د. جلال أمين

د. جلال أمين
أستاذ الإقتصاد بالجامعة الأمريكية والمفكر المصرى الكبير

الخميس، 18 يونيو 2009

زيارة أوباما.. وعالم جورج أورويل

الشروق - الخميس 18 يونيو 2009

لا يخفى على من قرأ رواية جورج أورويل الشهيرة «1984» أن الرقم الذى اختاره أورويل عنوانا للرواية لا أهمية له على الإطلاق.

كان كل ما يقصده أورويل أن يحذر مما يمكن أن يأتى به المستقبل، أو أن يقول إن النهاية الطبيعية لمسار المجتمع الحديث، كما كان يراه وقت كتابته للرواية، سيئة للغاية، ما لم نتدخل لتغيير هذا المسار قبل فوات الأوان. كان يكتب الرواية خلال سنة 1948، واختار الرقم 1984 اختيارا عشوائيا للدلالة على وقت ما فى المستقبل، ولم يكن هناك ما يمنع من أن يختار سنة أخرى فى المستقبل كسنة 2009 مثلا.

أما وقد اختار سنة 1984، فكان من الطبيعى عندما تحل تلك السنة «بعد نشر الرواية بثلث قرن» أن يتناقش الناس حول ما إذا كانت نبوءات أورويل قد تحققت، وما إذا كنا قد وصلنا بالفعل إلى ذلك المجتمع الرهيب الذى تصوره الرواية. أذكر أن من بين الكتّاب القليلين جدا الذين قالوا: «نعم، إن نبوءات أورويل قد تحققت، وأن ما حذرنا منه قد وقع بالفعل، على الأقل فى جوهره»، الكاتب الأمريكى العظيم ناعوم تشومسكى، وقد فرحت عندما وجدت رأى تشومسكى فى هذا الأمر مثل رأيى، إذ كنت أكنّ لتشومسكى دائما تقديرا شديدا، فسرنى أن ظنى لم يخب فى هذه المرة أيضا.

على أننى بعد قليل من التفكير، لم أستغرب أن يذهب معظم الكتّاب إلى عكس هذا الرأى، فينكرون أن تكون نبوءات أورويل قد تحققت، وأن يكون المجتمع الحديث قد أصبح فى 1984 بالفظاعة التى تصورها الرواية. وفسّرت هذا الموقف بأمرين: الأول أن «1984» هى فى نهاية الأمر رواية وليست تحليلا علميا، ومن الطبيعى أن يلجأ كاتب الرواية «أى رواية» إلى بعض المبالغة، وأن يختار من مظاهر الحياة التى يراها أمام عينيه بعضها ويتجاهل غيرها، وأن يعمد إلى «تكثيف» هذه المظاهر التى اختارها واعتبرها أكثر مغزى أو أكثر قابلية للبقاء من غيرها. «تكثيفها» بمعنى استخلاص الجوهرى منها والاستغناء عن التفاصيل وغير الجوهرى. العمل الفنى فى نهاية الأمر لابد أن ينطوى على اختيار وتأكيد واستبعاد وتضخيم لبعض جوانب الواقع دون غيرها، وإلا فما الذى يميز اللوحة الفنية لمنظر طبيعى، أو لوجه الإنسان، عن الصورة الفوتوغرافية؟

ولكن الحياة الواقعية لا تعرف عملية الاختيار والاستبعاد والتضخيم هذه، ومن ثم فمن الممكن جدا أن تخدعنا بعض التفاصيل التافهة، أو بعض المظاهر قليلة المغزى، وتحجب عنا رؤية المسار العام، أو التحولات المهمة فى حياتنا، فنظن ألا شىء مهم يحدث، بينما تحدث أمور بالغة الخطورة فى الحقيقة.

يذكرنى هذا بالخطابات التى كانت ترسلها لى أمى من مصر وأنا فى انجلترا، وكانت تختم خطاباتها عادة بعبارة «كل شىء على ما يرام»، وقد تضيف «ولا ينقصنا إلا رؤياك». ولكننى عندما استعرض الآن ما كان يحدث لأفراد العائلة فى فترة كتابتها لهذه الخطابات، أتعجب أشد العجب من خطورة وأهمية الكثير من هذه الأحداث، التى لم تسترع انتباه أمى مع ذلك، أو لم تدرك خطورته، فاعتبرت أن «كل شىء على ما يرام».

ولكن هناك سببا آخر لعدم ملاحظتنا لبعض الأشياء المهمة التى تمر بنا، غير كثرة ما نصادفه من تفاصيل صغيرة تحجب عنا الأهم منها، وهو مجرد «التعود». نحن للأسف كثيرا ما نتعود على أشياء سيئة جدا حتى نعتبرها من طبيعة الأمور، فنكف عن التأفف منها، ومن ثم لا نبذل أى محاولة لمقاومتها.

هذا فى رأيى ما حدث منذ ظهرت رواية أورويل فى سنة 1949 لقد حدثت بالفعل أشياء كثيرة مما توقعه، والصورة العامة التى رسمها زادت قتامة مع مرور الوقت، ولكن هذا التدهور صاحبته أحداث أخرى وتفاصيل كثيرة جعلت من الصعب علينا رؤية الاتجاه العام لمسار الحياة الحديثة، فضلا عن أننا تعودنا على أشياء سيئة كثيرة، فلم نعد نتأفف منها، واعتبرناها من طبيعة الأمور التى يتعين قبولها.

******

كان لابد أن تطوف بذهنى مثل هذه الأفكار بمناسبة زيارة الرئيس الأمريكى باراك أوباما للقاهرة فى 4 يونيو الماضى. جلست أمام التليفزيون منذ ظهور أوباما على الشاشة، وتتبعت مساره منذ بداية وصوله إلى قصر القبة لمقابلة الرئيس مبارك، ثم خروج موكبه من القصر، ثم طوافه فى مسجد السلطان حسن واستماعه لشرح ما يراه فى المسجد من سيدة مصرية/ أمريكية، ثم ظهوره فى قاعة الاحتفالات بجامعة القاهرة، ووقوفه وحده على المنصة، وإلقائه خطابه الموجه إلى المسلمين فى كل مكان، والذى استقبل استقبالا حافلا وغطته وسائل الإعلام فى سائر أنحاء الأرض.

شاهدت بعينى وسمعت بأذنىّ ما يدل على افتتان الناس الشديد بالرئيس الأمريكى الجديد، ثم قرأت فى الصحف ما يؤكد هذا الافتتان الشديد. وعبر كثيرون من بينهم من اعتبرهم من صفوة أصحاب الرأى فى مصر، عن آمال كبيرة فى أن يحقق هذا الرجل للعرب والمسلمين ما لم يحققه رؤساء أمريكا السابقون. تفاوتت درجة التفاؤل لدى هؤلاء، ولكنهم عبروا عن تفاؤل لا شك فيه فى أن يكون هذا الرئيس الجديد أفضل بكثير من سابقيه، حتى للعرب والمسلمين.

ولكننى لاحظت أيضا أننى شعرت بالحزن بعد انتهاء الخطاب، وبأننى أحتاج لفترة بعد أن أغلقت التليفزيون أحاول فيها أن أتبين مغزى ما رأيته بالضبط. ومرة أخرى قفزت إلى ذهنى رواية 1984 وعالم جورج أورويل.

******

فى أثناء إلقاء أوباما لخطابه سمعت صوتا يأتى من القاعة يهتف لأوباما بقوله «We Love you Obama» «نحن نحبك يا أوباما!». وكان هذا كافيا لتذكيرى بالرواية. فالرواية مليئة بالهتافات «للأخ الأكبر» Big Brother، وهو رئيس الدولة الخيالية، والهتافات فى الرواية هستيرية، اعتاد الناس عليها، فأصبحت تصدر منهم بلا تفكير، بل وبإخلاص. والرواية تنتهى بعبارة لا شك أن أورويل اعتبر أنها تلخص مغزى الرواية كلها، وهى تصف شعور بطل الرواية «وينستون» بعد أن تعرض لتعذيب فظيع وغسيل تام للمخ، وتحوّل إلى شخص جديد تماما، كره حبيبته وفقد أى رغبة فى رؤيتها، وتنتهى الرواية بأنه أصبح: «يحب الأخ الأكبر».

سألت نفسى عما إذا كان هذا معقولا؟ هل من المعقول أن هذا الذى رأيته على شاشة التليفزيون له علاقة بمضمون رواية 1984؟

هل معقول أن كل هذه المشاعر من الحب والتقدير والافتتان التى يشعر بها الناس نحو أوباما، لها صلة بمشاعر الناس فى رواية أورويل، ولها أسباب مماثلة؟ أخذت أستعيد ما رأيته وسمعته لمحاولة الإجابة عن هذا السؤال.

أوباما بلا شك رجل جذاب جدا، وفصيح للغاية. ولكن من قال إن «الأخ الأكبر» فى رواية أورويل لم يكن أيضا جذابا جدا وفصيحا؟ أريد أيضا أن أزعم أن جزءا كبيرا من جاذبية أوباما يرجع إلى أنه رئيس جمهورية، بل ورئيس جمهورية أغنى وأقوى دولة فى العالم، وأنه رئيس أسمر اللون فى دولة غالبية سكانها من البيض، ومن الذين كانوا حتى وقت قريب يسيئون معاملة الملونين. أن يصبح رجل أسمر رئيسا لجمهورية هذه الدولة، ويحاط بكل مظاهر الأبهة التى لم يكن يتصور أن يحظى بها إلا رجل أبيض، وأن تظهر بجواره زوجة شابة لطيفة، وسمراء مثله، وبنتان صغيرتان ضحوكتان، وينزل من سيارة مبهرة فيحييه جنود عظام ذوو بشرة بيضاء، ويُعزف له السلام الجمهورى.. الخ، كل هذا لابد أن يضفى عليه جاذبية تضاعف من أثر وجهه الوسيم. ولكن كل هذا لا يمكن أيضا أن يحدث أثره فى الناس إلا من خلال وسائل الإعلام التى لا عمل لها إلا تحول أشخاص عاديين إلى أبطال، ونساء متوسطات الجمال إلى نجوم.

هذه نقطة جوهرية فى رواية أورويل: ما تصنعه وسائل الإعلام بالناس، وكيف تتلاعب بعقولهم بالمبالغة أحيانا أو بمجرد التكرار، وبمختلف الحيل التكنولوجية التى توجد مشاعر الحب أو الكراهية، بطرق لا عقلانية بالمرة، كالجمع بين صورة الزعيم وصورة شىء جميل قد لا يمت للزعيم بصلة، أو ربط اسمه بخبر سعيد لم يكن هو السبب فيه، فضلا عن إظهار من يراد زيادة شعبيته فى أفضل صورة دائما، وتجنب تصويره فى أى موقف قد لا يبعث على الثقة.

خذ المثال الآتى: لقد بُهرت كما بهر الجميع بقدرة أوباما الخارقة على الخطابة والارتجال، وأدهشتنى كل الدهشة قدرته على إلقاء هذا الخطاب المتقن لمدة تقرب من الساعة، بترتيب رائع ومنطق أخّاذ، وقدرته على تذكر النقاط السبع التى احتواها الخطاب، فينتقل من الواحدة إلى الأخرى دون تردد أو أى جهد لمحاولة التذكر، مع خطورة ما يقوله، وما يمكن أن يترتب على أى خطأ صغير من إثارة مشكلات سياسية أو إغضاب دولة صديقة أو مجموعة من الناس لا يصح إغضابهم. يفعل كل هذا دون أى خطأ أو تلعثم، فيا له من رجل!

ذكرت هذا لصديق أمريكى له معرفة أكبر منى بكثير بما أحرزته تكنولوجيا الإعلام من تقدم، فابتسم وقال لى: إن الحقيقة ليست كذلك بالضبط. فعلى يمين أوباما وعلى يساره، فوق منصة قاعة الاحتفالات بجامعة القاهرة، يقف لوحان زجاجيان كبيران محدّبان لا يراهما الجمهور، بينما تجرى عليهما سطور الخطاب الذى يلقيه، على نحو يستطيع هو أن يقرأه وهو واقف فى مكانه، ناظرا مرة إلى اليمين ومرة إلى اليسار، فيبدو للناس وكأنه يرتجل الكلام أو يحفظه عن ظهر قلب، بينما هو لا يفعل أكثر من قراءة كلام مكتوب أمامه، وكأنه يقرأ من كتاب مفتوح.

******

لاحظت مما شاهدته من صور تتعلق بزيارة أوباما، على شاشة التليفزيون أو فى الصحف، منظر شوارع القاهرة التى مر بها الموكب وما سمعته عما فعله رجال الأمن من أجل تأمين سلامة الموكب تأمينا كاملا. الشوارع تبدو شبه خالية من الناس، وكذلك الشرفات، والنوافذ مغلقة. ثم عرفت أن هذا تم بأوامر مشددة من الشرطة، بل قيل إن سكان البيوت التى تطل شرفاتها على الموكب قد صدرت لهم تحذيرات من الظهور فى الشرفة وإلا حدث لهم مكروه. كل هذا عدا إغلاق مدارس وجامعات ونواد رياضية وتأجيل الامتحانات.. إلخ.

جرى هذا كله من أجل تحقيق رغبة رئيس دولة أجنبية فى إلقاء خطاب موجه «للعالم الإسلامى»، فى موعد تم تحديده من جانبه هو، وفى مكان اختاره مستشاروه ورجال أمنه، وبحضور مدعوين لم تحددهم الدولة «المضيفة» بل اختارهم رجاله هو من بين المصريين والأجانب، بصرف النظر عما إذا كانت حكومة الدولة «المضيفة» راضية عنهم أو غير راضية، وما إذا كانت دعوتهم تعتبر «تطبيعا» مع إسرائيل أو لا تعتبر كذلك.

هل كان هذا الرجل «الجذاب جدا» راضيا عن كل هذا، أو حتى أستشير فيه، أم فرضت كل هذا اعتبارات أمنية وتكنولوجية وسياسية عليا، أعلى حتى من الرئيس الأمريكى، ويصعب تشخيصها والتكهن بطبيعتها وكأنها إرادة إلهية؟
كل هذا ينتمى إلى عالم جورج أورويل، ولكننى تذكرت كيف كان الحال مختلفا فى سنة 1974، أى منذ نحو ثلث قرن، عندما جاء ريتشارد نيكسون رئيس الولايات المتحدة آنذاك لزيارة القاهرة فى أعقاب تحوّل السياسة المصرية من الولاء للسوفييت إلى الولاء للأمريكيين. اتخذت إجراءات أمن مشددة بالطبع، ولكنها لا يمكن مقارنتها بما اتخذ من إجراءات لحماية أوباما. فالشوارع ظلت مفتوحة، وسُمح للناس بالاصطفاف على الأرصفة وتحية الموكب من الشرفات، بل وظهر نيكسون فى سيارة مكشوفة إلى جانب الرئيس السادات، مع أن نيكسون لم يكن يحظى بجزء صغير مما يحظى به أوباما من شعبية لدى المصريين. ما الذى حدث يا ترى خلال ثلث القرن الماضى لبث كل هذا الخوف فى النفوس. لم تكن ظاهرة «الإرهاب» قد اخترعت بعد، ولكن هذه الإجراءات الأمنية المشددة لم تتخذ خوفا من الإرهاب، بل الأقرب إلى الحقيقة أن الإرهاب قد اخترع أصلا لبث الخوف. وأما الدافع الحقيقى إلى بث الخوف فى نفوس الناس فلم يشرحه أحد بأفضل مما شرحه أورويل فى رواية «1984».

ولكن أهم ما فى رواية «1984» ليس ما تبثه الدولة التكنولوجية الحديثة من خوف فى نفوس الناس، ولا قدرة السلطة على التجسس على الناس وهم جالسون فى بيوتهم، وتسجيل حركاتهم وسكناتهم، بما فى ذلك ما يسميه أورويل «جريمة الوجه» Face Crime أى أن ترتسم على الوجه مشاعر معادية للنظام بل الأهم من ذلك ما تمارسه السلطة من كذب مستمر على الناس والترويج لعكس الحقيقة بالضبط، مع إلباس الكذب والنفاق رداء الفضيلة. هكذا وجدت خطاب أوباما، وهذا هو ما بعث فى نفسى الحزن بعد انتهائى من سماعه. فهو يقول كلاما منسقا تنسيقا بديعا ولكنه مخالف مخالفة تامة للحقائق. يتظاهر بالجزع لمحرقة اليهود بينما هو يقول الكلام الذى طلب منه الإسرائيليون وأنصارهم أن يقوله، ويتظاهر بالتعاطف مع محنة الفلسطينيين دون أن يعد بتلبية مطلب واحد من مطالبهم، ويتظاهر بأنه لا يعرف الفرق بين المسئول عن محنة اليهود فى ظل ألمانيا النازية والمسئول عن محنة الفلسطينيين، ويتظاهر باحترام الإسلام وتبجيله دون أن يعد بشىء من أجل التخفيف من آلام المسلمين.

الكلام كله إذن جميل جدا، ولكنه مزيف تماما. وهو بالضبط ما عناه أورويل فى ملحق كتابه عن «اللغة الجديدة»، وما قصده عندما أشار إلى تسمية وزارة الحرب فى دولته الخيالية «بوزارة السلام»، وتسمية الوزارة المسئولة عن تزييف التاريخ وبث المعلومات الكاذبة «بوزارة الحقيقة». أما صياح أحد الحاضرين أثناء إلقاء أوباما بالخطاب «نحن نحبك يا أوباما»، فليس لدينا ما يؤكد أنه كان عملا تلقائيا يعبر عن شعور حقيقى أم أنه أيضا قد تم ترتيبه مقدما. ولكن سواء كان عملا تلقائيا أم مرتبا بفعل المسئولين عن ترتيب هذا المهرجان برمته، فإنه أمر محزن للغاية. 

السبت، 13 يونيو 2009

لماذا لَبِس أوباما العِمّة؟

الشروق - السبت 13 يونيو 2009

عندما أعلن عن عزم الرئيس الأمريكى الجديد باراك أوباما على زيارة القاهرة، قيل إن السبب رغبته فى توجيه خطاب إلى «العالم الإسلامى» ولم يقل إن الغرض إجراء مباحثات مع الرئيس المصرى، ولا توجيه خطاب إلى العالم العربى، بل للمسلمين.

والرئيس أوباما عندما جاء إلى القاهرة لم يتضمن على أى حال إلا مدة قصيرة للغاية مع الرئيس مبارك، ولا تحدث الاثنان، كما يحدث عادة، فى مؤتمر صحفى مشترك، بل كان واضحا أن مقابلته للرئيس المصرى كانت للمجاملة، تمت أساسا للمحافظة على المظاهر الضرورية، وكذلك للتعزية الواجبة فى وفاة حفيد الرئيس.

ولكن أوباما خرج من قصر القبة متجها إلى جامع السلطان حسن، فلماذا يا ترى اختير هذا المكان ليقضى فيه أوباما ساعة من ثمانى ساعات ثمينة هى كل ما سيقضيه فى القاهرة؟ لا يمكن أن يكون السبب حب أوباما للآثار الإسلامية، أو للآثار بصفة عامة.

بل لابد أن يكون لزيارة جامع السلطان حسن دافع سياسى أيضا، يتعلق بلا شك بما يراد للزيارة أن تحدثه من أثر، عن طريق وسائل الإعلام، على نفوس المسلمين فى مختلف أنحاء الأرض.

الصحفيون الذين يدعون للالتقاء بالرئيس الأمريكى، على قلتهم، يضمون صحيفة إندونيسية وأخرى ماليزية. والخطاب نفسه ملىء بالمقتطفات من القرآن الكريم، وأوباما يؤكد فيه على أن «حسين» جزء من اسمه، على الرغم من أنه تم تغيير ديانته وهو صغير وتعميده مسيحيا، وأنه قال الكثير أثناء حملته الانتخابية لتملق الكنيسة. لقد أخطأ خطأ بسيطا أثناء خطابه فقال «حجيب» بدلا من «حجاب» ولكن المسلمين الحاضرين غفروا له ذلك لكثرة ما عبّر عنه فى الخطبة من إعجاب بالإسلام ومبادئه، ولأنه حياهم فى بداية الخطاب ونهايته بالتحية الإسلامية الصحيحة «السلام عليكم»، وقال إن مما يشرفه أن يستضيفه فى القاهرة مؤسستان مرموقتان إحداهما الأزهر، «بالإضافة إلى جامعة القاهرة»، كما أشاد بدور الإسلام فى الحضارة الإنسانية.

أثناء ذلك كله تجاهل أوباما «متعمدا بلا شك» الإشارة إلى أى شىء «عربى»، فليس هناك اعتراف بأى شىء يجمع العرب، هناك فى المنطقة «أديان» ولكن ليس فيها «قوميات». ربما كانت القومية العربية مفيدة وتستحق التشجيع منذ خمسين أو ستين عاما، عندما كان من المفيد تعبئة العرب لطرد الانجليز والفرنسيين من ناحية، وضد الاتحاد السوفييتى من ناحية أخرى. (أو كما كانت بالطبع فى أوائل القرن العشرين عندما كان من المفيد تعبئة الشعور العربى ضد تركيا).

أما الآن فالعروبة معيار فاسد للتجمع والتكتل، إذ إنها توحى بوجوب التضامن مع الفلسطينيين وضد إسرائيل، بينما يؤدى التركيز على الدين الآن، إلى الاعتراف بحق اليهود فى دولة مستقلة مثل غيرهم من أصحاب الأديان الأخرى.

لقد تكررت الإشارة فيما كتب من تعليقات على هذا التودد من جانب أوباما للمسلمين، وعلى إشادته بالإسلام، إلا أن أوباما إنما يريد تصحيح أخطاء الرئيس السابق بوش الذى دأب على إغضاب المسلمين بإلحاحه على اقتران الإسلام بالإرهاب، حتى كاد يستقر فى الأذهان أن الإرهابى هو بالضرورة مسلم، والمسلم بالضرورة إرهابى، مما زاد من حنق المسلمين للولايات المتحدة، وأنه قد آن الأوان لتصحيح هذا الخطأ.

ولكننى لا أميل إلى تفسير سلوك أوباما فى مغازلة المسلمين بأنه مجرد اعتراف بخطأ سابق ورجوع إلى الصواب، بل يبدو لى أن ما كان ملائما فى فترة لم يعد ملائما فى فترة تالية، وأن الذى كان يخدم مصالح إسرائيلية وأمريكية فى عهد الرئيس السابق بوش، لم يعد هو أفضل الوسائل لتحقيق المصالح الإسرائيلية والأمريكية الجديدة. فما الذى جدّ؟

******

لقد انقضى ما يقرب من ثمانى سنوات على أحداث 11 سبتمبر، حدثت خلالها أشياء مهمة فى العالم. كان الاقتصاد الأمريكى يبدى منذ وقت طويل مظاهر الضعف، والتدهور المستمر فى المركز النسبى للاقتصاد الأمريكى فى العالم ككل. فى نفس الوقت كانت نجوم أخرى تصعد فى الاقتصاد العالمى، أهمها الصين ودول جنوب شرق آسيا، ثم انضمت إليها الهند، كما أخذت روسيا تستعيد عافيتها. وقد قوّت هذه التطورات من قلب إيران وشجعتها على مزيد من تحدى الإدارة الأمريكية، كما حاولت الصين وروسيا تقوية علاقاتهما بإيران كجزء من لعبة توازن القوى فى العالم ولتحقيق أهداف اقتصادية مهمة لهما، تتعلق أساسا بالبترول فى حالة الصين. زاد أيضا من ضعف الولايات المتحدة، عجزها عن تحقيق بعض الأهداف المهمة من احتلالها للعراق يرجع على الأرجح إلى عجز الولايات المتحدة عن إجبار أو إقناع الدول الكبرى الأخرى «فى أوروبا الغربية وروسيا والصين واليابان» بقبول ترتيب جديد للشرق الأوسط تحصل فيه هى وإسرائيل على نصيب الأسد. كانت بريطانيا «بقيادة تونى بلير» هى الدولة الكبرى الوحيدة التى وافقت على السير فى ركاب السياسة الأمريكية، ولكن حتى بلير رأى من مصلحته أن يقفز من السفينة الغارقة فى الوقت المناسب.

******
لابد أن بعض الرجال من ذوى المراكز المؤثرة فى المؤسسة الأمريكية «أى مجموعة أصحاب المصالح الكبرى المالية والصناعية والعسكرية» وأصحاب القرارات الأساسية فى توجيه السياسة الأمريكية، خارجيا وداخليا، قد أدركوا عندما حان موعد الاستعداد للحملة الانتخابية الأخيرة أن تغييرا حاسما فى أسلوب السياسة الأمريكية قد أصبح مطلبا ضروريا وعاجلا. العالم يتغير بسرعة، ومركز أمريكا فيه آخذ فى التدهور، من الناحية الاقتصادية، ولكن تدهور المركز الاقتصادى لابد أن يؤدى، مهما كانت قوة أمريكا العسكرية الآن، إلى التدهور السياسى والعسكرى أيضا. لابد إذن من العمل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

ولكن إسرائيل والصهاينة يرون أيضا، فضلا عن التدهور المنظم فى مركز أمريكا الاقتصادى فى العالم، أن النجاح الذى حققته إسرائيل فى الخمسين سنة التالية لإنشائها فى 1948، والتدهور المستمر فى قوة العرب، والضربات المتتالية التى تلقتها فكرة القومية العربية وحركة التوحد العربى، كل هذا يفرض على إسرائيل اتخاذ خطوات أخرى حاسمة: إما لوضع حد للمشكلة الفلسطينية بأسرها، أو على الأقل لإحراز مكاسب جديدة وسريعة نحو تحقيق الحلم النهائى: دولة إسرائيلية خالصة، تسيطر سيطرة تامة على المنطقة العربية المحيطة بها «بما فى ذلك المياه والبترول والغاز الطبيعى والأسواق».

فإذا كانت أمريكا التى ضمنت لإسرائيل الوجود ابتداء، ثم حمتها ودعمتها طوال أكثر من نصف قرن، تمر الآن بمرحلة انحسار واضح فى القوة والنفوذ، فما أجدر بإسرائيل من أن تحاول استغلال الحماية التى تقدمها أمريكا لها إلى أقصى درجة ممكنة قبل أن يحل اليوم الموعود، الذى يبدو أنه ليس هناك مفر منه، حين يتحول العالم إلى عالم متعدد الأقطاب تحتل فيه الولايات المتحدة مكانة لا تزيد عما تحتله بقية الأقطاب، ولا تستطيع فيه الولايات المتحدة أن تفرض إرادتها على الباقين، لصالح إسرائيل، كما دأبت على ذلك منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

******
نظر رجال المؤسسة الأمريكية «وفيهم أنصار إسرائيل والصهيونية»، فلاحظوا وجود رجل مدهش يريد أن يشتغل بالسياسة، وتتوافر له كل صفات الزعامة التى لم تتوافر لرئيس أمريكى سابق منذ جون كيندى: الجاذبية الشخصية، الثقة العالية بالنفس، الذكاء والثقافة الواسعة، وقدرة نادرة على الارتجال والخطابة المؤثرة. ها هو إذن رجل ملائم تماما للمرحلة الجديدة فى حياة الولايات المتحدة، وله فضلا عن ذلك زوجة ذات وجه بشوش وطفلتان لطيفتان يمكن أن تحولهم وسائل الإعلام بسهولة إلى مادة خصبة للترويج للرئيس الجديد وزيادة شعبيته. إنه من الممكن لهذا الرجل أن يخدم بشدة هدف تحسين صورة أمريكا فى العالم بعد أن تدهورت إلى درجة أضرت حتى بمبيعات الشركات الأمريكية الكبرى، مثل كوكاكولا وماكدونالدز، إذ إن من بين ما كان يخدم تصريف مثل هذه السلع اعتبارها رمزا لدولة جديرة بالاحترام والتقدير.

ولكن هذا كله ليس أهم ما فى باراك أوباما. فهو بالإضافة إلى ما سبق، إذ أصبح رئيسا، سيكون رئيسا «جديدا تماما» ويمكن أن تستخدم هذه الصفات الجديدة فيه لخدمات المصالح المطلوب تحقيقها فى المرحلة الجديدة. وأقصد بهذه «الصفات الجديدة» شيئين على وجه التحديد: اللون والتاريخ.

فالرجل أسمر، وهذا شىء مفيد جدا كرمز لديمقراطية الولايات المتحدة وتسامحها وعدم تعصبها واحترامها لحقوق الإنسان، ولابد أن يمس هذا عصبا حساسا لدى الملونين فى كل أنحاء العالم، بل ولدى كل المستضعفين فى الأرض، ناهيك عن الأفريقيين على وجه الخصوص الذين جاء من بينهم والد باراك أوباما.

أما التاريخ، ففضلا عن الأصل الأفريقى لأبيه، فإنه يشمل موضوع الدين. فالأب ليس فقط أفريقيا بل أيضا مسلم. صحيح أن باراك أوباما مسيحى الآن، ولكن الأصل الإسلامى واحتواء اسمه الكامل على اسم لا شك فى انتسابه للإسلام «حسين» يمكن استخدامه استخداما مفيدا لكسب تعاطف المسلمين فى كل مكان نحو الولايات المتحدة. والمسلمون الآن يحتلون أهمية أكبر من أى وقت مضى. فعددهم فى العالم نحو بليون ونصف البليون، أى ما يقرب من ربع سكان العالم، ويزيدون بمعدل أكبر بكثير من معدل الزيادة فى أصحاب الديانات الأخرى. وغالبيتهم العظمى تتركز فى منطقة تتحول بسرعة إلى أن أصبحت أكبر مصدر لقلق الولايات المتحدة، وهى جنوب شرق آسيا. فهناك تنمو مراكز قوية منافسة بشدة للاقتصاد الأمريكى، وفى المستقبل القريب، للقوة العسكرية الأمريكية أيضا. وحيث تنتقل مراكز القوة الاقتصادية والعسكرية تنتقل أيضا مطامح الدولة الإسرائيلية والصهيونية. فهكذا فعل الصهاينة لزيادة قوة تأثيرهم فى السياسة البريطانية عندما كانت بريطانيا تحكم العالم، وهكذا حولوا ولاءهم للولايات المتحدة عندما أصبحت الولايات المتحدة أقوى دولة فى العالم، فوجب الآن الاهتمام بمراكز القوة الجديدة الصاعدة فى جنوب شرق آسيا.

ولكن التركيز على الدين مفيد بوجه خاص، فى هذه المرحلة، لإسرائيل والصهيونية، إذا كان الهدف (كما تدل شواهد عديدة)» يتضمن تحويل إسرائيل إلى دولة يهودية صرف، بإخراج المسلمين منها وإلحاقهم بدول مسلمة. من الملائم إذن أن يصبح أساس التقسيم فى الشرق الأوسط دينيا لا قوميا. وأن تصور مشكلة القدس، طبقا للإخراج الجديد، ليس على أنها مشكلة حلول قومية محل أخرى، بل مشكلة ممارسة أصحاب كل دين من الأديان الثلاثة لدينهم بحرية، ولا يهم بعد ذلك ما إذا كانت القدس ستظل خاضعة للدولة الإسرائيلية، فالمهم هو التعبد وليس السيطرة السياسية، أو الحصول على إيرادات السياحة.

ليس من الصعب على خطيب مفوّه، وله هذا القدر من الجاذبية الشخصية أن يستخدم «صفاته» الإسلامية الاستخدام المفيد عند اللزوم «ونسيانها أيضا عند اللزوم». وقد جاء خطابه فى جامعة القاهرة مذهلا فى محاولته الاستفادة من هذا الجانب من تاريخه، ولكن كان من المذهل أيضا موقف الحاضرين، الذين تركوا لعواطفهم العنان مستسلمين لهذا الاستغلال الواضح للموقف لتحقيق مصالح، ذات ضرر بالغ بالمسلمين.

******
ما النتيجة المقصودة من هذا كله؟ النتيجة هى إعلان الموقف الأمريكى فى عهد الرئيس الجديد متضمنا تجديد الالتزام الأمريكى بدعم الأهداف الإسرائيلية، فيقطع دابر أى تكهنات قد تظهر لدى العرب أو الفلسطينيين حول إمكانية تحول الموقف الأمريكى لصالحهم. فبعكس ما فهم البعض من الممعنين فى التفاؤل، لا ينطوى الخطاب على أى «تحسن» فى الموقف الأمريكى من وجهة نظر العرب والفلسطينيين. فالخطاب يقول إنه لابد أن ينبذ الفلسطينيون العنف، وعلى العرب الاعتراف بقبول التعايش والتعامل مع إسرائيل دون أن تطالب إسرائيل بشىء غير عدم بناء مستوطنات جديدة، إذ يبدو أن ما بنته حتى الآن كاف تماما.

ولا ذكر بالطبع لحق الفلسطينيين المشردين فى العودة إلى بلادهم، فمشكلة الفلسطينيين ليست فى أنهم طردوا من بلادهم، بل فى أنهم ليس لديهم دولة خاصة بهم. فليعطوا إذن دولة، ولا يهم بعد ذلك طبيعة هذه الدولة أو حدودها أو صفاتها أو سلطاتها بل لا يهم ما إذا كان يمكن العبور من جزء منها إلى جزء آخر، ولا ذكر للحائط الذى بنته إسرائيل للفصل بين جزء وآخر من فلسطين...الخ

ليس لكل هذا ذكر فى هذا الخطاب «التاريخى». أما تظاهر وسائل الإعلام والسياسيين فى إسرائيل بالغضب من الخطاب ووصفهم له بأنه تنازل كبير لصالح الفلسطينيين، فليس إلا حيلة معروفة ومألوفة من جانب الإسرائيليين، الذين ينكرون أى مكسب يحققونه، ويتظاهرون بالبكاء عندما يكونون فى أشد الفرح، طمعا دائما فى المزيد.