د. جلال أمين

د. جلال أمين
أستاذ الإقتصاد بالجامعة الأمريكية والمفكر المصرى الكبير

السبت، 26 ديسمبر 2009

مقتل اللغة العربية

الشروق - السبت 26 ديسمبر 2009

كنا نتجرع السم، يوما بعد يوم، ونحن نشاهد المهانة التى تتعرض لها اللغة العربية فى الصحف والمجلات، وفى يافطات المحال، وفى الإعلانات التجارية فى وسائل الإعلام وفى الشوارع. حتى اكتشفنا أن الأمر لا يقل عن جريمة قتل كاملة.

بدأت الظاهرة بالتساهل فى إحلال الكلمات الأجنبية محل العربية فى المقالات والكتب، بزعم صعوبة العثور على المقابل العربى. ثم فوجئنا بزحف غريب للعامية المصرية فى داخل المقالات والكتب. ثم تجرأ أصحاب الصحف فوضعوا عناوين المقالات ومانشيتات الأخبار بالعامية، وبعدهم تجرأ الكتاب والناشرون فاستخدموا العبارات العامية فى عناوين الكتب نفسها.

لم يكن الأمر دائما كذلك لقد ظللنا زمنا طويلا نعتبر استخدام اللغة الأجنبية بدلا من العربية، عندما تكون اللغة العربية قادرة تماما على التعبير عن المعنى المقصود، شيئا مذموما يجب تجنبه. وقد اعتبر جمال حمدان من مسئولياته نحت كلمة عربية فى مقابل كل كلمة أجنبية يريد استخدامها، مع وضع الكلمتين جنبا إلى جنب فى كتابه «شخصية مصر»، وبهذا قام الكتاب بمهمة من مهام المجمع اللغوى.

أما استخدام العامية فى الكتابة، فقد كان آباؤنا وأجدادنا يأملون فى أن يؤدى انتشار التعليم إلى حلول العربية الصحيحة محل الألفاظ العامية، وأن دأب الصحف والإذاعة على استخدام لغة عربية صحيحة ولكنها سهلة، سوف يضيق بالتدريج الفجوة القائمة بين العامية والفصحى، حتى تختفى تماما الألفاظ المبتذلة أو القبيحة من لغة التخاطب مثلما اختفت من لغة الكتابة. لم يتصور آباؤنا وأجدادنا أن من الممكن أن تحل الكلمة العامية «ده» أو «دى» فى الكتابة محل كلمة «هذا» أو «هذه»، أو كلمة «بس» محل «فقط»، أو كلمة «زى» بدلا من «مثل»، أو التعبير القبيح «ماعرفش» محل «لا أعرف».. وهكذا.

وقد دعا بعض كتابنا الكبار منذ سبعين أو ثمانين عاما، إلى تبسيط تعليم اللغة العربية الفصحى فى المدارس، وتبسيط المعاجم والقواميس العربية بحيث يحذف منها الكثير مما لا يستخدم فى الحياة اليومية وإدخال بعض تعبيرات العامية التى تؤدى معانى مهمة ولا تجرح الأذن بعد أن تستبعد من العامية، كما سماه ابن خلدون «حرافيش الكلام». كما حاول بعضهم (كتوفيق الحكيم مثلا) كتابة عمل فنى كامل يحتوى على تعبيرات دارجة فى الاستعمال اليومى بعد تهذيبها لتساير الفصحى، فلم يجد داعيا مثلا إلى كتابة كلمة «راجل» بدلا من «رجل»، إذ من السهل جدا على أى شخص، حتى من لم يتعود القراءة بالفصحى، أن يتبين أن كلمة «رجل» هى البديل الصحيح لكلمة «راجل» الشائعة فى الكلام. وهكذا تزول بالتدريج الفجوة بين الفصحى والعامية دون أى إساءة للفصحى، ويساهم هذا أيضا فى تضييق الفجوة بين الطبقات الاجتماعية.

كنا نظن أن الدولة التى تقع عليها مسئولية حماية اللغة القومية سوف تفعل شيئا لحماية اللغة العربية مما تتعرض له من إهانات مستمرة، فإذا بها لا تفعل شيئا، إزاء ملء الشوارع ومحطات المترو بإعلانات تحمل كلاما مثل «اتكلم زى ما أنت عاوز» أو مثل «عشان ما فيش زيك» حيث تحتوى كل خمس كلمات على خمسة أخطاء على الأقل، وتفسد الذوق فى نفس الوقت.

تركت الدولة كل ما يريد العبث باللغة على هذا النحو أن يفعل ما يشاء، حتى أصبح المرء يتساءل عن جدوى تدريس اللغة العربية فى المدارس أصلا. ولكننا لم نكن نصدق أن من الممكن أن تشترك الدولة نفسها فى هذا العمل المهين للغة القومية وفاسد الذوق. فإذا بالحزب الحاكم يرفع فى العام الماضى شعار «مصر بتتقدم بينا»، وكأن استخدام هذا التعبير الدارج أقرب إلى فهم الشعب البائس، أو أن من الصعب على أجهل الناس وأقلهم تعليما أن يفهم المقصود من عبارة «مصر تتقدم بنا».

كان هذا التعبير القبيح «مصر بتتقدم بينا» شعارا للدعاية، ثم تطور الأمر فأصبحت الدولة تستخدم مثله فى إعطاء التعليمات للناس. ففى إعلان ملأ صفحة كاملة من جريدة الدولة الرئيسية (الأهرام) نشرت وزارة المالية منذ أيام قليلة إعلانا يتعلق بالضريبة العقارية الجديدة يتضمن بالخط العريض العبارة الآتية:

«مطلوب من كل مالك يقدم إقراره بس مش الكل هيدفع ضريبة للعقار».

وهكذا فضلت وزارة المالية استخدام كلمة «بس» على كلمة «ولكن»، واعتبرت كلمة «سيدفع» صعبة الفهم، فاستخدمت هذه الكلمة بالغة القبح «هيدفع»، وطلبت من الناس أن يدفعوا الضريبة للعقار بدلا من دفعها للدولة.

هذا هو ما تفعله دولتنا البائسة بلغة من أجمل وأرقى لغات العالم فى قدرتها على التعبير وفى موسيقاها ومنطقها ومن أكثر لغات العالم التصاقا بتاريخ وثقافة الأمة التى ابتدعتها.

لغة ساهمت مساهمة رائعة فى توحيد شعوب ذوى عادات ومشارب مختلفة، وفى حماية الدين الذى يدين به غالبية الناطقين بها من عوامل الضعف والتشويه، مما لا يعرف له مثيل فى تاريخ أى مجموعة أخرى من الشعوب.

إن مظاهر التدهور والانحطاط لا تلحق فقط بالسياسة والاقتصاد، بل تلحق أيضا باللغة القومية، ولكن الشروع فى النهضة من جديد ليس من الضرورى أن يبدأ بالسياسة أو الاقتصاد، بل يمكن أن يتخذ نقطة انطلاق له العمل على حماية هذه اللغة النبيلة مما تتعرض له من مهانة.

السبت، 19 ديسمبر 2009

من مزايا الشيخوخة..

الشروق - السبت 19 ديسمبر 2009

فى أغنية فرنسية قديمة، يقول المغنى المشهور «كم أنا سعيد بأنى لم أعد صغير السن!»، وذلك خلافا للاعتقاد الشائع بأن الشباب أفضل من الشيخوخة.

أعود من حين لآخر إلى تذكر هذه الأغنية، فأقول لنفسى فى كل مرة: «وأنا أيضا، كم أنا سعيد بأنى لم أعد صغير السن». تذكرتها مرتين على الأقل فى الشهر الماضى، مرة عندما رأيت ما حدث من شباب صغار السن بمناسبة مباراتى كرة القدم بين مصر والجزائر، ثم عندما تكرر الحديث فى الصحف عن الملك السابق أحمد فؤاد، الذى جاء إلى القاهرة بمناسبة وفاة أخته الأميرة فريال، وعبّر بعض الكتّاب عن أسفهم على قيام ثورة 23 يوليو وانتهاء عصر الملكية.

فى المرتين قلت لنفسى: «إنى بسبب كبر سنى، أعرف أشياء لا يعرفها هؤلاء، فقد عاصرتها بنفسى، وعشت أحداثها يوما بيوم، ومن ثم لا يمكن أن تخدعنى ما تردده وسائل الإعلام عندما تدعى أن الفوز بمباراة فى كرة القدم أهم من علاقتنا بالجزائر، أو أن ثورة يوليو كانت كارثة على مصر».

أنا أنتمى لجيل كان يؤمن إيمانا صادقا بالقومية العربية، وبأن ما يجمع العرب أهم بكثير مما يفرّقهم، وأن الوحدة العربية ضرورية وممكنة. كان هذا هو موقفنا فى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى، حتى وقعت هزيمة 1967.

لم يفقد جيلى إيمانه بأن العرب أمة واحدة، وبمنافع الوحدة العربية وضرورتها، وإنما اعترتنا فقط، بعد وقوع الهزيمة، شكوك قوية فى أن تكون الوحدة مازالت ممكنة. وكلما مرت السنوات على الهزيمة، حتى تجاوزت الأربعين سنة زاد اليأس من تحقيق الوحدة، أكثر فأكثر، لأسباب لا داعى الآن للخوض فيها.

ولكن الحقيقة أن جيلى لم يفقد قط شعوره القوى بانتمائه إلى أمة عربية، ولم يتطرق إلى نفوسنا قط الشك فى أن ولاءنا لمصر لا يمكن أن يتعارض مع ولائنا للعروبة، أو فى أن حب مصر لا يمكن أن يتعارض مع حب الجزائر فى نفس الوقت.

ولهذا عندما فوجئنا بهذه الهوجة البالغة الحماقة التى حوّلت حب مصر إلى كراهية الجزائريين، قلت لنفسى: «كم أنا سعيد بأنى لم أعد صغير السن!».

ثم جاء الملك السابق أحمد فؤاد ليدفن أخته الأميرة فريال، نعم، الموقف محزن، والتعاطف مفهوم، بل ولم أستغرب ما قرأته عن وقوف عدد كبير من المعزّين فى الفندق الذى نزل فيه الملك السابق، وقيل إن معظمهم أو كلهم من أقارب أو أصدقاء الأسرة المالكة أو من سلالتهم، بل قيل إن عددا بعد مصافحة الملك أقدم على تقبيل يده كما كان يفعل آباؤهم أو أجدادهم عندما يصافحون الملك فاروق.

لا أستغرب أن يكون هؤلاء ممن يتحسرون على سقوط النظام الملكى، ويتمنّون لو كانت سلالة الملك فاروق قد استمرت فى الحكم. ولكن أدهشنى أن سمعت كلاما مماثلا من مصريين لا ينتسبون بأى نسب إلى العائلة المالكة أو حاشيتها وأصدقائها، يعبرون فيه عن حسرتهم على انتهاء عصر الملكية، ويأسفون لقيام ثورة 1952، وكأنها كانت مصيبة حلّت بمصر.

ثم تذكرت سنى وسنهم. إنهم لم يعاصروا ما عاصرت، ولم يشاهدوا ما شاهدت، لم يعاصروا فساد العصر الملكى، ولا شاهدوا فرحتنا بسقوطه. قالوا لى: «وهل يمكن مقارنة فساد العصر الملكى بفساد هذه الأيام؟ لقد كانت أخطاء الملك وحاشيته ووزرائه تافهة جدا بالمقارنة بما يحدث الآن، ويا ليت عندنا الآن عُشر ما كان سائدا فى مصر أيام الملك من الديمقراطية».

قلت لهم (وإن لم أستطع إقناعهم) إن الديمقراطية أيام الملك كانت لا تزيد على لعبة يلعبها ما لا يزيد على 10٪ من السكان، بينما كانت ثلاثة أرباع السكان على الأقل، يعيشون فى الريف حياة لا تختلف كثيرا عن حياة البهائم. كانت تبدو لعبة أنيقة ومتحضرة للغاية، ولكنها كانت فى نهاية الأمر لا تمسّ حياة الغالبية العظمى من المصريين. وأما الفساد، فالعبرة فيه ليس بحجم الأموال التى يُستولى عليها بغير حق، بل بنظرة الناس إلى واقعة الفساد ومدى اشمئزازهم منها.

لقد غيّرت ثورة يوليو هذه الأمور إلى الأفضل خلال العشرة أو الخمسة عشر عاما الأولى من حياتها، ثم أخذت الأحوال تتراجع بالتدريج حتى أصبحت فى نواحى كثيرة أسوأ مما كانت فى عهد الملكية، ومع هذا فمن الخطأ أن نظن أن قيام الثورة فى 1952 كان خطأ، أو أنه كان من الممكن أن تستمر تلك الأناقة الملكية التى كانت ممكنة فى ظل عشرين مليونا من المصريين، بعد أن فتحت الأبواب أمام تدفق ثمانين مليونا من البشر.

نعم، لقد انتهت ثورة يوليو نهاية مؤسفة جدا، ومن المحزن طبعا لرجل فى مثل سنى أن يقارن البدايات بالنهايات، ولكن لا يمكن أن تبلغ به الحماقة درجة تجعله يتحسر على أيام الملكية، أو يظن أنه كان من الممكن أن يستمر النظام الملكى أو شىء شبيه به، ناهيك أن يطوف فى الشوارع هاتفا بسقوط الجزائريين!
 

السبت، 12 ديسمبر 2009

فريال.. يا فريال

الشروق - السبت 12 ديسمبر 2009

عندما رأيت صورتها المنشورة فى الصحف، مع خبر وفاتها عن 71 عاما، أخذت أتأمل الصورة جيدا، عسى أن أجد فيها لمحة من صورتها التى التصقت بذهنى وهى فى الخامسة أو السادسة من عمرها. طفلة جميلة، مستديرة الوجه كأبيها الملك فاروق، وشعرها يتدلى على كتفيها فى ضفيرتين.

استطعت أن أعثر فى صورتها المنشورة ــ والتى التقطت قبيل وفاتها بمدة قصيرة ــ على مسحة من الجمال القديم، ولكننى وجدت فيها أيضا حزنا عميقا، لا بد أنه كان نتيجة للأحداث الجسيمة التى مرت بها هى وأسرتها.

سمعنا بمولدها وأنا طفل فى روضة الأطفال، وسرعان ما علّمونا فى المدرسة أن نغنى نشيدا بمناسبة مولدها، مطلعه:
فريال يا فريال
يا معقد الآمال

لم يكن هناك أى سبب بالطبع لأن يعتبرها الشعب المصرى معقدا لآماله، وإن كان أبوها الملك الشاب ما زال محبوبا من الناس فى ذلك الوقت، ليس بسبب عمل جيد قام به، ولكن لأنه فقط لم يكن قد ارتكب عملا سيئا بعد.

ثم توالت الأخبار السيئة عن الملك، وتناقل الناس شائعات سيئة جدا عن سلوكه الشخصى، حتى فوجئنا بالصفحة الأولى فى الجرائد تنشر خبر طلاق الملك من الملكة فريدة، وكانت قد ولدت له بعد فريال بنتين أخريين، وقد حرص مستشارو الملك على أن ينشروا خبر الطلاق وإلى جانبه فى نفس الصفحة خبر طلاق آخر، هو طلاق أخته الإمبراطورة فوزية من شاه إيران، لكى يعرف الناس أن واقعة الطلاق شيء عادى جدا، لا يختلف كثيرا عن واقعة الزواج نفسها.

ساءت أحوال الملك بعد الطلاق، وزادت الشائعات عن سوء سلوكه، فلم يشعر الناس بأى ابتهاج عندما أعلن عن زواجه للمرة الثانية، كما لم يبتهج الناس بالطبع بخبر ميلاد أول صبى له فى مطلع سنة 1952.

أذكر جيدا كيف أن الصحف والمجلات أخذت تتبارى فى ذلك الوقت فى نشر المقالات السقيمة نفاقا للملك بمناسبة مولد ولىّ العهد، حتى لم تبق إلا مجلة واحدة لم تفعل ذلك وهى مجلة ثقافية مرموقة (الثقافة) التى كان أبى رئيسا لتحريرها. قال لنا أبى إن شخصا كبيرا من القصر الملكى اتصل به معاتبا له على أن مجلته هى المجلة الوحيدة التى لم تنشر تهنئة للملك بهذه المناسبة. قال لنا أبى أيضا إنه حاول كتابة مقال فى هذا الشأن فكتب سطرين ثم لم يطاوعه قلمه، فمزق الصفحة وأقلع عن المحاولة.

ثم اتصل بمدير تحرير المجلة (وكان الدكتور زكى نجيب محمود) وأخبره بما حدث، وقال له إن له الحرية فى أن يكتب تهنئة باسمه إذا شاء. فعل الدكتور زكى نجيب ذلك فنشر فى المجلة افتتاحية قصيرة بعنوان «مولد أمير» وقد قال الدكتور زكى نجيب لأخى حسين بعد ذلك: إنه ندم على كتابة هذه الافتتاحية ندما شديدا، وأنه تلقى خطابات غاضبة كثيرة بسببها.

كان بجوار بيتنا فى مصر الجديدة سينما صيفية اسمها سان استيفانو، فلما ولدت الأميرة فريال تغير اسمها إلى سينما فريال. ولكن قامت الثورة بعد ستة أشهر من مولد الأمير أحمد فؤاد فتغير اسم السينما من جديد فأصبح سينما التحرير.

وقد استقبلنا الثورة بفرح غامر، ولم نعبأ على الإطلاق بمشاعر الأسرة المالكة عندما سمعنا برحيلهم عن البلاد. أذكر أن أمى كانت هى الوحيدة التى عبَّرت عن حزنها من أجلهم، وأذكر تبريرها لهذا الحزن بقولها إنها تعرف جيدا شعور «عزيز قوم ذلّ».

مر أكثر من نصف قرن على رحيل الأميرة فريال من مصر، وهى فى الثالثة عشرة من عمرها، ولا بد أنها مرّت خلال هذه المدة بفترات كثيرة من الشعور بالمرارة لما حدث لأسرتها، قبل أن يصيبها مرض السرطان. ولا بد أن أعترف أننى شعرت ببعض الاستغراب (اللا عقلانى بالمرة بالطبع) عندما عرفت بإصابتها بهذا المرض، وكأن من الغريب أن يصيب هذا المرض أميرة جميلة مثل فريال.

السبت، 5 ديسمبر 2009

من اليونسكو.. إلى كرة القدم

الشروق - السبت 5 ديسمبر 2009

من الأضرار المؤكدة لاستمرار نفس الشخص رئيسا للجمهورية مدة طويلة من الزمن، كعشرين أو ثلاثين عاما، ما لابد أن يطرأ من ضعف على الرئيس بسبب تقدمه فى السن، مما يؤدى إلى انخفاض فى درجة النشاط، وفتور فى الهمة، وضعف فى الاستعداد لقبول أفكار جديدة، وعزوف عن إحداث تغييرات مهمة فى السياسة أو الاقتصاد، بل واحتمال استسلامه لما يقول له المحيطون به حتى ولو كان فى ذلك إضرار بالصالح العام.

ولكن هناك ضررا آخر مؤكدا، لا يقل عن هذا الضرر بل وقد يكون أشد خطرا، وهو الميل إلى اعتبار الدولة كلها وكأنها من أملاك الرئيس الخاصة، يفعل بها ما يحلو له، هو وأسرته، فتتخذ القرارات بناء على أهواء شخصية مهما ألحقت الضرر بمصالح الدولة العليا. إذ إن طول العهد بالرئاسة قد يغرس فى ذهن الرئيس الشعور بأنه هو والدولة شىء واحد، وأن مصلحته الخاصة ومصلحة أسرته لا تختلف عن مصلحة الدولة ككل.

فى حالة مصر، حيث يكمل الرئيس مبارك فى هذه الأيام ثمانية وعشرين عاما، وهو فى منصب الرئيس، أخذت هذه الظاهرة فى الاتضاح أكثر فأكثر، وعلى فترات متقاربة، حتى شهدنا فى مدة لا تزيد على شهرين، مثلين صارخين لهذا التصرف فى شئون الدولة. كما لو كانت مملوكة ملكية خاصة.

المثل الأول يتعلق بتصرفات الرئيس فى مسألة ترشيح وزير الثقافة، فاروق حسنى، لمنصب رئيس اليونسكو، ابتداء من الرضوخ لرغبة الوزير فى هذا الترشيح بصرف النظر عما إذا كان أصلح المصريين لهذا المنصب أو أكبرهم فرصة فى النجاح، إلى إنفاق الكثير من أموال الدولة وجهد ووقت المسئولين فى دعم الوزير، إلى تجنيد الدبلوماسية المصرية لتحقيق هذا الغرض إلى حد التضحية ببعض المصالح المهمة، بما فى ذلك تحقيق بعض المطالب الإسرائيلية.. إلخ.

وعندما تنتهى العقبة المؤسفة بفشل الوزير المدلل فى تحقيق منيته، لا يقدم الوزير استقالته من الوزارة ولو لمجرد التعبير عن أسفه لكل هذا الجهد والمال الضائع وما كلف به الدولة من تنازلات، بل يقوم الرئيس بطمأنته على استمراره فى منصبه، ويطلب منه أن «يرمى وراء ظهره»، أى ألا يسمح للأمر بتعكير دمه.

ثم فوجئنا بالأمر يتكرر فى مناسبة مباريات كرة القدم بين مصر والجزائر. لا ينكر أحد أن انتصار مصر فى كرة القدم شىء عظيم، كما أن حصول مصرى على رئاسة اليونسكو شىء عظيم أيضا. ولكن الانتصار فى مباريات رياضية ليس قصة حياة أو موت كما بدا من تصرفات الرئيس وولديه إزاء هذا الموضوع. والأرجح فى نظرى أن الرئيس وابنيه تعاملوا مع مباريات كرة القدم كجزء من الجهود المبذولة لتجميل صورة الابن الراغب فى الحلول محل والده فى رئاسة الجمهورية، وكذلك لتجميل صورة الرئاسة كلها، وذلك بإلصاق صورة الرئيس وولديه بصورة الفريق المصرى لكرة القدم، والمبالغة فى الحفاوة بالفريق ومدربه، وكأنهم مقبلون على معركة حربية. ولكن حدث هنا أيضا أن ضحت الدولة باعتبارات السياسة الخارجية ومصالح قومية فى سبيل الانتصار فى المباراة، وجعلت علاقة مصر بدولة عربية مهمة، وهى الجزائر، متوقفة على النجاح أو الفشل فى مباراة لكرة القدم.

قيل لنا أيضا إن مكافآت خيالية سوف تمنح للاعبين ومدربهم إذا فازوا فى المباراة، وهى مكافآت لا تتناسب مطلقا مع إمكانات بلد فقير كمصر يحتاج إلى توجيه مثل هذه الأموال إلى أوجه أكثر أهمية بكثير، كما يحتاج إلى إظهار كرم أكبر فى تشجيع شباب مصر على الاتجاه إلى تنمية قدراتهم ومواهبهم فى أعمال أكثر مساهمته فى نهضة هذا البلد من لعبة كرة القدم.

ثم انتهت المباراة بالخسارة فما الذى حدث؟

بدلا من ترك الفريق ومدربهم يتأملون ما حدث، ويحاولون التعلم من التجربة واكتشاف الأخطاء أملا فى الفوز فى مرة مقبلة، استقبلهم الرئيس وابناه بما لا يقل عن استقبال الفاتحين العظام، واحتفوا بهم كما لو كانوا قد حققوا لمصر أكبر فوز فى تاريخها، مع أنهم لم يفوزوا أصلا، وإذا بهم موعودون بالمكافأة على الفشل، كما وعدوا من قبل بالمكافأة على النجاح، ولا شك أنه قيل لهم نفس ما قيل من قبل لوزير الثقافة بعد فشله، أى «ارموا من وراء ظهركم»، أى لا تهتموا بأى شىء، ولا تدعوا هذا الذى حدث يعكر من صفوكم، فليس المهم ما أصاب الناس من خيبة أمل بل المهم هو استمرار الرئيس فى رضاه عنكم. ليس المهم هو ما حدث من قطيعة بين مصر والجزائر، بل المهم هو استمرار الرئيس وأسرته فى الحكم.

لا شك أن استمرار نفس الرئيس فى حكم البلاد 28 عاما له دور فى هذا كله، إذا يعتاد الرئيس أن يتصرف فى أمور الدولة، سواء تعلقت بالثقافة أو بكرة القدم، كما لو كانت جزءا من ممتلكاته الخاصة، ولكن فى حالة كرة القدم حدث تطور جديد لم يكن موجودا فى حالة وزير الثقافة. إذ لعب ابن الرئيس الأصغر، الذى يحتل منصب رئيس لجنة السياسات، دورا ملحوظا بمناسبة مباريات كرة القدم، بل انضم إليه الابن الأكبر بعد خسارة المباراة، فوجه إهانات بالغة إلى الجزائريين، بل وقال ما معناه طرد السفير الجزائرى من مصر، مع أن هذا النجل الأكبر لا يحتل أى منصب سياسى وليست له أى سلطة تسمح له بطرد السفير الجزائرى أو أى سفير آخر. إنه يتصرف إذن وكأنه يطرده من عزبته الخاصة. ولا شك أن هذا التطور الجديد هو أيضا من توابع استمرار الأب فى منصبه كل هذه المدة الطويلة.

الأربعاء، 25 نوفمبر 2009

الصغار والكبار.. فى معركة الجزائر

الشروق - الأربعاء 25 نوفمبر 2009

انزعجت بشدة كما انزعج غيرى مما حدث فى الأسبوعين الماضيين. كان ما حدث بين شبان مصريين وشبان جزائريين، من ضرب وسب وطعن، مزعجا بما فيه الكفاية، ولكن الأفظع فى رأيى هو ما حدث بن الدولتين.

ليست هذه أول مرة ولا آخر مرة ينشب فيها عراك بين مجموعتين من البشر، تنتميان إلى جنسيتين مختلفتين أو دينين مختلفين أو حتى لونين مختلفين. ولكن أن يؤدى هذا إلى عراك بين دولتين، تنتصر كل منهما لحاملى جنسيتها أو دينها أو لونها، فهذا شىء نادر الحدوث إلا فى إعلان دولة للحرب على أخرى. ولكن حتى هذا لا يحدث عادة بسبب شجار بين مواطنين، بل يحدث لأسباب أعمق بكثير تتعلق بتاريخ العلاقة بين الدولتين، أو عداء دفين بينهما يرجع إلى مشكلات أو اختلافات قديمة. فإذا حدث عراك كهذا بين دولتين عربيتين، لهما تاريخ قديم من المودة والمؤازرة، وتربطهما وشائج قوية للغاية من الدين واللغة والحضارة والمصالح المشتركة، فهذا هو الشىء المزعج حقا والبالغ القبح.

طالعت الكثير مما يكتب تعليقا على ما حدث، وكثير منه للأسف يؤجج النار ويزيد المشاعر التهابا. من بين الدوافع لهذا الموقف المؤسف من بعض الكتاب والإعلاميين، بل وأيضا بعض السياسيين، الطمع فى تحقيق مكسب شخصى أو سياسى من وراء هذه المؤازرة، عن طريق الظهور بمظهر الوطنى الذى يدافع عن حقوق شعبه وكرامته. ولكن حتى إذا كان الدافع لدى الكاتب هو مجرد الشعور الغريزى بالوقوف إلى جانب أهل بلده ضد أهل البلد الآخر، فأظن أنه موقف غير حميد أيضا. إذ المفترض فى الكاتب الذى يعلق على الشئون العامة أن يكون أعقل من غيره، وأكثر قدرة على التروى فيما حدث، وعلى رؤيته فى إطاره الأوسع، ومن خلال معرفته الأوسع بتاريخ العلاقة بين البلدين وبمشكلاتهما المشتركة.

المفروض فى المعلق على هذه الأحداث أن يكون قادرا على إدراك ما يمكن أن يترتب على تدهور العلاقة بين مصر والجزائر، من عواقب وخيمة، كالعجز عن توحيد موقفهما إزاء مشكلات أكبر بكثير من مشكلات كرة القدم وكأس العالم، كالقضية الفلسطينية مثلا، والعجز عن تحقيق تعاون اقتصادى أكبر يساهم فى الإسراع بتحقيق التنمية المنشودة فى كلا البلدين، والعجز عن تحقيق الحماية اللازمة والمعاملة اللائقة لمواطنى كل من الدولتين المقيمين فى الدول الأخرى..الخ. إن إدراك أهمية هذه الأمور بالنسبة للانتصار والانهزام فى مباراة لكرة القدم من شأنه أن يمنع الكاتب أو الإعلامى من المساهمة فى تأجيج المشاعر وفى زيادة النار اشتعالا.

كان المفروض أيضا أن يدرك الكاتب أو الإعلامى انه فى عراك كهذا، مهما كانت شدته ودمويته، لا يهم كثيرا فى الحقيقة معرفة من البادئ بالعدوان، ومن الذى تصرف كرد فعل لهذا العدوان. ففى مثل هذه الأمور، يصعب جدا تقدير ما إذا كان رد الفعل متناسبا من الفعل المردود عليه. الطرفان فى نظرى مذنبان، ومن السهل جدا، بمعرفتنا لظروف التهييج الإعلامى، وأعمار المتعاركين وظروفهم الاقتصادية والاجتماعية، أن نعرف سبب ارتكابهم لهذا الذنب. ولكن من المؤكد أيضا أن المنتظر من أولياء أمورهم أن يتصرفوا تصرفا أعقل مما رأيناه من تصرفات أولياء أمورنا. فمن الحماقة أن يأتى الأب والأم فيشتركان فى عراك مع أب أو أم الولد الآخر، ويتبادلا السباب مثلما تبادله أولادهم، فتنقلب المعركة من شجار بين صبيين غريرين إلى معركة بين دولتين المفروض أنهما شبتا عن الطوق، وتعرفان ما يمكن أن يترتب على عراكهما من خسارة فادحة للجميع، الصغار والكبار. 

السبت، 21 نوفمبر 2009

صحوة وطنية.. أم نوبة هستيرية؟

الشروق - السبت 21 نوفمبر 2009

نحن لا نعيش فى عصر انتصار الرأسمالية (ولا الاشتراكية بالطبع) ولا انتصار الديمقراطية أو حقوق الإنسان. كما أننا لا نعيش نهاية التاريخ، كما زعم أحد الكتاب منذ عشرين عاما، ولا عصر صراع الحضارات، كما قال آخر بعده بقليل. نحن نعيش عصر الجماهير الغفيرة: عصر التليفزيون والأقمار الصناعية والقنوات الفضائية، والتليفون المحمول الذى يحتوى أيضا آلة فوتوغرافية وبريدا إلكترونيا وشبكة الإنترنت.

هذا هو عصر البرامج التليفزيونية التى يشاهدها فى نفس الوقت مئات الملايين من البشر، حتى ولو كانت لا تستحق أن يشاهدها عشرة أشخاص، والصحف التى توزع فى اليوم الواحد ملايين النسخ ولكن أكثر من نصف صفحاتها إعلانات، والمذيعون الذين يتجاوز الراتب الشهرى لبعضهم مليونا من الجنيهات أو مليونين، ومنهم من لم يكن يستحق فى عصر سابق أن يعين مذيعا أصلا، والأفلام التى لا تحتوى على فكرة واحدة ذكية، ولكنها تنجح تجاريا نجاحا باهرا لأنها عثرت على وجه ممثلة جذابة.. إلخ. المسئول عن كل ذلك ليس عصر الرأسمالية المتوحشة، بل عصر الجماهير الغفيرة.

هذا هو بالطبع ما يفسر ظاهرة كرة القدم كما نراها اليوم. اللعبة قديمة ومعروفة بأشكال مختلفة، لدى كل الشعوب وفى كل العصور، ولكنها لم تصبح لعبة مثيرة لهذه الدرجة إلا فى عصر الجماهير الغفيرة. لم تصبح أكثر إثارة لمجرد أن اللاعبين أصبحوا أكثر مهارة، ولكن لمجرد أنهم أصبحوا أكثر شهرة. وقد أصبح اللاعبون أكثر شهرة ليس بسبب ذكاء غير عادى أو درجة غير مألوفة من سرعة الحركة أو اليقظة أو من الاستعداد للتعاون مع بقية أفراد الفريق، بل بسبب كثرة ظهورهم على شاشة التليفزيون وعلى صفحات الجرائد التى يراها ويقرأها ملايين من الناس كل يوم، أى أن اللاعب أصبح مشهورا فقط بأنه مشهور.

الوضع يبدو سخيفا للغاية، حتى إذا لم يقترن بأى عنف أو مشاجرة بين الفريقين المتنافسين، فإذا اقترن الحماس الشديد لفريق كرة القدم بهذه الدرجة التى رأيناها منذ أيام، وأصبحنا نراها فى كل موسم، من الهستيريا والتشنج والعدوانية، فإن الأمر يبدو داعيا لأقصى درجات الرثاء.

فى هذا المناخ الهستيرى لابد أن يحاول كل من يستطيع من ورائه تحقيق نفع خاص له، أن يفعل ذلك. فالمتبطلون عن العمل يحملون الأعلام الملونة ليبيعوها لأصحاب السيارات الذين ليس لديهم شىء يفعلونه أفضل من السير فى الشوارع والضغط على زماراتهم، وأصحاب الجرائد يتنافسون على كيفية نقل الأخبار السعيدة للجمهور: هل يكتبون فى المانشيت العريض، وباللون الأحمر نتيجة المباراة، أم يكتفون بكلمة «مبروك»، على أساس أن الجميع سوف يفهم المقصود، إذ هل يفكر أحد إلا فى تلك النتيجة الرائعة: (اثنين صفر)؟.. والوزراء الذين لم يفعلوا شيئا واحدا يجلب لهم حب الناس، ذهبوا للتهنئة والوقوف إلى جانب الفريق المنتصر ليظهروا فى نفس الصورة، بل وقيامهم بتهنئة رئيس الجمهورية نفسه باعتباره سببا من أسباب هذه النتيجة الباهرة. والشاب الذى يطمح للحصول على منصب رئيس الجمهورية لا يجد طريقة لكسب قلوب الناس أفضل من أن تظهر صورته وهو يهنئ الفريق، حتى يعتقد الناس بأنه يشعر بنفس ما يشعر به بقية الناس وينبض قلبه بنفس ما ينبض به قلب الشارع المصرى.

ما أسهل الأمر إذن فى ظل هستيريا من هذا النوع. الجميع قد تم تخديرهم، ومن ثم يمكن أن نفعل بهم أى شىء، ويمكن الحصول منهم على أى شىء قبل أن يستردوا صوابهم.

أما الحديث عن أن هذه صورة من صور الوطنية، ودليل على قوة شعور المصريين بالانتماء لبلدهم، وعلى الإجماع على حب الوطن: بدليل أن الرجل والمرأة، المسلم والقبطى، الكبير والصغير، الغنى والفقير، كلهم اجتمعت قلوبهم على شىء واحد وهو أن تنتصر مصر على الجزائر، مثل هذا الحديث لا يجب أن يخدع أحدا. إن الحماس الشديد قبل المباراة وأثناءها وبعدها ليس سببه الحب الشديد للوطن، بل سببه هو نفس هذه الظاهرة التى أتكلم عنها: ظاهرة الجماهير الغفيرة. الحماس يشتد لمجرد أنك أصبحت جزءا من جماعة كبيرة جدا، والصياح يعلو لأنك ترى وتسمع آلاف من الناس يقومون بالصياح مثلك، والزمامير تشتد لأنك تعرف أنك واحد من آلاف الزمارين والطبالين، أما حب الوطن فلا يمكن أن يشتد لأنك صوبت الكرة فى الاتجاه الصحيح مرتين بينما لم ينجح شقيقك الجزائرى فى ذلك مرة واحدة.

هذه الهستيريا هى أيضا فى رأيى (وليس حب الوطن) السبب فى ندبة البكاء الشديد التى استسلم لها بعض أعضاء الفريق المصرى ومدربهم بمجرد انتهاء المباراة.
إنها تفريج مفاجئ عن شحنة زائدة من التوتر والتشنج ولّدها اشتراك الآلاف المؤلفة من الهتاف والصياح فى نفس الوقت.

قد لا يكون فى كل هذا ضرر كبير، بل وقد يكون له بعض الفوائد، كما أن هناك بعض الفوائد لحفلات الزار والاحتفالات الشعبية بالموالد. ولكن علينا أن نحذر من الخلط بين هذه النوبات الهستيرية وبين نمو الشعور الوطنى وقوة الانتماء.
ملحوظة: كتبت هذا المقال قبل مباراة السودان المحدد لها 18/11، ولا أظن أن الموقف الذى يعبر عنه هذا المقال يمكن أن يتغير أيا كانت نتيجة هذه المباراة.

السبت، 14 نوفمبر 2009

شفافية الحزب الوطني

الشروق - السبت 14 نوفمبر 2009

لست من المغرمين بكلمة «الشفافية»، ولا أظن أنى استخدمها قط فى أى مقال أو كتاب كتبته. والسبب أنى لا أكاد أجد للشفافية وجودا، لا فى حياتنا السياسية ولا فى حياة غيرنا. نحن نعيش فى عصر تغلب عليه «العتمة» و«التضليل» وتسمية الأسماء بغير أسمائها، والتظاهر بغير الحقيقة، وحجب الحقائق بدلا من كشفها، وهذا كله هو النقيض التام للشفافية، التى تفترض أن يكون السلوك كالزجاج النظيف يعلن عن الحقيقة بدلا من أن يحجبها.

حتى بدأت اعتقد أن ترديد كلمة معينة أو شعار مرارا وتكرارا، معناه فى الغالب أن ما يحدث فى الواقع هو العكس بالضبط، وأن كثرة ترديد شعار ما، سببها على الأرجح محاولة صرف نظر الناس عن عدم تحققه فى الواقع. ومن ثم ما أكثر الكلام على السلام فى وقت الحرب، وعن الاهتمام بمحدودى الدخل عندما يكون الاهتمام فى الحقيقة مقصورا على متضخمى الدخل فقط، وعن الاهتمام بـ«البعد الاجتماعى» عندما يكون هذا البعد الاجتماعى أبعد شىء عن اهتمامات الحكومة، ناهيك عن رفع شعار «من أجلك أنت»، عندما تكون أنت آخر شخص يهتم أحد به.

ولكن كل هذا كوم، والكلام على الترشيح لرئاسة الجمهورية كوم آخر. فالناس كلهم يتكلمون عن التوريث، ويتوجسون مما تفعله الحكومة لتمريره، ويلاحظون فى كل يوم خبرا جديدا أو صورة جديدة أو زيارة جديدة لا يمكن أن يكون المقصود منها إلا تسهيل حلول ابن رئيس الجمهورية محل والده. فتنشر صوره فى الصفحات الأولى، وتملأ الصفحات الداخلية بأحاديثه وتصريحاته، ويربط اسمه بأخبار سعيدة كالنهوض بألف قرية، أو إصلاح نظام المعاشات، وتنشر له صور وهو يقبل طفلا صغيرا فى حنان بالغ، أو وهو يستمع باهتمام شديد إلى شكوى فلاح عجوز، تماما كما تعودنا أن نرى مع الرؤساء والزعماء، ومن مثلهم مع الملوك والأمراء. وهو، أى نجل الرئيس، يعامل من الوزراء، بل ومن رئيس الوزراء كما لو كان قد أصبح رئيسا بالفعل، ويسافر مع الوزراء فى رحلات إلى دول كبرى يقابل فيها مسئولين كبارا فى تلك الدول، على أمل الحصول على رضا هؤلاء المسئولين الكبار عن مشروع حلوله محل أبيه.

كل هذا يحدث ويراه الناس يوميا فتنقبض له صدورهم، ويشعرون بالمهانة والمذلة، إذ تعاملهم حكومتهم هذه المعاملة بدلا من أن يترك الناس ليختاروا من يحبون لرئاستهم، ويتفرغ ابن الرئيس لشئونه الخاصة، كما هو الواجب فى أى بلد محترم.

والأدهى من ذلك أنهم إذا سألوا عن معنى كل هذا الذى يفعلونه لتسهيل حلول ابن الرئيس محل والده، تظاهروا بالدهشة والاستغراب: «توريث؟ من الذى قال إن هناك توريثا؟.. هل قال أحد منا إن ابن الرئيس يرغب فى ترشيح نفسه؟.. موضوع الرئاسة على أى حال موضوع سابق لأوانه تماما. فمن الذى قال إن منصب الرئيس منصب شاغر ويراد ملؤه؟.. الرئيس مبارك بصحة ممتازة، وقد صرح هو نفسه بأنه باق فى منصبه طالما أن له قلبا ينبض. والمسألة كلها على أى حال تتوقف على انتخابات واستفتاءات، ستكون نظيفة بالطبع مثل الانتخابات السابقة. ثم من قال إن الناس يهمهم موضوع الرئاسة؟

المصريون فقراء لدرجة جعلتهم لا يهتمون إلا بلقمة العيش. وأيا كان المسئول عن فقرهم هذا، فهم ليس لديهم الوقت للتفكير فيما إذا كان ابن الرئيس سيحل محل والده أم لا. وعلى أى حال، فلنفرض أن هناك توريثا، ألم يورث المصريون منذ قيام ثورة 1952، من رئيس لآخر، دون أن يستشار المصريون فى الأمر؟ صحيح أنه لم يحدث منذ إعلان الجمهورية فى 1953 أن ورث رئيس الجمهورية المنصب لابنه، ولكن هذا فارق بسيط، والمهم على أى حال أن الموضوع غير مطروح من أساسه، ولا يفكر فيه أحد إلا بعض المغرمين بالشوشرة على النظام. والدليل الأكبر على ذلك أن رئيس الجمهورية نفسه، عندما سئل خلال زيارته الأخيرة للولايات المتحدة عما إذا كان ابنه يفكر فى ترشيح نفسه رئيسا بعده، أجاب قائلا إن ابنه لم يكلمه فى هذا الموضوع...».

الخلاصة أنه بصرف النظر عن طبيعة الموضوعات التى يتكلم فيها رئيس الجمهورية مع أولاده عندما يلتقون بعضهم بعضا، فليس من حق الناس أن تعرف شيئا عن هذه الموضوعات، ولا حتى أن تتساءل عن سر كل هذا التشويش، الذى تمارسه وسائل الإعلام للتمهيد لحلول ابن الرئيس محل والده، ولابد أن يكون قد صدرت أوامر وتم الاتفاق على أن يجرى تعتيم كامل على هذا الموضوع، حتى يفاجأ الناس فى الوقت المناسب بتعيينه رئيسا لهم، وهذا التشويش والتعتيم هما ما يسميان حاليا فى مصطلحات السياسة الجارية بـ«الشفافية».

السبت، 7 نوفمبر 2009

تذكر أنك بشر

الشروق - السبت 7 نوفمبر 2009

تعجبنى القصة التى تروى عن زعيم شهير ذهب يوما ليخطب بين الناس، فلما خرج إلى شرفة قصره ليبدأ خطابه، رأى الآلاف المؤلفة من الناس قد اجتمعت أمام القصر وهى تهتف باسمه، وتحمل صوره، وترفع اللافتات المؤيدة له، فامتلأ الرجل إعجابا بنفسه وصدق أنه بالفعل فريد فى نوعه، ووحيد عصره، ودرة زمانه، فاقترب منه واحد من أفراد حاشيته المقربين وهمس فى أذنه: «تذكر أنك بشر!».

ليس من السهل أبدا الأخذ بهذه النصيحة، أى أن يتذكر المرء فى مثل هذه المواقف أنه ليس إلا شخصا عاديا، وضع فى ظروف استثنائية لا فضل له فيها. فالإنسان ضعيف، بل وضعيف جدا، ومن أوجه ضعفه الكثيرة استعداده المستمر لتصديق ما يحب أن يكون صحيحا حتى ولو كان أبعد ما يكون عن الحقيقة.

ألاحظ هذا فى نفسى كما ألاحظه فى غيرى. أنا أستاذ فى الجامعة، وقد لاحظت أنه إذا جاء إلى مكتبى بالجامعة، فى يوم واحد خمسة أو ستة طلاب، الواحد بعد الآخر، قبيل أحد الامتحانات، وهم فى حالة خوف يزيد على المعتاد بسبب قرب الامتحان، فيسألنى أحدهم سؤالا فأجيبه، ويستفهم آخر عن شىء يتعلق بالامتحان فأوضحه له، ويطلب ثالث طلبا أوافق عليه رأفة بحاله، فيعبر الواحد منهم بعد الآخر عن شكره وامتنانه بلهجة مبالغ فيها بسبب ضعف مركزهم بالنسبة لمركزى، لاحظت أنى فى مثل هذه المواقف تعترينى لبعض الوقت درجة لا يستهان بها من الإعجاب بالنفس والغرور، إذ أصدق ما قيل لى واعتبره صادقا لمجرد أنى أحب أن يكون كذلك.

تخطر بذهنى أفكار من هذا النوع عندما أرى صورا كثيرة من الزعماء والرؤساء، خاصة من رؤساء العالم الثالث. إذ يحيطهم الناس بأشكال لا حصر لها من الثناء والنفاق، ويبدو من صورهم وسلوكهم أنهم يصدقون بالفعل ما يسمعون.
وكان لابد أن تمر بذهنى هذه الأفكار وأنا أشاهد صور أمين لجنة السياسات بالحزب الوطنى، الذى هو فى نفس الوقت نجل رئيس الجمهورية، بمناسبة انعقاد المؤتمر الأخير للحزب.

ما أسهل على شاب مثله أن يصدق أنه هو أيضا فريد عصره ودرة زمانه ليس فقط لأنه صغير السن وقليل الخبرة بالحياة بالمقارنة بكل من حوله، وبمن احتل منصبا كمنصبه، بل ولأنه أيضا تمتع منذ نعومة أظافره بمعاملة مختلفة تماما عما حظى به أى طفل آخر فى مصر، سواء من حيث نعومة العيش أو من حيث الاهتمام المبالغ فيه من المحيطين به، واستعدادهم لتلبية أى رغبة قد تطرأ على باله، إذ كان والده دائما رئيسا للجمهورية أو على الأقل نائبا لرئيس الجمهورية. ها هو الابن يسير الآن وخلفه وزراء، بل ورئيس للوزراء، ومثقفون كبار، يصغون باهتمام بالغ إلى أى عبارة تصدر عنه، ويبدون له إعجابهم بكل ما يقول وكأنه لا ينطق إلا بالحكمة، والجرائد الحكومية تشيد بتصريحاته وتنشرها فى صفحاتها الأولى فلابد أنها عميقة ومهمة.

لا عجب إذن إن روى عنه أنه قال منذ أيام قليلة، أثناء مؤتمر الحزب الوطنى، أنه «ليس أعظم شخص فى مصر». والعبارة صحيحة بلا شك، ولكن المؤسف أنه قالها من باب التواضع فقط، ولا بد أنها أيضا أثارت من جانب المحيطين به عبارات الاستحسان وابتسامات الإعجاب.

فى ظل هذا كله، إذا قيل له «إنك أصلح من يمكن أن يخلف والدك فى رئاسة الجمهورية»، فكيف نتصور أنه سيعترض؟ 

السبت، 31 أكتوبر 2009

ما جدوى كل هذه الترشيحات؟

الشروق - السبت 31 أكتوبر 2009

عندما سألنى صديق عزيز، هو أيضا ناشط سياسى مرموق، عما إذا كنت على استعداد لضم صوتى إلى أصوات أخرى ترشح الدكتور محمد البرادعى فى انتخابات رئاسة الجمهورية المقبلة، اعترانى استغراب، وحيرة فيما أقول. فالدكتور البرادعى رجل عظم بلا شك، وتتوافر له صفات مهمة من الصفات المرغوبة فى رئيس الجمهورية المقبل. ولكننى لم أسمع أن باب الترشيح لرئاسة الجمهورية قد فتح، أو أن الدكتور البرادعى نفسه صدر منه أى قول يدل على رغبته فى هذا الترشيح، فضلا عن أنه لم يعرف عنه أصلا، فى حدود علمى، أى نشاط سياسى داخل مصر، ولم يعرف كذلك، فى حدود علمى أيضا، ما نوع الأفكار السياسية التى يؤمن بها، ويرغب فى تطبيقها فى مصر.

ثم توالى ذكر أسماء كبيرة أخرى كمرشحين محتملين لرئاسة الجمهورية، مما ضاعف من دهشتى وتركنى فى حيرة شديدة. هل طلب منا أحد أن نذكر أسماء الأشخاص الذين نحب أن نرى واحدا منهم رئيسا للجمهورية؟ بل هل عبر أحد من هؤلاء عن رغبته فى ذلك؟ وعلى أى حال، هل الوضع الدستورى الحالى، بعد أن قام أصحاب الأمر والنهى فى مصر بتعديله منذ سنتين، يسمح بأن يرشح أحد إلا إذا كان عضوا فى حزب، وكان لهذا الحزب الذى يرشحه عدد من المقاعد فى المجلس لا يتمتع به الآن إلا الحزب الحاكم؟ فهل المقصود ياترى أن ينضم كل من هؤلاء المرشحين إلى حزب من الأحزاب القائمة، كالتجمع مثلا أو الوفد، ثم يقوم هذا الحزب بترشيحه لرئاسة الجمهورية؟ ولكن الأحزاب القائمة كلها لا تتمتع بعدد المقاعد اللازمة، وبعضها يبدو فى حالة وئام شديد مع الحزب الحاكم، فلا أظن أنها تجرؤ على ترشيح شخص آخر غير مرشح الحزب الحاكم إلا من باب مقتضيات الديكور إذا طلب منها الحزب الحاكم ذلك. أم هل يقوم المرشح بالاتفاق مع جماعة الإخوان المسلمين وهى جماعة محظورة قانونا، ولا ينتظر منها الحصول على عدد كاف من المقاعد بالنظر إلى ما تتعرض له من تشريد هو على الأرجح لمنعها من الاشتراك فى انتخابات الرئاسة. أم أن المقصود أن يقوم المرشح بتكوين حزب جديد ينافس به الحزب الحاكم؟ فهل لهذا التصور أى فرصة جدية للتحقق فى ظل القيود المفروضة على تكوين أحزاب جديدة، بل وفى ظل ظروف هؤلاء المرشحين أنفسهم وميولهم الشخصية وتاريخهم.. إلخ.

أضف إلى كل ذلك أنه، مع احترامى الشديد لمعظم الأسماء التى ذكرت فى الترشيح للرئاسة، هل المشكلة هى حقا فى العثور على اسم رجل عظيم يصلح رئيسا للجمهورية، أم أن البلد ملئ بهؤلاء الرجال و(النساء) العظماء الذين لم يمنع من أن يسمع لهم صوت أو أن يخطر ببال أحد (أو حتى ببالهم هم أنفسهم)، أن يرشحهم لانتخابات الرئاسة أو أى انتخابات أخرى، إلا الجو السياسى الخانق الذى نعيش فيه منذ أكثر من ربع قرن؟ إن هذا الجو الخانق الذى عشنا فيه طوال هذه المدة هو الذى جعلنا نظن أن البلد قد أقفرت من الرجال العظام، بحيث يظن الواحد منا أنه قد اكتشف اكتشافا خطيرا لو خطر بباله اسم مصرى عظيم يصلح رئيسا، بل وجعل أذهاننا تتطرق إلى أسماء رجال عظام حقا، ولكنهم عظماء فى مجال تخصصهم ولكنهم ليسوا بالضرورة سياسيين عظاما.

ما الذى جرى لنا حتى نسينا معنى الهواء الطلق الذى تطرح فيه كل الآراء للمناقشة، وكل الناس يتكلمون وكل الجمعيات تتكون، وأى مظاهرات تسير وتهتف، فلا نضطر إلى الاستسلام لأفكار أشبه بأحلام اليقظة، مثل التساؤل: «ألا يكون الحال بديعا لو جاء البرادعى رئيسا للجمهورية؟»، أو مثل «تصور لو أتى الدكتور محمد غنيم ففعل فى إدارة مصر ما فعله فى إدارة مركز الكلى بالمنصورة؟».. إلخ.

من أدراك فى الأصل أن النظام الحالى يمكن أن يسمح لهذا الرجل أو ذاك ولو حتى بالتفكير فى أن يصبح رئيسا للجمهورية؟. 

السبت، 24 أكتوبر 2009

عن شيخ الأزهر.. والفتاة المنتقبة

الشروق - السبت 24 أكتوبر 2009

بعد أن هدأت الزوبعة التى أثارتها العبارة المدهشة، التى صدرت عن شيخ الأزهر للفتاة المنتقبة فى أحد المعاهد الأزهرية، يمكن الآن أن نناقش الموضوع بهدوء أكبر، ونستنتج منه بعض الاستنتاجات.

هذه ليست المرة الأولى التى تصدر من فضيلة شيخ الأزهر عبارة مدهشة لم نتعود صدور مثلها من عالم دين كبير ورئيس لأكبر مؤسسة دينية فى البلاد وفى العالم الإسلامى. فالشيخ يستخدم العامية بسهولة ولا يراعى دائما اعتبارات الوقار المفترضة فيمن يحتل هذا المنصب، بل وقد استخدم أكثر من مرة عبارات جارحة للغاية يتحرج من استخدامها عادة ليس فقط رجل الدين، بل وغيره ممن يحتلون مناصب أقل اتصافا بالورع والتقوى، ولا تشترط درجة عالية من مراعاة خواطر الناس واحترام مشاعرهم. من هذه العبارات بالطبع كلمته للفتاة المنتقبة، وهى فتاة صغيرة السن، لم تختبر الحياة، ويمكن أن تصيبها كلمة جارحة بمشكلات نفسية تبقى معها سنوات عديدة. فهو يرد على دفاعها عن ارتدائها للنقاب بقوله: «أنا أفهم فى الدين أكثر منك ومن اللى خلفوك!»، وهو بعد أن طلب منها خلع النقاب وانصاعت الفتاة لأمره قال لها: «أمال لو كنت حلوة شوية كنت عملت إيه؟!».

لم تكن هذه أول مرة تصدر من شيخ الأزهر عبارات جارحة وغير لائقة، فهو عنيف جدا مع معارضيه، ويعبر عن لامبالاة غريبة بما يوجه إليه من نقد فى الصحف. وبالرغم من كل ذلك، ومن شيوع السخط على هذه التصرفات، لا يبدو أن الرجل يتعرض لأى نوع من اللوم أو لفت النظر من جانب السلطة التنفيذية، التى أصدرت القرار بتعيينه شيخا للأزهر، وتملك سلطة خلعه من منصبه. لا تعليق بالمرة، لا من رئيس الدولة، ولا من رئيس الوزراء، ولا من وزير الأوقاف، ولا من أى لجنة أو مجلس يهتم بشئون البلاد. ومن ثم فليس هناك أى دافع لدى شيخ الأزهر للإقلاع عن هذا المسلك.

ولكن الأمر لا يقف عند حد إهانة فتاة صغيرة بلا مبرر، بل الأخطر من ذلك فى رأيى ما يترتب على هذه التصرفات من تقليل شأن الأزهر الشريف فى نظر الناس فى مصر وخارجها. فالخوف هو أن يعتاد الناس صدور مثل هذه الأقوال من رئيس المؤسسة الموقرة، ويلصقونها بالمؤسسة نفسها بصرف النظر عن شخصية من يرأسها، وبالتدريج لا يتوقع الناس من فضيلة شيخ الأزهر شيئا أفضل من هذا. وهذا شىء لا يضر بالأزهر وحده، ولكن بالدين الذى يخدمه الأزهر، وبالدولة التى يوجد بها الأزهر.

ولكن الدهشة لا تقف عند هذا الحد. فشيخ الأزهر أبدى تسامحا غريبا مع بعض الإسرائيليين، فاشترك فى ندوة كان رئيس إسرائيل «شيمون بيريز» مشاركا فيها، وقام شيخ الأزهر بمصافحته. وعندما سأله أحد الصحفيين عن ذلك فى صيغة عتاب، أجاب شيخ الأزهر بأنه يصافح العدو، كما يصافح الصديق، قاصدا أنه يبدى التسامح مع الاثنين، وأن العداوة لا تعنى بالضرورة الجفاء والغلظة فى المعاملة. وهو كلام مدهش لأكثر من سبب. فهو لا يميز بين خصام بسيط وخصام شديد، بين عدو يظهر بعض الاستعداد للاعتراف ببعض حقوقك، وعدو شرس لا يبدى أى استعداد لهذا، كما أن شيخ الأزهر لا يميز بين مصافحة لا يترتب عليها أى أثر على حقوق مسلوبة، وبين مصافحة من رئيس أكبر مؤسسة إسلامية فى العالم تحقق نفعا مؤكدا لأكبر عدو للمسلمين فى الوقت الحاضر.

كما أن المرء لا يسعه إلا أن يقارن بين هذا التسامح، الذى يبديه شيخ الأزهر لرئيس إسرائيل، وبين هذه القسوة التى عامل بها فتاة مصرية صغيرة لم ترتكب أى إثم.

لا بد أن يتساءل المرء عن سر سكوت الدولة المصرية على مثل هذا السلوك من جانب شيخ الأزهر، وتركه فى منصبه مهما فعل ومهما قال. هل هذا الموقف من الدولة المصرية هو أيضا بند من البنود السرية المتفق عليها فى معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل؟ 

السبت، 17 أكتوبر 2009

في نقد النقاب

الشروق - السبت 17 أكتوبر 2009

اعترف بأنى لم أشعر أبدا شعورا طيبا نحو النقاب. انزعج لرؤيته، وينقبض صدرى، وأسأل نفسى: أى نوع من التفكير أدى بالمرأة المنتقبة إلى ارتدائه؟.. إذا كان الدافع تنفيذ فرائض الدين، فإن كثيرين من الفقهاء وعلماء الدين الموقرين يقولون بأنه ليس من الفرائض، فلماذا رفضت المنتقبة هذا التفسير وأخذت بعكسه؟.. هل الدافع رغبة المنتقبة فى مزيد من التقرب إلى الله وكسب الثواب، واعتقادها أن هذا الزى، وإن لم يكن فرضا، فهو محمود ومستحسن؟..

فلماذا يا ترى يمكن أن يعتبر هذا الزى محمودا ومستحسنا؟.. إنى أجد أسبابا كثيرة وقوية لتفضيل عدم ارتداء النقاب، لمصلحة المرأة التى تفكر فى التنقب، ولمصلحة المجتمع ككل، فكيف يمكن أن يكون موقف الدين مخالفا لما يقضى به العقل؟

إنى أتعاطف بشدة، وأعتقد أن كثيرين من القراء متعاطفون أيضا، مع القول المعروف فى مذهب المعتزلة «بالحسن والقبيح العقليين»، أى بأن العقل قادر على أن يعرف أن الشىء حسن أو قبيح، ومن ثم أباحوا لأنفسهم أن يفسروا القرآن الكريم بتحكيم العقل والحديث وبالاعتماد على معرفتهم باللغة وبأساليب القرآن وروحه، ومادامت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التى تتكلم عن الزى الواجب على المرأة، قليلة وتحتمل أكثر من تفسير، فلا مناص لنا من تحكيم العقل، والعقل فى ظنى يرى مثالب كثيرة فى النقاب.

الدين والأخلاق يدعوان بالطبع إلى ضرورة الاحتشام، من جانب المرأة والرجل على السواء، وهذا هو أيضا ما يقول به العقل، ولكنى أجد صعوبة فى وصف ارتداء النقاب بأنه مجرد احتشام. إنه يذهب إلى أبعد من هذا بكثير، حتى ليكاد يصل إلى حد الانسحاب من الحياة الاجتماعية بأسرها، وانكفاء الشخص على نفسه متى خرج من بيته. وهذا الانسحاب موقف غريب جدا وغير مفهوم. غريب لأنه يصل إلى درجة منع الناس من معرفة ما إذا كان الشخص المتنقب رجلا أو امرأة، فتاة صغيرة أو عجوزا. فإذا سمحت المنقبة لشخص من غير أقاربها بأن يسمع صوتها، أو أن يتبادل معها الكلام، فهى لا تسمح له بأن يعرف وقع كلامه فى نفسها، إذ لا تسمح له بأن يرى ما يطرأ على أسارير وجهها من تغييرات، مع أن هذا، فيما أظن، من حقه، ومن ضرورات التواصل الإنسانى الطبيعى. كيف يؤدى الأستاذ مثلا وظيفته فى تدريس مجموعة من المنقبات، دون أن يعرف وقع كلامه فى نفوسهن؟..

وكيف تتعامل المنتقبة، إذا كانت موظفة فى الحكومة، مع من يتردد عليها لأداء شأن من شئونه؟.. وكيف تمارس المنتقبة عمليها كطبيبة فى تعاملها مع المرضى.. إلخ؟.. أم أن المنتقبة يجب فى الواقع أن تقضى معظم حياتها داخل بيتها، ولا تخرج منه إلا للضرورة القصوى؟.. فلماذا كل هذه القسوة فى معاملة المرأة؟

وهل هذا كله ضرورى حقا لحماية المرأة والرجل من الفتنة؟.. هل أى شعور مصدره الغريزة الجنسية هو شعور قبيح دائما ومن ثم وجب وأده؟.. أم أن القبح هو فقط فى العجز عن ضبط النفس حتى لا يؤدى هذا الشعور إلى ارتكاب فاحشة أو معصية؟.. ما كل هذه القسوة فى النظر إلى مشاعر الإنسان الطبيعية؟.. وهذا الميل إلى انكار الطبيعة الإنسانية؟.. إن التحضر لا يعنى قتل الرغبة، بل القدرة على السيطرة عليها وتوجيهها إلى تحقيق حياة سعيدة وجميلة.

والإصرار على ارتداء النقاب فيه إهانة للرجل والمرأة على السواء، إهانة لكل رجل عابر لأنه ينطوى على اعتباره غير قادر على التفكير فى أى شىء غير الجنس، وإهانة للمرأة غير المنتقبة لأنه ينطوى على اتهامها بعدم مراعاة الحشمة الواجبة. وارتداء النقاب يؤدى إلى أى حال إلى فتح موضوع الفتنة الجنسية كلما كان موصدا، كان موصدا، وإعلان مستمر بأن الشاغل الأعظم لنا جمعيا يجب أن يكون تجنب هذه الفتنة.

ولكن هناك جانبا آخر لهذه القضية. فالغريزة الجنسية بطبيعتها لا يثيرها فقط ما يراه المرء بعينيه، بل قد يثيرها الصوت وكذلك مجرد التخيل. ومن ثم فمنع العينين من الرؤية لا يكفى دائما لتجنب الانجذاب نحو الجنس الآخر. فماذا نحن فاعلون إذن، إذا افترضنا أن الإنسان لا يستطيع السيطرة على مشاعره، ولا بد أن يرتكب الخطيئة بمجرد أن يشعر الانجذاب إلى الجنس الآخر؟.. هل يكفى حقا حجب الجسم عن العين؟.. أم يجب أيضا منع الصوت من الوصول إلى الأذن؟.. فإذا سارت المرأة المنتقبة، والتزمت الصمت، فلم ترها عين ولا سمعت صوتها أذن، فكيف نتجنب مع ذلك الفتنة التى قد تنتج عن مجرد التخيل؟.. خاصة أن الخيال ينشط عادة إذا منعت الحواس من العمل؟

الأرجح، والحال كذلك، أن الخيار المتاح أمامنا هو بين شيئين لا ثالث لهما: إما محاولة التدرب على ضبط النفس، أو البحث عن طريقة لاستئصال الغريزة الجنسية من أصلها. 

السبت، 10 أكتوبر 2009

مجتمع طبقي جدا

الشروق - السبت 10 أكتوبر 2009

كلما عدت إلى مصر، بعد غياب طويل أو قصير، راعنى بمجرد أن تطأ قدماى أرض المطار، مظهر وآخر من مظاهر المجتمع الطبقى. موظفون صغار فى انتظار موظفين كبار، شخص يحمل جوازات سفر لمجموعة مهمة من الناس ويقوم بتشطيب إجراءات الجوازات بالنيابة عنهم ليخرجوا من المطار قبل غيرهم، مستخدمون لدى شركات السياحة هم فى الأغلب خريجو جامعة لم يجدوا وظيفة أفضل من أن يحملوا اسم شركتهم ليراها الركاب العائدون... إلخ.

بمجرد أن شرعت فى وضع حقائبى فى الأتوبيس الذى يحملنا من المطار إلى موقف السيارات، انشقت الأرض عن شابين سرعان ما أصبحا ثلاثة، ثم أربعة يتنافسون على مساعدتى أنا وزوجتى فى حمل الحقائب. ثم بمجرد أن وقف الأتوبيس وشرعت فى إنزال الحقائب، انشقت الأرض مرة أخرى عن أربعة شبان آخرين يتنافسون على نفس العمل.

لاحظت أن المتنافسين على القيام بهذه المهمة لا يبدو ما كان يبدو قديما على الشيالين فى مصر. فثيابهم الآن أفضل، وسنهم أصغر، ولكن الذل البادى على وجودهم أفظع مما كان يبدو على وجوه الشيالين القدامى.

اعترانى كالعادة فى مثل هذا الموقف شعور بالذنب، لم أكن أشعر به طوال وجودى بالخارج. فالعائد من دولة أوروبية أو الولايات المتحدة، أو حتى من أى بلد عربى آخر، لا يصادف مثل هذا الموقف أبدا. نعم، هناك بالطبع الغنى والفقير، ولكن ليس بهذا الشكل. نعم، يمكن تقسيم المجتمع هناك إلى طبقات، ولكن ليس هناك مثل ما تراه فى مصر، منذ أول لحظة وصولك إليها، من مزايا يحصل عليها علية القوم، ومذلة الطبقة الدنيا.

المجتمع الطبقى قديم جدا بالطبع، سواء فى مصر أو فى العالم، ولكنه لم يكن دائما يسبب مثل هذا الشعور بالذنب من ناحية ولا كل هذه المرارة فى الناحية الأخرى.

فحتى وقت قريب جدا، ظل علية القوم يعتقدون بإخلاص أنهم يستحقون ما يعيشون فيه من نعيم، إما لأنهم من جنس مختلف أو لأن لون بشرتهم أفضل، أو لأنهم من عائلات ممتازة، أو حتى لمجرد أنهم يملكون أطيانا زراعية شاسعة. وفى جميع الأحوال كانوا يعتبرون هذا الثراء والتميز عن غيرهم دليلا على رضا الرب عنهم.

والطبقة الدنيا ظلت حتى وقت قريب جدا تقبل هذا التفسير وكأنه من المسلمات: «نعم، نحن من جنس ردئ أو لون بشرتنا بشع، أو ولدنا فى عائلات وضيعة لا تملك جاها ولا أرضا، مما يدل على غضب الله علينا لسبب أو آخر».

حدث خلال المائة عام الماضية ما بدد هذه الأفكار أو أضعفها بشدة فى الناحيتين: فلا الجنس ولا اللون ولا السلالة أو التاريخ ولا الدين يمكن أن يبرر هذا التميز الطبقى.

والمسألة كلها ظلم فى ظلم. والذى زاد الأمر سوءا أن كل شىء أصبح معروفا: كل الفقراء يعرفون بالضبط كيف يعيش الأغنياء، إن لم يكن بسياراتهم الفارهة فى الشوارع، فمن خلال شاشة التليفزيون، بل ويعرفون أن علية القوم لم يحصلوا على كل هذا الترف إلا بالنصب.

كان لابد أن يثرى الشعور بالمرارة فى جانب، وبالذنب فى الجانب الآخر، حتى لو تظاهر الجميع بغير ذلك.

«أنا أعرف جيدا كيف حصلت على أموالك أو منصبك»، هكذا يقول القابعون فى أسفل السلم فى أنفسهم، بينما يعرف الآخرون، وإن لم يفصحوا عن ذلك قط، أنهم فى الأساس محتالون، لم يحصلوا على مراكزهم إلا بالقوة أو بالنصب.

فى مناخ كهذا، ليس غريبا أن تنمو أشياء كثيرة مما نضج منه بالشكوى، أنواع جديدة وغريبة من الجرائم، التحرش الجنسى التعصب والتشنج الدينى... إلخ. 

السبت، 3 أكتوبر 2009

فاروق حسني واليونسكو.. أصلها عزبة!

الشروق - السبت 3 أكتوبر 2009

السيد فاروق حسنى وزير الثقافة المصرى. لم يتصرف فى موضوع لرئاسة اليونسكو، التصرف اللائق بوزير فى دولة لها بعض المبادئ التى تلتزم بها، وتستوحى مواقفها من مشاعر شعبها، فلا تقابل أعداءها مثل ما تعامل أصدقاءها، ولا تنفق أموال شعبها بلا ضابط أو شعور بالمسئولية.

بالعكس من ذلك، كانت تصرفات وزير الثقافة فى هذا الموضوع، كما لو كانت الوزارة والدولة كلها عزبته الخاصة أو عزبة والده. فجاءت قصة الترشيح والانتخاب محزنة للغاية، من أولها إلى آخرها.

عبر فاروق حسنى لرئيس الجمهورية عن رغبته فى الترشيح لرئاسة اليونسكو، وطلب منه المساعدة فوافق الرئيس ووعد بمساعدته.

هكذا سمعنا عن هذا الأمر لأول مرة. لم نسمع أن الدولة المصرية فكرت فى ترشيح مصرى لهذا المنصب الرفيع، فاستعرضت بعض الأسماء من كبار المثقفين المصريين من ذوى السمعة الدولية الطيبة، ومن أصحاب المواقف المعروفة فى خدمة الثقافة العربية، وفى معارضة الخطط الصهيونية والأمريكية التى تهدد الهوية العربية أو التراث العربى والإسلامى، وتحاول تغيير مناهج التعليم فى البلاد العربية على نحو يهدد هذه الهوية وهذا التراث.

سمعنا فقط عن رغبة فاروق حسنى فى تقلد الوظيفة وعن استجابة الرئيس لرغبته. الأمر إذن شبيه بتصرف صاحب عزبة فى عزبته أو عزبة والده. الطفل المدلل لديه رغبة مثلا فى الزواج من فتاة جميلة من أسرة ثرية ولها خطاب كثيرون، فلابد من دعمه ومساعدته، ولابد من تجنيد أهل العزبة كلهم لتحقيق غرضه، وإيرادات العزبة كلها توضع تحت تصرفه مادامت تخدم هذا الغرض.

ظل أهل العزبة، بمن فيهم الفلاحون المساكين، ما يقرب من عام بأكمله، لا يسمعون إلا عن رغبة الابن المدلل فى الزواج.

الابن يتقدم للترشيح، الابن يسافر، الابن يعود. الرئيس المصرى يكلم الرئيس الأمريكى فى الموضوع، الرئيس المصرى يطلب من العدو الإسرائيلى ألا يخلق مشكلات للابن المدلل، العدو الإسرائيلى ينتهز الفرصة فيطلب مقابلا لذلك من الرئيس المصرى وإن كنا لا نعرف ما الذى طلبه بالضبط. وزير الخارجية المصرى يترك أعماله ليقوم بالاتصالات الواجبة للحصول على الدعم للابن المدلل. الرئيس المصرى ووزير خارجيته يستخدمان ثقل دولتهما لإقناع الدول العربية الأخرى بعدم ترشيح منافس للمرشح المصرى. كبار موظفى وزارة الثقافة يتركون أعمالهم للتفرغ لحملة الوزير. الحربية التى تصدرها الوزارة، نتابع أخبار الحملة يوما بيوم، ونتحدث عن أمجاد الوزير وإنجازاته. المثقفون المصريون يطلب منهم الكتابة فى الصحف تأييدا له.. إلخ.

ولأن الوزير يعرف أهمية الدور الصهيونى فى الدعاية فى الغرب، وفى التأثير على صنع القرار فيها، لم يدخر الوزير جهدا لكسب إسرائيل والصهيونية إلى صفه، بصرف النظر عما إذا كان هذا هو أيضا رأى شعبه. فالوزير يسافر إلى ندوات ولقاءات فى أوروبا يعبر خلالها بطرق مختلفة عن حبه لليهود وأسفه على ما حدث لهم منذ سبعين عاما فى ألمانيا، وعن حبه للسلام بصفة عامة، وتقديره «للآخر»، أيا كان هذا الآخر، ويدلى بتصريح لجريدة الديلى تليجراف البريطانية بأنه إذا كان بمنصب مدير اليونسكو لن يمانع فى زيارة إسرائيل أو التعامل معها. وباعتباره رئيسا المسئول عن المشروع القوى للترجمة يوغر إليه بترجمة كتب لمؤلفين إسرائيلين، وكما يعد باستكمال مشروعات ترميم الآثار اليهودية، ويعطى الجائزة التقديرية لشخص لا يحظى بتقدير المثقفين المصريين ولكن يحظى برضا الإسرائيليين.

وتخطر بباله أيضا فكرة جهنمية، وهى دعوة مايسترو إسرائيل لقيادة فرقة موسيقية فى دار الأوبرا المصرية. كانت هذه أول مرة يحدث فيها مثل هذا، مما كان لابد أن يدخل السرور الفائق فى نفوس الإسرائيليين وأن يصيب بالغم كل من يسمع بالأمر من المصريين. ولكن لا شىء يقف فى وجه الابن المدلل، إذ إن كل شىء ممكن، بل ويجند الوزير عددا من المثقفين المصريين لحضور الحفلة الموسيقية باسم غرامهم بالموسيقى الكلاسيكية وحبهم للسلام فى نفس الوقت، ويدفعهم دفعا لكتابة ما معناه أنه ليس هناك أى غضاضة فى ذلك.

هذه الحفلات والتنقلات كلها، من بلد لآخر، لابد أن تكون باهظة التكاليف، فمن الذى سيخبرنا يا ترى بما تحملته خزانة الدولة ووزارة الثقافة من هذه التكاليف؟ وهل مجرد دعم الرئيس للوزير كاف للموافقة على صرف كل هذه الاعتمادات؟

سمعنا أن جزءا من هذه التكاليف تحمله رجل أعمال شهير وبالغ الثراء، كان يتنقل مع الوزير من مكان لآخر، ورأينا صورته فى التليفزيون أكثر من مرة وهو يسير إلى جانب الوزير.

فما هو يا ترى النفع العائد على رجل الأعمال الشهير هذا، من وراء هذا الدعم المطلق؟ هل هو حرص رجل الأعمال على أن يتولى وزير مصرى أو عربى أو مسلم رئاسة اليونسكو لخدمة الثقافة العربية أو الإسلامية؟ وهل نضمن أن هذه المصاريف التى تحملها رجل الأعمال عن طيب خاطر لن تترتب عليها أعباء تقع على عائق سائر المصريين؟

لا يعلم أحد بالضبط السبب فى فشل كل هذه الجهود، لا أرجح أن السبب معارضة إسرائيل والصهاينة، ولا حتى معارضة الولايات المتحدة. فكلاهما يعرفان جيدا أن فاروق حسنى يمكن أن يقوم بخدمات رائعة لكل منهما، أكثر بكثير من المرشحة البلغارية التى نجحت بالفعل. فالعربى المتهاون فى حقوقه والمستعد للتعاون أفضل بكثير فى نظر إسرائيل من أوروبى لا صلة مباشرة له بالصراع العربى الإسرائيلى، بل وقد يتخذ هذا الأوروبى موقفا مضادا لإسرائيل مدفوعا ببعض المبادئ الإنسانية المجردة وبعض المثل العليا.

أيا كان سبب السقوط فهو بالتأكيد ليس معاديا الصهيونية والأمريكيين له كما ندعم الوزير بعد عودته، فقد فعل كل ما يستطيع وكسب ودهم قبل الانتخابات وأكد استعداده لأن يفعل أكثر فى حالة فوزه.

طبعا لابد أن يقول الوزير مثل هذا بعد فشله فى الانتخابات، إذ يحاول الآن كسب المصريين إلى صفه بعد أن لم يبق له إلا وزارة الثقافة المصرية. الأكثر مدعاة للدهشة هو القول الذى نسبه الوزير لرئيس الجمهورية المصرى، إذ قال الرئيس له أثناء مواساته بعد سقوطه «ارمى ورا ضهرك!»، أى لا تجعل ما حدث يصيبك بأى حزن، ولتركز فى المستقبل، أى مستقبلك فى وزارة الثقافة. المدهش فى هذا القول إن الرئيس المصرى عامل الموضوع مرة أخرى وكأنه شأن خاص يتعلق بمصلحة فاروق حسنى الشخصية. لقد خسرت مصر موقعا مهما فى مؤسسة دولية رفيعة، وكان من الممكن جدا أن تكسبه لو لم تتم إدارة الموضوع كله وكأننا بصدد عزبة خاصة ومصلحة خاصة للابن المدلل.

وهذه الخسارة كانت جديرة بأن تشعرنا جميعا، ومعنا رئيس الدولة بالطبع، بالأسف على ما ضاع من يد مصر، ولكن ها هو الموضوع ينظر إليه على أنه نكسة صغيرة تحدث لابن عزيز، لابد من مواساته، رغم كل ما فعله وبدده من جهد وأموال المصريين، وأقل ما يجب عمله وللتخفيف من أحزانه، تركه فى منصبه الرفيع فى مصر لمدة 22 سنة أخرى. 

الجمعة، 11 سبتمبر 2009

ذكريات عن 11 سبتمبر

الشروق - الجمعة 11 سبتمبر 2009

اليوم تكتمل ثمانى سنوات على وقوع ذلك الحادث المروع فى 11/9/2001: سقوط البرجين الشاهقين لمركز التجارة العالمى فى نيويورك، وتفجير وزارة الدفاع الأمريكية فى واشنطن، كنا نظن وقتها أن فظاعة الحادث تتمثل فى سقوط عدد كبير من القتلى الأبرياء الذين كانوا وقت التفجير فى داخل البرجين أو فى وزارة الدفاع «قيل فى البداية أن عددهم سبعة آلاف ثم ظهر أنهم نحو ألفين».

ولكن مع مرور الوقت تبين أن فظاعة الحادث الحقيقة تكمن فى شىء آخر، وهو اتخاذه مبررا من جانب الحكومة الأمريكية للقيام بأعمال أكثر بشاعة فى أفغانستان ثم فى العراق، واتخاذه مبررا أيضا لشن حملة شعواء لتشويه سمعة العرب والمسلمين، اتخذت أيضا من جانب إسرائيل لتبرير أعمال القتل والتعذيب للفلسطينيين.

كان لفظ «الإرهاب» قد بدأ استخدامه قبل الحادث، ولكنه بعد 11 سبتمبر أصبح شعار العصر، تشن الحروب باسمه، وتبرر باسمه سياسات القمع الداخلى، حتى فى داخل الولايات المتحدة نفسها، ويبرر باسمه أيضا الاستمرار فى إنتاج وبيع الأسلحة على الرغم من زوال الخطر الشيوعى، وشاع ترديد لفظ الإرهاب فى وسائل الإعلام حتى صدق الناس أنه ظاهرة حقيقية وخطيرة، على الرغم من أنه لفظ بالغ الغموض وخال من المضمون، ويمكن استخدامه لوصف أى عمل لا يعجب القائمين «بمكافحة الإرهاب».

لم يستغرق التحقيق فى الحادث أكثر من ساعات قليلة «بفرض أن كان هناك أى تحقيق علي الإطلاق» أعلنت بعدها أسماء وصور المتهمين بهذا العمل، فإذا بهم كلهم إما سعوديون أو مصريون، وكانت الأدلة المعلنة على هذا الاتهام من الضحالة والسخف، بحيث وصفت بعد قليل فى تقرير قانونى بريطانى بأنها لا تكفى حتى لتقديم أى شخص للمحاكمة، ناهيك عن إدانته.

مما أذكره أنه بعد 11 سبتمبر بأيام قليلة، أدلى الرئيس حسنى مبارك تصريح مؤداه إنكار ما تزعمه الإدارة الأمريكية من أن الذين قاموا بتفجيرات نيويورك وواشنطن هم من العرب أو المسلمين. وبعد هذا بيوم أو يومين نشرت جريدة الأهرام المصرية مقالا لأستاذ مصرى بكلية الهندسة يشرح فيه كيف أن من الممكن جدا أن يكون تفجير الطائرات قد تم بعمل من الأرض وليس بعمل إرهابيين من داخل الطائرة، ولكن الرئيس المصرى سافر فجأة إلى فرنسا لمحادثات مع الرئيس الفرنسى، ومنذ ذلك التاريخ لم ينبس أى مسئول مصرى بأى تصريح ينكر فيه التفسير الرسمى الأمريكى للأحداث، كما امتنعت وسائل الإعلام الرسمية فى مصر عن ذكر أى تفسير يتعارض مع هذا التفسير، صراحة أو حتى بمجرد التلميح.

لم يستمر تصديقى للرواية الرسمية لأحداث 11 سبتمبر أكثر من يوم واحد، استقر رأيى بعده على أنه لا العرب ولا المسلمون هم الذين ارتكبوا هذا العمل أو خططوا له. إذ بدت لى أسباب واضحة كالشمس تلقى بالمسئولية على غيرهم. لم يظهر لى أى سبب وجيه لتصديق ما تقوله الإدارة الأمريكية ووسائل الإعلام المسايرة لها، لا قدرات المتهمين الشخصية على ارتكاب هذه الأعمال الجهنمية، ولا شخصية المستفيدين الحقيقيين من هذه الأعمال، ولا السرعة التى تم بها توجيه الاتهامات رغم خطورة ما حدث، ولا ما عرفناه بعد هذه الأحداث من معلومات عن مشروع القرن الأمريكى الجديد الذى ذكرت فيه حاجة الولايات المتحدة الماسة إلى حدوث حادث من هذا النوع، ولا ما تبع الأحداث مباشرة من استعدادات للهجوم على أفغانستان، ثم على العراق، دون ظهور علاقة بين أحداث سبتمبر وهذين الهجومين، مع إصرار الإدارة الأمريكية على وجود هذه العلاقة.. إلخ.

******

تلقيت دعوة بعد 11 سبتمبر بخمسة أسابيع لالتقاء السفير الأمريكى «الذى رقى فيما بعد إلى وظيفة مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس» بمنزل الملحق الثقافى الأمريكى بالقاهرة «فى 22 أكتوبر 2001»، مع عدد لا يزيد على أربعة أو خمسة من الكتاب المصريين، وذهبت متشوقا لسماع ما يمكن أن يكون السفير راغبا فى قوله للمثقفين للمصريين.

وقد علمت فيما بعد أن مثل هذا اللقاء قد تكرر بين السفير ومجموعة صغيرة بعد أخرى من المثقفين والكتاب. ولم يكن من الصعب اكتشاف الغرض من هذه الدعوات. فقد خرجت من هذا اللقاء مقتنعا بأن توجيهات جاءت إلى السفير الأمريكى فى القاهرة، ولابد أن مثلها قد وجهت إلى سفراء الولايات المتحدة فى عواصم كثيرة أخرى، خاصة العواصم العربية والإسلامية، مضمونها أن من الضرورى إفهام الكتاب والصحفيين ممن يمكن أن يتناولوا أحداث 11 سبتمبر بالتعليق والتفسير، أن الحكومة الأمريكية لن تقبل بأى حال أى تفسير لهذه الأحداث يتعارض مع تفسيرها. وقد دعم ما رأيته من شدة لهجة السفير وحدته وقسوته فى الكلام معنا، اعتقادى بصحة هذا التفسير الذى وصلّته إليه، والذى يتعارض تماما مع التفسير الأمريكى الرسمى. فى اليوم الثانى لهذا اللقاء بالسفير الأمريكى دونت ملخصا لما دار من نقاش، وفيما يلى بعض ما دونته.

بدأ السفير كلامه بقوله: «ما الذى يمكن أن تطلبوا من سفير الولايات المتحدة أن يفعله فى هذه الظروف التى تمر بها؟ ما تفسيركم لكون هذه المنطقة «يقصد العربية»، دون أى منطقة أخرى فى العالم، تتخذ هذا الموقف المدهش والمرفوض تماما، مما حدث «يقصد الحادث الإرهابى». فعندما يموت كل هذا العدد الكبير من الناس فى 11 سبتمبر، لا يبدو منكم أى تعاطف، ولكن عندما تسقط بضع قنابل، عن طريق الخطأ، على المدنيين فى أفغانستان، تجدون فى هذا عملا فظيعا لا يمكن أن يغتفر.

كذلك فإنكم لا تبدون أى تعاطف إزاء مقتل عدد من الشباب الصغار فى ملهى للرقص فى إسرائيل «بأعمال إرهابيين».

طوال عشر سنوات من أعمال العنف فى أفغانستان، التى وقعت فى أعقاب انسحاب الاتحاد السوفييتى من هناك، وتقتيل الناس بعضهم بعضا «وكذلك فى الجزائر»، لا يصدر عنكم أى شجب أو تعبير عن الغضب، ولا تفعلون أى شىء للتعبير عن إدانة هذه الأعمال، ولكن عندما نتدخل نحن، تتصرفون وكأن هذه نهاية العالم.

نعم، إنى أعترف أننا «أى الولايات المتحدة» نتصرف أحيانا وكأننا نكيل بكيلين، ولكنكم أيضا تفعلون نفس الشىء».

قلت له، بعد أن بقيت صامتا مدة طويلة أستمع فيها إلى ردود الآخرين:

«إنكم دولة عظمى، وتتصرفون باعتباركم كذلك، وأنا لن أحاول إلقاء مواعظ «حول كيف يجب أن تتصرف دولة عظمى»، ولن أقول أن عليكم مراعاة المبادئ الأخلاقية فى تصرفاتكم. فليس هناك دولة عظمى تفعل هذا، لا فى الحاضر ولا فى الماضى، ولكنى سأقول فقط إن توحدكم التام مع إسرائيل جعلنا، نحن العرب والمسلمين، ندفع ثمنا باهظا، إنكم تشهرون بنا، وتشوهون سمعتنا أمام العالم كله، لمجرد أن هذا يخدم مصالح إسرائيل.

إننا شعب كريم وطيب، ونحن آخر من يغتبط بمصائب الآخرين.. ولكن كيف يكون شعورنا إزاء أحداث 11 سبتمبر؟ فى نفس وقت وقوع هذه الأحداث ارتكب الإسرائيليون أعمالا فظيعة ضد الفلسطينيين، ليس فى الشهر أو الأسبوع السابق بل فى نفس الوقت، وننظر فنراكم تقفون دائما فى صف إسرائيل، ما الذى يمكن أن تتوقعوا أن نشعر به؟ إن العقل الإنسانى لا يعمل فى جانبين مختلفين: جانب يتعامل مع ما يحدث للفلسطينيين، وآخر مع ما يحدث للأمريكيين، لا يمكن الفصل بين الاثنين.

إنكم تسيطرون على وسائل الإعلام، ليس فقط فى داخل الولايات المتحدة بل فى العالم كله، وقد استخدمتم ذلك لتشويه سمعتنا، نحن العرب والمسلمين.

إنى لا أصدق أن بن لادن هو الذى فعل هذا. إن «الأدلة» التى قدمتموها «لإثبات» ذلك لا تكفى حتى لتقديمه للمحاكمة، ناهيك عن إدانته. «هنا أضاف مصطفى كامل السيد ووليد قزيها، أستاذ العلوم السياسية، أن التسعة عشر شخصا الذين اتهموا بتنفيذ الانفجارات ثبت أن بعضهم لازال على قيد الحياة».

إنى أعتقد فيما يسمى «بنظرية المؤامرة»، ولا يمكننى أن أشرح لك ما أقصده بذلك بالضبط أثناء تناولنا العشاء «قال المضيف ضاحكا: ربما أثناء تناول القهوة!».

ما هذا الذى تقولونه عن «أشخاص» شلهم ملامح شرق أوسطية؟» إن أى شخص له «ملامح شرق أوسطية» تعتبرونه مجرما «باستثناء الإسرائيليين بالطبع». هذا موقف عنصرى مائة فى المائة.

ما الذى تتوقعون أن يشعر به رجل الشارع فى مصر عندما يراكم تلقون بالقنابل على المسلمين، وتهددون العراق ولبنان وسوريا.. إلخ، وهم أشقاؤه العرب والمسلمون؟ طبعا لابد أن يشعر أهل «هذه المنطقة» شعورا مختلفا عن شعور الآخرين، لأن فى هذه المنطقة يعيش العرب والمسلمون.

هل خطر ببالك مرة أن الأعمال الإرهابية التى تحدث فى مصر قد تكون من فعل الموساد؟ خذ مثلا مذبحة الأقصر «1997». إن المصريين لا يمثلون بالجثث بعد قتل أصحابها.

أو خذ حادث الاعتداء على نجيب محفوظ، إنه آخر شخص يمكن أن يثير غضب المتطرفين الإسلاميين، والمطلوب منا أن نصدق أنه اعتدى عليه بسبب رواية نشرها فى 1959 «أى قبل الاعتداء عليه بخمسة وثلاثين عاما»، وهو بالمناسبة لم يسمح بإعادة طبع الرواية منذ ذلك التاريخ. ولكنه بالطبع كان وسيلة ممتازة للتشهير بالعرب والمسلمين فى عيون العالم كله، إذ وقع الحادث فى نفس اليوم الذى أعلنت فيه جوائز نوبل، وكان محفوظ قد حصل على نفس الجائزة قبل ذلك بسنوات قليلة.

كيف ينتقد السيد الملحق الثقافى «الذى كان حاضرا» المثقفين المصريين لأنهم يقاطعون مقهى فى وسط البلد «كان قد ذكر مقهى بجوار مطعم الجريون، هل يقصد مقهى ريش؟» وهو الذى بدأ يقصده إسرائيليون من محبى السلام؟ ما الذى يتوقعه الملحق الثقافى؟ إن قليلين جدا من المصريين هم من يعتقدون أن هناك شيئا اسمه «إسرائيلى محب للسلام»، إذا عرفنا السلام تعريفا معقولا. «هنا اعترض د.طه عبدالعليم قائلا إن 50٪ من الإسرائيليين يريدون السلام، فرددت عليه بأنه واحد من هؤلاء المصريين القليلين جدا الذين يصدقون هذا، أنت ولطفى الخولى. تدخل هنا د.مصطفى كامل السيد قائلا إن جميع الإسرائيليين تقريبا يؤيدون شارون».

ما هى المعاملة التى يتوقع الملحق الثقافى منا أن نعامل بها الإسرائيليين وهم الذين سمموا كل جوانب حياتنا «السياسية والاقتصادية والثقافية» لمدة تزيد على خمسين عاما؟.

بعد انتهاء العشاء، حاولت أن ألطف الجو قليلا فحكيت للسفير قصتى مع أستاذى الإنجليزى ليونيل روبنز، أثناء دراستى فى لندن، عندما بدأت أنتقد له السياسة الإنجليزية وكيف أدت إلى تعطيل التصنيع فى مصر فى فترة الاحتلال فأجابنى روبنز بقوله «إن هذا ليس صحيحا على الإطلاق، لقد كنت أعمل وقتها فى وزارة الخارجية البريطانية ولم يحدث بالمرة شىء كهذا!». «كنت أقصد برواية هذه القصة للسفير الأمريكى أن أقول له إن أشخاصا طيبين للغاية ــ مثل روبنز مثلا ــ وربما مثله هو أيضا ــ قد لا يكونون واعين بالمغزى الحقيقى لما تفعله حكوماتهم بشعوب أخرى، رغم وظائفهم التى يظنون أنها قريبة من مراكز صنع القرار».

رويت له أيضا نكتة أخرى عن الفرق بين العمل الإرهابى وغيره، وهى أن الشخص إذا ضرب أحد المبانى من الجنب فهو إرهابى، ولكنه ليس إرهابيا إذا ضربه من فوق!.

قرب نهاية اللقاء قال السفير:

«إذا كان هذا هو شعور الناس فى هذه المنطقة، فيجب أن تتوقعوا أن يجرى عزلهم «Being isotated» عن بقية العالم.. «كان هذا تهديده الأول».

وأضاف:
«إذا كان الأمر كذلك إذن، فإن على أن أنصح حكومتى بأن تسعى لحل المشكلة الفلسطينية ثم تنسحب بعد ذلك تماما إلى داخل حدودها، ولا يكون لها شأن بالمرة بعد ذلك بهذه المنطقة.. «يقصد المساعدات الاقتصادية.. إلخ» «كان هذا هو تهديده الثانى».

الذى أدهشنى جدا أننا قبيل انصرافنا، وبعد أن قلت له نكتتى عن الإرهاب، اقترب منى وهمس فى ذهنى قائلا إنه لو لم يوجد سيدات فى الغرفة لقال لى نكتة لطيفة عن بن لادن، ولكنها ليست نظيفة تماما!، قلت لنفسى إنه على الرغم من كل شىء إنسان طيب، ولا يختلف كثيرا عن غيره من الناس.

الخميس، 18 يونيو 2009

زيارة أوباما.. وعالم جورج أورويل

الشروق - الخميس 18 يونيو 2009

لا يخفى على من قرأ رواية جورج أورويل الشهيرة «1984» أن الرقم الذى اختاره أورويل عنوانا للرواية لا أهمية له على الإطلاق.

كان كل ما يقصده أورويل أن يحذر مما يمكن أن يأتى به المستقبل، أو أن يقول إن النهاية الطبيعية لمسار المجتمع الحديث، كما كان يراه وقت كتابته للرواية، سيئة للغاية، ما لم نتدخل لتغيير هذا المسار قبل فوات الأوان. كان يكتب الرواية خلال سنة 1948، واختار الرقم 1984 اختيارا عشوائيا للدلالة على وقت ما فى المستقبل، ولم يكن هناك ما يمنع من أن يختار سنة أخرى فى المستقبل كسنة 2009 مثلا.

أما وقد اختار سنة 1984، فكان من الطبيعى عندما تحل تلك السنة «بعد نشر الرواية بثلث قرن» أن يتناقش الناس حول ما إذا كانت نبوءات أورويل قد تحققت، وما إذا كنا قد وصلنا بالفعل إلى ذلك المجتمع الرهيب الذى تصوره الرواية. أذكر أن من بين الكتّاب القليلين جدا الذين قالوا: «نعم، إن نبوءات أورويل قد تحققت، وأن ما حذرنا منه قد وقع بالفعل، على الأقل فى جوهره»، الكاتب الأمريكى العظيم ناعوم تشومسكى، وقد فرحت عندما وجدت رأى تشومسكى فى هذا الأمر مثل رأيى، إذ كنت أكنّ لتشومسكى دائما تقديرا شديدا، فسرنى أن ظنى لم يخب فى هذه المرة أيضا.

على أننى بعد قليل من التفكير، لم أستغرب أن يذهب معظم الكتّاب إلى عكس هذا الرأى، فينكرون أن تكون نبوءات أورويل قد تحققت، وأن يكون المجتمع الحديث قد أصبح فى 1984 بالفظاعة التى تصورها الرواية. وفسّرت هذا الموقف بأمرين: الأول أن «1984» هى فى نهاية الأمر رواية وليست تحليلا علميا، ومن الطبيعى أن يلجأ كاتب الرواية «أى رواية» إلى بعض المبالغة، وأن يختار من مظاهر الحياة التى يراها أمام عينيه بعضها ويتجاهل غيرها، وأن يعمد إلى «تكثيف» هذه المظاهر التى اختارها واعتبرها أكثر مغزى أو أكثر قابلية للبقاء من غيرها. «تكثيفها» بمعنى استخلاص الجوهرى منها والاستغناء عن التفاصيل وغير الجوهرى. العمل الفنى فى نهاية الأمر لابد أن ينطوى على اختيار وتأكيد واستبعاد وتضخيم لبعض جوانب الواقع دون غيرها، وإلا فما الذى يميز اللوحة الفنية لمنظر طبيعى، أو لوجه الإنسان، عن الصورة الفوتوغرافية؟

ولكن الحياة الواقعية لا تعرف عملية الاختيار والاستبعاد والتضخيم هذه، ومن ثم فمن الممكن جدا أن تخدعنا بعض التفاصيل التافهة، أو بعض المظاهر قليلة المغزى، وتحجب عنا رؤية المسار العام، أو التحولات المهمة فى حياتنا، فنظن ألا شىء مهم يحدث، بينما تحدث أمور بالغة الخطورة فى الحقيقة.

يذكرنى هذا بالخطابات التى كانت ترسلها لى أمى من مصر وأنا فى انجلترا، وكانت تختم خطاباتها عادة بعبارة «كل شىء على ما يرام»، وقد تضيف «ولا ينقصنا إلا رؤياك». ولكننى عندما استعرض الآن ما كان يحدث لأفراد العائلة فى فترة كتابتها لهذه الخطابات، أتعجب أشد العجب من خطورة وأهمية الكثير من هذه الأحداث، التى لم تسترع انتباه أمى مع ذلك، أو لم تدرك خطورته، فاعتبرت أن «كل شىء على ما يرام».

ولكن هناك سببا آخر لعدم ملاحظتنا لبعض الأشياء المهمة التى تمر بنا، غير كثرة ما نصادفه من تفاصيل صغيرة تحجب عنا الأهم منها، وهو مجرد «التعود». نحن للأسف كثيرا ما نتعود على أشياء سيئة جدا حتى نعتبرها من طبيعة الأمور، فنكف عن التأفف منها، ومن ثم لا نبذل أى محاولة لمقاومتها.

هذا فى رأيى ما حدث منذ ظهرت رواية أورويل فى سنة 1949 لقد حدثت بالفعل أشياء كثيرة مما توقعه، والصورة العامة التى رسمها زادت قتامة مع مرور الوقت، ولكن هذا التدهور صاحبته أحداث أخرى وتفاصيل كثيرة جعلت من الصعب علينا رؤية الاتجاه العام لمسار الحياة الحديثة، فضلا عن أننا تعودنا على أشياء سيئة كثيرة، فلم نعد نتأفف منها، واعتبرناها من طبيعة الأمور التى يتعين قبولها.

******

كان لابد أن تطوف بذهنى مثل هذه الأفكار بمناسبة زيارة الرئيس الأمريكى باراك أوباما للقاهرة فى 4 يونيو الماضى. جلست أمام التليفزيون منذ ظهور أوباما على الشاشة، وتتبعت مساره منذ بداية وصوله إلى قصر القبة لمقابلة الرئيس مبارك، ثم خروج موكبه من القصر، ثم طوافه فى مسجد السلطان حسن واستماعه لشرح ما يراه فى المسجد من سيدة مصرية/ أمريكية، ثم ظهوره فى قاعة الاحتفالات بجامعة القاهرة، ووقوفه وحده على المنصة، وإلقائه خطابه الموجه إلى المسلمين فى كل مكان، والذى استقبل استقبالا حافلا وغطته وسائل الإعلام فى سائر أنحاء الأرض.

شاهدت بعينى وسمعت بأذنىّ ما يدل على افتتان الناس الشديد بالرئيس الأمريكى الجديد، ثم قرأت فى الصحف ما يؤكد هذا الافتتان الشديد. وعبر كثيرون من بينهم من اعتبرهم من صفوة أصحاب الرأى فى مصر، عن آمال كبيرة فى أن يحقق هذا الرجل للعرب والمسلمين ما لم يحققه رؤساء أمريكا السابقون. تفاوتت درجة التفاؤل لدى هؤلاء، ولكنهم عبروا عن تفاؤل لا شك فيه فى أن يكون هذا الرئيس الجديد أفضل بكثير من سابقيه، حتى للعرب والمسلمين.

ولكننى لاحظت أيضا أننى شعرت بالحزن بعد انتهاء الخطاب، وبأننى أحتاج لفترة بعد أن أغلقت التليفزيون أحاول فيها أن أتبين مغزى ما رأيته بالضبط. ومرة أخرى قفزت إلى ذهنى رواية 1984 وعالم جورج أورويل.

******

فى أثناء إلقاء أوباما لخطابه سمعت صوتا يأتى من القاعة يهتف لأوباما بقوله «We Love you Obama» «نحن نحبك يا أوباما!». وكان هذا كافيا لتذكيرى بالرواية. فالرواية مليئة بالهتافات «للأخ الأكبر» Big Brother، وهو رئيس الدولة الخيالية، والهتافات فى الرواية هستيرية، اعتاد الناس عليها، فأصبحت تصدر منهم بلا تفكير، بل وبإخلاص. والرواية تنتهى بعبارة لا شك أن أورويل اعتبر أنها تلخص مغزى الرواية كلها، وهى تصف شعور بطل الرواية «وينستون» بعد أن تعرض لتعذيب فظيع وغسيل تام للمخ، وتحوّل إلى شخص جديد تماما، كره حبيبته وفقد أى رغبة فى رؤيتها، وتنتهى الرواية بأنه أصبح: «يحب الأخ الأكبر».

سألت نفسى عما إذا كان هذا معقولا؟ هل من المعقول أن هذا الذى رأيته على شاشة التليفزيون له علاقة بمضمون رواية 1984؟

هل معقول أن كل هذه المشاعر من الحب والتقدير والافتتان التى يشعر بها الناس نحو أوباما، لها صلة بمشاعر الناس فى رواية أورويل، ولها أسباب مماثلة؟ أخذت أستعيد ما رأيته وسمعته لمحاولة الإجابة عن هذا السؤال.

أوباما بلا شك رجل جذاب جدا، وفصيح للغاية. ولكن من قال إن «الأخ الأكبر» فى رواية أورويل لم يكن أيضا جذابا جدا وفصيحا؟ أريد أيضا أن أزعم أن جزءا كبيرا من جاذبية أوباما يرجع إلى أنه رئيس جمهورية، بل ورئيس جمهورية أغنى وأقوى دولة فى العالم، وأنه رئيس أسمر اللون فى دولة غالبية سكانها من البيض، ومن الذين كانوا حتى وقت قريب يسيئون معاملة الملونين. أن يصبح رجل أسمر رئيسا لجمهورية هذه الدولة، ويحاط بكل مظاهر الأبهة التى لم يكن يتصور أن يحظى بها إلا رجل أبيض، وأن تظهر بجواره زوجة شابة لطيفة، وسمراء مثله، وبنتان صغيرتان ضحوكتان، وينزل من سيارة مبهرة فيحييه جنود عظام ذوو بشرة بيضاء، ويُعزف له السلام الجمهورى.. الخ، كل هذا لابد أن يضفى عليه جاذبية تضاعف من أثر وجهه الوسيم. ولكن كل هذا لا يمكن أيضا أن يحدث أثره فى الناس إلا من خلال وسائل الإعلام التى لا عمل لها إلا تحول أشخاص عاديين إلى أبطال، ونساء متوسطات الجمال إلى نجوم.

هذه نقطة جوهرية فى رواية أورويل: ما تصنعه وسائل الإعلام بالناس، وكيف تتلاعب بعقولهم بالمبالغة أحيانا أو بمجرد التكرار، وبمختلف الحيل التكنولوجية التى توجد مشاعر الحب أو الكراهية، بطرق لا عقلانية بالمرة، كالجمع بين صورة الزعيم وصورة شىء جميل قد لا يمت للزعيم بصلة، أو ربط اسمه بخبر سعيد لم يكن هو السبب فيه، فضلا عن إظهار من يراد زيادة شعبيته فى أفضل صورة دائما، وتجنب تصويره فى أى موقف قد لا يبعث على الثقة.

خذ المثال الآتى: لقد بُهرت كما بهر الجميع بقدرة أوباما الخارقة على الخطابة والارتجال، وأدهشتنى كل الدهشة قدرته على إلقاء هذا الخطاب المتقن لمدة تقرب من الساعة، بترتيب رائع ومنطق أخّاذ، وقدرته على تذكر النقاط السبع التى احتواها الخطاب، فينتقل من الواحدة إلى الأخرى دون تردد أو أى جهد لمحاولة التذكر، مع خطورة ما يقوله، وما يمكن أن يترتب على أى خطأ صغير من إثارة مشكلات سياسية أو إغضاب دولة صديقة أو مجموعة من الناس لا يصح إغضابهم. يفعل كل هذا دون أى خطأ أو تلعثم، فيا له من رجل!

ذكرت هذا لصديق أمريكى له معرفة أكبر منى بكثير بما أحرزته تكنولوجيا الإعلام من تقدم، فابتسم وقال لى: إن الحقيقة ليست كذلك بالضبط. فعلى يمين أوباما وعلى يساره، فوق منصة قاعة الاحتفالات بجامعة القاهرة، يقف لوحان زجاجيان كبيران محدّبان لا يراهما الجمهور، بينما تجرى عليهما سطور الخطاب الذى يلقيه، على نحو يستطيع هو أن يقرأه وهو واقف فى مكانه، ناظرا مرة إلى اليمين ومرة إلى اليسار، فيبدو للناس وكأنه يرتجل الكلام أو يحفظه عن ظهر قلب، بينما هو لا يفعل أكثر من قراءة كلام مكتوب أمامه، وكأنه يقرأ من كتاب مفتوح.

******

لاحظت مما شاهدته من صور تتعلق بزيارة أوباما، على شاشة التليفزيون أو فى الصحف، منظر شوارع القاهرة التى مر بها الموكب وما سمعته عما فعله رجال الأمن من أجل تأمين سلامة الموكب تأمينا كاملا. الشوارع تبدو شبه خالية من الناس، وكذلك الشرفات، والنوافذ مغلقة. ثم عرفت أن هذا تم بأوامر مشددة من الشرطة، بل قيل إن سكان البيوت التى تطل شرفاتها على الموكب قد صدرت لهم تحذيرات من الظهور فى الشرفة وإلا حدث لهم مكروه. كل هذا عدا إغلاق مدارس وجامعات ونواد رياضية وتأجيل الامتحانات.. إلخ.

جرى هذا كله من أجل تحقيق رغبة رئيس دولة أجنبية فى إلقاء خطاب موجه «للعالم الإسلامى»، فى موعد تم تحديده من جانبه هو، وفى مكان اختاره مستشاروه ورجال أمنه، وبحضور مدعوين لم تحددهم الدولة «المضيفة» بل اختارهم رجاله هو من بين المصريين والأجانب، بصرف النظر عما إذا كانت حكومة الدولة «المضيفة» راضية عنهم أو غير راضية، وما إذا كانت دعوتهم تعتبر «تطبيعا» مع إسرائيل أو لا تعتبر كذلك.

هل كان هذا الرجل «الجذاب جدا» راضيا عن كل هذا، أو حتى أستشير فيه، أم فرضت كل هذا اعتبارات أمنية وتكنولوجية وسياسية عليا، أعلى حتى من الرئيس الأمريكى، ويصعب تشخيصها والتكهن بطبيعتها وكأنها إرادة إلهية؟
كل هذا ينتمى إلى عالم جورج أورويل، ولكننى تذكرت كيف كان الحال مختلفا فى سنة 1974، أى منذ نحو ثلث قرن، عندما جاء ريتشارد نيكسون رئيس الولايات المتحدة آنذاك لزيارة القاهرة فى أعقاب تحوّل السياسة المصرية من الولاء للسوفييت إلى الولاء للأمريكيين. اتخذت إجراءات أمن مشددة بالطبع، ولكنها لا يمكن مقارنتها بما اتخذ من إجراءات لحماية أوباما. فالشوارع ظلت مفتوحة، وسُمح للناس بالاصطفاف على الأرصفة وتحية الموكب من الشرفات، بل وظهر نيكسون فى سيارة مكشوفة إلى جانب الرئيس السادات، مع أن نيكسون لم يكن يحظى بجزء صغير مما يحظى به أوباما من شعبية لدى المصريين. ما الذى حدث يا ترى خلال ثلث القرن الماضى لبث كل هذا الخوف فى النفوس. لم تكن ظاهرة «الإرهاب» قد اخترعت بعد، ولكن هذه الإجراءات الأمنية المشددة لم تتخذ خوفا من الإرهاب، بل الأقرب إلى الحقيقة أن الإرهاب قد اخترع أصلا لبث الخوف. وأما الدافع الحقيقى إلى بث الخوف فى نفوس الناس فلم يشرحه أحد بأفضل مما شرحه أورويل فى رواية «1984».

ولكن أهم ما فى رواية «1984» ليس ما تبثه الدولة التكنولوجية الحديثة من خوف فى نفوس الناس، ولا قدرة السلطة على التجسس على الناس وهم جالسون فى بيوتهم، وتسجيل حركاتهم وسكناتهم، بما فى ذلك ما يسميه أورويل «جريمة الوجه» Face Crime أى أن ترتسم على الوجه مشاعر معادية للنظام بل الأهم من ذلك ما تمارسه السلطة من كذب مستمر على الناس والترويج لعكس الحقيقة بالضبط، مع إلباس الكذب والنفاق رداء الفضيلة. هكذا وجدت خطاب أوباما، وهذا هو ما بعث فى نفسى الحزن بعد انتهائى من سماعه. فهو يقول كلاما منسقا تنسيقا بديعا ولكنه مخالف مخالفة تامة للحقائق. يتظاهر بالجزع لمحرقة اليهود بينما هو يقول الكلام الذى طلب منه الإسرائيليون وأنصارهم أن يقوله، ويتظاهر بالتعاطف مع محنة الفلسطينيين دون أن يعد بتلبية مطلب واحد من مطالبهم، ويتظاهر بأنه لا يعرف الفرق بين المسئول عن محنة اليهود فى ظل ألمانيا النازية والمسئول عن محنة الفلسطينيين، ويتظاهر باحترام الإسلام وتبجيله دون أن يعد بشىء من أجل التخفيف من آلام المسلمين.

الكلام كله إذن جميل جدا، ولكنه مزيف تماما. وهو بالضبط ما عناه أورويل فى ملحق كتابه عن «اللغة الجديدة»، وما قصده عندما أشار إلى تسمية وزارة الحرب فى دولته الخيالية «بوزارة السلام»، وتسمية الوزارة المسئولة عن تزييف التاريخ وبث المعلومات الكاذبة «بوزارة الحقيقة». أما صياح أحد الحاضرين أثناء إلقاء أوباما بالخطاب «نحن نحبك يا أوباما»، فليس لدينا ما يؤكد أنه كان عملا تلقائيا يعبر عن شعور حقيقى أم أنه أيضا قد تم ترتيبه مقدما. ولكن سواء كان عملا تلقائيا أم مرتبا بفعل المسئولين عن ترتيب هذا المهرجان برمته، فإنه أمر محزن للغاية. 

السبت، 13 يونيو 2009

لماذا لَبِس أوباما العِمّة؟

الشروق - السبت 13 يونيو 2009

عندما أعلن عن عزم الرئيس الأمريكى الجديد باراك أوباما على زيارة القاهرة، قيل إن السبب رغبته فى توجيه خطاب إلى «العالم الإسلامى» ولم يقل إن الغرض إجراء مباحثات مع الرئيس المصرى، ولا توجيه خطاب إلى العالم العربى، بل للمسلمين.

والرئيس أوباما عندما جاء إلى القاهرة لم يتضمن على أى حال إلا مدة قصيرة للغاية مع الرئيس مبارك، ولا تحدث الاثنان، كما يحدث عادة، فى مؤتمر صحفى مشترك، بل كان واضحا أن مقابلته للرئيس المصرى كانت للمجاملة، تمت أساسا للمحافظة على المظاهر الضرورية، وكذلك للتعزية الواجبة فى وفاة حفيد الرئيس.

ولكن أوباما خرج من قصر القبة متجها إلى جامع السلطان حسن، فلماذا يا ترى اختير هذا المكان ليقضى فيه أوباما ساعة من ثمانى ساعات ثمينة هى كل ما سيقضيه فى القاهرة؟ لا يمكن أن يكون السبب حب أوباما للآثار الإسلامية، أو للآثار بصفة عامة.

بل لابد أن يكون لزيارة جامع السلطان حسن دافع سياسى أيضا، يتعلق بلا شك بما يراد للزيارة أن تحدثه من أثر، عن طريق وسائل الإعلام، على نفوس المسلمين فى مختلف أنحاء الأرض.

الصحفيون الذين يدعون للالتقاء بالرئيس الأمريكى، على قلتهم، يضمون صحيفة إندونيسية وأخرى ماليزية. والخطاب نفسه ملىء بالمقتطفات من القرآن الكريم، وأوباما يؤكد فيه على أن «حسين» جزء من اسمه، على الرغم من أنه تم تغيير ديانته وهو صغير وتعميده مسيحيا، وأنه قال الكثير أثناء حملته الانتخابية لتملق الكنيسة. لقد أخطأ خطأ بسيطا أثناء خطابه فقال «حجيب» بدلا من «حجاب» ولكن المسلمين الحاضرين غفروا له ذلك لكثرة ما عبّر عنه فى الخطبة من إعجاب بالإسلام ومبادئه، ولأنه حياهم فى بداية الخطاب ونهايته بالتحية الإسلامية الصحيحة «السلام عليكم»، وقال إن مما يشرفه أن يستضيفه فى القاهرة مؤسستان مرموقتان إحداهما الأزهر، «بالإضافة إلى جامعة القاهرة»، كما أشاد بدور الإسلام فى الحضارة الإنسانية.

أثناء ذلك كله تجاهل أوباما «متعمدا بلا شك» الإشارة إلى أى شىء «عربى»، فليس هناك اعتراف بأى شىء يجمع العرب، هناك فى المنطقة «أديان» ولكن ليس فيها «قوميات». ربما كانت القومية العربية مفيدة وتستحق التشجيع منذ خمسين أو ستين عاما، عندما كان من المفيد تعبئة العرب لطرد الانجليز والفرنسيين من ناحية، وضد الاتحاد السوفييتى من ناحية أخرى. (أو كما كانت بالطبع فى أوائل القرن العشرين عندما كان من المفيد تعبئة الشعور العربى ضد تركيا).

أما الآن فالعروبة معيار فاسد للتجمع والتكتل، إذ إنها توحى بوجوب التضامن مع الفلسطينيين وضد إسرائيل، بينما يؤدى التركيز على الدين الآن، إلى الاعتراف بحق اليهود فى دولة مستقلة مثل غيرهم من أصحاب الأديان الأخرى.

لقد تكررت الإشارة فيما كتب من تعليقات على هذا التودد من جانب أوباما للمسلمين، وعلى إشادته بالإسلام، إلا أن أوباما إنما يريد تصحيح أخطاء الرئيس السابق بوش الذى دأب على إغضاب المسلمين بإلحاحه على اقتران الإسلام بالإرهاب، حتى كاد يستقر فى الأذهان أن الإرهابى هو بالضرورة مسلم، والمسلم بالضرورة إرهابى، مما زاد من حنق المسلمين للولايات المتحدة، وأنه قد آن الأوان لتصحيح هذا الخطأ.

ولكننى لا أميل إلى تفسير سلوك أوباما فى مغازلة المسلمين بأنه مجرد اعتراف بخطأ سابق ورجوع إلى الصواب، بل يبدو لى أن ما كان ملائما فى فترة لم يعد ملائما فى فترة تالية، وأن الذى كان يخدم مصالح إسرائيلية وأمريكية فى عهد الرئيس السابق بوش، لم يعد هو أفضل الوسائل لتحقيق المصالح الإسرائيلية والأمريكية الجديدة. فما الذى جدّ؟

******

لقد انقضى ما يقرب من ثمانى سنوات على أحداث 11 سبتمبر، حدثت خلالها أشياء مهمة فى العالم. كان الاقتصاد الأمريكى يبدى منذ وقت طويل مظاهر الضعف، والتدهور المستمر فى المركز النسبى للاقتصاد الأمريكى فى العالم ككل. فى نفس الوقت كانت نجوم أخرى تصعد فى الاقتصاد العالمى، أهمها الصين ودول جنوب شرق آسيا، ثم انضمت إليها الهند، كما أخذت روسيا تستعيد عافيتها. وقد قوّت هذه التطورات من قلب إيران وشجعتها على مزيد من تحدى الإدارة الأمريكية، كما حاولت الصين وروسيا تقوية علاقاتهما بإيران كجزء من لعبة توازن القوى فى العالم ولتحقيق أهداف اقتصادية مهمة لهما، تتعلق أساسا بالبترول فى حالة الصين. زاد أيضا من ضعف الولايات المتحدة، عجزها عن تحقيق بعض الأهداف المهمة من احتلالها للعراق يرجع على الأرجح إلى عجز الولايات المتحدة عن إجبار أو إقناع الدول الكبرى الأخرى «فى أوروبا الغربية وروسيا والصين واليابان» بقبول ترتيب جديد للشرق الأوسط تحصل فيه هى وإسرائيل على نصيب الأسد. كانت بريطانيا «بقيادة تونى بلير» هى الدولة الكبرى الوحيدة التى وافقت على السير فى ركاب السياسة الأمريكية، ولكن حتى بلير رأى من مصلحته أن يقفز من السفينة الغارقة فى الوقت المناسب.

******
لابد أن بعض الرجال من ذوى المراكز المؤثرة فى المؤسسة الأمريكية «أى مجموعة أصحاب المصالح الكبرى المالية والصناعية والعسكرية» وأصحاب القرارات الأساسية فى توجيه السياسة الأمريكية، خارجيا وداخليا، قد أدركوا عندما حان موعد الاستعداد للحملة الانتخابية الأخيرة أن تغييرا حاسما فى أسلوب السياسة الأمريكية قد أصبح مطلبا ضروريا وعاجلا. العالم يتغير بسرعة، ومركز أمريكا فيه آخذ فى التدهور، من الناحية الاقتصادية، ولكن تدهور المركز الاقتصادى لابد أن يؤدى، مهما كانت قوة أمريكا العسكرية الآن، إلى التدهور السياسى والعسكرى أيضا. لابد إذن من العمل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

ولكن إسرائيل والصهاينة يرون أيضا، فضلا عن التدهور المنظم فى مركز أمريكا الاقتصادى فى العالم، أن النجاح الذى حققته إسرائيل فى الخمسين سنة التالية لإنشائها فى 1948، والتدهور المستمر فى قوة العرب، والضربات المتتالية التى تلقتها فكرة القومية العربية وحركة التوحد العربى، كل هذا يفرض على إسرائيل اتخاذ خطوات أخرى حاسمة: إما لوضع حد للمشكلة الفلسطينية بأسرها، أو على الأقل لإحراز مكاسب جديدة وسريعة نحو تحقيق الحلم النهائى: دولة إسرائيلية خالصة، تسيطر سيطرة تامة على المنطقة العربية المحيطة بها «بما فى ذلك المياه والبترول والغاز الطبيعى والأسواق».

فإذا كانت أمريكا التى ضمنت لإسرائيل الوجود ابتداء، ثم حمتها ودعمتها طوال أكثر من نصف قرن، تمر الآن بمرحلة انحسار واضح فى القوة والنفوذ، فما أجدر بإسرائيل من أن تحاول استغلال الحماية التى تقدمها أمريكا لها إلى أقصى درجة ممكنة قبل أن يحل اليوم الموعود، الذى يبدو أنه ليس هناك مفر منه، حين يتحول العالم إلى عالم متعدد الأقطاب تحتل فيه الولايات المتحدة مكانة لا تزيد عما تحتله بقية الأقطاب، ولا تستطيع فيه الولايات المتحدة أن تفرض إرادتها على الباقين، لصالح إسرائيل، كما دأبت على ذلك منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

******
نظر رجال المؤسسة الأمريكية «وفيهم أنصار إسرائيل والصهيونية»، فلاحظوا وجود رجل مدهش يريد أن يشتغل بالسياسة، وتتوافر له كل صفات الزعامة التى لم تتوافر لرئيس أمريكى سابق منذ جون كيندى: الجاذبية الشخصية، الثقة العالية بالنفس، الذكاء والثقافة الواسعة، وقدرة نادرة على الارتجال والخطابة المؤثرة. ها هو إذن رجل ملائم تماما للمرحلة الجديدة فى حياة الولايات المتحدة، وله فضلا عن ذلك زوجة ذات وجه بشوش وطفلتان لطيفتان يمكن أن تحولهم وسائل الإعلام بسهولة إلى مادة خصبة للترويج للرئيس الجديد وزيادة شعبيته. إنه من الممكن لهذا الرجل أن يخدم بشدة هدف تحسين صورة أمريكا فى العالم بعد أن تدهورت إلى درجة أضرت حتى بمبيعات الشركات الأمريكية الكبرى، مثل كوكاكولا وماكدونالدز، إذ إن من بين ما كان يخدم تصريف مثل هذه السلع اعتبارها رمزا لدولة جديرة بالاحترام والتقدير.

ولكن هذا كله ليس أهم ما فى باراك أوباما. فهو بالإضافة إلى ما سبق، إذ أصبح رئيسا، سيكون رئيسا «جديدا تماما» ويمكن أن تستخدم هذه الصفات الجديدة فيه لخدمات المصالح المطلوب تحقيقها فى المرحلة الجديدة. وأقصد بهذه «الصفات الجديدة» شيئين على وجه التحديد: اللون والتاريخ.

فالرجل أسمر، وهذا شىء مفيد جدا كرمز لديمقراطية الولايات المتحدة وتسامحها وعدم تعصبها واحترامها لحقوق الإنسان، ولابد أن يمس هذا عصبا حساسا لدى الملونين فى كل أنحاء العالم، بل ولدى كل المستضعفين فى الأرض، ناهيك عن الأفريقيين على وجه الخصوص الذين جاء من بينهم والد باراك أوباما.

أما التاريخ، ففضلا عن الأصل الأفريقى لأبيه، فإنه يشمل موضوع الدين. فالأب ليس فقط أفريقيا بل أيضا مسلم. صحيح أن باراك أوباما مسيحى الآن، ولكن الأصل الإسلامى واحتواء اسمه الكامل على اسم لا شك فى انتسابه للإسلام «حسين» يمكن استخدامه استخداما مفيدا لكسب تعاطف المسلمين فى كل مكان نحو الولايات المتحدة. والمسلمون الآن يحتلون أهمية أكبر من أى وقت مضى. فعددهم فى العالم نحو بليون ونصف البليون، أى ما يقرب من ربع سكان العالم، ويزيدون بمعدل أكبر بكثير من معدل الزيادة فى أصحاب الديانات الأخرى. وغالبيتهم العظمى تتركز فى منطقة تتحول بسرعة إلى أن أصبحت أكبر مصدر لقلق الولايات المتحدة، وهى جنوب شرق آسيا. فهناك تنمو مراكز قوية منافسة بشدة للاقتصاد الأمريكى، وفى المستقبل القريب، للقوة العسكرية الأمريكية أيضا. وحيث تنتقل مراكز القوة الاقتصادية والعسكرية تنتقل أيضا مطامح الدولة الإسرائيلية والصهيونية. فهكذا فعل الصهاينة لزيادة قوة تأثيرهم فى السياسة البريطانية عندما كانت بريطانيا تحكم العالم، وهكذا حولوا ولاءهم للولايات المتحدة عندما أصبحت الولايات المتحدة أقوى دولة فى العالم، فوجب الآن الاهتمام بمراكز القوة الجديدة الصاعدة فى جنوب شرق آسيا.

ولكن التركيز على الدين مفيد بوجه خاص، فى هذه المرحلة، لإسرائيل والصهيونية، إذا كان الهدف (كما تدل شواهد عديدة)» يتضمن تحويل إسرائيل إلى دولة يهودية صرف، بإخراج المسلمين منها وإلحاقهم بدول مسلمة. من الملائم إذن أن يصبح أساس التقسيم فى الشرق الأوسط دينيا لا قوميا. وأن تصور مشكلة القدس، طبقا للإخراج الجديد، ليس على أنها مشكلة حلول قومية محل أخرى، بل مشكلة ممارسة أصحاب كل دين من الأديان الثلاثة لدينهم بحرية، ولا يهم بعد ذلك ما إذا كانت القدس ستظل خاضعة للدولة الإسرائيلية، فالمهم هو التعبد وليس السيطرة السياسية، أو الحصول على إيرادات السياحة.

ليس من الصعب على خطيب مفوّه، وله هذا القدر من الجاذبية الشخصية أن يستخدم «صفاته» الإسلامية الاستخدام المفيد عند اللزوم «ونسيانها أيضا عند اللزوم». وقد جاء خطابه فى جامعة القاهرة مذهلا فى محاولته الاستفادة من هذا الجانب من تاريخه، ولكن كان من المذهل أيضا موقف الحاضرين، الذين تركوا لعواطفهم العنان مستسلمين لهذا الاستغلال الواضح للموقف لتحقيق مصالح، ذات ضرر بالغ بالمسلمين.

******
ما النتيجة المقصودة من هذا كله؟ النتيجة هى إعلان الموقف الأمريكى فى عهد الرئيس الجديد متضمنا تجديد الالتزام الأمريكى بدعم الأهداف الإسرائيلية، فيقطع دابر أى تكهنات قد تظهر لدى العرب أو الفلسطينيين حول إمكانية تحول الموقف الأمريكى لصالحهم. فبعكس ما فهم البعض من الممعنين فى التفاؤل، لا ينطوى الخطاب على أى «تحسن» فى الموقف الأمريكى من وجهة نظر العرب والفلسطينيين. فالخطاب يقول إنه لابد أن ينبذ الفلسطينيون العنف، وعلى العرب الاعتراف بقبول التعايش والتعامل مع إسرائيل دون أن تطالب إسرائيل بشىء غير عدم بناء مستوطنات جديدة، إذ يبدو أن ما بنته حتى الآن كاف تماما.

ولا ذكر بالطبع لحق الفلسطينيين المشردين فى العودة إلى بلادهم، فمشكلة الفلسطينيين ليست فى أنهم طردوا من بلادهم، بل فى أنهم ليس لديهم دولة خاصة بهم. فليعطوا إذن دولة، ولا يهم بعد ذلك طبيعة هذه الدولة أو حدودها أو صفاتها أو سلطاتها بل لا يهم ما إذا كان يمكن العبور من جزء منها إلى جزء آخر، ولا ذكر للحائط الذى بنته إسرائيل للفصل بين جزء وآخر من فلسطين...الخ

ليس لكل هذا ذكر فى هذا الخطاب «التاريخى». أما تظاهر وسائل الإعلام والسياسيين فى إسرائيل بالغضب من الخطاب ووصفهم له بأنه تنازل كبير لصالح الفلسطينيين، فليس إلا حيلة معروفة ومألوفة من جانب الإسرائيليين، الذين ينكرون أى مكسب يحققونه، ويتظاهرون بالبكاء عندما يكونون فى أشد الفرح، طمعا دائما فى المزيد.

الثلاثاء، 24 مارس 2009

«فى الثقافة المصرية» بعد خمسين عامًا .. الصراع الطبقى والثقافة فى مصر

الشروق - الثلاثاء 24 مارس 2009

باختصار شديد، كان الذى يقلق د. عبدالعظيم أنيس والأستاذ محمود أمين العالم، عندما نشرا كتابهما الشهير «فى الثقافة المصرية» فى 1955، هو مشكلة الصراع الطبقى، وكان موضوع شكواهما فى هذا الكتاب سكوت كبار المثقفين المصريين سكوتا شبه مطبق عن هذه المشكلة.

ولكن ظهور كتاب «فى الثقافة المصرية» فى ذلك الوقت كان مجرد مثل للظاهرة التالية: وهى أن يظهر كتاب مهم ليعالج قضية مهمة، فما يكاد الكتاب يظهر حتى يتبين أن القضية التى يعالجها قد زالت أو أوشكت على الزوال.

ذلك أن فصول الكتاب، كتبت بعد عامين من قيام ثورة يوليو 1952، ونشرت فى كتاب بعد ذلك بسنة أخرى. وكانت الثورة قد بدأت بعد أقل من ثلاثة أشهر من قيامها فى مواجهة قضية الصراع الطبقى بإصدار قانون الإصلاح الزراعى الشهير فى سبتمبر 1952، والذى أحدث تصحيحا جذريا لجانب مهم من جوانب الصراع الطبقى فى مصر، وإن كان الضباط الذين قاموا بحركة يوليو وبإصدار القانون، لم يكونوا قد سموا ما قاموا به «ثورة» بعد، بل سموه مجرد «حركة» أو «حركة مباركة».

كان لقانون الإصلاح الزراعى، بل ولمجرد إعلان الضباط عن عزمهم على التغيير الاجتماعى الشامل، أثر فورى على الإنتاج الثقافى فى مصر، لم يكن مؤلفا الكتاب يتوقعان حدوثه بهذه السرعة.

كانت الفترة «1955 ــ 1965» فترة ذهبية فى حياة الثقافة المصرية، وكان من الأسباب الرئيسية لهذا الازدهار، بلا أدنى شك، الكسر الذى أحدثته الثورة فى ذلك الحاجز الطبقى المنيع الذى كان يحرم شرائح واسعة ومواهب عظيمة من الظهور فى مختلف ميادين الثقافة (فى القصة القصيرة والرواية والمسرح والشعر والسينما والموسيقى والغناء بل وحتى الرقص)، هذا الكسر الذى ازداد أثره بظهور عدة قوانين اشتراكية مهمة بعد قانون الإصلاح الزراعى.

لا يخامرنى الشك أيضا فى أن أنيس والعالم لو كانا قد أخرا نشر كتابهما خمس سنوات فقط لما وجدا دافعا لنشره، (وعلى أى حال فإنهما ما كانا يستطيعان ذلك حتى لو أراد لوجودهما فى ذلك الوقت، ويا للغرابة، فى السجن!).

فى السنوات العشر التالية «1965 ــ 1975» أصاب الحياة فى مصر ركود شديد وباعث على الكآبة البالغة، كان أهم أسبابه بالطبع هزيمة 1967. ولم يحدث خلال هذه الفترة أى تغير مهم فى العلاقات الطبقية فى مصر، واتسم الإنتاج الثقافى فيها بهبوط وركود مماثلين، ربما كان يلخصهما أحسن تلخيص تحول يوسف إدريس من كتابة القصة القصيرة إلى كتابة المقال السياسى، مما دعا البعض إلى الحديث عن «نضوب موهبة يوسف إدريس».

ولكن الحياة الثقافية فى مصر دبت فيها الروح من جديد فى السنوات العشر التالية «1975 ــ 1985»، وإن كانت قد اكتسبت سمات جديدة تختلف كثيرا عن سماتها فى فترة «1955 ــ 1965» الذهبية. كان هناك نشاط فى الإنتاج الثقافى بلا شك ولكنه كان إنتاجا يستجيب لأذواق مختلفة تماما.

كانت هذه سنوات الانفتاح والهجرة والتضخم، تدفقت فيها الأموال على مصر من مختلف الجهات، وصعدت شرائح اجتماعية إلى أعلى وهبطت أخرى، وحدث رواج عام استجابت له أعمال ثقافية من نوع جديد، فى المسرح (مدرسة المشاغبين وفؤاد المهندس وعبدالمنعم مدبولى)، والسينما (خلى بالك من زوزو) والتليفزيون (رحلة المليون)، والغناء (عدوية) والرقص (نجوى فؤاد).. الخ.

لم يكن منتجو الثقافة فى ذلك الوقت يفتقرون إلى الموهبة بالطبع، ولكن الجمهور أصبح يطلب شيئا مختلفا، فاستجابوا إليه.

كان هناك فرح لا شك فيه، شعر به من نجح فى الصعود على السلم الاجتماعى، وكانوا كثيرين. كما أصبح فى أيدى هؤلاء الصاعدين القوة الشرائية اللازمة لدعم أعمال تعبر عن هذا الفرح. ولكن كانت هناك أيضا نغمة جديدة لم نعهدها من قبل تنطوى على سخرية طبقة أو «شرائح اجتماعية» صاعدة، من طبقة أو «شرائح اجتماعية» آخذة فى الهبوط.

وتعبر عن ثقة جديدة بالنفس لدى الصاعدين، هكذا كانت تقول سعاد حسنى فى «خلى بالك من زوزو» وعادل إمام وزملاؤه فى «مدرسة المشاغبين» ومحمد صبحى فى «رحلة المليون» وعدوية فى «السح الدح أمبو».. الخ.

فى هذه السنوات العشر «1975 ــ 1985»، كان هناك بالطبع من ينتقد بشدة ما يحدث فى المجتمع المصرى، وكثر الكلام عن «الطفيلية» و»الأعمال غير المنتجة» والإثراء السريع من أعمال السمسرة والمقاولات، والعمارات التى تسقط فور بنائها واستيراد الكماليات والمضاربة فى العملة.. الخ، ولكن هذا النقد لم يظهر فى الأعمال الأدبية والفنية بقدر ما ظهر فى المقالات والكتب السياسية والاقتصادية (من الاستثناءات القليلة الروايات الأولى لجمال الغيطانى ويوسف القعيد).

وكأن الغاضبين على الانفتاح كانوا يحتاجون لفترة أطول لفهم ما يحدث والتعبير عنه أدبيا وفنيا.

عندما وصلنا إلى منتصف الثمانينيات كان الانقسام الطبقى الجديد قد أصبح واضحا للجميع: طبقة ثرية جديدة حققت ثراءها من التضخم والهجرة والانفتاح، وبقية الناس الذين ضربهم التضخم ولم تتح لهم فرصة الهجرة أو الاستفادة من الانفتاح.

لمعت إذن فى السنوات العشر التالية «1985 ــ 1995»مواهب جديدة كانت معظم أعمالها تدور حول الآثار الاجتماعية السيئة للانفتاح ومعاناة الشرائح الدنيا من المجتمع من هذه الآثار، كان من بينها سلوى بكر التى كتبت فى تلك الفترة، قصصا قصيرة وروايات جميلة تدور حول هذا المعنى، كما ظهرت مجموعة رائعة من الأفلام الواقعية لخيرى بشارة وعاطف الطيب وداود عبد السيد وآخرين، وفى المسرح اتجه محمد صبحى اتجاها أكثر جدية وعمقا.

بعد مرور عشرين سنة على الانفتاح، لم يعد الانفتاح بدعة، ولا بدا أن من الممكن وضع حد له. وانضم إلى مصادر الثراء المهمة، عدا أعمال الوساطة المتصلة بالاستيراد والمقاولات والسمسرة، وضع اليد على أموال الدولة من أراض وودائع بنوك القطاع العام، واتضح الترابط الوثيق بين المسيطرين على النظام السياسى والمسيطرين على مصادر الثروة، مما سمح لأعمال من نوع جديد أن تظهر فى الأدب المصرى وفى المسرح والسينما، تتناول الأثرياء الجدد بنوع جديد من النقد، يتماشى مع التغيير فى مصادر الثروة، ويبرز قضية الصراع الطبقى الجديد بنجاح أكبر مما شهدناه عندما كنا أقرب عهدا بالأثرياء الجدد.

فى السنوات العشر الأخيرة ظهرت مثلا روايات حققت نجاحا باهرا، (لهذا السبب فى رأيى فضلا عن مستواها الفنى العالى)، كرواية نقطة النور لبهاء طاهر وعمارة يعقوبيان وشيكاغو لعلاء الأسوانى، وتاكسى لخالد الخميسى، كما حققت نجاحا باهرا مسرحيات قدمها شباب موهوبون على بعض مسارح الدولة فى داخل مجمع الأوبرا المصرية، وكذلك أفلام سينمائية من نوع جديد لمواهب شابة تتناول الواقع المصرى بذكاء وخفة دم وتتكلم بصراحة عن الواقع الطبقى الجديد فى مصر، كما لمعت فى الصحافة أقلام رجال ونساء موهوبين، ركزوا اهتمامهم على المفارقات الطبقية الصارخة التى أحدثها التحول الاقتصادى والاجتماعى منذ الانفتاح.

ومن اللافت للنظر الدور الذى لعبه الخطاب الدينى فى التعبير عن الصراع الطبقى الجديد فى مصر خلال الثلاثين عاما الأخيرة، مقارنة بدور الخطاب الدينى الذى كان سائدا وقت صدور كتاب أنيس والعالم واستمر خلال العقد التالى لصدور الكتاب «1955 ــ 1965» وهو العقد الذى وصفته بعقد الفترة الذهبية فى الثقافة المصرية.

كانت العدالة الاجتماعية جزءا أساسيا من خطاب سيد قطب الإسلامى، كما يتضح من اسم كتاب شهير له، وكان كتاب «من هنا نبدأ» لخالد محمد خالد، الذى استقبل استقبالا طيبا للغاية فى تلك الفترة، يفسر الإسلام تفسيرا متأثرا بشدة بالفكر الاشتراكى.

قارن هذا بخطاب الشيخ متولى الشعراوى الذى ساد فى السبعينيات والثمانينيات، فترة الانفتاح والهجرة والتضخم، حيث بدأ التركيز على ممارسة الشعائر، وفسرت هذه الشعائر تفسيرا محافظا، بدلا من التركيز على طبيعة التعاملات والعلاقات الاجتماعية، وقد سكت هذا الخطاب سكوتا تاما عن المفارقات الاجتماعية المتفاقمة، وعن نقد سياسة الدولة فى التعامل مع ظاهرة الفقر. كما مال هذا الخطاب فى ذلك الوقت إلى اعتبار الثراء دليلا على رضا الرب دون الخوض فى مصدر هذا الثراء.

فى العشرين سنة الأخيرة زاد الطابع «اليمينى» فى الخطاب الدينى، وهو ما يتضح من مسايرة كبار الشيوخ للخط الذى تتخذه الدولة فى السياسات الداخلية والخارجية، ومن شغل الناس بقضايا مدهشة لا صلة لها بواقع الناس المعيشى ومتاعبهم، يكاد يأبى القلم أن يذكرها (كحكم شرب بول النبى، أو إرضاع الكبير.. الخ).

وإصدار فتاوى تدين المصريين الذين يحاولون الهجرة غير القانونية إلى أوروبا بحثا عن مصادر للرزق لم تعد متاحة لهم فى مصر، وتصفهم بالجشع. ومن ناحية أخرى نمت التجارة فى الكتب التى تتكلم عن الحياة الأخرى أكثر مما تتكلم عن الحياة الدنيا، أو تفعل العكس بالضبط بحيث ترسم صورة زاهية للدين تنفى أى تناقض بينه وبين ممارسة متع الحياة، وهو خطاب أثبت أن له جاذبية شديدة لذوى الدخل المرتفع، أيضا بصرف النظر عن مصادر هذا الدخل.

*****
ما الذى كان عبدالعظيم أنيس ومحمود العالم سوف يثيرانه على الأرجح لو قدر لهما أن يكتبا الآن كتابا بنفس عنوان كتابهما الشهير الذى صدر منذ أكثر من نصف قرن: «فى الثقافة المصرية»؟ لم تعد قضية الصراع الطبقى منسية أو مطوية فى الثقافة المصرية كما كانت أيام الحكيم والعقاد وطه حسين، بل هى حاضرة ومشتعلة بشدة فى الخطاب العلمانى والدينى على السواء، وليس هناك أى شك فى الجانب الذى كان سينضم إليه الكاتبان العظيمان لو قدر لهما الحياة اليوم؟ ونفس الحماسة والحيوية اللتين كانا يتمتعان بهما فى 1955.
 

الثلاثاء، 17 مارس 2009

الجانب الأخلاقي لقضية التوريث

الشروق - الثلاثاء 17 مارس 2009

راعتنى جرأة الأستاذ جمال مبارك، نجل الرئيس، ورئيس لجنة السياسات بالحزب الوطنى، فى زيارته الأخيرة للولايات المتحدة.

الزيارة نفسها غريبة من البداية. فمنذ عدة سنوات لم يذهب الرئيس حسنى مبارك إلى الولايات المتحدة، فى زيارة رسمية أو غير رسمية، والزيارة الآن مهمة، بعد أن اعتلى الرئيس أوباما مقعد الرئاسة الأمريكية وبدأ يلتقى الرؤساء والملوك من مختلف أنحاء العالم.

فلماذا يذهب نجل الرئيس إلى أمريكا الآن، وبأى صفة؟ ولماذا ينظم له حوار فى أشهر قناة تليفزيونية فى العالم «CNN»، مع واحد من أشهر المحررين السياسيين الأمريكيين «فريد زكريا»؟ ولماذا يسأل كل هذه الأسئلة عن السياسات المصرية والعربية وعلاقتنا مع إيران ومشكلة الفلسطينيين.. إلخ ألأنه ابن الرئيس؟
فلماذا يكون لابن الرئيس صفة أهم من صفة بقية المصريين؟ أم لأنه أمين لجنة السياسات فى الحزب الحاكم؟ فما الذى جعله أمينا لهذه اللجنة من الأصل؟ هل هو كفاءته الظاهرة؟ هل هو ما أثبته من حساسية فائقة لقضايا الوطن وانشغاله بها؟ أم تصريحاته التى تنم عن فهم عميق لما يجرى فى مصر والعالم دون أن يعد له أحد هذه التصريحات وينبهه مسبقا إلى ما يجب أن يقوله؟

لا شىء من هذا يؤهله للزيارة أو هذا النوع من الحوار.

هل لأنه شاب طيب يجيد الإنجليزية؟ أظن أنه كذلك، ولكن كم مليونا هناك من الشباب المصريين الطيبين الذين يجيدون الكلام بالإنجليزية؟ يقول البعض: لماذا نحرم أى شاب مصرى، مثل جمال مبارك، من الخوض فى السياسة، فربما أثبت كفاءة محمودة وأنه أفضل من غيره؟ وهذا القول يثير الغيظ والحنق، إذ يكفى للرد عليه أن نقول: ولماذا نحرم ملايين الشباب المصريين ممن هم مثل أو أصلح من جمال مبارك، من هذه الفرصة الرائعة لحكم بلادهم؟

قد يقال: المهم أن تكون الانتخابات نزيهة نزاهة تامة، والاستفتاءات غير مزورة، وحينئذ لا مانع من أن يفوز جمال مبارك أو غيره بالرئاسة. والرد على ذلك: أين هذه النزاهة التامة والدولة كلها تشتغل لصالح جمال مبارك منذ سنوات لإعداده لهذه الدور؟ والإعلام الرسمى كله فى خدمته؟ أى فرص متكافئة تتاح فى هذا الأمر؟ وهذا هو مربط الفرس.

فالأمر واضح وضوح الشمس. أن الدولة كلها تعمل فى خدمة هذا المخطط، ونجاحه أو عدم نجاحه فى نظر الدولة يتوقف على رضا الولايات المتحدة أو عدم رضاها، ومن ثم تجرى الزيارة، ويذهب نجل الرئيس إلى الولايات المتحدة، فى ظل الإدارة الجديدة ليقول لها ما تحب أن تسمعه، ولا يؤخذ فى الاعتبار قيد أنملة مما يشعر به الناس فى مصر، ولا آراؤهم فيما يقال للإدارة الأمريكية، ولا ما إذا كان هذا الذى يقوله هو ما يحقق الصالح العام لمصر أو لا يحققه.

كل هذا واضح وضوح الشمس، فكيف يغيب هذا عن السيد جمال مبارك وعن والده الرئيس؟ فإذا كان هذا غائبا عن جمال مبارك فكيف يكون صالحا لوراثة المنصب؟

بصرف النظر عن كفاءته أو عدم كفاءته، إن هذا الموقف الذى اتخذه بقيامه بالزيارة تصرف يتنافى مع أبسط القواعد الأخلاقية، وهو عدم استغلال الشخص لمركز حصل عليه بمحض الصدفة لتحقيق مكاسب شخصية له وعلى حساب مصلحة أشخاص آخرين «تصادف أنهم فى هذه الحالة نحو ثمانين مليونا من المصريين».

وهذه الزيارة ليست إلا آخر حلقة من حلقات نفس الخروج على هذه القاعدة الأخلاقية. هذا الخروج الذى بدأ منذ بدء اعتلاء جمال مبارك لمناصب رسمية، دون أن يثبت أنه يحمل كفاءة تؤهلة لاعتلائها.

بل إن الأخلاق تفرض على الشخص، حتى لو كان يعتقد أنه كفء لاعتلاء هذه المناصب، أن يتنحى عنها ويرفض اعتلاءها لمجرد أن الصدفة أعطته ميزة استثنائية تجعل الفوز بالمنصب دون وجه حق أكبر من احتمال فوز غيره، ومن ثم يحتم عليه الواجب الأخلاقى ألا يخوض فى هذه الأمور.

هل هذا الكلام صعب فهمه حقا لدرجة أن يغيب عن جمال مبارك ووالده والمسئولين فى هذا البلد؟ 

الثلاثاء، 10 مارس 2009

«فى الثقافة المصرية» بعد خمسين عاماً

الشروق - الأربعاء 11 مارس 2009

من الشيق جدا أن نعيد التفكير فى كتاب «فى الثقافة المصرية» الشهير، الذى كتبه د. عبدالعظيم أنيس والأستاذ محمود العالم، اللذان رحلا عن عالمنا منذ أسابيع قليلة، وفى نفس الأسبوع، وأحدث ضجة كبيرة فى الحياة الثقافية المصرية و(العربية) لسنوات كثيرة، وذلك بعد أن مضى على صدوره نحو نصف قرن، ما الذى يمكن أن يكون عليه، ياترى، حكم المؤلفين الكبيرين على الحالة الثقافية فى مصر الآن بعد مرور كل هذا الوقت؟ هل يجب أنها تستحق اللوم بالقدر الذى استحقته فى 1955 عندما صدر هذا الكتاب؟ أم لوما أكثر أو أقل؟ أم أن الأمر قد اختلف جدا عما كان، ولم تعد القضية التى طرحاها فى 1955 مطروحة بالمرة الآن؟

إنى أميل إلى أن هناك بالطبع الكثير مما يستحق اللوم، بل اللوم الشديد فى حياتنا الثقافية الراهنة، ولكن أميل أيضا إلى أن القضية التى أثارها العالم وأنيس قد فقدت الكثير من أهميتها، بل أكاد أقول إنها فقدت كل أهميتها.

كانت القضية التى رفع لواءها ذلك الكتاب الصغير، موقف الأديب أو المثقف من القضية الاجتماعية وقضية الاستقلال الوطني، أو إلى أى مدى يعبر العمل الأدبى أو (الفنى) عن التزام مبدئى من جانب المؤلف لصالح الطبقات الأكثر فقرا، وينتصر للعدالة الاجتماعية والتحرر الوطنى، كانت شكوى المؤلفين من أن التيار السائد فى الثقافة المصرية لا يعبر عن هذا الالتزام، بل يسكت عنها سكوتا مشينا، لا يفيد منه إلا أصحاب الامتيازات الطبقية، ولا يؤدى إلا إلى بقاء الأشياء كما هى عليه، اجتماعيا وسياسيا.

كان هذا الحديث فى منتصف الخمسينيات معقولا جدا، ويمس مشكلة حقيقية، ولهذا تحمسنا للكتاب أشد الحماس، كان المؤلفان على صواب فى رد اعتبار أى عمل أدبى (واقعيا) لمجرد أنه يصف (واقعا) معينا، فالعبرة عندهما بأن يكون الواقع الموصوف مهما، فلا يشغل الكاتب قراءه، مثلا بوصف شريحة ضئيلة من الطبقة العليا، ويضفى أهمية على مشاكلها الصغيرة، ويترك المشاكل الملحة للغالبية العظمى من المصريين فلا يتعرض لها، هذا كلام فى محله تماما، ولكن هذين الكاتبين خانهما التوفيق فى ثلاثة أمور على الاقل:

الأمر الأول: أنهما لم يكتفيا بمطالبة كاتب الرواية أو القصة بأن يختار موضوعا مهما، وإلا حرماه من وصف أدبه بــ«الواقعى» بل أصرا على أن يكشف فى عمله عن إمكانات التطور والإصلاح، أو عن الاحتمالات «الثورية» فى هذا الواقع. أقرأ مثلا التعليق التالى لعبدالعظيم أنيس على رواية توفيق الحكيم البديعة «يوميات نائب فى الأرياف» إن د.أنيس يشيد بالبناء الفنى للرواية وبأهمية موضوعها، إذ تمس جوانب حقيقية من مؤسس الفلاحين، ولكنه يضيف: «ولكن، هل أدرك توفيق الحكيم أن هذا الواقع الذى تحدث عنه ليس جامدا ولا ساكنا، وإنما هو متغير ومتطور؟ هل فهم قوى الريف والمجتمع التى كانت تبشر من ذلك الحين بالقضاء على هذه الأوضاع المفزعة؟

الأمر الثانى: إن مراعاة ما ينصح به الكاتبان بحذافيره من شأنه أن يحرم الكتاب والقراء من مواهب حقيقية وقدرات أدبية فذة، لمجرد أن أصحابها لا يدينون بنفس الموقف السياسى الذى يدين به الناقدان، بل ربما لا تهمهم القضية السياسية أو الاجتماعية أصلا، إن الأستاذ محمود العالم يلوم توفيق الحكيم مثلا على أنه انحرف عن الطريق السليم بعد كتابته «عودة الروح» فيقول: «إن عودة الروح لم تشترك اشتراكا فعليا فى ثورة 1919، ولكنها عبرت عن مرحلة حاسمة من مراحل نموها القومى، و«بجماليون» وهو عنوان مسرحية تالية للحكيم، واسم بطلها، ثار على الحياة العاملة المنتجة وفضل عليها الخطوط الجامدة للتمثال، وبهذا عبر عن مرحلة حديثة من حياة توفيق الحكيم فى مواجهة تاريخنا القومى.

والسؤال هو: ما هو الضرر فى أن يكتب الحكيم مسرحية يضمنها رأيه فى بعض مشكلات الحياة، ولو كانت مشكلة فلسفية أو أخلاقية، دون أن يتعرض لمشكلة التفاوت الطبقى أو الاستقلال الوطنى؟ بل ألا تسهم هذه الأعمال التى يوصف بعضها بالرجعية فى هذا الكتاب، «ظلما فى رأيى» فى تنوير القراء ورفع التطور العقلى والثقافى للمصريين بضع خطوات مهمة إلى الأمام، وهو ما حدث بالفعل؟ إذ هل يمكن أن ينكر أحد دون هؤلاء الكتاب المصريين العظام الذين قادوا الحياة الثقافية فى مصر فى سنوات ما بين الحربين، فى إحداث نهضة ثقافية جبارة لابد أنها أسهمت أيضا فى تطوير عقلية«الثوريين» أنفسهم أو لم يرسخ هؤلاء الكتاب بكل أعمالهم الاجتماعية وغير الاجتماعية التى تتكلم عن الاستقلال الوطنى أو لا تتكلم عنه، زعامة مصر للحركة الثقافية فى العالم العربى فى النصف الأول من القرن العشرين؟

والأمر الثالث: إن المؤلفين لم يحاولا أن يشرحا أسباب ما اعتبراه قصورا فظيعا فى الإنتاج الثقافى لهؤلاء الكتاب. ولو كانا قد فعلا ذلك لتبين على الفور أن لهؤلاء الكتاب عذرا مهما لا يحتاجون معه لأى تأنيب للضمير أو للشعور بالذنب، لم تكن مصر فى فترة ما بين الحربين مؤهلة أو مستعدة بعد لخوض المعركة الاجتماعية (أى معركة صراع الطبقات) إذ كان الانشغال الأساسى بقضيتين: قضية جلاء الإنجليز (إذ أدرك المثقفون بحق أن أى إصلاح اجتماعى غير ممكن قبل الجلاء بسبب تحالف الإنجليز مع الملك والإقطاع» وقضية موقفنا من الحضارة الغربية إذ كانت هذه القضية التى أثارها رفاعة الطهطاوى قبلهم بقرن من الزمان، ما زالت مطروحة بقوة، بل بدرجة أكبر بسبب مجىء الاحتلال، وقد خاض معظم كتابنا الكبار فى هذه القضية فى فترة ما بين الحربين، بل فعلوا أكثر من مجرد طرحها طرحا نظريا، بأن قاموا بجهد رائع للتعبير عن موقف إيجابى، وسديد للغاية من الحضارة الغربية، بأن قدموا أعمالا ممتازة، علمية وأدبية، تنطوى على الانفتاح على الغرب دون التنكر للتراث، فقاموا بتطبيق المنهج العلمى الغربى فى البحث عن التراث العربى والإسلامى دون الإساءة إلى هذا التراث أو العبث به (يمكن بالطبع استثناء أعمال قليلة من ذلك الموقف)، فضلا عن القيام بترجمة أعمال أدبية وتاريخية رائعة من الغرب، بلغة عربية يندر العثور على مثيل لها فى ترجمات اليوم.

أما موقف هؤلاء الرواد من قضية الاستقلال الوطنى والجلاء، فربما كان الإنتاج الروائى فى هذا الميدان قليلا (الاستثناء البارز هو رواية عودة الروح للحكيم) ولكن الرواية والقصة ليستا كل الثقافة، فهناك الشعر، وقد قدم أحمد شوقى وحافظ إبراهيم قصائد رائعة فى هذا المجال، وهناك المسرح والغناء اللذان أبدعت فيهما قريحة سيد درويش ومواهب بديع خيرى ويوسف وهبى، وهناك النحت الذى أبدع فيه الفنان محمود مختار أعمالا وطنية رائعة... إلخ

نعم بوصولنا إلى أوائل الخمسينيات كان كل شىء ينبئ بأن القضية الطبقية قد قفزت إلى الصدارة. كانت اتفاقية الجلاء التى وقعت فى 1954 تنبئ بقرب انتهاء الاحتلال البريطانى، كما بدا من نجاح ثورة يوليو 1952وكأن قضية الموقف الأمثل من الحضارة الغربية يجب أن ينتقل من ميدان الكتابة إلى اتخاذ مواقف عملية فى تنمية الاقتصاد والتوسع فى التعليم...إلخ.

كان عبدالعظيم أنيس ومحمود العالم بإصدارهما كتاب «فى الثقافة المصرية» كمن يتنبأ بالغيب، فإذا بسيل من الأدب الواقعى ينهمر فى القصة (يوسف إدريس) والرواية (نجيب محفوظ) والمسرح (نعمان عاشور، وألفريد فرج وأيضا يوسف إدريس) والشعر (حجازى وعبدالصبور) بالإضافة إلى إبداعات الألحان والأغانى الشعبية (بليغ حمدى وكمال الطويل والموجى، ومرسى جميل عزيز... إلخ».

أصبح كتاب «فى الثقافة المصرية» كما لو كان لا يدعو إلى حدوث شىء معين، بل إلى الإعلان عن حدوثه بالفعل، وها قد مر أكثر من نصف القرن على حدوثه، فما الذى يمكن أن نقوله الآن فى تقييم الوضع الحالى للثقافة المصرية!