د. جلال أمين

د. جلال أمين
أستاذ الإقتصاد بالجامعة الأمريكية والمفكر المصرى الكبير

الاثنين، 23 فبراير 2009

شهر عسل قصير

الشروق - الإثنين 23 فبراير 2009

عندما صدر في سنة 1955 كتاب «في الثقافة المصرية» لعبد العظيم أنيس ومحمود أمين العالم، أثار ضجة كبيرة في أوساط المثقفين المصريين، وتحمسنا له بشدة، نحن صغار المثقفين.

ولكنى عندما أعدت قراءته بعد نحو أربعين عاما من صدوره، دهشت دهشة عظيمة لما وجدت فيه من خفة في معاملة أدباء عظماء، وجرأة عليهم لا يمكن تفسيرها إلا بالحماسة الزائدة عن الحد، والاندفاع غير المبرر (إلا بصغر السن) لتطبيق أفكار عامة هي الأفكار الماركسية، دون اعتبار للاختلافات بين بلد وآخر وبين ثقافة وأخرى.

لا شك عندي في أن أنيس والعالم قد أدركا ذلك مع تقدمهما في السن. فقد قرأت لكل منهما ثناء عاطرا على بعض هؤلاء الذين كانوا يهاجمونهم بقسوة في كتاب «في الثقافة المصرية»، وكتب عبد العظيم أنيس كلاما مؤثرا للغاية عن طه حسين في كتابه الصغير «ذكريات من حياتي، كتاب الهلال يونيو 2002» ، فهو يصف مثلا شعوره وقت سماعه بخبر وفاة طه حسين بقوله: «ثم جاء النذير بالنبأ التعس، نبأ وفاته في أكتوبر عام 1973، وأحسست بغم ثقيل، وتملكتني كآبة دامت أياما.

وعندما مشيت في جنازته التي خرجت من جامعة القاهرة، لم أكن أحس أن مصر فقدت رجلا من كبار رجالها ومفكريها فحسب، وإنما كنت أحس أنني فقدت إنسانا عزيزًا على نفسي، قريبا من قلبي، على الرغم من أنني لم أقابله غير مرات معدودات لا تزيد على أصابع اليد الواحدة، وعلى الرغم من خلافنا في الفكر».

* * *

ذهب عبد العظيم أنيس إلى لندن في 1954 ليدرس في جامعتها هربا بنفسه من معاملة قاسية من النظام الجديد في مصر، ودون أن يتوقع أنه سيعود من جديد في سعادة بالغة في 1956 ليحاول مرة أخرى أن يكون في خدمة بلده.

كان سبب هذا التحول الكبير هو تأميم قناة السويس في يوليو ١٩٥٦، الذي أشعل حماسنا جميعا، ماركسيين وغير ماركسيين، وتوقعنا كلنا دخول مصر مرحلة جديدة باهرة مليئة بالإنجازات التي طال انتظارها.

كانت فترة سعيدة حقا في حياة مصر، دامت نحو ثلاث سنوات «56 ـ 1958»، كما كانت بلا شك من أسعد سنوات الماركسيين المصريين، فقد سرهم ما أعلنه عبد الناصر بمناسبة تأميم القناة وبعدها، من تحدى الغرب ورفضه للمشروعات الاستعمارية «كمشروع حلف بغداد الذي كانت ترعاه بريطانيا لضمان استمرار نفوذها في المنطقة، وكمشروع أيزنهاور لملء الفراغ في الشرق الأوسط، الذي كان يعنى في الحقيقة حلول النفوذ الأمريكي محل النفوذ البريطاني»

فجأة رأى الماركسيون المصريون في عبد الناصر «زعيما وطنيا يمكن التعويل عليه»، وإن لم يكن بالطبع مؤهلا في نظرهم لقيادة ثورة اشتراكية. ضاعف من آمالهم ما اتخذه عبد الناصر من إجراءات لتأميم البنوك الأجنبية، بعد نجاح تأميمه لقناة السويس، وتبنيه لسياسة التخطيط الاقتصادي (فأنشأ لها لجنة تحولت بعد ذلك إلى وزارة)، ووضع برنامجا طموحا للتصنيع في 1958 (تحول بعد ذلك إلى جزء من خطة خمسيه على نمط الخطط السوفييتية)، ناهيك عن انضمام عبد الناصر لسياسة عدم الانحياز وتبنيه شعار الحياد الإيجابي في أعقاب حضوره لمؤتمر باندونج في 1955.

استجاب عبد الناصر لتحول مشاعر الماركسيين المصريين نحوه، أو حاول الإفادة منها، فسمح لهم بإصدار مجلات تنطق صراحة بلسان الماركسيين «كمجلة الهدف ومجلة كتابات مصرية»، كما سمح للكتاب المتعاطفين مع الماركسية بالتعبير عن أفكارهم اليسارية في الصحف اليومية، كما استعان بماركسيينا الأربعة في الدفاع عن سياسته وفى دعم مؤسساته الاقتصادية الجديدة.

ففضلا عن السماح بعودتهم إلى أماكنهم في الجامعة، نشط أنيس والعالم في الكتابة الصحفية بقصد ترسيخ هذا التحول في اتجاه الاشتراكية، واشترك إبراهيم سعد الدين في دعم وترسيخ التحول إلى سياسة التخطيط، تحت رئاسة رجل فذ آخر هو إبراهيم حلمي عبد الرحمن، بينما ساهم إسماعيل صبري بنشاط فيما سمى «بالمؤسسة الاقتصادية» التي أنشئت لتنظيم إدارة القطاع العام، واشترك معه فيها ذلك الماركسي الفذ الآخر، سمير أمين، الذي لعب دورا مهما فيما بعد في تطوير الفكر الماركسي على نطاق العالم بأسره.

* * *

ما الذي حدث في أواخر سنة 1958 لينهى فجأة شهر العسل القصير هذا بين عبد الناصر والماركسيين؟

ربما كان السبب قيام عبد الكريم قاسم المؤيد بشدة من الاتحاد السوفييتي، بانقلاب في العراق نحّى به عبد السلام عارف الذي قاد ثورة يوليو 1958، واتخاذه موقفا معاديا لعبد الناصر، في نفس الوقت الذي بدأ الاتحاد السوفييتي فيه يهاجم الوحدة بين مصر وسوريا، ويتهم عبد الناصر بالتبعية للأمريكيين.

أم كان لهذا التحول المفاجئ في موقف عبد الناصر من الماركسيين في أواخر 1958 علاقة ببدء تدفق المعونات الغذائية الأمريكية على مصر في نفس السنة؟ هل أراد عبد الناصر أن يؤكد للأمريكيين أن هذا التحول في سياسته الاقتصادية في اتجاه اشتراكي لا يعنى تحول ولاته لصالح الاتحاد السوفييتي؟ أيا كان السبب فقد حدث في أول يوم من سنة 1959، أن قام عبدا لناصر باعتقال عدد كبير من الماركسيين والاشتراكيين، ،كان من بينهم ثلاثة من رجالنا الأربعة الكبار «كان إبراهيم سعد الدين لحسن حظه خارج مصر في ذلك الوقت»، وظل الثلاثة «عبد العظيم أنيس ومحمود أمين العالم وإسماعيل صبري» في السجن دون محاكمة أكثر من خمس سنوات، إذ لم يفرج عنهم إلا في مايو 1964، وتعرضوا خلالها لأنواع مختلفة من التعذيب تم توثيقها في المذكرات التي كتبها ونشرها زملاؤهم في السجن.

في مايو 1964 أفرج عنهم جميعا، ولسبب مدهش. ففي هذا الشهر جاء الزعيم السوفييتي خروشوف لافتتاح السد العالي الذي بني بمعونة سوفييتية، والظاهر أن من بين شروط خروشوف للقدوم إلى مصر لهذا الغرض كان شرط الإفراج عن الشيوعيين المعتقلين، ولكن ربما كان السبب الأهم بداية التحول في العلاقة بين عبد الناصر والولايات المتحدة في أعقاب مقتل الرئيس كينيدي في أواخر 1963، هذا التحول الذي بلغ قمته في هجوم إسرائيل على مصر بتأييد كامل من الولايات المتحدة في 1967.

دفع رجالنا الأربعة إذن جزءا غاليا من حياتهم، وهم في قمة قدرتهم على العطاء، ومنعوا من تقديم أي خدمة لبلادهم، نتيجة لتحولات سياسة مصر الخارجية بين الأمريكيين والسوفييت. المدهش مع ذلك أنهم بمجرد خروجهم من السجن أبدوا استعدادهم الكامل لخدمة النظام، طالما رأوا ما يطلب منهم في صالح الاشتراكية. بدوا وكأنهم نسوا تماما ما وقع بهم من ظلم، واعتبروه ثمنا زهيدا لا بأس من دفعه متى كانت الاشتراكية هي النهاية السعيدة، ولكن سرعان ما تبين لهم، بوقوع هزيمة 1967 أن هذا النظام غير قادر في الحقيقة على تحقيق آمالهم، ثم تأكد لهم هذا بعد سنوات قليلة من اعتلاء السادات الحكم. ولكن هذا يحتاج بالطبع إلى تفصيل.

في رثاء الطيب صالح: لا يصح في النهاية إلا الصحيح

الشروق - الإثنين 23 فبراير 2009

الاهتمام الكبير الذي حظي به خبر وفاة الأديب السوداني العظيم الطيب الصالح، ونشر الخبر في الصفحة الأولى من معظم الصحف المصرية (وربما العربية أيضًا)، والكلمات المؤثرة التي صرح بها أدباء وكتاب كثيرون في رثائه، أكدت لي من جديد أنه في النهاية «لا يصح إلا الصحيح».

فما أكثر ما ينشر من روايات وقصص، وما أكثر ما يكتبه كتاب كبار وصغار، وما أكثر إلحاح وسائل الإعلام على إذاعة حوارات بين كتاب ومفكرين مهمين وغير مهمين، ولكن عندما يجد الجد ويضطر الناس إلى الاعتراف بالحقيقة، والتمييز بين الغث والسمين، وإعطاء كل صاحب حق حقه، تختفي فورًا أسماء كثيرة صدعتنا بهم وسائل الإعلام، وأثارت مللنا بنشر صورهم ومقالاتهم، بل وأضفت عليهم صفات لا يستحقونها، وتبرز فجأة أسماء الكتاب الحقيقيين والمفكرين العظام.

المدهش أيضًا (أو ما قد يبدو مدهشًا ولكنه ليس كذلك في الحقيقة) أن الطيب صالح كان من أقل الروائيين العرب إنتاجًا (إذا قيس الإنتاج بعدد الروايات أو عدد صفحاتها)، فهو لم يكتب إلا خمس روايات صغيرة الحجم، لا يزيد أي منها على مائتي صفحة من الحجم الصغير. مما يؤكد أيضًا أن الإلحاح بالكتابة مثل الإلحاح في الإعلام، ليس ضروريًا أبدًا للحصول على هذا المقام الرفيع بين الكتاب والأدباء. بل ومن بين هذه الروايات القليلة كان الإلحاح في الإعلام والنقد الأدبي على رواية واحدة هي «موسم الهجرة إلى الشمال»: رواية صغيرة ولكنها تمس شغاف القلب، ويعيد المرء قراءتها المرة بعد الأخرى، فلا ينضب معينها، وكأن القارئ في كل مرة مستخلص فيها معاني جديدة لم تخطر له من قبل.

* * *

كان من حسن حظي أنني تعرفت على الطيب صالح شخصيًا، ثم توالت لقاءاتنا، في القاهرة ولندن، فلم أر منه قط، في كلامه أو سلوكه، ما يغير قيد أنملة من الصورة البديعة التي ارتسمت في ذهني عنه: النفس الصافية التي تشع من كتاباته هي بالضبط ما تراه في شخصه، الصدق التام مع قارئه يقابله صدق تام في معاملته، إحساسه العميق بأن الحقيقة معقدة أكثر بكثير مما نتصور، هذا الإحساس الذي تخرج منه من قراءة رواياته، تلمسه أيضا عندما تسمع أحكامه على الأشخاص والكتب: إنه لا يتردد في إغداق الثناء على من يستحقه ولكنه لا يقسو قط على من لا يستحق، بل يفضل الصمت مع الابتسام، أو بتعليق بسيط يثبت التهمة ولكنه يطلق سراح مرتكبها.

كانت تدهشني منه، من حين لآخر، بعض المواقف أو الآراء التي لم أكن أتوقعها من أديب كبير مثله، ولكنى سرعان ما اكتشفت أنني كنت مخطئا في أن أتوقع ذلك، وأن من الممكن جدًا أن يكون الأديب كبيرًا، ولكنه يتخذ هذه المواقف التي لا تنقص من شأنه ولكنها تؤكد صدقه مع نفسه.

سمعته أكثر من مرة يصف الصعوبة التي يلقاها في الكتابة، بل أظن أنه استخدم مرة كلمة «العذاب» في وصف ما يعانيه أثناء الكتابة، ومن المؤكد أنه قال إنه يتمتع بالقراءة أكثر بكثير، ولكنى أظن أن قلة إنتاجه (من حيث الحجم) لا تعود في الأساس إلى هذه المعاناة، وأن السبب الأساسي هو أنه كان من أقل الناس غرورا، ومن أقلهم حبًا في الظهور.

كان يسره الثناء بالطبع، ولكنه كان سريع الملل منه، بل ولعله كان يضيق بالكثير منه، ولا يمنعه من التعبير عن ضيقه إلا ذلك الأدب السوداني الجم، والحرص على المجاملة التي لا يترتب عليها ضرر يذكر.

لم أكن حسن الحظ بأن أقترب منه بدرجة اقتراب بعض المثقفين المصريين منه، كرجاء النقاش مثلا، الذي كان صديقه الصدوق، ومحمود سالم الكاتب الموهوب الذي لم يكن يمكن أن يخلو منه مجلس فيه الطيب صالح. ولكنى أحمد الله على أن أتيح لي من الالتقاء به وملاحظة تصرفاته ومواقفه، ما يكفى لبث الثقة في نفسي في أن الأمة التي يمكن أن تنتج رجلا كالطيب صالح، يمكن أيضا أن تقوم من عثرتها، وأن تعود للمساهمة في الحضارة الإنسانية، مثلما فعل هذا الرجل بجهده المنفرد.

الثلاثاء، 17 فبراير 2009

أربعة رجال عظام فقدتهم مصر

الشروق - الثلاثاء 17 فبراير 2009

في أسبوع واحد من الشهر الماضي «يناير 2009» فقدت مصر كاتبين ومفكرين مرموقين هما الأستاذ محمود أمين العالم والدكتور عبد العظيم أنيس. وقبل ذلك بشهرين فقددنا علما أخر من أعلام اليسار المصري هو الدكتور إبراهيم سعد الدين، وقبله بعامين رحل كاتب ومناضل يساري كبير آخر هو الدكتور إسماعيل صبري عبد الله.

هؤلاء الأربعة الكبار الذين لعبوا دورا رائعا في الحركة الاشتراكية المصرية، توفوا جميعا في السنوات الأولى من هذا القرن، كما أنهم ولدوا جميعا في غضون السنوات القليلة التالية لثورة 1919، كلهم إذن حظوا بعمر مديد إذ تجاوزوا كلهم سن الثمانين. كان كل منهم يبادل الآخرين الاحترام والتقدير، بل وجمعت بين بعضهم صداقات حميمة اقترنت بالتعاون في تأليف كتب مهمة، أو في نشاط سياسي وصحفي مؤثر، أو في عمل طويل المدى، وجرى اعتقال معظمهم في نفس الوقت وأطلق سراحهم في نفس الوقت أيضا.

كلما نتأمل المرور حياتهم وصفاتهم الشخصية اكتشفت أشياء مهمة تجمع بينهم جميعا، وأصابها الضعف بالتدريج في الأجيال التالية من اليساريين والمثقفين المصريين، حتى كادت تختفي تماما، لابد أن الأمر يعود إذن، مفضلا عن مواهبهم الشخصية إلى ظروف الحياة في مصر وما طرأ عليها من تغير خلال هذا العمر المديد. فما هو يا ترى ذلك الشيء الرائع في أن يولد المرء خلال السنوات الخمس الأولى التالية لثورة 1919؟.

لابد أن مصر كانت تبدو في عيني صبي مصري ذكى ومرهف الحس في نحو العاشرة من عمره، في السنوات الأولى من ثلاثينيات القرن العشرين، بلدا مثيرا تنبض حياته السياسية والثقافية بالحياة، وواعدا بمستقبل باهر لا يحول بين المصريين وبينه إلا الاحتلال الانجليزي والقصر الملكي وحفنة من السياسيين المتعاونين معهما. ولكن لا شيء هناك يبعث على اليأس من الشعب نفسه ولا على الشك في عظمة تاريخه وتراثه، أو في قدرته على بناء اقتصاد قوى ونظام سياسي نظيف أو إنتاج ثقافة رفيعة.

كل شيء حولهم كان يؤدى إلى هذا الاعتقاد، نعم، كان إسماعيل صدقي باشا قد بدأ الثلاثينيات بإلغاء دستور 1923 وبحكم البلاد بيد من حديد، لكن الحركة الشعبية ضده سرعان ما اضطرته إلى الانسحاب وأعادت زعيمها المحبوب مصطفى النحاس إلى الحكم. نعم، لم تكن المعاهدة التي عقدها النحاس في 1936 مع الإنجليز، معاهدة مشرفة بالضبط رغم تسميته النحاس لها بمعاهدة الشرف والاستقلال، إذ لم تجلب إلا درجة مفقودة من الاستقلال، ولكن الإنجليز كانوا يبدون وقتها في ورطة شديدة بسبب شبح حرب عالمية جديدة، وهم مستعدون للتعاون مع زعيم الحركة الوطنية المصرية وتلبية بعض مطالبها من أجل الاحتفاظ بالاستقرار في مصر، على الأقل حتى تنتهي الحرب.

الانتخابات في عمومها كانت نظيفة، والبرلمان الذي تأتى به محترم والمناقشات التي تجرى في مجلس النواب والشيوخ، على مستوى عال من الكفاءة والأدب. صحيح أن القوانين المرغوب فيها لا تصدر، ولا يمكن أن يصدر في ظل نظام إقطاعي يسيطر ممثلوه على البرلمان، ،ولكن كل هذا بسبب الاحتلال الإنجليزي. فالعقبة أمام التقدم واضحة كالشمس، وهى الاحتلال، والعمل المطلوب أيضا واضح كالشمس، وهو إجلاء الإنجليز، والناس كلهم، باستثناءات تافهة جدا مجمعون على ذلك مثقفين وأميين، طلبة وعمال، طبقة وسطى أو دنيا، من أهل الريف أو المدن.

أما روعة الحياة الثقافية فحدّث عنها ولا حرج. كان هؤلاء الصبية الموهوبون، في صباهم ومطلع شبابهم يفتحون الصحف اليومية فيجدون مقالات بأقلام طه حسين والعقاد والدكتور محمد حسين هيكل، ويقرءون كتب هؤلاء بالإضافة إلى كتب توفيق الحكيم وسلامة موسى، والمقالات الأدبية في مجلتي الرسالة والثقافة الأسبوعيتين، كان على رأس دار الهلال ودار المعارف مثقفان لبنانيان كبيران، ويرأس تحرير مجلات دار الهلال ويشرف على إصدار كتب دار المعارف مثقفون مصريون على أعلى درجة من الوطنية والنزاهة الفكرية. وكان هؤلاء الصبية يستطيعون عند الفراغ من المذاكرة أو من الإضراب ضد حكومة غير شعبية أو ضد الإنجليز، أن يرفهوا عن أنفسهم بالذهاب إلى المسرح أو السينما لمشاهدة مسرحيات أو أفلاما مصرية راقية في مضمونها وفنها، فإذا استمعوا إلى الموسيقى أو أغاني وجدوا أم كلثوم وعبد الوهاب يغنيان أغاني كتب كلماتها مؤلفون من نوع بيرم التونسي أو أحمد رامي أو أحمد شوقي، ووضعت لها موسيقى لم يفسرها بعدما أصابها من إفراط في التغريب بعد الحرب العالمية الثانية.

كانوا كلهم من عائلات تعتز باللغة العربية وبإجادتها لها، وتلقوا هم أنفسهم تعليما جيدا في مدارس حكومية، فلم يذهب أحد منهم إلى مدرسة أجنبية، وتخرجوا كلهم من جامعة فؤاد الأول «القاهرة الآن» وفى المدرسة و الجامعة قرأوا كتب كتبت بلغة عربية صحيحة وسمعوا مدرسين وأساتذة يجيدون النطق والكتابة بلغة بلادهم. لا عجب أن هؤلاء الأربعة كانوا فى كتاباتهم أو محاضراتهم ناصعي الأسلوب واضحي العبارة دائما، وظلوا يعبرون بطريقة أو أخرى عن احترامهم للغة العربية، وكان اثنان منهم على الأقل «أنيس والعالم» عاشقين للأدب، وناقدين ممتازين لما يصور من أعمال أدبية.

كانت المدن المصرية في الثلاثينيات، عندما بدأ هذا الجيل من المثقفين المصريين يعي ويفهم ما يدور حوله من أحداث سياسية واجتماعية، منفتحة على العالم أكثر مما هما الآن، على الرغم من كل ما يقال الآن عن العولمة. صحيح أن الطبقة الوسطى كانت تعتمد على استهلاكها أساسا على سلع مصرية «بفضل طلعت حرب والأزمة الاقتصادية العالمية» ولكن الطبقة الوسطى المصرية، ويا للغرابة، كانت أكثر دراية بما يجرى في العالم الخارجي من تيارات فكرية مما هي الآن. لم يكن هناك تليفزيون بل حتى الراديو كان قليل الانتشار، ولكن كانت الصحف أكثر حرصا على نقل ما يدور في العالم، وكان في مصر مترجمون أكفاء، يفهمون ما يترجمونه ويصفونه في لغة عربية صحيحة ومفهومة.

كم كان هؤلاء الأربعة إذن محظوظين من أكثر من ناحية، بالمقارنة بشبابنا اليوم، دخل كل منهم كلية جامعية مختلفة مما دخله الآخرون، وتتخصصوا في علوم مختلفة: القانون والاقتصاد «إسماعيل صبري»، والإحصاء الرياضي «عبد العظيم أنيس»، والفلسفة «محمود العالم» وإدارة الأعمال «إبراهيم سعد الدين»؛ لكنهم كانوا كلهم موسوعي الثقافة، ويحملون كلهم احتراما حقيقيا لكل أنواع الثقافة الراقية سواء أتتهم من الغرب أو الشرق. كانوا وطنين دون أن يكونوا شوفونيين. يعادون الغرب سياسيا ويحترمونه ثقافيا، ومستعدين للنهل منه إلى أخر الحدود طالما كان في ذلك نفع لمواطنيهم، تجيدون القراءة والحديث بلغة أجنبية «الإنجليزية أو الفرنسية أو كليهما» ولكنهم يجيدون أيضا لتعبير بلغتهم القومية.

الأحد، 15 فبراير 2009

التنصت على التليفونات.. والاستثمار الأجنبي

الشروق - الأحد 15 فبراير 2009

منذ أسابيع قليلة أدلى وزير الاتصالات الدكتور طارق كامل بتصريح مدهش لم ينل ما يستحقه من تعليقات، قال ما معناه إن الحكومة المصرية تتنصت بالطبع على المكالمات التليفونية، إذ إنه، إذا لم تفعل الحكومة ذلك، لن تأتى استثمارات أجنبية إلى مصر!


التصريح مدهش من أكثر من ناحية: الحكومة تتنصت على المكالمات التليفونية، وكنا نظن أن ذلك عهد قديم قد انتهى، ووزير من وزرائها يعترف بذلك، وكأنه أمر طبيعي ولا غضاضة فيه، وكنا نظن أن هذا عمل مشين جدا ولا يشرف أي حكومة، ثم يربط الوزير بين هذا التنصت وتدفق الاستثمارات الأجنبية، فما العلاقة بين هذا وذاك؟

قرأت عدة تعليقات على هذا التصريح، ولكن كل ما قرأته كان من باب السخرية وبقصد إثارة الضحك، إذ قدم التصريح مادة خصبة ليحتل ما يمكن أن يدور بين مصريين في مكالمة تليفونية ويؤدى بالمستثمر الأجنبي إلى العدول عن قراره بالاستثمار في مصر.

ولكن التصريح يستحق أيضا بعض التفكير الجاد، خاصة أن الوزير كان جادا تماما عندما أدلى بتصريحه.
من أول ما يمكن أن يعترى المرء إزاء سماعه بهذا التصريح، الاندهاش الشديد من مدى التغير، الذي حدث في مصر خلال الأربعين أو الخمسين سنة الماضية (بل ربما أيضا في العالم كله) نعم كان هناك تنصت على التليفونات في مصر في الستينيات من القرن الماضي، وعلى نطاق واسع، ولم يكن أحد يشك فيه إلا إذا كان غافلا تماما عن طبيعة النظام السياسي في مصر في ذلك الوقت.

ولم يكن الأمر مقتصرا على التليفونات، إذ كان هناك تنصت من سائق التاكسي على ركابه، ومن بعض الطلبة على أساتذتهم، ومن بعض أساتذة الجامعات على زملائهم.. الخ، ولكن هذا كله كان يتم دائما في السر، وكان اكتشافه يمثل فضيحة دائما للقائم بالتنصت ولمن أوعز له به.

فما الذي حدث منذ ذلك الوقت ليجعل وزيرا محترما يصرح بأن الحكومة تتنصت على الناس دون أن يبدو أنه يعترف بشيء خطير؟

بل إننا كنا نظن أن هذا التنصت قد انتهى منذ أن أعلن أنور السادات في أوائل السبعينيات القضاء على ما سماه «مراكز القوى»، والتي كانت تبدو مسئولة أكثر من غيرها عن الطابع البوليسي، الذي ساد مصر في الستينيات، ثم إصداره الأوامر بإحراقه كثيرا من الملفات، التي كانت تحتفظ بها أجهزة المخابرات، ومنذ انتهاء الظاهرة، التي عرفت باسم «زوار الفجر»، حيث كان يأتي بعض رجال المباحث للقبض على بعض النشطاء سياسيا في بيوتهم خلال الليل، وأخذهم إلى أقسام الشرطة دون أن يعرف هؤلاء بالضبط التهم الموجهة إليهم، ولكنهم لا يستغربون الأمر إذ ربما لم تتجاوز جريمتهم التفوه بجملة في التليفون أو غيره، تعبر عن شعور عدائي تجاه النظام أو أحد رجاله المهمين، كنا نظن أن هذا كله قد انتهى منذ عهد السادات، فما الذي جرى يا ترى مما يجعل هذا التنصت ليس فقط مرغوبا فيه بل أيضا، على حد تعبير وزير الاتصالات، شيئا ضروريا؟


ولكن قليلا من التأمل لابد أن يؤدى بنا إلى تصديق ما أشار إليه الوزير على الأقل، فيما يتعلق بقيام الحكومة بالتنصت على الناس، سواء كان لهذا علاقة بالاستثمار الأجنبي أو لم يكن.

فمن ناحية، أدى تطور تكنولوجيا الاتصالات خلال الأربعين عاما الماضية إلى تقدم كبير في التنصت على الناس دون أن يشعر الناس بذلك، ففي الستينيات مثلا كان المتكلم فى التليفون يشعر أحيانا بأن شخصا غريبا دخل على الخط، مما قد يدفعه إلى توخي الحذر، لم يعد هذا ضروريا في ظل الوسائل الحديثة للتنصت، فمن الممكن الآن ممارسة التنصت في اطمئنان تام، الأهم من ذلك أن الحكومات الحديثة كلها وبدون استثناء أصبح لديها مبرر قوى لمختلف أنواع التنصت دون حاجة للتعلل بالشك في معاداة شخص ما لسياسة النظام الحاكم أو معاداة للقائمين بالحكم، ليس من الضروري أن يكون التنصت عليه شيوعيا أو يساريا أو متطرفا من أي نوع، يكفى أن يكون هناك شك في احتمال أن يكون المتنصت عليه عازما على القيام بعمل «إرهابي» و«الإرهاب» يستخدم الآن بمعان متعددة دون أن يشترط في القائم به أو فيمن يحتمل أن يقوم به الانتماء إلى أي تنظيم سياسي أو اعتناق أي مذهب معاد لنظام الحكم.

يكفى مثلا أن يوجد معه قبل أن يستقل أي طائرة مطواة صغيرة أو مقص أو أمواس حلاقة، أو حتى زجاجة ماء عادية، ولكن حجمها يزيد عن حجم معين يكفى لصنع مادة متفجرة إذا أضيفت إليها بعض المواد الكيماوية، والتي قد يكون الإرهابي قد أخفاها في مكان ما في جسمه.

المهم أن وصف الإرهابي يستخدم الآن بمعان كثيرة وواسعة لدرجة تكاد تطال كل شخص، وفى هذه الحالة يمكن افتراض أن كل شخص هو إرهابي إلى أن يثبت العكس، ومن هنا يمكن تبرير التنصت على أى شخص دون اشتراط أي من المبررات التقليدية للتنصت.

لابد أن مثل هذا التفكير كان وراء إدلاء وزير الاتصالات بهذا التصريح المدهش، دون أن يشعر بأي غرابة فيه، ولكن ما علاقة هذا كله بالاستثمار الأجنبي.. هل الإرهاب يخيف المستثمر الأجنبي أكثر مما يخيف غيره من الناس؟ خطر لي أن الإجابة قد تكمن فيما قرأته منذ سنوات طويلة، عندما بدأ الحديث بكثرة عن ظاهرة الشركات متعددة الجنسيات واستثماراتها خارج حدودها الأصلية، وقيامها بنشر نشاطها من دولة لأخرى، كلما وجدت المناخ الاستثماري في دولة أفضل منه في دولة أخرى، قرأت أن من أول ما تسأل عنه الشركة العملاقة قبل أن تقرر الاستثمار في دولة من دول العالم الثالث هو شخصية وزير الداخلية والمقصود بذلك مدى حزمه وشدته، ودرجة استعداده للضرب بيد من حديد في مواجهة أي شغب أو إضرابات عمالية تطالب بزيادة الأجور، أو تشكو من ظروف العمل أو من الاستغناء عن بعض العمال الخ.

المناخ السياسي مهم طبعا لهذه الشركات، وهى تعود إلى تقييمه وبحث مدى ملائمته بين الحين والآخر، إذ إن التقلبات السياسية العتيقة قد تهدد استثماراتها بالخطر، وقد تؤدى إلى فرض قوانين جديدة ليست في صالحها، وقد تفرض فجأة قيودا على تحويل الأرباح إلى الخارج بعد أن كان هذا مباحا، لابد إذن من الاطمئنان إلى ما يسمى بـ«الاستقرار»، ومن أجل ضمان هذا الاستقرار قد يكون «التنصت التليفوني ضروريا».

ولكن لنفرض أن كل هذا صحيح، التنصت ضروري لضمان الاستقرار والاستقرار ضروري لقدوم الاستثمارات الأجنبية لماذا نعلق كل هذه الأهمية على قدوم الاستثمارات الأجنبية، لدرجة التضحية بواحدة من أهم الحريات الشخصية، وبحق من أهم حقوق الإنسان حرية التعدد وإبداء الرأي، وحق التعبير عن النفس بلا قيد، والتحرر من الخوف من أن يكون المرء مراقبا باستمرار، تحصى عليه حركاته وسكناته وتعرف كل أسراره وأخطائه بل تسجل عليه ليحاسب عليها عند اللزوم؟

هل تشجيع الاستثمار الأجنبي يبرر كل هذا الخوف، وفقدان الحرية إلى هذه الدرجة.. ما هو يا ترى المبلغ الذي إذا حصلت عليه الدولة من المستثمر الأجنبي، أصبح مثل هذا التقييد لحريات الناس مبررا ومشروعا؟ مقابل أي ثمن، يا ترى يمكن أن يرضى الإنسان بأن تصبح أسراره ملكا مباحا لوزير الاتصالات ليفعل بها ما يشاء؟
ألهذه الدرجة تغير العالم في الأربعين أو الخمسين عاما الماضية، فأصبح من الممكن لرجل محترم كوزير الاتصالات أن يدافع عن تقييد الحريات بحجة تدور حول النقد الأجنبي، الذي ستحصل عليه الدولة ودون أن يبدو وكأنه خطر بباله أى شك فى صحة هذا النوع من التفكير؟