د. جلال أمين

د. جلال أمين
أستاذ الإقتصاد بالجامعة الأمريكية والمفكر المصرى الكبير

السبت، 31 أكتوبر 2009

ما جدوى كل هذه الترشيحات؟

الشروق - السبت 31 أكتوبر 2009

عندما سألنى صديق عزيز، هو أيضا ناشط سياسى مرموق، عما إذا كنت على استعداد لضم صوتى إلى أصوات أخرى ترشح الدكتور محمد البرادعى فى انتخابات رئاسة الجمهورية المقبلة، اعترانى استغراب، وحيرة فيما أقول. فالدكتور البرادعى رجل عظم بلا شك، وتتوافر له صفات مهمة من الصفات المرغوبة فى رئيس الجمهورية المقبل. ولكننى لم أسمع أن باب الترشيح لرئاسة الجمهورية قد فتح، أو أن الدكتور البرادعى نفسه صدر منه أى قول يدل على رغبته فى هذا الترشيح، فضلا عن أنه لم يعرف عنه أصلا، فى حدود علمى، أى نشاط سياسى داخل مصر، ولم يعرف كذلك، فى حدود علمى أيضا، ما نوع الأفكار السياسية التى يؤمن بها، ويرغب فى تطبيقها فى مصر.

ثم توالى ذكر أسماء كبيرة أخرى كمرشحين محتملين لرئاسة الجمهورية، مما ضاعف من دهشتى وتركنى فى حيرة شديدة. هل طلب منا أحد أن نذكر أسماء الأشخاص الذين نحب أن نرى واحدا منهم رئيسا للجمهورية؟ بل هل عبر أحد من هؤلاء عن رغبته فى ذلك؟ وعلى أى حال، هل الوضع الدستورى الحالى، بعد أن قام أصحاب الأمر والنهى فى مصر بتعديله منذ سنتين، يسمح بأن يرشح أحد إلا إذا كان عضوا فى حزب، وكان لهذا الحزب الذى يرشحه عدد من المقاعد فى المجلس لا يتمتع به الآن إلا الحزب الحاكم؟ فهل المقصود ياترى أن ينضم كل من هؤلاء المرشحين إلى حزب من الأحزاب القائمة، كالتجمع مثلا أو الوفد، ثم يقوم هذا الحزب بترشيحه لرئاسة الجمهورية؟ ولكن الأحزاب القائمة كلها لا تتمتع بعدد المقاعد اللازمة، وبعضها يبدو فى حالة وئام شديد مع الحزب الحاكم، فلا أظن أنها تجرؤ على ترشيح شخص آخر غير مرشح الحزب الحاكم إلا من باب مقتضيات الديكور إذا طلب منها الحزب الحاكم ذلك. أم هل يقوم المرشح بالاتفاق مع جماعة الإخوان المسلمين وهى جماعة محظورة قانونا، ولا ينتظر منها الحصول على عدد كاف من المقاعد بالنظر إلى ما تتعرض له من تشريد هو على الأرجح لمنعها من الاشتراك فى انتخابات الرئاسة. أم أن المقصود أن يقوم المرشح بتكوين حزب جديد ينافس به الحزب الحاكم؟ فهل لهذا التصور أى فرصة جدية للتحقق فى ظل القيود المفروضة على تكوين أحزاب جديدة، بل وفى ظل ظروف هؤلاء المرشحين أنفسهم وميولهم الشخصية وتاريخهم.. إلخ.

أضف إلى كل ذلك أنه، مع احترامى الشديد لمعظم الأسماء التى ذكرت فى الترشيح للرئاسة، هل المشكلة هى حقا فى العثور على اسم رجل عظيم يصلح رئيسا للجمهورية، أم أن البلد ملئ بهؤلاء الرجال و(النساء) العظماء الذين لم يمنع من أن يسمع لهم صوت أو أن يخطر ببال أحد (أو حتى ببالهم هم أنفسهم)، أن يرشحهم لانتخابات الرئاسة أو أى انتخابات أخرى، إلا الجو السياسى الخانق الذى نعيش فيه منذ أكثر من ربع قرن؟ إن هذا الجو الخانق الذى عشنا فيه طوال هذه المدة هو الذى جعلنا نظن أن البلد قد أقفرت من الرجال العظام، بحيث يظن الواحد منا أنه قد اكتشف اكتشافا خطيرا لو خطر بباله اسم مصرى عظيم يصلح رئيسا، بل وجعل أذهاننا تتطرق إلى أسماء رجال عظام حقا، ولكنهم عظماء فى مجال تخصصهم ولكنهم ليسوا بالضرورة سياسيين عظاما.

ما الذى جرى لنا حتى نسينا معنى الهواء الطلق الذى تطرح فيه كل الآراء للمناقشة، وكل الناس يتكلمون وكل الجمعيات تتكون، وأى مظاهرات تسير وتهتف، فلا نضطر إلى الاستسلام لأفكار أشبه بأحلام اليقظة، مثل التساؤل: «ألا يكون الحال بديعا لو جاء البرادعى رئيسا للجمهورية؟»، أو مثل «تصور لو أتى الدكتور محمد غنيم ففعل فى إدارة مصر ما فعله فى إدارة مركز الكلى بالمنصورة؟».. إلخ.

من أدراك فى الأصل أن النظام الحالى يمكن أن يسمح لهذا الرجل أو ذاك ولو حتى بالتفكير فى أن يصبح رئيسا للجمهورية؟. 

السبت، 24 أكتوبر 2009

عن شيخ الأزهر.. والفتاة المنتقبة

الشروق - السبت 24 أكتوبر 2009

بعد أن هدأت الزوبعة التى أثارتها العبارة المدهشة، التى صدرت عن شيخ الأزهر للفتاة المنتقبة فى أحد المعاهد الأزهرية، يمكن الآن أن نناقش الموضوع بهدوء أكبر، ونستنتج منه بعض الاستنتاجات.

هذه ليست المرة الأولى التى تصدر من فضيلة شيخ الأزهر عبارة مدهشة لم نتعود صدور مثلها من عالم دين كبير ورئيس لأكبر مؤسسة دينية فى البلاد وفى العالم الإسلامى. فالشيخ يستخدم العامية بسهولة ولا يراعى دائما اعتبارات الوقار المفترضة فيمن يحتل هذا المنصب، بل وقد استخدم أكثر من مرة عبارات جارحة للغاية يتحرج من استخدامها عادة ليس فقط رجل الدين، بل وغيره ممن يحتلون مناصب أقل اتصافا بالورع والتقوى، ولا تشترط درجة عالية من مراعاة خواطر الناس واحترام مشاعرهم. من هذه العبارات بالطبع كلمته للفتاة المنتقبة، وهى فتاة صغيرة السن، لم تختبر الحياة، ويمكن أن تصيبها كلمة جارحة بمشكلات نفسية تبقى معها سنوات عديدة. فهو يرد على دفاعها عن ارتدائها للنقاب بقوله: «أنا أفهم فى الدين أكثر منك ومن اللى خلفوك!»، وهو بعد أن طلب منها خلع النقاب وانصاعت الفتاة لأمره قال لها: «أمال لو كنت حلوة شوية كنت عملت إيه؟!».

لم تكن هذه أول مرة تصدر من شيخ الأزهر عبارات جارحة وغير لائقة، فهو عنيف جدا مع معارضيه، ويعبر عن لامبالاة غريبة بما يوجه إليه من نقد فى الصحف. وبالرغم من كل ذلك، ومن شيوع السخط على هذه التصرفات، لا يبدو أن الرجل يتعرض لأى نوع من اللوم أو لفت النظر من جانب السلطة التنفيذية، التى أصدرت القرار بتعيينه شيخا للأزهر، وتملك سلطة خلعه من منصبه. لا تعليق بالمرة، لا من رئيس الدولة، ولا من رئيس الوزراء، ولا من وزير الأوقاف، ولا من أى لجنة أو مجلس يهتم بشئون البلاد. ومن ثم فليس هناك أى دافع لدى شيخ الأزهر للإقلاع عن هذا المسلك.

ولكن الأمر لا يقف عند حد إهانة فتاة صغيرة بلا مبرر، بل الأخطر من ذلك فى رأيى ما يترتب على هذه التصرفات من تقليل شأن الأزهر الشريف فى نظر الناس فى مصر وخارجها. فالخوف هو أن يعتاد الناس صدور مثل هذه الأقوال من رئيس المؤسسة الموقرة، ويلصقونها بالمؤسسة نفسها بصرف النظر عن شخصية من يرأسها، وبالتدريج لا يتوقع الناس من فضيلة شيخ الأزهر شيئا أفضل من هذا. وهذا شىء لا يضر بالأزهر وحده، ولكن بالدين الذى يخدمه الأزهر، وبالدولة التى يوجد بها الأزهر.

ولكن الدهشة لا تقف عند هذا الحد. فشيخ الأزهر أبدى تسامحا غريبا مع بعض الإسرائيليين، فاشترك فى ندوة كان رئيس إسرائيل «شيمون بيريز» مشاركا فيها، وقام شيخ الأزهر بمصافحته. وعندما سأله أحد الصحفيين عن ذلك فى صيغة عتاب، أجاب شيخ الأزهر بأنه يصافح العدو، كما يصافح الصديق، قاصدا أنه يبدى التسامح مع الاثنين، وأن العداوة لا تعنى بالضرورة الجفاء والغلظة فى المعاملة. وهو كلام مدهش لأكثر من سبب. فهو لا يميز بين خصام بسيط وخصام شديد، بين عدو يظهر بعض الاستعداد للاعتراف ببعض حقوقك، وعدو شرس لا يبدى أى استعداد لهذا، كما أن شيخ الأزهر لا يميز بين مصافحة لا يترتب عليها أى أثر على حقوق مسلوبة، وبين مصافحة من رئيس أكبر مؤسسة إسلامية فى العالم تحقق نفعا مؤكدا لأكبر عدو للمسلمين فى الوقت الحاضر.

كما أن المرء لا يسعه إلا أن يقارن بين هذا التسامح، الذى يبديه شيخ الأزهر لرئيس إسرائيل، وبين هذه القسوة التى عامل بها فتاة مصرية صغيرة لم ترتكب أى إثم.

لا بد أن يتساءل المرء عن سر سكوت الدولة المصرية على مثل هذا السلوك من جانب شيخ الأزهر، وتركه فى منصبه مهما فعل ومهما قال. هل هذا الموقف من الدولة المصرية هو أيضا بند من البنود السرية المتفق عليها فى معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل؟ 

السبت، 17 أكتوبر 2009

في نقد النقاب

الشروق - السبت 17 أكتوبر 2009

اعترف بأنى لم أشعر أبدا شعورا طيبا نحو النقاب. انزعج لرؤيته، وينقبض صدرى، وأسأل نفسى: أى نوع من التفكير أدى بالمرأة المنتقبة إلى ارتدائه؟.. إذا كان الدافع تنفيذ فرائض الدين، فإن كثيرين من الفقهاء وعلماء الدين الموقرين يقولون بأنه ليس من الفرائض، فلماذا رفضت المنتقبة هذا التفسير وأخذت بعكسه؟.. هل الدافع رغبة المنتقبة فى مزيد من التقرب إلى الله وكسب الثواب، واعتقادها أن هذا الزى، وإن لم يكن فرضا، فهو محمود ومستحسن؟..

فلماذا يا ترى يمكن أن يعتبر هذا الزى محمودا ومستحسنا؟.. إنى أجد أسبابا كثيرة وقوية لتفضيل عدم ارتداء النقاب، لمصلحة المرأة التى تفكر فى التنقب، ولمصلحة المجتمع ككل، فكيف يمكن أن يكون موقف الدين مخالفا لما يقضى به العقل؟

إنى أتعاطف بشدة، وأعتقد أن كثيرين من القراء متعاطفون أيضا، مع القول المعروف فى مذهب المعتزلة «بالحسن والقبيح العقليين»، أى بأن العقل قادر على أن يعرف أن الشىء حسن أو قبيح، ومن ثم أباحوا لأنفسهم أن يفسروا القرآن الكريم بتحكيم العقل والحديث وبالاعتماد على معرفتهم باللغة وبأساليب القرآن وروحه، ومادامت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التى تتكلم عن الزى الواجب على المرأة، قليلة وتحتمل أكثر من تفسير، فلا مناص لنا من تحكيم العقل، والعقل فى ظنى يرى مثالب كثيرة فى النقاب.

الدين والأخلاق يدعوان بالطبع إلى ضرورة الاحتشام، من جانب المرأة والرجل على السواء، وهذا هو أيضا ما يقول به العقل، ولكنى أجد صعوبة فى وصف ارتداء النقاب بأنه مجرد احتشام. إنه يذهب إلى أبعد من هذا بكثير، حتى ليكاد يصل إلى حد الانسحاب من الحياة الاجتماعية بأسرها، وانكفاء الشخص على نفسه متى خرج من بيته. وهذا الانسحاب موقف غريب جدا وغير مفهوم. غريب لأنه يصل إلى درجة منع الناس من معرفة ما إذا كان الشخص المتنقب رجلا أو امرأة، فتاة صغيرة أو عجوزا. فإذا سمحت المنقبة لشخص من غير أقاربها بأن يسمع صوتها، أو أن يتبادل معها الكلام، فهى لا تسمح له بأن يعرف وقع كلامه فى نفسها، إذ لا تسمح له بأن يرى ما يطرأ على أسارير وجهها من تغييرات، مع أن هذا، فيما أظن، من حقه، ومن ضرورات التواصل الإنسانى الطبيعى. كيف يؤدى الأستاذ مثلا وظيفته فى تدريس مجموعة من المنقبات، دون أن يعرف وقع كلامه فى نفوسهن؟..

وكيف تتعامل المنتقبة، إذا كانت موظفة فى الحكومة، مع من يتردد عليها لأداء شأن من شئونه؟.. وكيف تمارس المنتقبة عمليها كطبيبة فى تعاملها مع المرضى.. إلخ؟.. أم أن المنتقبة يجب فى الواقع أن تقضى معظم حياتها داخل بيتها، ولا تخرج منه إلا للضرورة القصوى؟.. فلماذا كل هذه القسوة فى معاملة المرأة؟

وهل هذا كله ضرورى حقا لحماية المرأة والرجل من الفتنة؟.. هل أى شعور مصدره الغريزة الجنسية هو شعور قبيح دائما ومن ثم وجب وأده؟.. أم أن القبح هو فقط فى العجز عن ضبط النفس حتى لا يؤدى هذا الشعور إلى ارتكاب فاحشة أو معصية؟.. ما كل هذه القسوة فى النظر إلى مشاعر الإنسان الطبيعية؟.. وهذا الميل إلى انكار الطبيعة الإنسانية؟.. إن التحضر لا يعنى قتل الرغبة، بل القدرة على السيطرة عليها وتوجيهها إلى تحقيق حياة سعيدة وجميلة.

والإصرار على ارتداء النقاب فيه إهانة للرجل والمرأة على السواء، إهانة لكل رجل عابر لأنه ينطوى على اعتباره غير قادر على التفكير فى أى شىء غير الجنس، وإهانة للمرأة غير المنتقبة لأنه ينطوى على اتهامها بعدم مراعاة الحشمة الواجبة. وارتداء النقاب يؤدى إلى أى حال إلى فتح موضوع الفتنة الجنسية كلما كان موصدا، كان موصدا، وإعلان مستمر بأن الشاغل الأعظم لنا جمعيا يجب أن يكون تجنب هذه الفتنة.

ولكن هناك جانبا آخر لهذه القضية. فالغريزة الجنسية بطبيعتها لا يثيرها فقط ما يراه المرء بعينيه، بل قد يثيرها الصوت وكذلك مجرد التخيل. ومن ثم فمنع العينين من الرؤية لا يكفى دائما لتجنب الانجذاب نحو الجنس الآخر. فماذا نحن فاعلون إذن، إذا افترضنا أن الإنسان لا يستطيع السيطرة على مشاعره، ولا بد أن يرتكب الخطيئة بمجرد أن يشعر الانجذاب إلى الجنس الآخر؟.. هل يكفى حقا حجب الجسم عن العين؟.. أم يجب أيضا منع الصوت من الوصول إلى الأذن؟.. فإذا سارت المرأة المنتقبة، والتزمت الصمت، فلم ترها عين ولا سمعت صوتها أذن، فكيف نتجنب مع ذلك الفتنة التى قد تنتج عن مجرد التخيل؟.. خاصة أن الخيال ينشط عادة إذا منعت الحواس من العمل؟

الأرجح، والحال كذلك، أن الخيار المتاح أمامنا هو بين شيئين لا ثالث لهما: إما محاولة التدرب على ضبط النفس، أو البحث عن طريقة لاستئصال الغريزة الجنسية من أصلها. 

السبت، 10 أكتوبر 2009

مجتمع طبقي جدا

الشروق - السبت 10 أكتوبر 2009

كلما عدت إلى مصر، بعد غياب طويل أو قصير، راعنى بمجرد أن تطأ قدماى أرض المطار، مظهر وآخر من مظاهر المجتمع الطبقى. موظفون صغار فى انتظار موظفين كبار، شخص يحمل جوازات سفر لمجموعة مهمة من الناس ويقوم بتشطيب إجراءات الجوازات بالنيابة عنهم ليخرجوا من المطار قبل غيرهم، مستخدمون لدى شركات السياحة هم فى الأغلب خريجو جامعة لم يجدوا وظيفة أفضل من أن يحملوا اسم شركتهم ليراها الركاب العائدون... إلخ.

بمجرد أن شرعت فى وضع حقائبى فى الأتوبيس الذى يحملنا من المطار إلى موقف السيارات، انشقت الأرض عن شابين سرعان ما أصبحا ثلاثة، ثم أربعة يتنافسون على مساعدتى أنا وزوجتى فى حمل الحقائب. ثم بمجرد أن وقف الأتوبيس وشرعت فى إنزال الحقائب، انشقت الأرض مرة أخرى عن أربعة شبان آخرين يتنافسون على نفس العمل.

لاحظت أن المتنافسين على القيام بهذه المهمة لا يبدو ما كان يبدو قديما على الشيالين فى مصر. فثيابهم الآن أفضل، وسنهم أصغر، ولكن الذل البادى على وجودهم أفظع مما كان يبدو على وجوه الشيالين القدامى.

اعترانى كالعادة فى مثل هذا الموقف شعور بالذنب، لم أكن أشعر به طوال وجودى بالخارج. فالعائد من دولة أوروبية أو الولايات المتحدة، أو حتى من أى بلد عربى آخر، لا يصادف مثل هذا الموقف أبدا. نعم، هناك بالطبع الغنى والفقير، ولكن ليس بهذا الشكل. نعم، يمكن تقسيم المجتمع هناك إلى طبقات، ولكن ليس هناك مثل ما تراه فى مصر، منذ أول لحظة وصولك إليها، من مزايا يحصل عليها علية القوم، ومذلة الطبقة الدنيا.

المجتمع الطبقى قديم جدا بالطبع، سواء فى مصر أو فى العالم، ولكنه لم يكن دائما يسبب مثل هذا الشعور بالذنب من ناحية ولا كل هذه المرارة فى الناحية الأخرى.

فحتى وقت قريب جدا، ظل علية القوم يعتقدون بإخلاص أنهم يستحقون ما يعيشون فيه من نعيم، إما لأنهم من جنس مختلف أو لأن لون بشرتهم أفضل، أو لأنهم من عائلات ممتازة، أو حتى لمجرد أنهم يملكون أطيانا زراعية شاسعة. وفى جميع الأحوال كانوا يعتبرون هذا الثراء والتميز عن غيرهم دليلا على رضا الرب عنهم.

والطبقة الدنيا ظلت حتى وقت قريب جدا تقبل هذا التفسير وكأنه من المسلمات: «نعم، نحن من جنس ردئ أو لون بشرتنا بشع، أو ولدنا فى عائلات وضيعة لا تملك جاها ولا أرضا، مما يدل على غضب الله علينا لسبب أو آخر».

حدث خلال المائة عام الماضية ما بدد هذه الأفكار أو أضعفها بشدة فى الناحيتين: فلا الجنس ولا اللون ولا السلالة أو التاريخ ولا الدين يمكن أن يبرر هذا التميز الطبقى.

والمسألة كلها ظلم فى ظلم. والذى زاد الأمر سوءا أن كل شىء أصبح معروفا: كل الفقراء يعرفون بالضبط كيف يعيش الأغنياء، إن لم يكن بسياراتهم الفارهة فى الشوارع، فمن خلال شاشة التليفزيون، بل ويعرفون أن علية القوم لم يحصلوا على كل هذا الترف إلا بالنصب.

كان لابد أن يثرى الشعور بالمرارة فى جانب، وبالذنب فى الجانب الآخر، حتى لو تظاهر الجميع بغير ذلك.

«أنا أعرف جيدا كيف حصلت على أموالك أو منصبك»، هكذا يقول القابعون فى أسفل السلم فى أنفسهم، بينما يعرف الآخرون، وإن لم يفصحوا عن ذلك قط، أنهم فى الأساس محتالون، لم يحصلوا على مراكزهم إلا بالقوة أو بالنصب.

فى مناخ كهذا، ليس غريبا أن تنمو أشياء كثيرة مما نضج منه بالشكوى، أنواع جديدة وغريبة من الجرائم، التحرش الجنسى التعصب والتشنج الدينى... إلخ. 

السبت، 3 أكتوبر 2009

فاروق حسني واليونسكو.. أصلها عزبة!

الشروق - السبت 3 أكتوبر 2009

السيد فاروق حسنى وزير الثقافة المصرى. لم يتصرف فى موضوع لرئاسة اليونسكو، التصرف اللائق بوزير فى دولة لها بعض المبادئ التى تلتزم بها، وتستوحى مواقفها من مشاعر شعبها، فلا تقابل أعداءها مثل ما تعامل أصدقاءها، ولا تنفق أموال شعبها بلا ضابط أو شعور بالمسئولية.

بالعكس من ذلك، كانت تصرفات وزير الثقافة فى هذا الموضوع، كما لو كانت الوزارة والدولة كلها عزبته الخاصة أو عزبة والده. فجاءت قصة الترشيح والانتخاب محزنة للغاية، من أولها إلى آخرها.

عبر فاروق حسنى لرئيس الجمهورية عن رغبته فى الترشيح لرئاسة اليونسكو، وطلب منه المساعدة فوافق الرئيس ووعد بمساعدته.

هكذا سمعنا عن هذا الأمر لأول مرة. لم نسمع أن الدولة المصرية فكرت فى ترشيح مصرى لهذا المنصب الرفيع، فاستعرضت بعض الأسماء من كبار المثقفين المصريين من ذوى السمعة الدولية الطيبة، ومن أصحاب المواقف المعروفة فى خدمة الثقافة العربية، وفى معارضة الخطط الصهيونية والأمريكية التى تهدد الهوية العربية أو التراث العربى والإسلامى، وتحاول تغيير مناهج التعليم فى البلاد العربية على نحو يهدد هذه الهوية وهذا التراث.

سمعنا فقط عن رغبة فاروق حسنى فى تقلد الوظيفة وعن استجابة الرئيس لرغبته. الأمر إذن شبيه بتصرف صاحب عزبة فى عزبته أو عزبة والده. الطفل المدلل لديه رغبة مثلا فى الزواج من فتاة جميلة من أسرة ثرية ولها خطاب كثيرون، فلابد من دعمه ومساعدته، ولابد من تجنيد أهل العزبة كلهم لتحقيق غرضه، وإيرادات العزبة كلها توضع تحت تصرفه مادامت تخدم هذا الغرض.

ظل أهل العزبة، بمن فيهم الفلاحون المساكين، ما يقرب من عام بأكمله، لا يسمعون إلا عن رغبة الابن المدلل فى الزواج.

الابن يتقدم للترشيح، الابن يسافر، الابن يعود. الرئيس المصرى يكلم الرئيس الأمريكى فى الموضوع، الرئيس المصرى يطلب من العدو الإسرائيلى ألا يخلق مشكلات للابن المدلل، العدو الإسرائيلى ينتهز الفرصة فيطلب مقابلا لذلك من الرئيس المصرى وإن كنا لا نعرف ما الذى طلبه بالضبط. وزير الخارجية المصرى يترك أعماله ليقوم بالاتصالات الواجبة للحصول على الدعم للابن المدلل. الرئيس المصرى ووزير خارجيته يستخدمان ثقل دولتهما لإقناع الدول العربية الأخرى بعدم ترشيح منافس للمرشح المصرى. كبار موظفى وزارة الثقافة يتركون أعمالهم للتفرغ لحملة الوزير. الحربية التى تصدرها الوزارة، نتابع أخبار الحملة يوما بيوم، ونتحدث عن أمجاد الوزير وإنجازاته. المثقفون المصريون يطلب منهم الكتابة فى الصحف تأييدا له.. إلخ.

ولأن الوزير يعرف أهمية الدور الصهيونى فى الدعاية فى الغرب، وفى التأثير على صنع القرار فيها، لم يدخر الوزير جهدا لكسب إسرائيل والصهيونية إلى صفه، بصرف النظر عما إذا كان هذا هو أيضا رأى شعبه. فالوزير يسافر إلى ندوات ولقاءات فى أوروبا يعبر خلالها بطرق مختلفة عن حبه لليهود وأسفه على ما حدث لهم منذ سبعين عاما فى ألمانيا، وعن حبه للسلام بصفة عامة، وتقديره «للآخر»، أيا كان هذا الآخر، ويدلى بتصريح لجريدة الديلى تليجراف البريطانية بأنه إذا كان بمنصب مدير اليونسكو لن يمانع فى زيارة إسرائيل أو التعامل معها. وباعتباره رئيسا المسئول عن المشروع القوى للترجمة يوغر إليه بترجمة كتب لمؤلفين إسرائيلين، وكما يعد باستكمال مشروعات ترميم الآثار اليهودية، ويعطى الجائزة التقديرية لشخص لا يحظى بتقدير المثقفين المصريين ولكن يحظى برضا الإسرائيليين.

وتخطر بباله أيضا فكرة جهنمية، وهى دعوة مايسترو إسرائيل لقيادة فرقة موسيقية فى دار الأوبرا المصرية. كانت هذه أول مرة يحدث فيها مثل هذا، مما كان لابد أن يدخل السرور الفائق فى نفوس الإسرائيليين وأن يصيب بالغم كل من يسمع بالأمر من المصريين. ولكن لا شىء يقف فى وجه الابن المدلل، إذ إن كل شىء ممكن، بل ويجند الوزير عددا من المثقفين المصريين لحضور الحفلة الموسيقية باسم غرامهم بالموسيقى الكلاسيكية وحبهم للسلام فى نفس الوقت، ويدفعهم دفعا لكتابة ما معناه أنه ليس هناك أى غضاضة فى ذلك.

هذه الحفلات والتنقلات كلها، من بلد لآخر، لابد أن تكون باهظة التكاليف، فمن الذى سيخبرنا يا ترى بما تحملته خزانة الدولة ووزارة الثقافة من هذه التكاليف؟ وهل مجرد دعم الرئيس للوزير كاف للموافقة على صرف كل هذه الاعتمادات؟

سمعنا أن جزءا من هذه التكاليف تحمله رجل أعمال شهير وبالغ الثراء، كان يتنقل مع الوزير من مكان لآخر، ورأينا صورته فى التليفزيون أكثر من مرة وهو يسير إلى جانب الوزير.

فما هو يا ترى النفع العائد على رجل الأعمال الشهير هذا، من وراء هذا الدعم المطلق؟ هل هو حرص رجل الأعمال على أن يتولى وزير مصرى أو عربى أو مسلم رئاسة اليونسكو لخدمة الثقافة العربية أو الإسلامية؟ وهل نضمن أن هذه المصاريف التى تحملها رجل الأعمال عن طيب خاطر لن تترتب عليها أعباء تقع على عائق سائر المصريين؟

لا يعلم أحد بالضبط السبب فى فشل كل هذه الجهود، لا أرجح أن السبب معارضة إسرائيل والصهاينة، ولا حتى معارضة الولايات المتحدة. فكلاهما يعرفان جيدا أن فاروق حسنى يمكن أن يقوم بخدمات رائعة لكل منهما، أكثر بكثير من المرشحة البلغارية التى نجحت بالفعل. فالعربى المتهاون فى حقوقه والمستعد للتعاون أفضل بكثير فى نظر إسرائيل من أوروبى لا صلة مباشرة له بالصراع العربى الإسرائيلى، بل وقد يتخذ هذا الأوروبى موقفا مضادا لإسرائيل مدفوعا ببعض المبادئ الإنسانية المجردة وبعض المثل العليا.

أيا كان سبب السقوط فهو بالتأكيد ليس معاديا الصهيونية والأمريكيين له كما ندعم الوزير بعد عودته، فقد فعل كل ما يستطيع وكسب ودهم قبل الانتخابات وأكد استعداده لأن يفعل أكثر فى حالة فوزه.

طبعا لابد أن يقول الوزير مثل هذا بعد فشله فى الانتخابات، إذ يحاول الآن كسب المصريين إلى صفه بعد أن لم يبق له إلا وزارة الثقافة المصرية. الأكثر مدعاة للدهشة هو القول الذى نسبه الوزير لرئيس الجمهورية المصرى، إذ قال الرئيس له أثناء مواساته بعد سقوطه «ارمى ورا ضهرك!»، أى لا تجعل ما حدث يصيبك بأى حزن، ولتركز فى المستقبل، أى مستقبلك فى وزارة الثقافة. المدهش فى هذا القول إن الرئيس المصرى عامل الموضوع مرة أخرى وكأنه شأن خاص يتعلق بمصلحة فاروق حسنى الشخصية. لقد خسرت مصر موقعا مهما فى مؤسسة دولية رفيعة، وكان من الممكن جدا أن تكسبه لو لم تتم إدارة الموضوع كله وكأننا بصدد عزبة خاصة ومصلحة خاصة للابن المدلل.

وهذه الخسارة كانت جديرة بأن تشعرنا جميعا، ومعنا رئيس الدولة بالطبع، بالأسف على ما ضاع من يد مصر، ولكن ها هو الموضوع ينظر إليه على أنه نكسة صغيرة تحدث لابن عزيز، لابد من مواساته، رغم كل ما فعله وبدده من جهد وأموال المصريين، وأقل ما يجب عمله وللتخفيف من أحزانه، تركه فى منصبه الرفيع فى مصر لمدة 22 سنة أخرى.