د. جلال أمين

د. جلال أمين
أستاذ الإقتصاد بالجامعة الأمريكية والمفكر المصرى الكبير

الأربعاء، 25 نوفمبر 2009

الصغار والكبار.. فى معركة الجزائر

الشروق - الأربعاء 25 نوفمبر 2009

انزعجت بشدة كما انزعج غيرى مما حدث فى الأسبوعين الماضيين. كان ما حدث بين شبان مصريين وشبان جزائريين، من ضرب وسب وطعن، مزعجا بما فيه الكفاية، ولكن الأفظع فى رأيى هو ما حدث بن الدولتين.

ليست هذه أول مرة ولا آخر مرة ينشب فيها عراك بين مجموعتين من البشر، تنتميان إلى جنسيتين مختلفتين أو دينين مختلفين أو حتى لونين مختلفين. ولكن أن يؤدى هذا إلى عراك بين دولتين، تنتصر كل منهما لحاملى جنسيتها أو دينها أو لونها، فهذا شىء نادر الحدوث إلا فى إعلان دولة للحرب على أخرى. ولكن حتى هذا لا يحدث عادة بسبب شجار بين مواطنين، بل يحدث لأسباب أعمق بكثير تتعلق بتاريخ العلاقة بين الدولتين، أو عداء دفين بينهما يرجع إلى مشكلات أو اختلافات قديمة. فإذا حدث عراك كهذا بين دولتين عربيتين، لهما تاريخ قديم من المودة والمؤازرة، وتربطهما وشائج قوية للغاية من الدين واللغة والحضارة والمصالح المشتركة، فهذا هو الشىء المزعج حقا والبالغ القبح.

طالعت الكثير مما يكتب تعليقا على ما حدث، وكثير منه للأسف يؤجج النار ويزيد المشاعر التهابا. من بين الدوافع لهذا الموقف المؤسف من بعض الكتاب والإعلاميين، بل وأيضا بعض السياسيين، الطمع فى تحقيق مكسب شخصى أو سياسى من وراء هذه المؤازرة، عن طريق الظهور بمظهر الوطنى الذى يدافع عن حقوق شعبه وكرامته. ولكن حتى إذا كان الدافع لدى الكاتب هو مجرد الشعور الغريزى بالوقوف إلى جانب أهل بلده ضد أهل البلد الآخر، فأظن أنه موقف غير حميد أيضا. إذ المفترض فى الكاتب الذى يعلق على الشئون العامة أن يكون أعقل من غيره، وأكثر قدرة على التروى فيما حدث، وعلى رؤيته فى إطاره الأوسع، ومن خلال معرفته الأوسع بتاريخ العلاقة بين البلدين وبمشكلاتهما المشتركة.

المفروض فى المعلق على هذه الأحداث أن يكون قادرا على إدراك ما يمكن أن يترتب على تدهور العلاقة بين مصر والجزائر، من عواقب وخيمة، كالعجز عن توحيد موقفهما إزاء مشكلات أكبر بكثير من مشكلات كرة القدم وكأس العالم، كالقضية الفلسطينية مثلا، والعجز عن تحقيق تعاون اقتصادى أكبر يساهم فى الإسراع بتحقيق التنمية المنشودة فى كلا البلدين، والعجز عن تحقيق الحماية اللازمة والمعاملة اللائقة لمواطنى كل من الدولتين المقيمين فى الدول الأخرى..الخ. إن إدراك أهمية هذه الأمور بالنسبة للانتصار والانهزام فى مباراة لكرة القدم من شأنه أن يمنع الكاتب أو الإعلامى من المساهمة فى تأجيج المشاعر وفى زيادة النار اشتعالا.

كان المفروض أيضا أن يدرك الكاتب أو الإعلامى انه فى عراك كهذا، مهما كانت شدته ودمويته، لا يهم كثيرا فى الحقيقة معرفة من البادئ بالعدوان، ومن الذى تصرف كرد فعل لهذا العدوان. ففى مثل هذه الأمور، يصعب جدا تقدير ما إذا كان رد الفعل متناسبا من الفعل المردود عليه. الطرفان فى نظرى مذنبان، ومن السهل جدا، بمعرفتنا لظروف التهييج الإعلامى، وأعمار المتعاركين وظروفهم الاقتصادية والاجتماعية، أن نعرف سبب ارتكابهم لهذا الذنب. ولكن من المؤكد أيضا أن المنتظر من أولياء أمورهم أن يتصرفوا تصرفا أعقل مما رأيناه من تصرفات أولياء أمورنا. فمن الحماقة أن يأتى الأب والأم فيشتركان فى عراك مع أب أو أم الولد الآخر، ويتبادلا السباب مثلما تبادله أولادهم، فتنقلب المعركة من شجار بين صبيين غريرين إلى معركة بين دولتين المفروض أنهما شبتا عن الطوق، وتعرفان ما يمكن أن يترتب على عراكهما من خسارة فادحة للجميع، الصغار والكبار. 

السبت، 21 نوفمبر 2009

صحوة وطنية.. أم نوبة هستيرية؟

الشروق - السبت 21 نوفمبر 2009

نحن لا نعيش فى عصر انتصار الرأسمالية (ولا الاشتراكية بالطبع) ولا انتصار الديمقراطية أو حقوق الإنسان. كما أننا لا نعيش نهاية التاريخ، كما زعم أحد الكتاب منذ عشرين عاما، ولا عصر صراع الحضارات، كما قال آخر بعده بقليل. نحن نعيش عصر الجماهير الغفيرة: عصر التليفزيون والأقمار الصناعية والقنوات الفضائية، والتليفون المحمول الذى يحتوى أيضا آلة فوتوغرافية وبريدا إلكترونيا وشبكة الإنترنت.

هذا هو عصر البرامج التليفزيونية التى يشاهدها فى نفس الوقت مئات الملايين من البشر، حتى ولو كانت لا تستحق أن يشاهدها عشرة أشخاص، والصحف التى توزع فى اليوم الواحد ملايين النسخ ولكن أكثر من نصف صفحاتها إعلانات، والمذيعون الذين يتجاوز الراتب الشهرى لبعضهم مليونا من الجنيهات أو مليونين، ومنهم من لم يكن يستحق فى عصر سابق أن يعين مذيعا أصلا، والأفلام التى لا تحتوى على فكرة واحدة ذكية، ولكنها تنجح تجاريا نجاحا باهرا لأنها عثرت على وجه ممثلة جذابة.. إلخ. المسئول عن كل ذلك ليس عصر الرأسمالية المتوحشة، بل عصر الجماهير الغفيرة.

هذا هو بالطبع ما يفسر ظاهرة كرة القدم كما نراها اليوم. اللعبة قديمة ومعروفة بأشكال مختلفة، لدى كل الشعوب وفى كل العصور، ولكنها لم تصبح لعبة مثيرة لهذه الدرجة إلا فى عصر الجماهير الغفيرة. لم تصبح أكثر إثارة لمجرد أن اللاعبين أصبحوا أكثر مهارة، ولكن لمجرد أنهم أصبحوا أكثر شهرة. وقد أصبح اللاعبون أكثر شهرة ليس بسبب ذكاء غير عادى أو درجة غير مألوفة من سرعة الحركة أو اليقظة أو من الاستعداد للتعاون مع بقية أفراد الفريق، بل بسبب كثرة ظهورهم على شاشة التليفزيون وعلى صفحات الجرائد التى يراها ويقرأها ملايين من الناس كل يوم، أى أن اللاعب أصبح مشهورا فقط بأنه مشهور.

الوضع يبدو سخيفا للغاية، حتى إذا لم يقترن بأى عنف أو مشاجرة بين الفريقين المتنافسين، فإذا اقترن الحماس الشديد لفريق كرة القدم بهذه الدرجة التى رأيناها منذ أيام، وأصبحنا نراها فى كل موسم، من الهستيريا والتشنج والعدوانية، فإن الأمر يبدو داعيا لأقصى درجات الرثاء.

فى هذا المناخ الهستيرى لابد أن يحاول كل من يستطيع من ورائه تحقيق نفع خاص له، أن يفعل ذلك. فالمتبطلون عن العمل يحملون الأعلام الملونة ليبيعوها لأصحاب السيارات الذين ليس لديهم شىء يفعلونه أفضل من السير فى الشوارع والضغط على زماراتهم، وأصحاب الجرائد يتنافسون على كيفية نقل الأخبار السعيدة للجمهور: هل يكتبون فى المانشيت العريض، وباللون الأحمر نتيجة المباراة، أم يكتفون بكلمة «مبروك»، على أساس أن الجميع سوف يفهم المقصود، إذ هل يفكر أحد إلا فى تلك النتيجة الرائعة: (اثنين صفر)؟.. والوزراء الذين لم يفعلوا شيئا واحدا يجلب لهم حب الناس، ذهبوا للتهنئة والوقوف إلى جانب الفريق المنتصر ليظهروا فى نفس الصورة، بل وقيامهم بتهنئة رئيس الجمهورية نفسه باعتباره سببا من أسباب هذه النتيجة الباهرة. والشاب الذى يطمح للحصول على منصب رئيس الجمهورية لا يجد طريقة لكسب قلوب الناس أفضل من أن تظهر صورته وهو يهنئ الفريق، حتى يعتقد الناس بأنه يشعر بنفس ما يشعر به بقية الناس وينبض قلبه بنفس ما ينبض به قلب الشارع المصرى.

ما أسهل الأمر إذن فى ظل هستيريا من هذا النوع. الجميع قد تم تخديرهم، ومن ثم يمكن أن نفعل بهم أى شىء، ويمكن الحصول منهم على أى شىء قبل أن يستردوا صوابهم.

أما الحديث عن أن هذه صورة من صور الوطنية، ودليل على قوة شعور المصريين بالانتماء لبلدهم، وعلى الإجماع على حب الوطن: بدليل أن الرجل والمرأة، المسلم والقبطى، الكبير والصغير، الغنى والفقير، كلهم اجتمعت قلوبهم على شىء واحد وهو أن تنتصر مصر على الجزائر، مثل هذا الحديث لا يجب أن يخدع أحدا. إن الحماس الشديد قبل المباراة وأثناءها وبعدها ليس سببه الحب الشديد للوطن، بل سببه هو نفس هذه الظاهرة التى أتكلم عنها: ظاهرة الجماهير الغفيرة. الحماس يشتد لمجرد أنك أصبحت جزءا من جماعة كبيرة جدا، والصياح يعلو لأنك ترى وتسمع آلاف من الناس يقومون بالصياح مثلك، والزمامير تشتد لأنك تعرف أنك واحد من آلاف الزمارين والطبالين، أما حب الوطن فلا يمكن أن يشتد لأنك صوبت الكرة فى الاتجاه الصحيح مرتين بينما لم ينجح شقيقك الجزائرى فى ذلك مرة واحدة.

هذه الهستيريا هى أيضا فى رأيى (وليس حب الوطن) السبب فى ندبة البكاء الشديد التى استسلم لها بعض أعضاء الفريق المصرى ومدربهم بمجرد انتهاء المباراة.
إنها تفريج مفاجئ عن شحنة زائدة من التوتر والتشنج ولّدها اشتراك الآلاف المؤلفة من الهتاف والصياح فى نفس الوقت.

قد لا يكون فى كل هذا ضرر كبير، بل وقد يكون له بعض الفوائد، كما أن هناك بعض الفوائد لحفلات الزار والاحتفالات الشعبية بالموالد. ولكن علينا أن نحذر من الخلط بين هذه النوبات الهستيرية وبين نمو الشعور الوطنى وقوة الانتماء.
ملحوظة: كتبت هذا المقال قبل مباراة السودان المحدد لها 18/11، ولا أظن أن الموقف الذى يعبر عنه هذا المقال يمكن أن يتغير أيا كانت نتيجة هذه المباراة.

السبت، 14 نوفمبر 2009

شفافية الحزب الوطني

الشروق - السبت 14 نوفمبر 2009

لست من المغرمين بكلمة «الشفافية»، ولا أظن أنى استخدمها قط فى أى مقال أو كتاب كتبته. والسبب أنى لا أكاد أجد للشفافية وجودا، لا فى حياتنا السياسية ولا فى حياة غيرنا. نحن نعيش فى عصر تغلب عليه «العتمة» و«التضليل» وتسمية الأسماء بغير أسمائها، والتظاهر بغير الحقيقة، وحجب الحقائق بدلا من كشفها، وهذا كله هو النقيض التام للشفافية، التى تفترض أن يكون السلوك كالزجاج النظيف يعلن عن الحقيقة بدلا من أن يحجبها.

حتى بدأت اعتقد أن ترديد كلمة معينة أو شعار مرارا وتكرارا، معناه فى الغالب أن ما يحدث فى الواقع هو العكس بالضبط، وأن كثرة ترديد شعار ما، سببها على الأرجح محاولة صرف نظر الناس عن عدم تحققه فى الواقع. ومن ثم ما أكثر الكلام على السلام فى وقت الحرب، وعن الاهتمام بمحدودى الدخل عندما يكون الاهتمام فى الحقيقة مقصورا على متضخمى الدخل فقط، وعن الاهتمام بـ«البعد الاجتماعى» عندما يكون هذا البعد الاجتماعى أبعد شىء عن اهتمامات الحكومة، ناهيك عن رفع شعار «من أجلك أنت»، عندما تكون أنت آخر شخص يهتم أحد به.

ولكن كل هذا كوم، والكلام على الترشيح لرئاسة الجمهورية كوم آخر. فالناس كلهم يتكلمون عن التوريث، ويتوجسون مما تفعله الحكومة لتمريره، ويلاحظون فى كل يوم خبرا جديدا أو صورة جديدة أو زيارة جديدة لا يمكن أن يكون المقصود منها إلا تسهيل حلول ابن رئيس الجمهورية محل والده. فتنشر صوره فى الصفحات الأولى، وتملأ الصفحات الداخلية بأحاديثه وتصريحاته، ويربط اسمه بأخبار سعيدة كالنهوض بألف قرية، أو إصلاح نظام المعاشات، وتنشر له صور وهو يقبل طفلا صغيرا فى حنان بالغ، أو وهو يستمع باهتمام شديد إلى شكوى فلاح عجوز، تماما كما تعودنا أن نرى مع الرؤساء والزعماء، ومن مثلهم مع الملوك والأمراء. وهو، أى نجل الرئيس، يعامل من الوزراء، بل ومن رئيس الوزراء كما لو كان قد أصبح رئيسا بالفعل، ويسافر مع الوزراء فى رحلات إلى دول كبرى يقابل فيها مسئولين كبارا فى تلك الدول، على أمل الحصول على رضا هؤلاء المسئولين الكبار عن مشروع حلوله محل أبيه.

كل هذا يحدث ويراه الناس يوميا فتنقبض له صدورهم، ويشعرون بالمهانة والمذلة، إذ تعاملهم حكومتهم هذه المعاملة بدلا من أن يترك الناس ليختاروا من يحبون لرئاستهم، ويتفرغ ابن الرئيس لشئونه الخاصة، كما هو الواجب فى أى بلد محترم.

والأدهى من ذلك أنهم إذا سألوا عن معنى كل هذا الذى يفعلونه لتسهيل حلول ابن الرئيس محل والده، تظاهروا بالدهشة والاستغراب: «توريث؟ من الذى قال إن هناك توريثا؟.. هل قال أحد منا إن ابن الرئيس يرغب فى ترشيح نفسه؟.. موضوع الرئاسة على أى حال موضوع سابق لأوانه تماما. فمن الذى قال إن منصب الرئيس منصب شاغر ويراد ملؤه؟.. الرئيس مبارك بصحة ممتازة، وقد صرح هو نفسه بأنه باق فى منصبه طالما أن له قلبا ينبض. والمسألة كلها على أى حال تتوقف على انتخابات واستفتاءات، ستكون نظيفة بالطبع مثل الانتخابات السابقة. ثم من قال إن الناس يهمهم موضوع الرئاسة؟

المصريون فقراء لدرجة جعلتهم لا يهتمون إلا بلقمة العيش. وأيا كان المسئول عن فقرهم هذا، فهم ليس لديهم الوقت للتفكير فيما إذا كان ابن الرئيس سيحل محل والده أم لا. وعلى أى حال، فلنفرض أن هناك توريثا، ألم يورث المصريون منذ قيام ثورة 1952، من رئيس لآخر، دون أن يستشار المصريون فى الأمر؟ صحيح أنه لم يحدث منذ إعلان الجمهورية فى 1953 أن ورث رئيس الجمهورية المنصب لابنه، ولكن هذا فارق بسيط، والمهم على أى حال أن الموضوع غير مطروح من أساسه، ولا يفكر فيه أحد إلا بعض المغرمين بالشوشرة على النظام. والدليل الأكبر على ذلك أن رئيس الجمهورية نفسه، عندما سئل خلال زيارته الأخيرة للولايات المتحدة عما إذا كان ابنه يفكر فى ترشيح نفسه رئيسا بعده، أجاب قائلا إن ابنه لم يكلمه فى هذا الموضوع...».

الخلاصة أنه بصرف النظر عن طبيعة الموضوعات التى يتكلم فيها رئيس الجمهورية مع أولاده عندما يلتقون بعضهم بعضا، فليس من حق الناس أن تعرف شيئا عن هذه الموضوعات، ولا حتى أن تتساءل عن سر كل هذا التشويش، الذى تمارسه وسائل الإعلام للتمهيد لحلول ابن الرئيس محل والده، ولابد أن يكون قد صدرت أوامر وتم الاتفاق على أن يجرى تعتيم كامل على هذا الموضوع، حتى يفاجأ الناس فى الوقت المناسب بتعيينه رئيسا لهم، وهذا التشويش والتعتيم هما ما يسميان حاليا فى مصطلحات السياسة الجارية بـ«الشفافية».

السبت، 7 نوفمبر 2009

تذكر أنك بشر

الشروق - السبت 7 نوفمبر 2009

تعجبنى القصة التى تروى عن زعيم شهير ذهب يوما ليخطب بين الناس، فلما خرج إلى شرفة قصره ليبدأ خطابه، رأى الآلاف المؤلفة من الناس قد اجتمعت أمام القصر وهى تهتف باسمه، وتحمل صوره، وترفع اللافتات المؤيدة له، فامتلأ الرجل إعجابا بنفسه وصدق أنه بالفعل فريد فى نوعه، ووحيد عصره، ودرة زمانه، فاقترب منه واحد من أفراد حاشيته المقربين وهمس فى أذنه: «تذكر أنك بشر!».

ليس من السهل أبدا الأخذ بهذه النصيحة، أى أن يتذكر المرء فى مثل هذه المواقف أنه ليس إلا شخصا عاديا، وضع فى ظروف استثنائية لا فضل له فيها. فالإنسان ضعيف، بل وضعيف جدا، ومن أوجه ضعفه الكثيرة استعداده المستمر لتصديق ما يحب أن يكون صحيحا حتى ولو كان أبعد ما يكون عن الحقيقة.

ألاحظ هذا فى نفسى كما ألاحظه فى غيرى. أنا أستاذ فى الجامعة، وقد لاحظت أنه إذا جاء إلى مكتبى بالجامعة، فى يوم واحد خمسة أو ستة طلاب، الواحد بعد الآخر، قبيل أحد الامتحانات، وهم فى حالة خوف يزيد على المعتاد بسبب قرب الامتحان، فيسألنى أحدهم سؤالا فأجيبه، ويستفهم آخر عن شىء يتعلق بالامتحان فأوضحه له، ويطلب ثالث طلبا أوافق عليه رأفة بحاله، فيعبر الواحد منهم بعد الآخر عن شكره وامتنانه بلهجة مبالغ فيها بسبب ضعف مركزهم بالنسبة لمركزى، لاحظت أنى فى مثل هذه المواقف تعترينى لبعض الوقت درجة لا يستهان بها من الإعجاب بالنفس والغرور، إذ أصدق ما قيل لى واعتبره صادقا لمجرد أنى أحب أن يكون كذلك.

تخطر بذهنى أفكار من هذا النوع عندما أرى صورا كثيرة من الزعماء والرؤساء، خاصة من رؤساء العالم الثالث. إذ يحيطهم الناس بأشكال لا حصر لها من الثناء والنفاق، ويبدو من صورهم وسلوكهم أنهم يصدقون بالفعل ما يسمعون.
وكان لابد أن تمر بذهنى هذه الأفكار وأنا أشاهد صور أمين لجنة السياسات بالحزب الوطنى، الذى هو فى نفس الوقت نجل رئيس الجمهورية، بمناسبة انعقاد المؤتمر الأخير للحزب.

ما أسهل على شاب مثله أن يصدق أنه هو أيضا فريد عصره ودرة زمانه ليس فقط لأنه صغير السن وقليل الخبرة بالحياة بالمقارنة بكل من حوله، وبمن احتل منصبا كمنصبه، بل ولأنه أيضا تمتع منذ نعومة أظافره بمعاملة مختلفة تماما عما حظى به أى طفل آخر فى مصر، سواء من حيث نعومة العيش أو من حيث الاهتمام المبالغ فيه من المحيطين به، واستعدادهم لتلبية أى رغبة قد تطرأ على باله، إذ كان والده دائما رئيسا للجمهورية أو على الأقل نائبا لرئيس الجمهورية. ها هو الابن يسير الآن وخلفه وزراء، بل ورئيس للوزراء، ومثقفون كبار، يصغون باهتمام بالغ إلى أى عبارة تصدر عنه، ويبدون له إعجابهم بكل ما يقول وكأنه لا ينطق إلا بالحكمة، والجرائد الحكومية تشيد بتصريحاته وتنشرها فى صفحاتها الأولى فلابد أنها عميقة ومهمة.

لا عجب إذن إن روى عنه أنه قال منذ أيام قليلة، أثناء مؤتمر الحزب الوطنى، أنه «ليس أعظم شخص فى مصر». والعبارة صحيحة بلا شك، ولكن المؤسف أنه قالها من باب التواضع فقط، ولا بد أنها أيضا أثارت من جانب المحيطين به عبارات الاستحسان وابتسامات الإعجاب.

فى ظل هذا كله، إذا قيل له «إنك أصلح من يمكن أن يخلف والدك فى رئاسة الجمهورية»، فكيف نتصور أنه سيعترض؟