية إلى الحل الوحيد الباقى.

كان الحل بسيطا جدا بقدر ما هو خبيث. إذ مادام مالك الجريدة رجل استثمار وليس رجل سياسة، فالطريقة الوحيدة التى تتبع معه هى شراء الجريدة بأكملها منه. وإذا كان مالك الجريدة ثريا، فإن هناك فى مصر من هو أكثر ثراء منه. وهذا الرجل الأكثر ثراء، والذى يستطيع شراء الجريدة بأسرها، له هو نفسه مطامح سياسية، ولكنها، لحسن حظ النظام الحاكم لا تتعارض مع مصالح النظام نفسه. بدت هذه أفضل طريقة لإسكات هذه المجموعة من الصحفيين المتمردين، وإغلاق فم زعيمهم إلى الأبد.

وبدأ بالفعل تنفيذ المخطط، وتم شراء الجريدة. وبدأ المشترى الجديد بمحاولة اتباع الوسيلة المألوفة، وهى أن يعرض على العاملين فى الجريدة مضاعفة مرتباتهم، على أمل أن يخضعوا للسياسة الجديدة للجريدة، وهى سياسة مهادنة النظام، فلم تفلح هذه الوسيلة، إذ ثبت أن هؤلاء الصحفيين مصنوعون من معدن مختلف عن المألوف. لم يبق إذن إلا العنف. فالنظام متعجل للنتائج، إذ لم تبق إلا أسابيع قليلة على انتخابات مجلس الشعب، وهى انتخابات مهمة سوف يتوقف عليها نجاح أو فشل مخطط التوريث فى العام التالى، أو مخطط مماثل فى السوء ولكنه مجهول لنا حتى الآن. لابد إذن من السرعة مهما كانت الصدمة كبيرة.

رئيس التحرير المتمرد يجرى عزله، ويزعم المالك الجديد أن الخلاف معه كان حول مستوى المرتب وليس على سياسة الجريدة، ويجمع رئيس التحرير أوراقه وينصرف، وينصرف معه زملاؤه عن بكرة أبيهم. بقيت أمام رئيس التحرير الجديد مهمة ملء الصفحات الشاغرة، فلم يجد أمامه إلا الاعتماد على الجنس والفضائح. وهكذا ظهرت فجأة فى الجريدة صفحات كاملة مملوءة بصور لفنانات جميلات، وصفحة أخرى كاملة لأخبار نجوم المجتمع، أين تناولوا العشاء ومن حضر خطوبة بنت ذلك المستثمر الكبير أو ابنه، وإذ خمنت الإدارة الجديدة أن كل هذا لن يكفى للاحتفاظ بالعدد الكبير من قراء الجريدة، خطرت لهم فكرة فاسدة الذوق، وهى الزعم بأن نجيب محفوظ، أديبنا الكبير، مات مقتولا، وجعلوا هذه القصة الخائبة موضوع المانشيت الأول، وراحوا يلتقطون الصور لابنتى الأديب الكبير اللتين لم تتعودا الظهور قط فى وسائل الإعلام من قبل.

هذه هى النقطة التى بلغتها قصة المصريين مع النظام الحاكم حتى كتابة هذه السطور. وقد وجدت أن الرجوع إلى الماضى لا يخلو من دروس مفيدة، ففى حالتى نجم وإمام جُرب الإغراء بالمال فلم يفلح، واستخدمت القوة والعنف فلم يفلحا أيضا. والآن تجرب نفس الوسائل من جديد، ولا أشك أيضا فى أنها لن تنجح، أو على الأقل لن تنجح إلا فى تمرير انتخابات سيئة لمجلس الشعب وربما أيضا فى تنفيذ مخطط مثل مخطط التوريث. ولكنها قطعا لن تنجح فى قتل روح المصريين.

هكذا تذكرت قصيدة أحمد فؤاد نجم الجميلة التى تحمل عنوان «عيون الكلام» والتى كتبها فى سجن القناطر فى سنة 1970، وتقول:

«إذا الشمس غرقت فى بحر الغمام
ومدت على الدنيا موجة ظلام
ومات البصر، فى العيون والبصائر
وغاب الطريق، فى الخطوط والدواير
يابو المفهومية، ما فيش لك دليل
غير عيون الكلام».

الجمعة، 1 أكتوبر 2010

حكايات وفاء وكاميليا .. وأم جورج

الشروق - الجمعة 1 أكتوبر 2010

الذى يقرأ ويسمع ما يقوله الناس فى مصر عن قصة وفاء قسطنطين، ثم عن قصة كاميليا شحاتة، لابد أن يتعجب أشد العجب من التطور الذى طرأ على علاقة المسلمين بالأقباط فى مصر خلال العقود الأخيرة، بل وأيضا من التطور الذى طرأ على نظرة المسلمين المصريين إلى أنفسهم ونظرة الأقباط إلى أنفسهم.

أصارح القارئ بأنى لم أحرص على تتبع الأخبار اليومية عن تفاصيل ما حدث فى كلتا القصتين، لأنى لم أعتبرهما فى البداية شيئا يستوجب اهتماما كبيرا، ولكن تتابع الأخبار عن القصتين، واحتلالهما مساحات تزداد حجما يوما بعد يوم، وتضخم المانشيتات التى تحمل آخر أخبارهما، كان يجبر أى شخص على معرفة المزيد من الأخبار عنهما. ومع هذا فأنا مازلت لا استطيع أن أحكى لأحد بالدقة الكافية ماذا حدث بالضبط. الذى أعرفه أن وفاء وكاميليا سيدتان مسيحيتان، أو على الأقل كانتا مسيحيتين، ثم قيل إن وفاء قسطنطين أسلمت ثم عادت إلى مسيحيتها، وأنها الآن فى مكان ما فى أحد الأديرة تحت أعين الكنيسة، وأن كاميليا شحاتة هربت من منزل الزوجية ثم أسلمت، ثم قيل إن رجال الأمن قبضوا عليها وسلموها للكنيسة، ثم أنكرت الكنيسة أنها أسلمت على الإطلاق، بينما يصر مسلمون كثيرون على أنها أسلمت ثم أجبرت على العودة إلى المسيحية. وقام متظاهرون مسلمون يحتجون على تدخل رجال الأمن فى حرية امرأة قبطية تريد أن تعلن إسلامها، واحتج الأقباط على احتجاج المسلمين... الخ.

لقد أصبحت السيدتان وفاء وكاميليا إذن شخصيتين شهيرتين، فقد رأى الجميع صورهما يتكرر نشرها فى الصحف، مع أن الأمر لا يتجاوز رغبة فردية محضة، لا نعرف دوافعها الحقيقية، ولكن من المؤكد أنها لا تعلى من مقام إحدى الديانتين أو تقلل من مقام الديانة الأخرى. فقيام فرد، أى فرد، بتغيير دينه، فضلا عن ندرة حدوثه، يتعلق فى العادة بمشكلة شخصية بحتة، ومن الصعب جدا تصور حالة اتخذ فيها أى شخص، رجلا كان أو امرأة، هذا القرار بتغيير الديانة، بناء على استغراق فى البحث والتفكير فيما يميز إحدى الديانتين عن الأخرى. ليس هذا من طبيعة الأمور، ولا من طبائع معظم البشر، ناهيك عن صعوبة تصوره فى مثل أحوال مصر الحالية، وبين أفراد طبقة اجتماعية كالتى تنتمى إليها السيدتان وفاء وكاميليا. ومن شبه المؤكد إذن أن الرغبة فى تغيير الدين كانت فى الحالتين قرارا مبنيا على اعتبارات عملية بحتة (تتعلق على الأرجح بحرية الطلاق والزواج)، وليس على اعتبارات فكرية. وهذا وحده كفيل بأن يجعل الأمر غير جدير بالاهتمام. فلماذا إذن كل هذا التوتر والتشنج؟ ولماذا يتحمس المسلمون كل هذا الحماس، ولماذا تتدخل الكنيسة إلى هذا الحد، ولماذا يتدخل رجال الأمن أصلا؟ لقد تحولت حادثة فردية لا أهمية لها ولا تستحق الكثير من التفكير، إلى ظاهرة اجتماعية لابد لها من تفسير. ولقد وصلت أنا إلى تفسير معين سأطرحه هنا على القراء.

كما أن من الممكن أن يحدث لشخص ما، ما يضعف ثقته بنفسه، فيصبح شديد الحساسية لما يقوله الناس عنه، ويبتئس أكثر من اللازم لأى نقد يمكن أن يوجه إليه، ويفرح أكثر من اللازم بما قد يوجه إليه من ثناء، حتى ولو كان ثناء غير حقيقى، أو كان هذا الثناء مدفوعا برغبة أنانية أو لمجرد المجاملة، كذلك يمكن، فيما يبدو لى، أن تفقد طبقة أو طائفة بأكملها ثقتها بنفسها، أو تضعف بشدة هذه الثقة، فتتصور الإهانة حيث لا توحد إهانة، وتفرح بمن يشيد بصفة من صفاتها، حيث لا وجه فى الحقيقة للفرح. بل ويشتبك أفراد من هذه الطبقة (أو طائفة من الشعب) بآخرين من نفس طبقتهم (أو بطائفة أخرى من نفس الشعب)، ويتبادلون السباب والشتائم، بناء على ادعاءات موهومة وتصورات حقيقية أو زائفة، عما يظن هذا بذاك، أو ما صدر من إهانات من هذه الطائفة إلى تلك.

إننا نعرف عن تطور علاقة المسلمين بالأقباط خلال المائة عام الماضية، ما يكفى للجزم بأن شيئا مما حدث حول قصة وفاء أو كاميليا، لم يكن من الممكن أن يحدث (أو على الأقل بهذه الصورة الحادة) فى بدايات القرن الماضى، عندما كان يقود الخطاب الإسلامى رجل بمكانة الشيخ محمد عبده، ولا فى الثلاثينيات من القرن العشرين، عندما كان يقوده الشيخ حسن البنا، ولا فى الخمسينيات، أيام سيد قطب ولا حتى فى السبعينيات والثمانينيات أيام الشيخ متولى الشعراوى. لم يكن يتصور فى رأيى، فى أى مرحلة من تلك المراحل، أن يثير قيام سيدة مسيحية بإشهار إسلامها كل هذا الاهتمام والتوتر اللذين حدثا خلال الشهور القليلة الماضية. والسبب أن أحوال المسلمين والأقباط ليست كأحوالهم منذ قرن، ولا منذ نصف قرن، ولا حتى منذ ربع قرن. حدثت لكل منهما أمور سيئة، وازدادت سوءا مع مرور الزمن، أضعفت بشدة من ثقة كل من الجماعتين بنفسها، وانعكس هذا الضعف الشديد فى الثقة بالنفس، فى موقف كل منهما من الأخرى.

قد يبدو الكلام عن «الثقة بالنفس»، فى وصف ما حدث لطبقة اجتماعية بأكملها، أو لطائفة كاملة من الشعب، غريبا بعض الشىء، بينما نقبله بسهولة عندما نصف حالة شخص واحد. ولكنى أعتقد أن هذا الوصف صحيح وملائم تماما للتعبير عما حدث للطبقة الوسطى المصرية، أو لشرائح واسعة منها. إن تدهور الأحوال الاقتصادية يمكن أن يضعف ثقة طبقة كاملة بنفسها، كما يمكن أن يضعف ثقة الفرد بنفسه. ففى ظل هذا التدهور تنتشر البطالة، وينتشر اشتغال غير المتبطلين بأعمال أقل من قدراتهم، وأقل مكانة مما كانوا يطمعون فيه ويؤهلهم له تعليمهم، ويشتد القلق مما يمكن أن يأتى به المستقبل، ويعجز كثيرون عن توفير الحاجات الأساسية للأولاد والبنات، ويضطر الشباب إلى تأجيل الزواج... الخ. تضعف الثقة بالنفس أيضا، إذا تدهور مركزك الاجتماعى بالنسبة لغيرك ممن كنت تقارن نفسك به، وتطمع فى أن تحقق مثل ما حقق. وهذا أيضا يمكن أن يحدث لطبقة اجتماعية بأكملها، عندما تزداد بشدة الفجوة بين الدخول والثروات، ويبدو وكأن من المستحيل اللحاق بالطبقة الأعلى.

يشتد الشعور بالاحباط (ومن ثم تضعف الثقة بالنفس) عندما يحدث هذا اليأس بعد فترة من صعود الآمال. فالمصرى الفقير فى الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضى كانت تفصل بينه وبين الغنى فجوة واسعة، ولكنه كان قد اعتاد لعشرات من السنين (بل وربما لعدة قرون) على فكرة أن عبور هذه الفجوة فى حكم المستحيل، ومن ثم اعتاد أن يعتمد فى كسب الثقة بنفسه على أشياء أخرى غير زيادة الدخل والثروة. لم يعد الأمر كذلك منذ الثمانينيات، أى خلال الثلاثين عاما الأخيرة، إذ حدثت زيادة الفجوة بين الطبقتين الوسطى والعليا، وبين الشرائح الدنيا من الطبقة المتوسطة والشرائح الأعلى منها، بعد عشرين سنة من النجاح فى تضييق هذه الفجوة. كانت الصدمة شديدة، وخيبة الآمال كبيرة، ومن ثم حدث التدهور الشديد فى الثقة بالنفس.

عندما يحدث هذا لطبقة بأكملها، أو لشريحة اجتماعية كبيرة، يسهل جدا أن يحدث ما حدث للعلاقة بين المسلمين والأقباط، كما يصبح من الممكن ان يتغير شكل الخطاب الدينى ومضمونه، وتتغير طريقة تلقى الأحداث وطريقة التعبير عنها، وفى ضوء هذا التغيير يجب أن ننظر إلى ما حدث فى غمار التطورات المؤسفة لقصة وفاء قسطنطين وقصة كاميليا شحاتة.

إن من الممكن جدا أن نفهم أن يُسَر مسلم إذا علم أن مسيحيا عكف على قراءة القرآن الكريم وعلى دراسة الدين الإسلامى، فوجد فى نفسه رغبة فى التحول من المسيحية إلى الإسلام، كما ان من الممكن جدا أن نفهم أن يشعر قبطى بالسرور إذا علم بالخبر العكسى، أى أن مسلما أخذ يقرأ تعاليم المسيح فوجد فى نفسه الرغبة فى التحول من الإسلام إلى المسيحية. ولكن لماذا يغتبط المسلم أو المسيحى إذا سمع أن شخصا من ديانة غير ديانته قرر التحول إلى ديانته هو بناء على ظروف شخصية بحتة، ولأسباب عملية لا فكرية أو عقائدية؟ السرور والغضب هنا لابد أن يكونا تعبيرا عن انفعالات هى بدورها منبتة الصلة بالفكر أو العقيدة، وإنما هى انفعالات ناشئة، على الأرجح عن مشاعر بالاحباط نتجت بدورها عن ظروف اجتماعية واقتصادية.

قد يقال ان الذى أثار المسلمين هو موقف رجال الأمن، الذين تصرفوا وكأنهم انحازوا للكنيسة القبطية دونهم، وأساءوا إلى امرأة كان يجب أن تكون لها الحرية الكاملة فى اعتناق الدين الذى تريده كما أثارهم موقف الكنيسة التى قيل إنها أجبرت إحدى السيدتين أو كلتيهما على العودة بالقوة إلى المسيحية. كما قد يقال إن الذى أثار الأقباط ما تردد من أن هناك من المسلمين من يعمل على تحول بعض الأقباط إلى الإسلام، إلى حد اختطاف بعض القبطيات لهذا الهدف... الخ. ولكن كل هذه الشائعات والاقاويل لا تنشأ إلا فى مناخ اجتماعى فاسد، ولا تنتشر ويجرى ترديدها من فم إلى آخر إلا فى مناخ اجتماعى أكثر فسادا. ورجال الأمن ورجال الكنيسة لا يتصرفون على هذا النحو إلا بسبب ما يرونه من هياج وعواطف متأججة لدى كلا الطرفين، فيحاولون مسايرة طائفتهم من ناحية رغبة فى كسب تأييدهم، أو تهدئة الطائفة الأخرى رغبة فى تجنب المزيد من الفتنة. وهذه الرغبة فى كسب التأييد وهذا الخوف من مزيد من الفتنة لا يشتدان إلا فى مناخ اجتماعى من النوع الذى تعيشه مصر الآن.

فى غمار هذا كله لابد أن تصدر كلمة طائشة أو زلة لسان من هذا الجانب أو ذاك. إذ عندما تحتد المشاعر وتعلو الهتافات ويزيد الصخب يشتد الاغراء لمسايرة الجمهور، خاصة إذا اقترن الأمر بجهود وسائل الإعلام التى لا هم لها إلا مسايرة الجمهور. وهكذا نسمع كلاما من طرف ضد الآخر لم نسمع مثله منذ عشرات السنين، ويجب أن نتوقع المزيد بل والأسوأ منه فى السنين القادمة، ما لم نشرع فورا فى ايقاذ ما يمكن انقاذه بإصلاح أحوالنا الاقتصادية والمعيشية.

فى غمار هذه الأحداث المدهشة لابد أن يتذكر المرء قصة بديعة، حدثت بالفعل فى الثلاثينيات أو الأربعينيات من القرن الماضى رواها عن أمه، عبدالرحمن عزام، ذلك الرجل الوطنى الفذ وصاحب الفكر النير، والذى ألف كتابا ممتازا فى شرح تعاليم الدين الإسلامى، وكان أول أمين عام لجامعة الدول العربية. والقصة انه عاد يوما إلى منزله فوجد أمه ترتدى ملابس العزاء، فسألها عن السبب، فقالت انها كانت تعزى جارتها أم جورج (أو لعل الاسم الحقيقى غير ذلك). فلما سألها عما إذا كان قد حدث شىء لجورج، قالت انه غير ديانته إلى الإسلام. سألها مندهشا وهو غير مصدق «انت تذهبين لتعزية أم جورج لأن ابنها اعتنق الإسلام؟« فقالت «انت تعرف قلب الأم يا بنى!».

السؤال هو: لماذا كان من الممكن أن يحدث هذا منذ سبعين عاما ولم يعد ممكنا الآن؟ لماذا كان المصريون منذ سبعين عاما أكثر قدرة على تصور شعور الأم فى مثل هذه الحالة منهم الآن؟ أو لماذا كانوا أكثر استعدادا فى الماضى لإعطاء المشاعر الإنسانية الطبيعية الأولوية على السلوك الظاهرى، بالمقارنة بحالهم اليوم؟ هذا هو ما حاولت الإجابة عنه فى هذا المقال.