د. جلال أمين

د. جلال أمين
أستاذ الإقتصاد بالجامعة الأمريكية والمفكر المصرى الكبير

السبت، 26 ديسمبر 2009

مقتل اللغة العربية

الشروق - السبت 26 ديسمبر 2009

كنا نتجرع السم، يوما بعد يوم، ونحن نشاهد المهانة التى تتعرض لها اللغة العربية فى الصحف والمجلات، وفى يافطات المحال، وفى الإعلانات التجارية فى وسائل الإعلام وفى الشوارع. حتى اكتشفنا أن الأمر لا يقل عن جريمة قتل كاملة.

بدأت الظاهرة بالتساهل فى إحلال الكلمات الأجنبية محل العربية فى المقالات والكتب، بزعم صعوبة العثور على المقابل العربى. ثم فوجئنا بزحف غريب للعامية المصرية فى داخل المقالات والكتب. ثم تجرأ أصحاب الصحف فوضعوا عناوين المقالات ومانشيتات الأخبار بالعامية، وبعدهم تجرأ الكتاب والناشرون فاستخدموا العبارات العامية فى عناوين الكتب نفسها.

لم يكن الأمر دائما كذلك لقد ظللنا زمنا طويلا نعتبر استخدام اللغة الأجنبية بدلا من العربية، عندما تكون اللغة العربية قادرة تماما على التعبير عن المعنى المقصود، شيئا مذموما يجب تجنبه. وقد اعتبر جمال حمدان من مسئولياته نحت كلمة عربية فى مقابل كل كلمة أجنبية يريد استخدامها، مع وضع الكلمتين جنبا إلى جنب فى كتابه «شخصية مصر»، وبهذا قام الكتاب بمهمة من مهام المجمع اللغوى.

أما استخدام العامية فى الكتابة، فقد كان آباؤنا وأجدادنا يأملون فى أن يؤدى انتشار التعليم إلى حلول العربية الصحيحة محل الألفاظ العامية، وأن دأب الصحف والإذاعة على استخدام لغة عربية صحيحة ولكنها سهلة، سوف يضيق بالتدريج الفجوة القائمة بين العامية والفصحى، حتى تختفى تماما الألفاظ المبتذلة أو القبيحة من لغة التخاطب مثلما اختفت من لغة الكتابة. لم يتصور آباؤنا وأجدادنا أن من الممكن أن تحل الكلمة العامية «ده» أو «دى» فى الكتابة محل كلمة «هذا» أو «هذه»، أو كلمة «بس» محل «فقط»، أو كلمة «زى» بدلا من «مثل»، أو التعبير القبيح «ماعرفش» محل «لا أعرف».. وهكذا.

وقد دعا بعض كتابنا الكبار منذ سبعين أو ثمانين عاما، إلى تبسيط تعليم اللغة العربية الفصحى فى المدارس، وتبسيط المعاجم والقواميس العربية بحيث يحذف منها الكثير مما لا يستخدم فى الحياة اليومية وإدخال بعض تعبيرات العامية التى تؤدى معانى مهمة ولا تجرح الأذن بعد أن تستبعد من العامية، كما سماه ابن خلدون «حرافيش الكلام». كما حاول بعضهم (كتوفيق الحكيم مثلا) كتابة عمل فنى كامل يحتوى على تعبيرات دارجة فى الاستعمال اليومى بعد تهذيبها لتساير الفصحى، فلم يجد داعيا مثلا إلى كتابة كلمة «راجل» بدلا من «رجل»، إذ من السهل جدا على أى شخص، حتى من لم يتعود القراءة بالفصحى، أن يتبين أن كلمة «رجل» هى البديل الصحيح لكلمة «راجل» الشائعة فى الكلام. وهكذا تزول بالتدريج الفجوة بين الفصحى والعامية دون أى إساءة للفصحى، ويساهم هذا أيضا فى تضييق الفجوة بين الطبقات الاجتماعية.

كنا نظن أن الدولة التى تقع عليها مسئولية حماية اللغة القومية سوف تفعل شيئا لحماية اللغة العربية مما تتعرض له من إهانات مستمرة، فإذا بها لا تفعل شيئا، إزاء ملء الشوارع ومحطات المترو بإعلانات تحمل كلاما مثل «اتكلم زى ما أنت عاوز» أو مثل «عشان ما فيش زيك» حيث تحتوى كل خمس كلمات على خمسة أخطاء على الأقل، وتفسد الذوق فى نفس الوقت.

تركت الدولة كل ما يريد العبث باللغة على هذا النحو أن يفعل ما يشاء، حتى أصبح المرء يتساءل عن جدوى تدريس اللغة العربية فى المدارس أصلا. ولكننا لم نكن نصدق أن من الممكن أن تشترك الدولة نفسها فى هذا العمل المهين للغة القومية وفاسد الذوق. فإذا بالحزب الحاكم يرفع فى العام الماضى شعار «مصر بتتقدم بينا»، وكأن استخدام هذا التعبير الدارج أقرب إلى فهم الشعب البائس، أو أن من الصعب على أجهل الناس وأقلهم تعليما أن يفهم المقصود من عبارة «مصر تتقدم بنا».

كان هذا التعبير القبيح «مصر بتتقدم بينا» شعارا للدعاية، ثم تطور الأمر فأصبحت الدولة تستخدم مثله فى إعطاء التعليمات للناس. ففى إعلان ملأ صفحة كاملة من جريدة الدولة الرئيسية (الأهرام) نشرت وزارة المالية منذ أيام قليلة إعلانا يتعلق بالضريبة العقارية الجديدة يتضمن بالخط العريض العبارة الآتية:

«مطلوب من كل مالك يقدم إقراره بس مش الكل هيدفع ضريبة للعقار».

وهكذا فضلت وزارة المالية استخدام كلمة «بس» على كلمة «ولكن»، واعتبرت كلمة «سيدفع» صعبة الفهم، فاستخدمت هذه الكلمة بالغة القبح «هيدفع»، وطلبت من الناس أن يدفعوا الضريبة للعقار بدلا من دفعها للدولة.

هذا هو ما تفعله دولتنا البائسة بلغة من أجمل وأرقى لغات العالم فى قدرتها على التعبير وفى موسيقاها ومنطقها ومن أكثر لغات العالم التصاقا بتاريخ وثقافة الأمة التى ابتدعتها.

لغة ساهمت مساهمة رائعة فى توحيد شعوب ذوى عادات ومشارب مختلفة، وفى حماية الدين الذى يدين به غالبية الناطقين بها من عوامل الضعف والتشويه، مما لا يعرف له مثيل فى تاريخ أى مجموعة أخرى من الشعوب.

إن مظاهر التدهور والانحطاط لا تلحق فقط بالسياسة والاقتصاد، بل تلحق أيضا باللغة القومية، ولكن الشروع فى النهضة من جديد ليس من الضرورى أن يبدأ بالسياسة أو الاقتصاد، بل يمكن أن يتخذ نقطة انطلاق له العمل على حماية هذه اللغة النبيلة مما تتعرض له من مهانة.

السبت، 19 ديسمبر 2009

من مزايا الشيخوخة..

الشروق - السبت 19 ديسمبر 2009

فى أغنية فرنسية قديمة، يقول المغنى المشهور «كم أنا سعيد بأنى لم أعد صغير السن!»، وذلك خلافا للاعتقاد الشائع بأن الشباب أفضل من الشيخوخة.

أعود من حين لآخر إلى تذكر هذه الأغنية، فأقول لنفسى فى كل مرة: «وأنا أيضا، كم أنا سعيد بأنى لم أعد صغير السن». تذكرتها مرتين على الأقل فى الشهر الماضى، مرة عندما رأيت ما حدث من شباب صغار السن بمناسبة مباراتى كرة القدم بين مصر والجزائر، ثم عندما تكرر الحديث فى الصحف عن الملك السابق أحمد فؤاد، الذى جاء إلى القاهرة بمناسبة وفاة أخته الأميرة فريال، وعبّر بعض الكتّاب عن أسفهم على قيام ثورة 23 يوليو وانتهاء عصر الملكية.

فى المرتين قلت لنفسى: «إنى بسبب كبر سنى، أعرف أشياء لا يعرفها هؤلاء، فقد عاصرتها بنفسى، وعشت أحداثها يوما بيوم، ومن ثم لا يمكن أن تخدعنى ما تردده وسائل الإعلام عندما تدعى أن الفوز بمباراة فى كرة القدم أهم من علاقتنا بالجزائر، أو أن ثورة يوليو كانت كارثة على مصر».

أنا أنتمى لجيل كان يؤمن إيمانا صادقا بالقومية العربية، وبأن ما يجمع العرب أهم بكثير مما يفرّقهم، وأن الوحدة العربية ضرورية وممكنة. كان هذا هو موقفنا فى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى، حتى وقعت هزيمة 1967.

لم يفقد جيلى إيمانه بأن العرب أمة واحدة، وبمنافع الوحدة العربية وضرورتها، وإنما اعترتنا فقط، بعد وقوع الهزيمة، شكوك قوية فى أن تكون الوحدة مازالت ممكنة. وكلما مرت السنوات على الهزيمة، حتى تجاوزت الأربعين سنة زاد اليأس من تحقيق الوحدة، أكثر فأكثر، لأسباب لا داعى الآن للخوض فيها.

ولكن الحقيقة أن جيلى لم يفقد قط شعوره القوى بانتمائه إلى أمة عربية، ولم يتطرق إلى نفوسنا قط الشك فى أن ولاءنا لمصر لا يمكن أن يتعارض مع ولائنا للعروبة، أو فى أن حب مصر لا يمكن أن يتعارض مع حب الجزائر فى نفس الوقت.

ولهذا عندما فوجئنا بهذه الهوجة البالغة الحماقة التى حوّلت حب مصر إلى كراهية الجزائريين، قلت لنفسى: «كم أنا سعيد بأنى لم أعد صغير السن!».

ثم جاء الملك السابق أحمد فؤاد ليدفن أخته الأميرة فريال، نعم، الموقف محزن، والتعاطف مفهوم، بل ولم أستغرب ما قرأته عن وقوف عدد كبير من المعزّين فى الفندق الذى نزل فيه الملك السابق، وقيل إن معظمهم أو كلهم من أقارب أو أصدقاء الأسرة المالكة أو من سلالتهم، بل قيل إن عددا بعد مصافحة الملك أقدم على تقبيل يده كما كان يفعل آباؤهم أو أجدادهم عندما يصافحون الملك فاروق.

لا أستغرب أن يكون هؤلاء ممن يتحسرون على سقوط النظام الملكى، ويتمنّون لو كانت سلالة الملك فاروق قد استمرت فى الحكم. ولكن أدهشنى أن سمعت كلاما مماثلا من مصريين لا ينتسبون بأى نسب إلى العائلة المالكة أو حاشيتها وأصدقائها، يعبرون فيه عن حسرتهم على انتهاء عصر الملكية، ويأسفون لقيام ثورة 1952، وكأنها كانت مصيبة حلّت بمصر.

ثم تذكرت سنى وسنهم. إنهم لم يعاصروا ما عاصرت، ولم يشاهدوا ما شاهدت، لم يعاصروا فساد العصر الملكى، ولا شاهدوا فرحتنا بسقوطه. قالوا لى: «وهل يمكن مقارنة فساد العصر الملكى بفساد هذه الأيام؟ لقد كانت أخطاء الملك وحاشيته ووزرائه تافهة جدا بالمقارنة بما يحدث الآن، ويا ليت عندنا الآن عُشر ما كان سائدا فى مصر أيام الملك من الديمقراطية».

قلت لهم (وإن لم أستطع إقناعهم) إن الديمقراطية أيام الملك كانت لا تزيد على لعبة يلعبها ما لا يزيد على 10٪ من السكان، بينما كانت ثلاثة أرباع السكان على الأقل، يعيشون فى الريف حياة لا تختلف كثيرا عن حياة البهائم. كانت تبدو لعبة أنيقة ومتحضرة للغاية، ولكنها كانت فى نهاية الأمر لا تمسّ حياة الغالبية العظمى من المصريين. وأما الفساد، فالعبرة فيه ليس بحجم الأموال التى يُستولى عليها بغير حق، بل بنظرة الناس إلى واقعة الفساد ومدى اشمئزازهم منها.

لقد غيّرت ثورة يوليو هذه الأمور إلى الأفضل خلال العشرة أو الخمسة عشر عاما الأولى من حياتها، ثم أخذت الأحوال تتراجع بالتدريج حتى أصبحت فى نواحى كثيرة أسوأ مما كانت فى عهد الملكية، ومع هذا فمن الخطأ أن نظن أن قيام الثورة فى 1952 كان خطأ، أو أنه كان من الممكن أن تستمر تلك الأناقة الملكية التى كانت ممكنة فى ظل عشرين مليونا من المصريين، بعد أن فتحت الأبواب أمام تدفق ثمانين مليونا من البشر.

نعم، لقد انتهت ثورة يوليو نهاية مؤسفة جدا، ومن المحزن طبعا لرجل فى مثل سنى أن يقارن البدايات بالنهايات، ولكن لا يمكن أن تبلغ به الحماقة درجة تجعله يتحسر على أيام الملكية، أو يظن أنه كان من الممكن أن يستمر النظام الملكى أو شىء شبيه به، ناهيك أن يطوف فى الشوارع هاتفا بسقوط الجزائريين!
 

السبت، 12 ديسمبر 2009

فريال.. يا فريال

الشروق - السبت 12 ديسمبر 2009

عندما رأيت صورتها المنشورة فى الصحف، مع خبر وفاتها عن 71 عاما، أخذت أتأمل الصورة جيدا، عسى أن أجد فيها لمحة من صورتها التى التصقت بذهنى وهى فى الخامسة أو السادسة من عمرها. طفلة جميلة، مستديرة الوجه كأبيها الملك فاروق، وشعرها يتدلى على كتفيها فى ضفيرتين.

استطعت أن أعثر فى صورتها المنشورة ــ والتى التقطت قبيل وفاتها بمدة قصيرة ــ على مسحة من الجمال القديم، ولكننى وجدت فيها أيضا حزنا عميقا، لا بد أنه كان نتيجة للأحداث الجسيمة التى مرت بها هى وأسرتها.

سمعنا بمولدها وأنا طفل فى روضة الأطفال، وسرعان ما علّمونا فى المدرسة أن نغنى نشيدا بمناسبة مولدها، مطلعه:
فريال يا فريال
يا معقد الآمال

لم يكن هناك أى سبب بالطبع لأن يعتبرها الشعب المصرى معقدا لآماله، وإن كان أبوها الملك الشاب ما زال محبوبا من الناس فى ذلك الوقت، ليس بسبب عمل جيد قام به، ولكن لأنه فقط لم يكن قد ارتكب عملا سيئا بعد.

ثم توالت الأخبار السيئة عن الملك، وتناقل الناس شائعات سيئة جدا عن سلوكه الشخصى، حتى فوجئنا بالصفحة الأولى فى الجرائد تنشر خبر طلاق الملك من الملكة فريدة، وكانت قد ولدت له بعد فريال بنتين أخريين، وقد حرص مستشارو الملك على أن ينشروا خبر الطلاق وإلى جانبه فى نفس الصفحة خبر طلاق آخر، هو طلاق أخته الإمبراطورة فوزية من شاه إيران، لكى يعرف الناس أن واقعة الطلاق شيء عادى جدا، لا يختلف كثيرا عن واقعة الزواج نفسها.

ساءت أحوال الملك بعد الطلاق، وزادت الشائعات عن سوء سلوكه، فلم يشعر الناس بأى ابتهاج عندما أعلن عن زواجه للمرة الثانية، كما لم يبتهج الناس بالطبع بخبر ميلاد أول صبى له فى مطلع سنة 1952.

أذكر جيدا كيف أن الصحف والمجلات أخذت تتبارى فى ذلك الوقت فى نشر المقالات السقيمة نفاقا للملك بمناسبة مولد ولىّ العهد، حتى لم تبق إلا مجلة واحدة لم تفعل ذلك وهى مجلة ثقافية مرموقة (الثقافة) التى كان أبى رئيسا لتحريرها. قال لنا أبى إن شخصا كبيرا من القصر الملكى اتصل به معاتبا له على أن مجلته هى المجلة الوحيدة التى لم تنشر تهنئة للملك بهذه المناسبة. قال لنا أبى أيضا إنه حاول كتابة مقال فى هذا الشأن فكتب سطرين ثم لم يطاوعه قلمه، فمزق الصفحة وأقلع عن المحاولة.

ثم اتصل بمدير تحرير المجلة (وكان الدكتور زكى نجيب محمود) وأخبره بما حدث، وقال له إن له الحرية فى أن يكتب تهنئة باسمه إذا شاء. فعل الدكتور زكى نجيب ذلك فنشر فى المجلة افتتاحية قصيرة بعنوان «مولد أمير» وقد قال الدكتور زكى نجيب لأخى حسين بعد ذلك: إنه ندم على كتابة هذه الافتتاحية ندما شديدا، وأنه تلقى خطابات غاضبة كثيرة بسببها.

كان بجوار بيتنا فى مصر الجديدة سينما صيفية اسمها سان استيفانو، فلما ولدت الأميرة فريال تغير اسمها إلى سينما فريال. ولكن قامت الثورة بعد ستة أشهر من مولد الأمير أحمد فؤاد فتغير اسم السينما من جديد فأصبح سينما التحرير.

وقد استقبلنا الثورة بفرح غامر، ولم نعبأ على الإطلاق بمشاعر الأسرة المالكة عندما سمعنا برحيلهم عن البلاد. أذكر أن أمى كانت هى الوحيدة التى عبَّرت عن حزنها من أجلهم، وأذكر تبريرها لهذا الحزن بقولها إنها تعرف جيدا شعور «عزيز قوم ذلّ».

مر أكثر من نصف قرن على رحيل الأميرة فريال من مصر، وهى فى الثالثة عشرة من عمرها، ولا بد أنها مرّت خلال هذه المدة بفترات كثيرة من الشعور بالمرارة لما حدث لأسرتها، قبل أن يصيبها مرض السرطان. ولا بد أن أعترف أننى شعرت ببعض الاستغراب (اللا عقلانى بالمرة بالطبع) عندما عرفت بإصابتها بهذا المرض، وكأن من الغريب أن يصيب هذا المرض أميرة جميلة مثل فريال.

السبت، 5 ديسمبر 2009

من اليونسكو.. إلى كرة القدم

الشروق - السبت 5 ديسمبر 2009

من الأضرار المؤكدة لاستمرار نفس الشخص رئيسا للجمهورية مدة طويلة من الزمن، كعشرين أو ثلاثين عاما، ما لابد أن يطرأ من ضعف على الرئيس بسبب تقدمه فى السن، مما يؤدى إلى انخفاض فى درجة النشاط، وفتور فى الهمة، وضعف فى الاستعداد لقبول أفكار جديدة، وعزوف عن إحداث تغييرات مهمة فى السياسة أو الاقتصاد، بل واحتمال استسلامه لما يقول له المحيطون به حتى ولو كان فى ذلك إضرار بالصالح العام.

ولكن هناك ضررا آخر مؤكدا، لا يقل عن هذا الضرر بل وقد يكون أشد خطرا، وهو الميل إلى اعتبار الدولة كلها وكأنها من أملاك الرئيس الخاصة، يفعل بها ما يحلو له، هو وأسرته، فتتخذ القرارات بناء على أهواء شخصية مهما ألحقت الضرر بمصالح الدولة العليا. إذ إن طول العهد بالرئاسة قد يغرس فى ذهن الرئيس الشعور بأنه هو والدولة شىء واحد، وأن مصلحته الخاصة ومصلحة أسرته لا تختلف عن مصلحة الدولة ككل.

فى حالة مصر، حيث يكمل الرئيس مبارك فى هذه الأيام ثمانية وعشرين عاما، وهو فى منصب الرئيس، أخذت هذه الظاهرة فى الاتضاح أكثر فأكثر، وعلى فترات متقاربة، حتى شهدنا فى مدة لا تزيد على شهرين، مثلين صارخين لهذا التصرف فى شئون الدولة. كما لو كانت مملوكة ملكية خاصة.

المثل الأول يتعلق بتصرفات الرئيس فى مسألة ترشيح وزير الثقافة، فاروق حسنى، لمنصب رئيس اليونسكو، ابتداء من الرضوخ لرغبة الوزير فى هذا الترشيح بصرف النظر عما إذا كان أصلح المصريين لهذا المنصب أو أكبرهم فرصة فى النجاح، إلى إنفاق الكثير من أموال الدولة وجهد ووقت المسئولين فى دعم الوزير، إلى تجنيد الدبلوماسية المصرية لتحقيق هذا الغرض إلى حد التضحية ببعض المصالح المهمة، بما فى ذلك تحقيق بعض المطالب الإسرائيلية.. إلخ.

وعندما تنتهى العقبة المؤسفة بفشل الوزير المدلل فى تحقيق منيته، لا يقدم الوزير استقالته من الوزارة ولو لمجرد التعبير عن أسفه لكل هذا الجهد والمال الضائع وما كلف به الدولة من تنازلات، بل يقوم الرئيس بطمأنته على استمراره فى منصبه، ويطلب منه أن «يرمى وراء ظهره»، أى ألا يسمح للأمر بتعكير دمه.

ثم فوجئنا بالأمر يتكرر فى مناسبة مباريات كرة القدم بين مصر والجزائر. لا ينكر أحد أن انتصار مصر فى كرة القدم شىء عظيم، كما أن حصول مصرى على رئاسة اليونسكو شىء عظيم أيضا. ولكن الانتصار فى مباريات رياضية ليس قصة حياة أو موت كما بدا من تصرفات الرئيس وولديه إزاء هذا الموضوع. والأرجح فى نظرى أن الرئيس وابنيه تعاملوا مع مباريات كرة القدم كجزء من الجهود المبذولة لتجميل صورة الابن الراغب فى الحلول محل والده فى رئاسة الجمهورية، وكذلك لتجميل صورة الرئاسة كلها، وذلك بإلصاق صورة الرئيس وولديه بصورة الفريق المصرى لكرة القدم، والمبالغة فى الحفاوة بالفريق ومدربه، وكأنهم مقبلون على معركة حربية. ولكن حدث هنا أيضا أن ضحت الدولة باعتبارات السياسة الخارجية ومصالح قومية فى سبيل الانتصار فى المباراة، وجعلت علاقة مصر بدولة عربية مهمة، وهى الجزائر، متوقفة على النجاح أو الفشل فى مباراة لكرة القدم.

قيل لنا أيضا إن مكافآت خيالية سوف تمنح للاعبين ومدربهم إذا فازوا فى المباراة، وهى مكافآت لا تتناسب مطلقا مع إمكانات بلد فقير كمصر يحتاج إلى توجيه مثل هذه الأموال إلى أوجه أكثر أهمية بكثير، كما يحتاج إلى إظهار كرم أكبر فى تشجيع شباب مصر على الاتجاه إلى تنمية قدراتهم ومواهبهم فى أعمال أكثر مساهمته فى نهضة هذا البلد من لعبة كرة القدم.

ثم انتهت المباراة بالخسارة فما الذى حدث؟

بدلا من ترك الفريق ومدربهم يتأملون ما حدث، ويحاولون التعلم من التجربة واكتشاف الأخطاء أملا فى الفوز فى مرة مقبلة، استقبلهم الرئيس وابناه بما لا يقل عن استقبال الفاتحين العظام، واحتفوا بهم كما لو كانوا قد حققوا لمصر أكبر فوز فى تاريخها، مع أنهم لم يفوزوا أصلا، وإذا بهم موعودون بالمكافأة على الفشل، كما وعدوا من قبل بالمكافأة على النجاح، ولا شك أنه قيل لهم نفس ما قيل من قبل لوزير الثقافة بعد فشله، أى «ارموا من وراء ظهركم»، أى لا تهتموا بأى شىء، ولا تدعوا هذا الذى حدث يعكر من صفوكم، فليس المهم ما أصاب الناس من خيبة أمل بل المهم هو استمرار الرئيس فى رضاه عنكم. ليس المهم هو ما حدث من قطيعة بين مصر والجزائر، بل المهم هو استمرار الرئيس وأسرته فى الحكم.

لا شك أن استمرار نفس الرئيس فى حكم البلاد 28 عاما له دور فى هذا كله، إذا يعتاد الرئيس أن يتصرف فى أمور الدولة، سواء تعلقت بالثقافة أو بكرة القدم، كما لو كانت جزءا من ممتلكاته الخاصة، ولكن فى حالة كرة القدم حدث تطور جديد لم يكن موجودا فى حالة وزير الثقافة. إذ لعب ابن الرئيس الأصغر، الذى يحتل منصب رئيس لجنة السياسات، دورا ملحوظا بمناسبة مباريات كرة القدم، بل انضم إليه الابن الأكبر بعد خسارة المباراة، فوجه إهانات بالغة إلى الجزائريين، بل وقال ما معناه طرد السفير الجزائرى من مصر، مع أن هذا النجل الأكبر لا يحتل أى منصب سياسى وليست له أى سلطة تسمح له بطرد السفير الجزائرى أو أى سفير آخر. إنه يتصرف إذن وكأنه يطرده من عزبته الخاصة. ولا شك أن هذا التطور الجديد هو أيضا من توابع استمرار الأب فى منصبه كل هذه المدة الطويلة.